قال أبو داود الطيالسي في "مسنده" (^١): حَدَّثَنَا محمدُ بنُ راشد، عن مكحول قال:
قيل لعائشة: إن أبا هريرة يقول: قال رسولُ الله ﷺ: "الشؤمُ في ثلاثةٍ: في الدارِ والمرأةِ والفرسِ" فقالت عائشةُ: "لم يحفظ أبو هريرة، إنه دخل ورسولُ الله ﷺ يقول: قاتلَ الله اليهودَ يقولون: الشؤْمُ في ثلاثة: في الدار والمرأة والفرسِ، فسمع آخِرَ الحديث ولم يَسْمَعْ أَوَّلَه".
ومحمدُ بنُ راشد وثقه أحمدُ وغيره، ولكن الشأنَ (^٢) في الواسطة بين مكحول وعائشة. وقد قال ابن أبي حاتم في "المراسيل" (^٣): "حَدَّثَنَا أبي قال سألتُ أبا مسهر (^٤): "سمع مكحولٌ من أحد مِن (^٥) أصحاب النَّبِيّ ﷺ؟ " قال: "ما صح عندنا إلا أنس بن مالك" قلت: "واثلة؟ " فأنكره (^٦).
_________________
(١) في "المسند" ص ٢١٥ برقم (١٥٣٧). قلت: إسناده ضعيف لأن مكحولًا لم يسمع من عائشة.
(٢) في النسخة المطبوعة: الشك وهو تحريف، أثبتناه من (أ) و(ب).
(٣) "المراسيل" ص ٢١١.
(٤) وقع في النسخة المطبوعة من المراسيل لابن أبي حاتم: أبا سهر وهو تحريف لأنَّهُ هو عبد الأعلى بن مسهر أبو مسهر الدمشقي. انظر في "الجرح والتعديل" (٦/ ١٥٣).
(٥) من سقط من النسخة المطبوعة، أثبتناه من (أ) و(ب).
(٦) وقال في "الجرح والتعديل" (١٨٦٧): مكحول الشامي. . روى عن أنس =
[ ٢٠٧ ]
وقد جاءَ الإنكار على وجه آخر: قال الإمام أحمد في "مسنده" (^١): حَدَّثَنَا روح، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة، عن أبي حسان أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: "إن أبا هريرة يُحدث أن نبي الله ﷺ كان يقول: "إنما الطِّيَرَةُ في المرأةِ والدابةِ والدار. قال فطار شِقّة منها في السماء وشِقّة منها في الأرض (^٢) وقالت: "والذي أنزلَ القرآنَ على أبي القاسم ما هكذا كان يقولُ، ولكن كان نبيُّ الله ﷺ يقول: كان أهلُ الجاهلية يقولون: الطِّيَرَةُ في المرأةِ والدَّابةِ والدارِ.
_________________
(١) = ابن مالك وأبي هند الداري وواثلة بن الأسقع وأم الدرداء الصغرى .. وقال: حدثني أبي قال: سمعت أبا مسهر الدمشقي وسألت هل سمع مكحول من أصحاب النَّبِيّ ﷺ فقال سمع من أنس .. فقلت: فواثلة بن الأسقع؟ فقال: من [رواه]؟ فقلت: حَدَّثَنَا أبو صالح كاتب الليث قال: حدثني - معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن مكحول قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع، فكأنه أومأ برأسه، كأنه قبل ذلك]. وأخرج الترمذي في صفة القيامة باب لا تظهر الشماتة لأخيك (٢٥٠٦) عن مكحول عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحَمه الله ويبتليك. ثم قال: هذا حديث حسن غريب. ومكحول قد سمع من واثلة بن الأسقع وأنس بن مالك وأبي هند الداري ويقال إنه لم يسمع من أحدٍ من أصحاب النَّبِيّ ﷺ إلا من هؤلاء الثلاثة ..
(٢) أخرجه أحمد في "المسند" (٢٦٠٨٨). إسناده صحيح على شرط مسلم. أبو حسان - وهو الأعرج -. من رجاله، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين. روح: هو ابن عبادة، وقد سمع من سعيد - وهو ابن أبي عروبة - قبل الاختلاط. انظر تمام تخريجه في "المسند" (٢٦٠٣٤).
(٣) قال السندي: قوله: فطارت شقة، بكسر فتشديد، أي قطعة، وهذا مبالغة في الغضب والغيظ، يقال: قد انشق فلان من الغيظ: كأنه امتلأ باطنه به حتَّى انشقّ، ولعل هذا الغضب ليس لتكذيب أبي هريرة فيما روى، بل لبيان أنه ﷺ قاله إخبارًا عما كان الأمر عليه في الجاهلية، بمعنى أن الطيرة كانت في الجاهلية في هذه الأمور، فروى أبو هريرة على وجه يوهم أن هذا الأمر حق، وهذا خطأ منه في التأويل، فغضبت لذلك والله تعالى أعلم. انظر في التعليق على (٢٥١٦٨) في المسند.
