أخرج البخاري (^٣) ومسلم (^٤) كلاهما من طريق عَمْرَةَ بنتِ عبدِ الرحمن، أن زياد بن أبي سفيان (^٥) كتب إلى عائشة:
_________________
(١) أخرج الإمام أحمد في المسند (٣٣٥٥) حديثًا طويلًا عن أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس في مرض رسول الله ﷺ الذي مات فيه في بيت عائشة ثم ساق حديثًا برقم (٣٣٥٦) عن الأرقام بن شرحبيل قال: سافرت مع ابن عباس من المدينة إلى الشام فسألته أوصى النَّبِيّ ﷺ؟ فذكر معناه وقال: ما قضى رسول الله ﷺ الصلاة حتَّى ثقل جدًّا فخرج يهادي بين رجلين وأن رجليه لتخطان في الأرض فمات رسول الله ﷺ ولم يوصِ.
(٢) أخرجه مسلم في الوصية باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه (٤٢٣٠). علمًا بأن هذا الحديث أورده المؤلف بعد استدراكها الاستنجاء بالماء بدون عنوان ولذلك رأينا ذكره في هذا الباب.
(٣) أخرجه البخاري في الحج باب من قلد القلائد بيده (١٧٠٠).
(٤) أخرجه مسلم في الحج باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه (٣٢٠٥).
(٥) قال الحافظ: كذا وقع في الموطأ وكان شيخ مالك حدث به كذلك في زمن بني أمية، وأما بعدهم فما كان يقال له إلا زياد بن أبيه وقبل استلحاق معاوية له كان يقال له زياد بن عبيد وكانت أمه سمية مولاة الحارث بن كلدة الثقفي تحت عبيد المذكور فولدت زيادًا على فراشه فكان ينسب إليه، فلما كان في خلافة معاوية شهد =
[ ١٦٢ ]
"أن عبد الله بن عباس قال: "من أهدى هديًا، حَرُمَ عليه ما يَحْرُمُ على الحاج حتَّى يُنْحَرَ الهدي". وقد بعثت بهديي وقد بعثت بهديي فاكتبي إلي (^١) بأَمرك". قالت عمرة: قالت عائشة: "ليس كما قال ابن عَبَّاس، أنا فتلت قلائدَ هدي رسولِ الله ﷺ بيدي، ثم قلَّدها رسولُ الله ﷺ بيده، ثم بعث بها مع أبي بكر (^٢)، فلم يُحْرَمُ على رسول الله ﷺ شيءٌ أحله الله له حتَّى نُحِرَ الهدي".
وترجم عليه البخاري: (باب من قلد القلائدَ بيده) ولم يذكر فيه (وقد بعثثُ بهديي فاكتبي إليَّ بأمرك).
قال الحافظ أبو الحجاج المزي (^٣) ومِن خطه نقلت: "هكذا وقع في كتاب مسلم "أن ابنَ زياد" ووقع في جميع الموطئات (^٤): "أن زياد بن أبي سفيان" كما وقع في البخاري.
_________________
(١) = جماعة على إقرار أبي سفيان بأن زيادًا ولده فاستلحقه معاوية لذلك وزوج ابنه ابنته وأمر زيادًا على العراقيين البصرة والكوفة جمعهما له ومات في خلافة معاوية سنة ثلاث وخمسين. انظر "فتح الباري" ٣/ (١٧٠٠). وقال النووي في "شرح صحيح مسلم" ٩/ ٧٢: "إن ابن زياد" هكذا وقع في جميع نسخ صحيح مسلم: أن ابن زياد قال أبو علي الغساني والمازري والقاضي عياض وجميع المتكلمين على صحيح مسلم: هذا غلط وصوابه أن زياد بن أبي سفيان وهو المعروف بزياد بن أبيه وهكذا وقع على الصواب في صحيح البخاري والموطأ وسنن أبي داود وغيرها من الكتب المعتمدة، ولأن ابن زياد لم يدرك عائشة.
(٢) وقع في (أ) والنسخة المطبوعة: لي وهو خطأ، أثبتناه من (ب) ومسلم.
