إنكارها عليه الرُّؤية: أخرج الترمذي (^٢) في التفسير مِن جهة سَلم بن جعفر هو البَكراوي (^٣) عن الحكم بن أبان، عن عكرمة:
قال ابن عَبَّاس: "رأى مُحمَّدٌ ربَّه" فقلت: "أليس الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال: "ويحك، ذاك إذا تجلَّى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى محمد (^٤) ربه مرتين".
وقال: حسن غريب. وقال شيخنا عماد الدين بن كثير: "سلم (^٥) بن جعفر ليس بذاك المشهور، والحكم بن أبان وثَّقه جماعة" وقال ابن المبارك: "ارم به" اهـ.
_________________
(١) في السنن ٣/ ٤٠١. ولفظ البيهقي في السنن فالذي باع عبد الله بن أبي بكر وتصدق بثمنه هو الحلة والحلة عندهم ثوبان والذي قال القاسم أن بقاياه عندنا هو الثوب الثالث الذي زعموا أنه كفن فيهما وفيه.
(٢) أخرجه الترمذي في تفسير القرآن باب ومن سورة والنجم (٣٢٧٩).
(٣) وقع في النسخة المطبوعة: مسلم بن جعفر هو البغدادي وهو تحريف. إنما هو سَلْم بن جعفر البكراوي كما في (أ) و(ب) انظر: "ميزان الاعتدال" (٢/ ٣٣٦٨) و"تهذيب التهذيب" ٤/ ١٢٧ - ١٢٨ و"تحرير تقريب التهذيب" (٢/ ٢٤٦٣). البكراوي نسبته إلى أبي بكْرَة الثقفي الصحابي.
(٤) عند المؤلف "قد رأى ربه مرتين"، استدركناه من رواية الترمذي.
(٥) وقع في النسخة المطبوعة مرة ثانية: مسلم وهو تحريف أيضًا، أثبتناه من (أ) و(ب).
[ ١٧٤ ]
قلت: وأخرج الحاكم في "مستدركه" (^١) من جهة معاذ بن هشام: حدثني أبي عن قتادة عن عكرمة.
عن ابن عباس قال: "تعجبون أن تكونَ الخُلَّةُ لإبراهيم (^٢)،
والكلامُ لموسى (^٣) والرُّؤيةُ لمحمد ﷺ؟ ".
ثم قال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه.
وله شاهد صحيح عن ابن عباس في الرُّؤْية. ثم ساقه من جهة إسماعيل بن زكريا، عن عاصم، عن الشعبي، عن عكرمة عن ابن عباس قال: "رأى محمد ربه" (^٤).
وله شاهد آخر صحيح الإسناد ثم ساقه عن يزيد بن هارون: أنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس قال: "قد رأى محمد ﷺ ربه" وعن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: "رآه مرتين" (^٥) ثم قال الحاكم: قد اعتمد
_________________
(١) في "المستدرك" ١/ ٦٥ و٢/ ٦٢٩، وأخرجه ابن خزيمة في "كتاب التوحيد" (١/ ٢٧٢) عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال بلفظ المؤلف وفي (١/ ٢٧٦ - ٢٧٧) عن عاصم عن عكرمة عن ابن عباس قال: إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمدًا ﷺ بالرؤية. وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (٤٤١) وقال: إسناده صحيح على شرط البخاري والطبراني في معجمه الكبير (١١/ ١٩١٤). قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على هذه الروايات في "السير" ١٤/ ٤٥: "وهذا رأي لا دليل عليه، وهو مخالف للأدلة الكثيرة الوفيرة في أنه ﷺ لم ير ربه في تلك الليلة. وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك. انظر التفصيل في "زاد المعاد" ٣/ ٣٦ - ٣٨ و"فتح الباري" (٨/ ٤٨٥٥) ووشرح النووي ٣/ ٤ - ١٥.
(٢) فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥].
(٣) فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤].
(٤) في "المستدرك" ١/ ٦٥ و٢/ ٦٢٩.
(٥) المصدر السابق.
[ ١٧٥ ]
الشيخان في هذا الباب أخبار عائشةَ بنتِ الصديق وأُبَي بن كعب، وابن مسعود وأبي ذر: "أن رسول الله ﷺ رأى جبريل ﵇" وهذه الأخبار التي ذكرتها صحيحة. اهـ (^١).