[ ٢٠٨ ]
ثم قرأت عائشة ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] وأبو حسان اسمُه: مسلم الأحرد (^١) يروي عن ابن عباس وعائشة.
قال بعض الأئمة: وروايةُ عائشة في هذا أشبهُ بالصوابِ إن شاء الله لموافقته نهيه ﵊ عن الطِّيرة نهيًا عامًا، وكراهتِها وترغيبهِ في تركها بقوله: "يَدْخُلُ الجنةَ سبعون ألفًا بغيرِ حساب وهُم الذين لا يكتوون ولا يسْتَرقون، وعلى رَبِّهم يتوكلون" (^٢) واستدراكها على أبي هريرة في هذا مِن جنس استدراكها على ابن عمر في البكاء على الميت، بمعنى أن ذلك كان في واقعةٍ خاصة لا على العمومِ.
فإن قيل: فإن غيرَها من الصحابة يروي الإثبات وعائشة نافية، والإثباتُ مقدم على النفي، ولهذا قال ابن عبد البر بعد هذا: "وأهل العلم لا يرون الإنكارَ علمًا، ولا النفي شهادةً ولا خبرًا". وقد أخرجه البخاريُّ (^٣) ومسلم (^٤) من حديث ابن عمر بألفاظ، ومنها: أن رسولَ الله ﷺ قال: "لا عدوي ولا طِيَرَة، وإنما الشؤمُ في ثلاثةٍ (^٥): المرأة والفرس والدار".
_________________
(١) وقع في النسخة المطبوعة: الأجرد وهو تحريف، أثبتنا من (أ) و(ب). وهو أبو حسان الأعرج الأحرد، البصري، مشهور بكنيته واسمه: مسلم بن عبد الله. انظر: "تحرير تقريب التهذيب" (٤/ ٨٠٤٦).
(٢) قد ثبت الحديث بهذا المعنى من طرق مختلفة كما يلي: عن عمران بن الحصين: أخرجه البخاري (٥٧٠٥)، ومسلم (٥٢٤ - ٥٢٥)، وأحمد (١٩٩١٣، ١٩٩٦٦، ١٩٩٨٤)، وعن ابن عباس أخرجه البخاري (٥٧٥٢، ٦٤٧٢، ٦٥٤١)، ومسلم (٥٢٧)، والترمذي (٢٤٤٦)، وأحمد (٢٩٥٢) و(٢٤٤٨)، وعن ابن مسعود: أخرجه أحمد (٣٨٠٦، ٣٨١٩، ٤٣٣٩).
(٣) أخرجه البخاري في الطب باب الطيرة (٥٧٥٣).
(٤) أخرجه مسلم في السلام باب الطيرة والفأل، وما يكون فيه الشؤم (٥٨٠٤ - ٥٨٠٥).
(٥) وقع في (ب): في كما في رواية البخاري المذكورة. وهو لا يوجد في (أ) ولا في رواية مسلم.
[ ٢٠٩ ]
وأخرجاه (^١) أيضًا مِنْ حديثِ سهل بن سعد، وأخرجه مسلم عن جابر (^٢).
وقال الترمذي (^٣) بعدَ أن أخرج حديثَ ابن عمر، وفي الباب (^٤) عن سهل بن سعد وعائشة وأنس.
قلنا: ليس هذا من باب تعارضِ النفي والإثباتِ، بل مِن بابِ الزيادة المعتبرة (^٥) في الحكم، فتقبل باتفاق. لكن كلامُ الترمذي يقتضي أن عائشة روته أيضًا (^٦)، فعلى هذا روايتُها مع الجماعة أولى مِن روايتها على الانفراد، كما رجحوا بذلك في مواضع على أنه قد جاءَ عن أبي هريرة خلافُ ما سبق، قال أحمد في "مسنده" (^٧): حَدَّثَنَا خَلَف بنُ الوليد، حَدَّثَنَا أبو معشر، عن
_________________
(١) أخرجه البخاري في النكاح باب ما يتقى من شؤم المرأة وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] (٩٠٩٥) عن سهل بن سعد: أن رسول الله ﷺ قال: إن كان في شيء ففي الفرس والمرأة والمسكن. انظر (٢٨٥٩). ومسلم في السلام باب الطيرة والفأل وما يكون فيه الشؤم (٥٨١٠) عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: إن كان، ففي المرأة والفرس والمسكن، يعني الشؤم.
