قال الطحاوي في "مشكل الآثار" (^١): حَدَّثَنَا صالح بن (^٢) عبد الرحمن، حَدَّثَنَا أبو عبد الرحمن المُقرئ (^٣): قال: حَدَّثَنَا ابن لَهِيعة، عن يزيدَ بن أبي حبيب، عن مَعْمَرٍ بن أبي حيية (^٤). قال:
سمعت عبيدَ بنَ رِفاعة الأنصاري يقول: كنا في مجلس فيه زيدُ بن ثابت، فتذاكروا الغسلَ مِن الإنزال فقال زيد: "ما على أحدكم إذا جَامَعَ، فلم يُنزل إلا أن يغسل فرجَه ويتوضأ وضوءَه لِلصلاة" (^٥)
_________________
(١) هذا وهم من المؤلف ﵀ والطحاوي لم يخرجه في "شرح مشكل الآثار" وإنما هو عنده بسنده ومتنه في "شرح معاني الآثار" ١/ ٥٨. ورواه في "شرح مشكل الآثار" (٣٩٦٥) من طريق ابن أبي داود حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن نُمَيْر أخبر عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن حبيب عن معمر بن أبي حبيبة عن عبيد بن رفاعة بن رافع بن رافع عن أبيه وهو حديث صحيح أخرجه أحمد برقم (٢١٠٩٦) انظر تمام تخريجه فيه.
(٢) في (ب): عن، خطأ.
(٣) في (أ): المعرى، في (ب): المقرى وفي النسخة المطبوعة: المصري وهو تحريف. والصواب هو: المقرئ كما في (ب) والطحاوي. وأبو عبد الرحمن المقرئ هو عبد الله بن يزيد المخزومي المدني المقرئ الأعور مولى الأسود بن سفيان من شيوخ مالك، ثقة من السادسة. انظر: "تحرير تقريب التهذيب" ٢/ ٣٧١٣.
(٤) كذا في (أ): "حُيَيَّة" وفي التهذيب (٢٨/ ٣٠٢) وتحرير تقريب التهذيب ٣/ ٦٨٠٨ معمر بن أبي حبيبة (وكذلك عند الطحاوي) ويقال: ابن أبي حُيَيَّة. وفي (ب): حبة، خطأ.
(٥) قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه في شرح مشكل الآثار (٣٩٦٥): كان المجامع في أول الإسلام إذا لم ينزل لا يجب عليه الاغتسال، وإنما يكفيه الوضوء، ثم نسخ ذلك بوجوب الاغتسال إذا جاوز الختانُ الختانَ سواء أكان معه إنزال أو لم يكن، والدليل على النسخ قول أبي بن كعب إن الفتيا التي كانوا يفتون: أن الماء من الماء، =
[ ١٤٦ ]
فقام رجلٌ مِن أهل المجلس، فأتى عمرَ فأخبره بذلك، فقال عمر للرجل "اذهبْ أنتَ بنفسك، فأتني به حتَّى تكونَ أنت الشاهدَ عليه" فذهب فجاءَه به، وعند عمرَ ناسٌ من أصحاب رسول الله ﷺ منهم عليُّ بن أبي طالب ومعاذُ بن جبل، فقال له عمر: أي (^١) عُدي نفسه تفتي الناسَ بهذا؟ " فقال زيد: "أما والله ما ابتدعتُه ولكن سمعتُه مِن أعمامي رفاعةَ بن رافع ومن أبي أيوب الأنصاري.
فقال عمر لمن عنده أصحاب رسول الله ﷺ: "ما تقولون"؟ فاختلفوا عليه فقال عمر: "يا عبادَ اللهِ قد اختلفتُم (^٢) وأنْتُم أهلُ بدرٍ الأخيار " فقال له علي: "فأرسل إلى أزواج النَّبِيِّ ﷺ فإنه إن كان شيءٌ مِن ذلك ظَهَرْنَ عليه" فأرسل إلى حفصة فسأَلها، فقالت: "لا عِلْمَ لي بذلك" ثم أرسل إلى عائشة فقالت: "إذا جاوز الخِتانُ الخِتانَ، فقد وَجَبَ الغسلُ". فقال عُمَرُ عندَ ذلك: "لا أعلم أحدًا فعله، ثم لم يغتسل إلا جعلته نكالًا".
أخرجه مسلم في "الصحيح" (^٣) لكن لم يذكر أن عمر هو السائل، بل ذكر
_________________
(١) = كان رخصة في أول الإسلام ثم نهى عنها. وهو حديث صحيح مخرج في ابن حبان (١١٧٣) و(١١٧٩) بتحقيق الشيخ.
(٢) في (أ): أم عدّى نفسه وفي (ب): أم عديّ، خطأ، وفي الطحاوي: أنت عدو نفسك؛ أي: يا عدو نفسه.
