قال أبو عَروبة (^١) أيضًا: حدثنا جدي عمرو بنُ أبي عمرو قال: حدثنا أبو يوسف يعقوبُ بنُ إبراهيم قال: حدثنا الكلبي، عن أبي صالح.
عن أبي هريرة قال: "لأن يمتلئ جوفُ أحدكم قيْحًا ودمًا خيرٌ له مِن أن يمتلئ شعرًا" فقالت عائشة ﵂: "لم يحفظ الحديث، إنما قال رسولُ الله ﷺ: "لأن يمتلئَ جوفُ أحدكم قيحًا ودمًا خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا هُجيتُ به" (^٢).
_________________
(١) = حبان في "الصحيح": "الإحسان" ٣/ (١١٦١)، والبيهقي في "السنن" ١/ ٣٠٠ - ٣٠١، وابن ماجه (١٤٦٣)، وأحمد في "المسند" (٧٧٧٠) و(٧٧٧١) و(٩٦٠١) و(٩٨٦٢) و(١٠١٠٨)، وعبد الرزاق ٣/ (٦١١٠).
(٢) هو الحافظ الإمام محدث حرَّان الحسين بن محمد بن أبي معشر مودود السلمي الحراني المتوفى سنة ٣١٨ هـ، صاحب التاريخ، انظر لترجمته "تذكرة الحفاظ" ٢ / (٧٧٠).
(٣) قال ابن حجر في "الفتح" ١٠/ (٦١٥٥): وأخرجه الطحاوي وابن عدي من رواية ابن الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة مثل حديث الباب. قال: فقالت عائشة لم يحفظ إنما قال: من أن يمتلئ شعرًا هجيت. به وابن الكلبي واهي الحديث، وأبو صالح شيخه ما هو الذي يقال له السمان المتفق على تخريج حديثه في الصحيح عن أبي هريرة، بل هذا آخر ضعيف يقال له باذان فلم تثبت هذه الزيادة قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ٣/ (١١١١) بعد هذا الحديث: باطل بزيادة هجيت به .. الكلبي هو محمد بن السائب أورده الذهبي في "الضعفاء" وقال: كذبه زائدة وابن معين وجماعة. =
[ ٢٢٢ ]
وقد أخرج الشيخان (^١) حديث أبي هريرة من جهة الأعمش عن أبي صالح عنه، وأخرجه مسلم (^٢) من حديث سعد بن أبي وقاص، وأخرجه البزار (^٣) من حديث عمر.
قلت: وقد تابع عائشةَ على رواية هذه الزيادة جابر بن عبد الله، أخرجه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" (^٤) من جهة أحمد بن محرز الأزدي (^٥) عن محمد بن المنكدرِ، عن جابر مرفوعًا بلفظ: "خَيْرٌ له مِنْ أن يَمْتلئ شِعرًا هُجِيتُ به" (^٦).
_________________
(١) = وقال ابن الأثير في "جامع الأصول" ٥/ ١٦٧، وذكر رَزِين في كتابه قال: وزاد النسائي: وساقه عن عائشة: "هجيت "به وأنكر ابن معين هذه الزيادة ولم أجد هذه الزيادة ولا الحديث بأسره في كتاب النسائي الذي قرأت ولعله قد وقع له في بعض النسخ فأثبته.
(٢) أخرجه البخاري في الأدب باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن (٦١٥٥) ومسلم في الشعر باب في إنشاد الأشعار وبيان أشعر الكلمة وذم الشعر (٥٨٩٣).
(٣) أخرجه مسلم في الباب نفسه (٥٨٩٤). وأحمد في "المسند" (١٥٠٦ - ١٥٠٧) و(١٥٣٥) و(١٥٦٩).
(٤) في "البحر الزخار" ١ (٢٤٧) وليس فيه: هجيت. به قال: وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن إسماعيل عن عمرو بن حريث عن عمر موقوفًا ولا نعلم أسنده إلا خلاد. وهو في "مجمع الزوائد" ٨/ ١٢٠، "كشف الأستار" ٢/ (٢٠٩٠)، "جامع المسانيد (١٨/ (٣٩٩).