(٢) أخرجه مسلم في الباب المذكور برقم (٥٨١٢) عن الجابر قال رسول الله ﷺ: إن كان في شيء ففي الربع والخادم والفرس.
(٣) أخرجه الترمذي في الأدب باب ما جاء في الشؤم (٢٨٢٤).
(٤) وقع في النسخة المطبوعة: وفي الثاني وهو تحريف، أثبتناه من (ب) و(أ).
(٥) وقع في النسخة المطبوعة: المفيدة وهو تحريف، أثبتناه من (ب) و(أ).
(٦) أخرجه الإمام أحمد برقم (٢٤٥٤٧) حَدَّثَنَا أبو اليمان ومحمد بن مصعب، قالا: حَدَّثَنَا أبو بكر بن عبد الله عن حبيب من عبيد قال: قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ: الشؤم سوء الخلق. إسناده ضعيف. فيه انقطاع وضعف. حبيب بن عبيد، وهو الرحبي الحمصي، لم يسمع من عائشة، وأبو بكر بن عبد الله وهو ابن أبي مريم الغساني ضعيف، ومحمد بن مصعب: هو القرقساني فيه ضعف كذلك، لكنه قد توبع، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٤٣٥٧) وأبو نعيم في "الحلية" (١٠/ ٢٤٩).
(٧) أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (٧٨٨٣) وقوله هنا: قلت إذًا أقول على رسول الله ﷺ يقول .. إسناده ضعيف بسبب ضعف أبي معشر وفيه أيضًا انقطاع.
[ ٢١٠ ]
محمد بن قيس، قال: سئل أبو هريرة: "هل سمعتَ مِن رسول الله ﷺ: الطِّيرَةُ في ثلاثٍ في المسكنِ والفرسِ والمرأةِ؟ " قال: "قلت: إذا (^١) أقولُ على رسول الله ما لم يَقُلْ، ولكن سمعتُ رسولُ الله ﷺ يقول: "أصدقُ الطِّيرَةِ الفألُ، والعينُ حقٌّ" (^٢).
وأما ابن الجوزي في "المشكل" فأنكر على عائشة هذا الردَّ، وقال: "الخبرُ رواه جماعة ثقات، فلا يُعتمد على ردها". والصحيح أن المعنى: إن خيف من شيء أن يكون سببًا لما يخاف شره ويتشاءَم به، فهذه الأشياءُ، لا على السبيل التي تظنها الجاهلية مِن العدوى والطِّيرة، وإنما القَدَرُ يجعل للأسباب تأثيرًا.
وقال الخطابي (^٣): "لما كان الإنسانُ في غالب أحوالهِ لا يستغني عن دارٍ يسكنها وزوجة يعاشرها، وفَرَسٍ يرتبِطُه، وكان لا يخلو مِن عارض مكروه، أضيف اليُمْنُ والشؤم إلى هذه الأشياء إضافة محلٍ وظرفٍ، وإن كانا صادرين عن قضاءِ الله". قال: وقد قيل: "إن شؤم المرأة ألَّا تَلِدَ، وشؤمَ الفرس ألَّا يُحْمَلَ عليها في سبيلِ الله، وشؤمَ الدَّارِ سوءُ الجوار" (^٤).
_________________
(١) في النسخة المطبوعة: فكنت وهو تحريف، أثبتناه من (أ) و(ب).
(٢) انظر أيضًا: ما أخرجه البخاري في الطب باب الطيرة (٥٧٥٤) وباب الفأل (٥٧٥٥ - ٥٧٥٦) ومسلم في السلام باب الطيرة والفأل وما يكون فيه الشؤم (٥٧٩٨ - ٥٨٠٣).
(٣) في معالم السنن ٤/ ٢١٨ قال الخطابي: وأما قوله: إن تكن الطيرة في شيء ففي المرأة والفرس والدار، فإن معناه إبطال مذهبهم في الطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء ونحوها، إلا أنه يقول إن كانت لأحدكم دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس لا يعجبه ارتباطه فليفارقها بأن ينتقل عن الدار ويبيع الفرس، وكان محلّ هذا الكلام محلّ استثناء الشيء من غير جنسه وسبيله سبيل الخروج من كلام إلى غيره وقد قيل إن شؤم الدار ضيقها وسوء جوارها، وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها وشؤم المرأة أن لا تلد. انظر الجامع لمعمر بن راشد (١٠/ ١٩٥٢٧).
(٤) قد نقله المؤلف قول ابن الجوزي وقول الخطابي من "كشف المشكل" لابن الجوزي ٢/ ٢٦٨.
[ ٢١١ ]