(٣) عند الطحاوي بدلًا من "قد اختلفتم" وردت: فمن أسأل بعدكم.
(٤) أخرجه مسلم في الحيض باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين (٧٨٥) ودوامه: فأُذِن لي، فقلت لها: يا أماه - أو يا أم المؤمنين - إني أريد أن أسألك عن شيء وإني استحييكِ، فقالت لا تستحِ أن تسألني عما كنت سائلًا عنه =
[ ١٤٧ ]
عن أبي موسى الأشعري قال: اختلف رهطٌ من المهاجرين والأنصار فقال الأنصاريون: "لا يَجِبُ الغسلُ إلا من (^١) الدفقِ أو مِن الماء". وقال المهاجرون: "بل إذا خالط، فقد رجب الغسل". فقال أبو موسى: "أنا أَشْفِيكُمْ مِن ذلك" فقمتُ فاستأذنتُ على عائشة .. الحديث بنحو (^٢) ما سبق (^٣) وقالت: "إذا جاوز الختانُ الختانَ، فقد وجب الغسلُ" فقال أبو موسى: "لا أسألُ عن هذا أحدًا بعدَك" (^٤).
قال أبو عمر بنُ عبد البر: هذا وإن لم يكن مسندًا بظاهره، فإنه يدْخُلُ في المسند (^٥). . ثم قال: وقد روى حديثَها هذا عنها مسندًا إلى النَّبِيّ ﷺ ثم
_________________
(١) = أمك التي ولدَتكَ، فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطتَ، قال رسول الله ﷺ: إذا جلس بين شُعَبِها الأربع ومَسَّ الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل.
(٢) وقع في النسخة المطبوعة: في وهو تحريف، أثبتناه من (أ) و(ب) ومسلم.
(٣) أثبتناه من (ب).
(٤) قلت الوجه أن يذكر هذا الحديث إما في استدراكها على زيد بن ثابت وإما في استدراكها على أبي موسى الأشعري، لأن عمر ليس إلا مستثبتًا، والسيدة عائشة استدركت على فتوى زيد وأجابت لسؤال أبي موسى الأشعري.
(٥) من قولها: "وقالت إذا جاوز" .. إلى "لا أسأل عن هذا أحدًا بعدك" لم يرد في رواية مسلم، وجدناه في الموطأ في الطهارة باب واجب الغسل إذا التقى الختانان ٧٣، ص ٤٦ وفي مُسند الشافعي ١/ ١٥٨ وفي مصنف عبد الرزاق (١/ ٩٥٤) عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب بزيادة كلمة "أبدًا" في آخره.
(٦) في الاستذكار (٣/ ٢٨٥٣) زيادة بعد هذا: بالمعنى والنظر. لأنَّهُ محال أن ترى عائشة نفسها حجة على غيرها من الصحابة في حين تنازعهم واختلافهم في هذه المسألة النازلة بينهم ومحال أن يسلم أبو موسى لعائشة قولها من رأيها في مَسْألَة قد خالفها فيها من الصحابة غيرها برأيها، لأن كل واحد منهم ليس حجة على صاحبه عند التنازع في الرأي، فلم يبق إلا أن تسليم أبي موسى لها كان لعلمه أن ما احتجت به كان عن رسول الله. انظر أيضًا "التمهيد" (٢٣/ ٥٠٧) له.
[ ١٤٨ ]
ذكره إلى أبي موسى، عن عائشة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "إذا التقى الختانان وَجَبَ الغسل" (^١).
وقد نازعه الشيخُ الإمامُ عزُّ الدين بنُ عبد السلام ﵀ فيما وجدتُه بخط بعضِ تلامذته وقال: "ليس ما ذكره أبو عنه عمر أولًا وهو قولُه "إذا جاوزَ" هو ما ذكره. ثانيًا (^٢) من قوله: "إذا التقى الختانانِ" فكيف يَصِحُّ منه أن يقول وقد روى حديثها هذا، ويُشير إلى ما اشترطت فيه المجاوزة، ولم يذكر ما لم يشترط فيه المجاوزة. فيجبُ أن يُحمل قولُ عائشة: "إذا جاوز" على حكايةِ فعلها مع رسول الله ﷺ لا على قولِ النَّبِيّ ﷺ، بدليل قولها لما سمعت قضاءَ علي للمهاجرين بإيجاب الغسل من التقاء الختانين: ربما فعلنا ذلك أنا ورسول الله فقمنا واغتسلنا" (^٣) ولا يُحمل فعلها إلا على الجماع الكاملِ، لا
_________________
(١) أخرجه ابن حبان (٣/ ١١٨٣) عن هشام عن حميد عن أبي بردة عن أبي موسى عن عائشة، إسناده صحيح. وأخرجه الطبراني في معجمه الأوسط (٧/ ٧١١٩) وقال: لم يرو هذا الحديث عن أبي بردة إلا حميد بن هلال ولا عن حميد إلا هشام ولا عن هشام إلا الأنصاري. وأخرج الحديث من جهة عبد العزيز بن النعمان عن عائشة أحمد في "المسند" (٢٦٠٢٥) وعبد الرزاق عن عطاء (٩٤٥)، وابن أبي شيبة عن علي (٩٣٣) ومسروق (٩٣٥) وابن ماجه عن القاسم بن محمد عن عائشة بهذا اللفظ (٦٠٨).
