أخرجا (^٥) أيضًا عن منصور، عن مجاهد.
قال: "دخلتُ أنا وعروةُ بنُ الزبير المسجدَ، فإذا عبدُ الله بنُ عمر جالس إلى حُجرة عائشة، والناس يصلُّون الضحى في المسجد، فسألناه عن صلاتهم، فقال: "بدعة" (^٦) فقال له عُروة: "يا أبا
_________________
(١) أخرجه النسائي في المناسك باب موضع الطيب (٢٧٠٥).
(٢) أخرجه البخاري في الباب المذكور برقم (٢٧٠) ومسلم برقم (٢٨٤٢) في الباب المذكور.
(٣) في (ب) هنا: عن وليس في (أ) والصحيحين.
(٤) كما ورد في روايات النسائي.
(٥) أخرجه البخاري في العمرة باب كم اعتمر النَّبِيّ ﷺ (١٧٧٥) ومسلم في الحج باب بيان عدد عمر النَّبِيّ ﷺ وزمانهن (٣٠٣٧) واللفظ لمسلم. انظر: مسند أحمد (٢٤٢٧٩).
(٦) قال ابن حجر في "الفتح" ٣/ (١١٧٥) وروى ابن أبي شيبة (٢/ ٧٧٧٥) =
[ ١٨٩ ]
عبد الرحمن [كم] (^١) اعتمر رسول الله ﷺ "؟ قال: "أربعُ عُمَر، إحداهُن في رجب" فكرهنا أن نكذِّبَهُ ونردَّ عليه، وسمعنا استنان (^٢) عائشة في الحُجرة، فقال عروة: "ألا تسمعينَ يا أُمَّ المؤمنين إلى ما يقول أبو عبدِ الرحمنِ"؛ فقالت: "وما يقول؟ " قال: يقولُ: "اعتمر رسولُ الله ﷺ أربعَ عمر، إحداهن في رجب" فقالت: "يرحمُ الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر رسولُ الله ﷺ إلا وهو مَعَهُ، وما اعتمر في رجب قطُّ".
قال ابن الجوزي في "مشكله" (^٣): "سكوتُ ابن عمر لا يخلو مِن حالين: إما أن يكونَ قد شكَّ، فسكت أو أن يكونَ ذكر بعد النسيان، فرجع بسكوته إلى قولها وعائشة قد ضبطت هذا ضبطًا جيدًا، وقال أنس: "اعْتَمَرَ رسولُ الله
_________________
(١) = إسناد صحيح عن الحكم بن الأعرج عن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى قال: بدعة ونعمت البدعة، وروى عبد الرزاق (٣/ ٤٨٦٥) بإسناد صحيح عن سالم عن أبيه قال: لقد قتل عثمان وما أحد يسبحها، وما أحدث الناس شيئًا أحب إليّ منها. وقد جاء من طريق نافع أن ابن عمر كان لا يصلي الضحى إلا يوم يقدم مكة ويوم يأتي مسجد قباء كما أخرجه البخاري برقم (١١٩١) قال عياض وغيره: إنما أنكر ابن عمر ملازمتها وإظهارها في المساجد وصلاتها جماعة لا أنها مخالفة للسنة. ويؤيد ما رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٧٧٧٧) عن ابن مسعود أنه رأى قومًا يصلونها فأنكر عليهم وقال: إن كان ولا بد ففي بيوتكم.
(٢) سقط "كم" من (أ) و(ب)، أثبتناه من الصحيحين.
(٣) أي حس مرور السواك على أسنانها، انظر: "الفتح" (٣/ ١٧٧٦).
(٤) انظر: "كشف المشكل" ٤/ ٣٤٧.
[ ١٩٠ ]
ﷺ أربعَ عمر كُلُّها في ذي القعدة" (^١) وهذا الحديث يدلُّ على حِفظ عائشة وحُسن فهمها (^٢).
وقد جاء الإنكارُ عليه منها على وجهٍ آخر، أخرجه أبو داود (^٣) والنسائي (^٤) وابن ماجه (^٥) مِن جِهة مجاهد قال: سئل ابن عُمَرَ: كم اعتمر رسولُ الله ﷺ فقال: "مرتين" فقالت عائشة: "لقد علم ابن عمر أن رسول الله ﷺ قد اعتمر ثلاثًا سوى التي قرنها بحجةِ الوداع".
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الحديبية (٤١٤٨) (١٧٧٨ - ١٧٧٩) ومسلم في الحج باب بيان عدد عمر النَّبِيّ ﷺ وزمانهن (٣٠٣٣) وفيهما: كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته عمرة من الحديبية أو زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة وعمرة من الجعرانة، حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته. وأبو داود في المناسك باب العمرة (١٩٩٤) والترمذي في الحج باب ما جاءكم حج النَّبِيّ ﷺ (٨١٥) وأحمد في "المسند" (١٣٥٦٥) و(١٣٦٨٧).