وقد أخرج البخاري (^٢) من حديث القاسم عن عائشة قالت: "من زعم أن محمدًا رأى به، فقد أعظم، ولكن قد رأى جبريل في صورته وخلقه سادًا ما بين الأُفق". وفي الصحيحين (^٣) من حديث مسروق قلت لعائشة: "يا أمتاه هل رأى محمدٌ ربَّه؟ " فقالت: "لقد قَفَّ شعري مما قلتَ (^٤)، مَنْ حدثك أن محمدًا ﷺ رأى ربه، فقد كذب ثم قرأت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ولكنه رأى جبريلَ ﵇ في صورته مرتين". وفي رواية (^٥): "مَنْ زعم أن محمدًا رأى ربَّه، فقد أعظم على الله الفِرْية" فقلت: "يا أُم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني، ألم يقل الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَوَاهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] فقالت: أنا أوَّلُ هذه الأُمة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: "إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غيرَ هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًّا عِظمُ خَلْقِهِ ما بينَ السماء إلى الأرض" وقالت "أوَلم تسمع أن الله ﷿ يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ
_________________
(١) انظر: "المستدرك" ١/ ٦٥ و٢/ ٦٢٩.
(٢) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه (٣٢٣٤).
(٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة النجم (٤٨٥٥) ونقله المؤلف مختصرًا. وأخرجه مسلم في الإيمان باب معنى قول الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزَلَةً أُخْرَى﴾ وهل رأى النَّبِيّ ﷺ ربه ليلة الإسراء (٤٣٩). انظر أيضًا في مسند أحمد (٢٥٩٩٣) و(٢٦٠٤٠).
(٤) هنا عند البخاري: "قالت عائشة: أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب؟ ". حذفه المؤلف.
(٥) عند مسلم السابق برقم (٤٣٩).
[ ١٧٦ ]
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ أولم تسمع أن الله ﷿ يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ (^١) [الشورى: ٥١].
قلت: وهذا قاطع في هذه المسألة إذ صرحت فيه بالرفع (^٢). ونُقِلَ عن ابن خزيمة أنه قال في كتاب "التوحيد" (^٣) له: "إنه ﷺ إنما خاطبَ عائشة على قدرِ عقلها" (^٤) ثم أخذ يُحاوِلُ تخطئتها، وليس كما قال، فقد جاء عن غيرها ذلك مرفوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ منهم ابن مسعود، رواه محمد بن جرير الطَّبري في تفسيره (^٥): حَدَّثَنَا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حَدَّثَنَا عبدُ الواحد بن زياد، حَدَّثَنَا سليمان الشيباني، حَدَّثَنَا زِر بن حُبيش قال: "قال عبدُ الله بن مسعود في هذه الآية: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيتُ جبريل له ستمائة جناح" وأخرجه ابن حبان في صحيحه (^٦). وفي
_________________
(١) وتتمة الحديث قالت: ومن زعم أن رسول الله ﷺ كتم شيئًا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غدٍ فقد أعظم على الله الفرية. والله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥].
(٢) وقع في النسخة المطبوعة: بالدفع وهو تحريف واضح، أثبتناه من (أ) و(ب).
(٣) في ٢/ ٥٥٦ - ٥٦٣.
(٤) النقل من كتاب التوحيد بالمعنى، وليس فيه قوله: "إنه ﷺ إنما خاطب عائشة على قدر عقلها". وإنما خطأها في قولها إن محمدًا لم ير ربه ليلة الإسراء.
(٥) تفسير الطبري ٢٦/ ٤٥ - ٤٦.
(٦) أخرجه ابن حبان في "الإحسان" (١٤/ (٦٤٢٨). وقد أخرجه البخاري أيضًا في تفسير سورة النجم باب ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (٤٨٥٦) وباب قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ (٤٨٥٧)، ومسلم في الإيمان (٤٣٢ - ٤٣٤).
[ ١٧٧ ]
كتاب "الجمع بين الصحيحين" للحميدي (^١): قال أَبُو مسعود (^٢) في "الأطراف" في حديث عبد الواحد ﴿وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزَلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيتُ جبريل في صورته له سِتُّمائة جناح" (^٣) قال الحميدي: وليس ذلك فيما (^٤) رأيناه من النسخ ولا ذكره البرقاني (^٥) فيما خرَّجه على الكتابين.
ومنهم أبو ذر؛ قال الإمام أحمد في "مسنده" (^٦): حَدَّثَنَا عفان، حَدَّثَنَا همام (^٧) عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: "لو رأيتُ رسول الله ﷺ لسألته " قال: "وما كنت تسألُه؟ " قلت (^٨): "كنت أسأله: هل رأى ربَّه ﷿؟ " فقال: إني قد سألته (^٩) فقال: "قد رأيته نورًا أنَّى أراه" وأخرجه
_________________
(١) هو الحافظ الثبت الإمام القدوة أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله الحميدي المتوفى سنة ٤٨٨ هـ. له ترجمة في: "السير" ١٩/ (٦٣) و"تذكرة الحفاظ" ٤/ ١٢١٨ - ١٢٢٢ للذهبي.