(٢) في (ب): ثابتًا.
(٣) وقع في النسخة المطبوعة: "ولما فعلنا ذلك بإذن رسول الله تيممنا واغتسلنا" وهو تحريف فاحش. والصواب ما أثبتناه من كل من (أ) و(ب) ومصنف عبد الرزاق (١/ ٩٥٥) ولفظه: عبد الرزاق عن معمر قال أخبرني من سمع أبا جعفر يقول: كان المهاجرون يأمرون بالغسل، وكانت الأنصار يقولون: الماء من الماء، فمن يفصل بين هؤلاء؟! وقال المهاجرون: إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل، فحكَّموا بينهم علي بن أبي طالب فاختصموا إليه فقال: أرأيتم لو رأيتم رجلًا يدخل ويخرج أيجب عليه الحد؟ قال: فيوجب الحد ولا يوجب عليه صاعًا من ماء؟ فقضى للمهاجرين، فبلغ ذلك عائشة فقالت: ربما فعلنا ذلك أنا ورسول الله ﷺ فقمنا واغتسلنا. =
[ ١٤٩ ]
على مجرد التقاء الختانين، لبُعد ذلك. ولعل جميعَ ما ذكر عَن المهاجرين مِن الصحابة كابنِ عمر وعلي وغيرهم في قول كل واحد منهم: "إذا جاوز الخِتانُ الخِتانَ" نقلًا من كل منهم لما ذَكَرَتْهُ عائشةُ حاكيةً عن الفعل المذكور، لا عن القول. وكذلك قولُها لأبي سلَمة لما سألها: ما يوجبُ الغسل؟ فقالت: "يا أبا سلمة مَثَلُكَ مَثَلُ الفروجِ يسمعُ الديكَة تصرخ، فيصرخ معها، إذا جاوز الختانُ الختان، فقد وجبَ الغسل" (^١) وإن لم يُحمل قولها على حكايةِ الفعل، وقولُ الصحابة على حكاية قولها، أدى إلى إلغائه بالكليةِ لثبوتِ الرواياتِ الصحيحةِ عنه ﷺ في قوله: "إذا التقى الختانانِ، فقد وَجَبَ الغسلُ" ولمخالفة اشتراط المجاوزة لإجماع العلماء (^٢). اهـ.
وقد تكلمتُ على علل هذا الحديث، ومتابعة غير عائشة على رواية هذا عن النَّبِيِّ ﷺ غيرهَا من الصحابة في الثالث من باب الغسل من "الذهب الإبريز في تخريج أحاديث فتح العزيز".
_________________
(١) أخرجه مالك في الطهارة باب واجب الغسل إذا التقى الختانان برقم ٧٢، ص ٤٦ عن أبي سملة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: سألت عائشة زوج النَّبِيّ ﷺ، ما يوجب الغسل؟ فقالت: هل تدري ما مثلك يا أبا سلمة؟ مثل الفروج، يسمع الديكة تصرُخُ فيصرخ معها. إذا جاوز الختان الختان فقد رجب الغسل. وأخرجه البيهقي في "السنن" ١/ ١٦٦.
(٢) قال النووي في شرحه ٤/ ٣٦: اعلم أن الأمة مجتمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع وإن لم يكن معه إنزال وعلى وجوبه بالإنزال. وكان جماعة من الصحابة على أنه لا يجب إلا بالإنزال ثم رجع بعضهم وانعقد الإجماع بعد الآخرين. وقال الشوكاني في "نيل الأوطار" ١/ ٢٢١: (والحديث) ورد بلفظ المجاوزة وبلفظ الملاقاة وبلفظ الملامسة وبلفظ الإلزاق، والمراد بالملاقاة المحاذاة قال القاضي أبو بكر: إذا غابت الحشفة في الفرج فقد وقعت الملاقاة. قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي حاكيًا عن ابن العربي: وليس المراد حقيقة اللمس ولا حقيقة الملاقاة وإنما هو من باب المجاز والكناية عن الشيء بما بينه وبينه ملابسة أو مقاربة وهو ظاهر.
[ ١٥٠ ]