(٢) قال ابن حجر في "الفتح" ٣/ ١٧٧٥: ولم تنكر عائشة على ابن عمر إلا قوله: "إحداهن في رجب" وقال النووي في شرحه ٨/ ٢٣٥ - ٢٣٦: قال العلماء: هذا يدلُّ أنه اشتبه عليه أو نسي أو شكَّ ولهذا سكت الإنكار على عائشة ومراجعتها بالكلام فهذا الذي ذكرته هو الصواب الذي يتعين المصير إليه .. وإنما اعتمر النَّبِيّ ﷺ هذه العمر في ذي القعدة لفضيلة هذا الشهر ولمخالفة الجاهلية في ذلك فإنهم كانوا يرونه من أفجر الفجور.
(٣) أخرجه أبو داود في المناسك باب العمرة (١٩٩٢).
(٤) أخرجه النسائي في الكبرى في الحج برقم (٤٢١٨).
(٥) أخرج ابن ماجه في المناسك باب العمرة في ذي القعدة (٢٩٩٧) عن مجاهد عن عائشة قالت لم يعتمر ل رسول الله ﷺ عمرة إلا في ذي القعدة. وليس في هذا الباب عند ابن ماجه عن مجاهد عن عائشة إلا هذا الحديث، ربما أخطأ المؤلف في عزوه إليه.
[ ١٩١ ]
وقد سبق أن البخاري ومسلمًا (^١) رويا حديثَ مجاهد عن عائشة (^٢)، وهو منها تصريحٌ بأنه سمع منها لا سيما على شرطِ البخاري (^٣)، لكن قال يحيى بن سعيد القطان: لم يسمع مجاهد مِن (^٤) عائشة، وكان شعبةُ بُن الحجاج يُنكره، وهو قولُ يحيى بن معين، وأبي حاتم الرازي أيضًا (^٥).
وفي هذا الحديث أمر آخر غير مخالفةِ ما سبق، وهو أن عائشةَ روت الإفرادَ عن النَّبِيِّ ﷺ (^٦)، لكن قال الطحاوي في "معاني الآثار" (^٧): "هذا لا ينافيه، فيجوز أن تكونَ قد علمت (^٨) أنه ﷺ ابتدأ، فأحرم بعمرة لم يقرنها
_________________
(١) وقع في (أ) و(ب): ومسلم، خطأ.
(٢) سبق تخريجه في التعليق (٥) ص ١٨٩.
(٣) في (ب) ومسلم.
(٤) في (ب): عن.
(٥) انظر في "الجرح والتعديل" (٨/ ١٤٦٩) ترجمة مجاهد بن جَبْر. وقال الذهبي في "السير" (٤/ ١٧٥) قال ابن المديني: سمع مجاهد عن عائشة وقال يحيى القطان: لم يسمع منها، ثم قال: قلت: بلى قد سمع منها شيئًا يسيرًا، وقال العيني في "عمدة القاري" ٨/ ٢٨٥ - ٢٨٦ في شرح حديث مجاهد (قوله: دخلت أنا وعروة) إلى آخره فيه دفع لما ذكره يحيى بن سعيد وابن معين وأبو حاتم في آخرين أن مجاهدًا لم يسمع من عائشة.
(٦) أخرجه مسلم في الحج باب بيان وجوب الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقرآن (٢٩٢١) عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أفرد الحج. والترمذي في الحج باب ما جاء في إفراد الحج (٨٢٠)، وأبو داود في المناسك باب إفراد الحج (١٧٧٧)، والنسائي في المناسك باب إفراد الحج (٢٧١٦)، وابن ماجه في المناسك باب الإفراد بالحج (٢٩٦٤ - ٢٩٦٥). وأحمد في "المسند" (٢٤٦١٥)، (٢٦٠٦٣) (٢٦٠٦٤).
(٧) في "شرح معاني الآثار" ٢/ ١٥٠.
(٨) نقل المؤلف هذه الجملة بالمعنى إذ ليست هذه في الطحاوي. وما وجدنا ما =
[ ١٩٢ ]
حينئذ بحجة، فمضى فيها على أن يَحُجَّ في وقت الحجِّ، فكان في ذلك متمتعًا بها، ثم أحرم بحجة منفردة في إحرامه بها، لم يتبدئ معها إحرامًا بعمرة، فصار بذلك قارنًا لها إلى عمرتهِ المتقدمةِ، فقد كان في إحرامه على أشياءَ مختلفة: كان في أوّله متمتعًا، ثم محرمًا بحجة أفردها في إحرامه تلزمه (^١) مع العمرة التي كان قَدَّمها، فصار في معنى القارن والمتمتع. وأرادت عائشة بالإفراد خلافًا للذين رووا أنه ﵇ أهلَّ بهما جميعًا". اهـ.