(٣) في: (ب) مع أبي بكر. ولفظ مسلم: مع أبي.
(٤) وقع في (أ) و(ب): المياسي، ولا نعلم حافظًا ولا عالمًا بهذه الكنية والنسبة. وزعمنا أنه أبو الحجاج المزي.
(٥) انظر: رواية يحيى بن يحيى ص ٣٤٠، ورواية محمد الشيباني ص ١٣٨ - ١٣٩ برقم (٢٩٨).
[ ١٦٣ ]
وأخرج البيهقي في "سننه" (^١) عن شُعيب قال: قال الزهري: أول من كشف الغُمّى عن الناس، وبيَّن لهم السنة في ذلك عائشة ﵂: فأخبرني عروة وعمرة أن عائشة قالت: "إن (^٢) كنت لأفْتِلُ قلائدَ هدي النَّبِيّ ﷺ فيبعث بهديه مقلَّدًا وهو مقيمٌ بالمدينة، ثم لا يجتنب شيئًا حتَّى ينحر هديه" فلما بلغ الناس قولَ عائشة هذا، أخذوا به وتركوا فتوى ابن عباس. قال البيهقي (^٣): روى في روى في هذا المعنى مسروق والأسود عن عائشة.
فإن قيل: فقد روي عن جابر خلاف ذلك، قال الطحاوي في "معاني الآثار" (^٤): حَدَّثَنَا ربيع المؤذن: حَدَّثَنَا أسد بن موسى حَدَّثَنَا حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة عن عبد الملك بن جابر عن جابر بن عبد الله قال: كنتُ عند النَّبِيّ ﷺ جالسًا، فقد قميصه من جيبه حتَّى أخرجه مِن رجليه، فنظر القومُ إلى النَّبِيّ ﷺ فقال: "إني أمرت ببُدني التي بعثتُ بها أن تُقلد اليومَ وتُشعر على مكان كذا وكذا، فلبست قميصي ونسيت، فلم أكن لأُخرج قميصي مِن رأسي" (^٥). وكان بعث ببُدنه وأقام بالمدينة. فالجواب أن هذا حديث ضعيف لا يُقاوم هذا الصحيح. قال البخاري (^٦): "عبد الرحمن بن عطاء فيه نظر" وقال الطحاوي: "قد تواتر الآثار عن عائشةَ بما لم تتواتَرْ عن غيرها بما يُخالف حديث جابر، وحديثُ عائشة إسنادُه صحيح بلا خلاف بين أهل العلم، ومعه النظر والمعنى.
_________________
(١) في ٥/ ٢٣٤ ولفظه: أول من كشف العمى عن الناس وبين لهم السنة في ذلك عائشة زوج النَّبِيّ ﷺ.
(٢) وقع في النسخة المطبوعة: إني وهو خطأ، أثبتناه من (أ) و(ب) والبيهقي.
(٣) في ٥/ ٢٣٤ من "السنن".
(٤) في "شرح معاني الآثار" ٢/ ٢٦٦.
(٥) وعند الطحاوي: من رأسي. في (أ) و(ب): ورائي وهو تحريف.
(٦) في "التاريخ الكبير" (٥/ ١٠٧٠).
[ ١٦٤ ]
قلت: ومما يضعف حديثَ جابر حديثَ يعلى بن مرة أن (^١) النَّبِيّ ﷺ لم يأمر صاحب الجبة إلا بنزعها (^٢).
وروى الطحاوي (^٣) عن يونس، حَدَّثَنَا ابن وهب أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيمَ التيمي،
عن ربيعة بن عبد الله بن الهُديْرِ أنه رأى رجلًا متجردًا بالعراق قال: فسألتُ الناسَ عنه فقالوا: "أمر بهديه أن يُقلد، فلذلك تجرد" قال ربيعة: "فلقيت عبدَ الله بن الزبير، فقال: "بدعةٌ وربُّ الكعبة" قال: ولا يجوزَ عندنا أن يكون ابن الزبير يَحْلِفُ على ذلك: إنه بدعة إلا وقد علم (^٤) السنةَ خلاف ذلك.