قال الحاكم في "مستدركه" (^٤) في كتاب العتق: أخبرنا أبو بكر أحمدُ بنُ إسحاق: أنا محمدُ بنُ إسحاق: أنا محمدُ بنُ غالب: حَدَّثَنَا الحسنُ بن عمر بن شقيق: حَدَّثَنَا سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة قال:
بلغ عائشة أن أبا هريرة يقول: إن رسول الله ﷺ قال: "لأن أُمَتَّعَ (^٥)
_________________
(١) أخرجه الطيالسي في "المسند" برقم (١٤٠٠).
(٢) في (ب): هريرة.
(٣) في النسخة المطبوعة: أي وهو تحريف، والمثبت من (ب).
(٤) في "المستدرك" ٢/ ٢١٥.
(٥) في النسخة المطبوعة: أقنع وهو تحريف، والمثبت من (أ) و(ب).
[ ٢١٣ ]
بسوطٍ في سبيلِ الله أحبُّ إليَّ من أن أُعْتِقَ ولَدَ الزّنى" وأن رسول الله ﷺ قال: "وَلَدُ الزِّنى شرُّ الثلاثة" و"إنَّ الميت يعذَّبُ ببكاءِ الحي" فقالت عائشة: رَحِمَ الله أبا هريرة أساءَ سمعًا، فأساءَ إجابة: أما قوله: "لأن أُمتَّعَ (^١) بسوط في سبيل الله أحبُّ إليَّ مِن أن أُعتِق ولد الزِّنى" إنها لما نزلت ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١١ - ١٣] قيل: "يا رسولَ الله ما عندنا ما نعتِقُ، إلا أنَّ أحدَنا له الجاريةُ السوداءُ تَخْدِمُه، وتسعى عليه، فلو أمرناهُن، فزنين، فجئن بأولاد فأعتقناهم". فقال رسولُ الله ﷺ: "لأن أُمتع (^٢) بسوط في سبيل الله أحبُّ إليَّ من أن آمر بالزنى، ثم أُعتق الولد".
وأما قوله: "ولدُ الزنى شرُّ الثلاثة" (^٣) فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل مِن المنافقين يؤذي رسولَ الله ﷺ فقال: "من يَعْذِرُني مِن فلان؟ "
_________________
(١) في النسخة المطبوعة: أقنع وهو تحريف، والمثبت من (أ) و(ب).
(٢) المرجع السابق.
(٣) أخرجه أبو داود في العتق باب في عتق ولد الزنا (٣٩٦٣) حَدَّثَنَا إبراهيم بن موسى قال: أخبرنا جرير عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ولد الزنا شر الثلاثة. وقال أبو هريرة لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إليَّ من أن أعتق ولد زِنْيةٍ. وأخرجه أحمد في "المسند" (٨٠٩٨) عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ولد الزنا أشر الثلاثة. وأخرج الحاكم ٢/ ٢١٥ من جهة أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة به مرفوعًا.
[ ٢١٤ ]
قيل: "يا رسول الله إنه مع ما به ولَدُ زنى" فقال: "هو شرُّ الثلاثة" (^١) والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وأما قوله: "إن الميتَ يُعذب ببكاءِ الحي" فلم يكن الحديث على هذا ولكن رسولَ الله ﷺ مرّ بدارِ رجلٍ من اليهود قد مات، وأهله يبكون عليه، فقال: "إنهم ليبكون عليه وإنه ليعذب" (^٢) والله يقول: ﴿لَا يُكَلَّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
_________________
(١) قال الطحاوي في شرح مشكل الآثار، باب بيان مشكل ما رواه أبو هريرة عنه ﵇ أنه قال: "ولد الزنى شر الثلاثة" (٢/ ٩٠٩ - ٩١٠) فسأل سائل: فقال: كيف يكون أولاد الزنى الذين لا أفعال لهم في الزانين ممن هم منه ممن كان منه الزني، وأعظم ذلك. فكان جوابنا له أن أبا هريرة نقل عنه هذا الحديث لما ذكرنا، وقد روي عن عائشة إنكارها ذلك عليه، وإخبارها أن النَّبِيّ ﵇ إنما كان قصد بذلك القول إلى إنسان بعينه لمعنى كان فيه يبين به عن سائر أولاد الزناة. ثم ساق الطحاوي الحديث من جهة صالح بن شعيب بن أبان البصري بنفس السند وقريبة الألفاظ من رواية الزركشي ثم قال: فكان في هذا الحديث من رسول الله ﷺ دفع لما في حديث أبي هريرة الذي رويناه قبله، وكان الذي في هذا الحديث أشبه برسول الله ﷺ مما في حديث أبي هريرة لأن الله قال في كتابه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقال: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم: ٣٩ - ٤١] فكان ولد الزنى ليس ممن كان له في زنى أمه، ولا في زنى الزاني بها حتَّى حملت به منه سعي، وبان لنا بحديث عائشة أن قول رسول الله ﷺ الذي ذكره عنه أبو هريرة: "ولد الزنى شر الثلاثة" إنما كان الإنسان بعينه كان منه من الأذى لرسول الله ﷺ ما كان منه مما صار به كافرًا شرًا من أمه، ومن الزاني بها الذي كان حملها به منه.
(٢) تخريج الأحاديث في هذا الموضوع تقدم في استدراكها على عمر بن الخطاب وابن عمر.
[ ٢١٥ ]
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (^١). وعن الحاكم: أخرجه البيهقي في "سننه" (^٢) في كتاب الأيمان في باب عتق ولد الزنى، ثم قال: "وسلمةُ الأبرش يروي مناكير". قال الذهبي في "مختصره": هو مختلف فيه، وقد وثقه أبو داود (^٣). قال البيهقي: ورُوي عن أبي سليمان الشامي بردِ بن سنان، عن الزهري، عن عائشة في إعتاق ولد الزنى.
