أخرج البخاري (^٤) ومسلم (^٥)، واللفظُ له، عن عَمْرَةَ بنتِ عبدِ الرحمن.
أنها سمعت عائشة - وذكر لها أن عبدَ الله بنَ عمر يقول: "إن الميتَ لَيعذَّبُ ببكاءِ الحيِّ" - فقالت عائشة: يَغْفِرُ الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكْذِبْ، ولكنه نَسِيَ أو أخطَأ، إنما مرَّ رسول الله ﷺ على يهودية يُبكى عليها، فقال: "إنهم ليبكون عليها، وإنَّها لتُعذَّبُ في قبرها".
_________________
(١) وقع في النسخة المطبوعة: في وهو تحريف، أثبتناه من (ب) والبخاري.
(٢) وقراءة عائشة بالتشديد كُذِّبوا قرأ بها أهل الحجاز والبصرة والشام وأما قراءة التخفيف فقد قرأ بها أهل الكوفة من القراء عاصم ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي، ووافقهم من الحجازيين أبو جعفر بن القعقاع، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس. . انظر: "حجة القراءات" لزَنْجلة تحقيق الأستاذ سعيد الأفغاني ﵀ ص ٣٦٦ - ٣٦٨ و"فتح الباري" (٨/ ٤٦٩٦).
(٣) كلمة استدراكها سقطت من (أ)، أثبتناها من (ب).
(٤) أخرجه البخاري في الجنائز باب قول النَّبِيّ ﷺ يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته (١٢٨٩).
(٥) أخرجه مسلم في الجنائز باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه (٢١٥٦).
[ ١٨٥ ]
ورواه مسلم (^١) أيضًا عن هشام بن عُروة عن أبيه نحوه بلفظ: "يرحم الله أبا عبد الرحمن، سمع شيئًا، ولم يحفظ، إنما مرَّت على رسول الله ﷺ جنازة يهودي وهم يبكون عليه، فقال: "أنتُمْ تبكون وإنه لَيُعذَّبُ".
واعلم أن تعذيبَ الميت ببكاءِ أهلهِ عليه رواه عن النَّبِيِّ ﷺ جماعة مِن الصحابة، منهم عمر (^٢) وابن عمر، وأنكرته عليهما عائشةُ، وحديثُها موافق لِظاهر القرآن وهو قولُه سبحانه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨] وموافق للأحاديثِ الأُخر في بكاء النَّبِيِّ ﷺ على جماعة مِن الموتى (^٣)، وإقراره على البكاءِ عليهم (^٤). وكان ﷺ رحمة للعالمين، فمحالٌ أن يفعل ما يكونُ سببًا لعذابهم، أو يقرّ عليه. وهذا مرجح آخر لِرواية عائشة، وعائشة جزمت بالوهم،
_________________
(١) أخرجه مسلم في الباب نفسه برقم (٢١٥٣).
(٢) تقدم في استدراكها على عمر في الحديث الأول، فراجعه.
(٣) نعم، بكى رسول الله ﷺ على جماعة من الموتى كما ثبت في الأحاديث: منهم: على ابنه إبراهيم: البخاري (١٣٠٣) و(١٣٠٤)، وعبد الرزاق (٣/ ٦٦٧٢)، وابن ماجه (١٥٨٩) على حفيده من زينب: البخاري (١٢٨٤ - ١٢٨٥)، ومسلم (٢١٣٥) على عثمان بن مظعون: ابن ماجه (١٤٥٦)، والترمذي (٩٨٩)، وأبو داود (٣١٦٣) على شهداء مؤتة: البخاري (١٢٤٦، ٢٧٩٨، ٣٠٦٣، ٣٦٣٠، ٣٧٥٧، ٤٢٦٢) على سعد بن عبادة: البخاري (١٣٠٤)، ومسلم (٢١٣٧) على أمه في زيارته قبرَها: النسائي (٢٠٣٦).