(٥) في "المسند" (٤/ ٢٠٥٦). قال ابن حجر في "الفتح" ١٠/ (٦١٥٥): وفي إسناده راوٍ لا يعرف.
(٦) أحمد بن محرز جاء ذكره في "لسان الميزان" لابن حجر (٦١٤) وقال بعد أن أورد إسناد أبي يعلى: وأحمد بن محرز لم أقف له على ترجمة فلعله من تغيير بعض الرواة والنضر بن محرز مجهول لا يحتج به.
(٧) قال الألباني في "الضعيفة" ٣/ (١١١١) أخرجه العقيلي في "الضعفاء" ص ٤٣٥ وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ١٧/ ٢٨٥/ ٢ عن النضر بن محرز عن محمد =
[ ٢٢٣ ]
قال السهيلي في "الروض" (^١): وذكر ابن وهب في "جامعه": "أن عائشةَ ﵂ تأولت هذا الحديث في الأشعار التي هُجِي بها النبيُّ ﷺ: وأنكرت قولَ من حمله على العُموم في جميع الشعر" قال السهيلي: "وإذا قلنا بذلك فليس في الحديث إلا عيبُ امتلاءِ (^٢) الجوفِ منه وأما رواية اليسير على جهة الحكاية والاستشهاد على اللغة، فلم يدخل في النهي". قال: وقد رد أبو عبيد (^٣) على من تأول الحديث في الشعر الذي هُجي به النبي ﷺ وقال: "رواية نصف بيت مِن ذلك الشعرِ حرامٌ فكيف يخصُ امتلاء الجوف منه بالدم؟ ".
قال السهيلي: "وعائشة أعلم منه، فإن البيت والبيتين والأبيات مِن تلك الأشعار على جهة الحكاية، بمنزلة الكلام المنثور الذي ذموا به رسول الله ﷺ، لا فرق" وجعل ذلك عذرًا لابن إسحاق (^٤) في ذكر بعض أشعار الكَفَرة من الهجو (^٥). انتهى.
_________________
(١) = ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ. وقال العقيلي: النضر بن محرز لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به، وإنما يعرف هذا الحديث بالكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
(٢) في "الروض" ٥/ ٧٣ - ٧٤.
(٣) وقع في النسخة المطبوعة: امتلأ وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه. وفي غريب الحديث ١/ ٣٦ - ٣٧ قال أبو عبيد: والذي عندي في هذا الحديث غير هذا القول، لأن الذي هجي به النبي ﷺ ولو كان شطر بيت لكان كفرًا. فكأنه إذا حمل وجه الحديث على امتلاء القلب منه أنه قد رخص في القليل منه ولكن وجهه عندي أن يمتلئ قلبه من الشعر حتى يغلب عليه فيشغله عن القرآن وعن ذكر الله فيكون الغالب عليه من أي الشعر كان فإذا كان القرآن والعلم الغالبين عليه فليس جوف هذا عندنا ممتلئًا من الشعر ٣٦/ ١ - ٣٧.
(٤) في النسخة المطبوعة: أبو عبيدة وهو تحريف أثبتناه من (أ) و(ب). انظر: غريب الحديث ١/ ٣٦ - ٣٧.
(٥) هو محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار، وقيل: ابن كُوثان العلامة الحافظ الأخباري أبو بكر، وقيل: أبو عبد الله القرشي المطلبي مولاهم المدني، صاحب السيرة النبوية المتوفى سنة ١٥٠ (أو ١٥١ أو ١٥٢ - ١٥٣) له ترجمة حافلة في "السير" ٧/ (١٥).
(٦) في "الروض" ٥/ ٧٣ - ٧٤.
[ ٢٢٤ ]
والصواب تحريم حكاية هجو النبي ﷺ قليلهِ وكثيره، والحديث لعله خَرَجَ على مَنْ امتلأَ بذلك، فلا يكون له مفهوم في عدم ذمِّ القليل. وأيضًا فالمحذورُ في الكثير موجودٌ في القليل بعينه، فتأويلُ عائشة مستقيم إن شاء الله ولا يَرِدُ ما فهمه أبو عبيد ولا السهيلي.