وأخرج عن سفيان عن هشام عن أبيه عن عائشة، قالت في ولدِ الزنى: "ليس عليه مِن وِزرِ أبويه شيء، لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْر أُخْرى" قال: وروي مرفوعًا ولم يصح (^٤).
ثم أخرج عن إسحاق السلولي: حَدَّثَنَا إسرائيل، عن إبراهيم عن محمد بن قيس، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "ولد الزنى شرُّ الثلاثة إذا عمل بعملِ أبويه" وقال: ليس بالقوي (^٥). وقد روي مثلُه بإسناد ضعيف من حديث ابن عباس (^٦).
_________________
(١) في "المستدرك" ٢/ ٢١٥. قال الذهبي: وسلمة لم يحتج به مسلم وقد وثق وضعفه ابن راهويه.
(٢) في "السنن" ١٠/ ٥٨.
(٣) في "تحرير" تقريب التهذيب" (٢/ ٢٥٠٥): بل ضعيف يعتبر به في الحديث، قويٌّ في المغازي فهو صاحب مغازي ابن إسحاق، وتدل دراسة ترجمته وروايته على صحة هذا الحكم الذي قلناه انظر أيضًا: "ميزان الاعتدال" (٢/ ٣٤١٠).
(٤) قال البيهقي في "السنن" ١٠/ ٥٨: رفعه بعض الضعفاء والصحيح موقوف.
(٥) في "السنن" ١٠/ ٥٨. قد أخرج الإمام أحمد في "المسند" (٢٤٧٨٤) عن جهة إسرائيل قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بن إسحاق عن إبراهيم بن عبيد بن رفاعة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: هو شر الثلاثة إذا عمل بعمل أبويه، يعني ولد الزنى. إسناده ضعيف جدًّا، فيه إبراهيم بن إسحاق وهو متروك.
(٦) رواه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٠٦٧٤)، والأوسط (٧٢٩٤) وفيه محمد بن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ ومندل وثق وفيه ضعف. انظر: "مجمع الزوائد" ٦/ ٢٥٧. وأخرجه البيهقي في "السنن" ١٠/ ٥٨ وقال: هذا إسناد ضعيف.
[ ٢١٦ ]
وقال صاحب "الاستذكار" (^١): قد أنكر ابن عباس على مَنْ روى في ولد الزنى "أنه شَرُّ الثلاثةِ" وقال: "لو كان شرُّ الثلاثة ما استؤني بأُمِّه أن تُرْجَمَ حتى تَضَعَه" (^٢). رواه ابن وهب عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وقد ذكرناه في "التمهيد" بإسناده.
وقال في باب حَدِّ الزنى: وقولُ أُم سلمة: "يا رسول الله أَنَهْلِكُ وفينا الصالحون؟ " قال: "نَعَمْ إِذا كَثُرَ الخَبَثُ" (^٣) الخبث في هذا الحديث عند أهل العلم أولاد الزِّنى، وإن كانت اللفظة محتملة لذلك ولغيره. هذا لفظه وهو غريب.
وأخرج النسائي (^٤) مِن حديث شعبة عن منصور، عن سالم، عن نبيط بن شريط عن جابان.
عن عبد الله بن عمرو (^٥): أن رسول الله ﷺ قال: "لا يدْخُلُ الجنةَ ولَدُ زِنية"، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (^٦).
_________________
(١) في "الاستذكار" لابن عبد البر ٢٣ / (٣٤٠٠٦ - ٣٤٠٠٧).
(٢) في "التمهيد" لابن عبد البر ٢٤/ (١٣٦).
(٣) هذا اللفظ الذي ساقه المؤلف إنما ورد في حديث أم حبيبة عن زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ، أخرجه مسلم في الفتن باب اقتراب الفتن (٧٢٣٥ - ٧٢٣٧) والترمذي في الفتنِ باب ما جاء في خروج يأجوج ومأجوج (٢١٨٧)، والنسائي في الكبرى (١١٣١١) وابن ماجه (٣٩٥٣)، وأحمد في "المسند" (٢٧٤١٣ - ٢٧٤١٤، ٢٧٤١٦) وفيه تمام تخريجه وأما حديث أم سلمة فقد أخرج الإمام أحمد عنها في هذا الموضوع بلفظ آخر برقم (٢٦٥٢٧) و(٢٧٣٥١) كما يلي: قال رسول الله ﷺ: "إن السوء إذا فشا في الأرض فلم يُتناه عنه أنزل الله ﷿ بأسه على الأرض. قالت: قلت يا رسول الله وفيهم الصالحون؟ قال: نعم، وفيهم الصالحون يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يقبضهم الله ﷿ إلى مغفرته ورحمته إسناده ضعيف.
(٤) أخرجه النسائي في العتق برقم (٤٩١٤) من جهة عبد الله بن عمرو. وانظر أيضًا (٤٩١٥ - ٤٩١٨) و(٤٩٢٥).
(٥) وقع في (أ) و(ب) والنسخة المطبوعة: عبد الله بن مسعود وهو خطأ. أثبتناه من النسائي.
(٦) انظر: "الإحسان" ٨/ (٣٣٨٣) عن جابان عن عبد الله بن عمرو قال: قال =
[ ٢١٧ ]
وقال الحافظ أبو الحجاج المِزِّي في "الأَطراف" (^١): قال البخاري: لا يُعْرَفُ لجابان سماعٌ مِن عبد الله، ولا لسالم من جابان، ولا نبيط قال: وقد رُوِيَ عن عبد الله بن عمرو قوله.