(٤) كما ثبت في حديث أبي هريرة عند النسائي (١٨٦٠) قال: مات ميت من آل رسول الله ﷺ فاجتمع النساء يبكين عليه فقام عمر ينهاهن ويطردهن فقال رسول الله ﷺ: دَعْهُنَّ يا عمر، فإن العين دامعة والقلب مصاب والعهد قريب. أخرج نحوه ابن ماجه برقم (١٥٨٧). وأخرج ابن ماجه أيضًا (١٥٩١) عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ مر بنساء عبد الأشهل يبكين هلكاهن يوم أحد. فقال رسول الله ﷺ: لكن حمزة لا بَوَاكي له، فجاء نساء الأنصار يبكين حمزة .. انظر ما أخرجه البخاري (١٢٩٩) ومسلم (٢١٦١) وقد يعد من إقراره ﷺ.
[ ١٨٦ ]
واللائق لنا في هذا المقام التأويلُ، وهو (^١) حملُ الأحاديثِ المخالفة لها؛ إما على مَنْ أوصى بذلك، فعليه إثمُ الوصيةِ بذلك لأنَّهُ قد تسبب إلى وجوده، وإما غيرُ ذلك مما ذكره العلماءُ في كتبهم، والذي يُؤكِّدُ قول عائشة في "وَهِم" قولها: "إنه ﵇ قال لرجل مات يهوديًا: "إن الميت ليعذب" (^٢) .. بلام العهدِ، فالظاهر أن ابنَ عمر خفيَ عليه موتُ اليهودي فحملها على الاستغراق. ونظيرُ هذا ما رُوي أنه ﷺ رأى تاجرًا يَبْخَسُ الناسَ في البيع. فقال: "التاجرُ فاجر" (^٣) يعني ذلك الرجل، فرواه بعضهم على أنه للاستغراق، ذكر هذا فخر الدين الرازي في بعض كتبه الأُصولية (^٤)، وجعله مِن أسباب الغلط في الرواية، ولا شكَّ أنه من أسبابه، لكن هذا الحديث ليس من هذا الباب، فإن في
_________________
(١) وقع في النسخة المطبوعة: وهل وهو تحريف، أثبتناه من (أ) و(ب).
(٢) أخرجه الترمذي في الجنائز باب ما جاء في الرخصة في البكاء على الميت (١٠٠٤) عن ابن عمر عن النَّبِيّ ﷺ قال: الميت يعذب ببكاء أهله عليه. فقالت عائشة: يرحمه الله لم يكذب ولكنه وَهِمَ، إنما قال رسول الله ﷺ لرجل مات يهوديًا: إن الميت ليعذب وإن أهله ليبكون عليه. قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن صحيح.
(٣) أخرجه أحمد في "المسند" (١٥٥٣٠) بلفظ: إن التجار هم الفجار، قيل: يا رسول الله، أوليس قد أحل الله البيع؛ قال: بلى ولكنهم يحدثون فيكذبون ويحلفون ويأثمون. حديث صحيح.
(٤) انظر: "المحصول في علم أصول الفقه" ٤/ ٣٠٤ تحقيق: طه جابر العلواني، ط ١٩٩٧. قال: ورابعها: أنه ربما خرج الحديث على سبب، وهو مقصور عليه، ويصح معناه به، وما هذا سبيله ينبغي أن يُروى مع سببه، فإذا لم يعرف [سببه] أوهم الخطأ: كما روى أنه ﵊ قال: "التاجر فاجرٌ" فقالت عائشة ﵂: إنما قال ذلك في تاجر دَلَّسَ. وذكر مثله صاحب "فيض القدير" ٦/ ٢١٦، كلاهما بدون إسناد، لذلك لم ينقله الزركشي هنا.
[ ١٨٧ ]
السنن: "التاجر فاجر إلا من برَّ وصدق" (^١) وهذا يدلُّ على إرادة الاستغراق لوجود الاستثناء فيه.