(٢) هو الحافظ المجوّد البارع، أبو مسعود، إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي مصنف كتاب "أطراف الصحيحين" المتوفى سنة ٤٠٠ - ٤٠١ هـ. انظر: "السير" (١٧/ ١٣٦) للذهبي.
(٣) وهو الحديث المخرج عند البخاري برقم (٤٨٥٦).
(٤) وقع في النسخة المطبوعة: كما وهو تحريف، أثبتناه من (ب).
(٥) هو الإمام العلامة الفقيه الحافظ الثبت، شيخ الفقهاء والمحدثين، أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي ثم البَرْقاني الشافعي، صاحب التصانيف، المتوفى سنة ٤٢٥ هـ. انظر في "السير" (١٧/ ٣٠٦) للذهبي.
(٦) في "المسند" (٢١٣١٣).
(٧) وقع في النسخة المطبوعة و(ب) هشام، وهو تحريف، أثبتناه من (أ) والمسند.
(٨) في المسند: قال.
(٩) في المسند: "قال فإني قد سألته". في (أ) و(ب): "فقال إني قد سألته".
[ ١٧٨ ]
ابن حبان في صحيحه (^١) بلفظ "رأيتُ نورًا" ثم قال: معناه أنه لم ير رَبَّه، ولكن رأى نورًا علويًا مِن الأنوار المخلوقة". اهـ.
هكذا وقع في رواية الإمام أحمد (^٢) وقد أخرجه مسلم (^٣) من طريقين بلفظين: أحدهما قال: "نورٌ (^٤) أنى أراه" والثاني قال: "رأيت نورًا". وهو مصرح بنفي الرؤيةِ، إذ لو أراد الإثباتَ لقال: "نعم" أو "رأيته" ونحو ذلك وهو يردُّ قولَ ابن خزيمة: "إن الخطاب وقع لعائشة على قدر عقلها " ولهذا لم يجد ابن خزيمة (^٥) عنه ملجأً إلا أنه كاد (^٦) انقطاعه يدعي بين عبد الله بن شقيق وأبي ذر فقال: "في القلب من صحة مسند (^٧) هذا الخبر شيء" لم أر أحدًا من علماء الأثر نظر (^٨) لعلة في إسناده قال: فإن (^٩) عبد الله ابن شقيق راوي هذا (^١٠) الحديث كأنه لم يكن يثبت أبا ذر ولا يعرفه بعينه واسمه ونسبه، قال: لأن أبا
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في "الإحسان" (٥٨). إسناده صحيح على شرط مسلم. وفيه تمام تخريجه فراجعه.
(٢) أخرجه أحمد في "المسند" من جهة قتادة بالأرقام (٢١٣٩٢) و(٢١٤٩٨) و(٢٥١٢٧) بلفظ: "نور أني أراه؟! ".
(٣) أخرجه مسلم في الإيمان باب في قوله ﵇: نور أني أراه وفي قوله: رأيت نورًا (٤٤٣) ولفظها: عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ: هل رأيت ربك؟ قال: "نورٌ أنى أراه؟ " و(٤٤٤) فقال: "رأيتُ نورًا".
(٤) وقع في النسخة المطبوعة: رأيت نورًا، هذه الكلمة ليست في (أ) و(ب) ومسلم.
(٥) في "كتاب التوحيد" ١/ (٣٠٥ - ٣٠٦).
(٦) وقع في النسخة المطبوعة: كان وهو تحريف، أثبتناه من (أ) و(ب).
(٧) في "كتاب التوحيد": سند
(٨) في "كتاب التوحيد": فطن.
(٩) سقط النسخة المطبوعة: فإن، أثبتناه من (أ) و(ب) و"كتاب التوحيد".
(١٠) سقط من النسخة المطبوعة: هذا، أثبتناه من (أ) و(ب) وهو ليس في "كتاب التوحيد".
[ ١٧٩ ]
موسى محمد بن المثنى حَدَّثَنَا عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق. قال: "أتيتُ المدينةَ فإذا رجل قائم على غرائرَ سود يقول: ألا ليُبَشَّرْ أصحابُ الكنوزِ بِكَيٍّ في الجِباهِ والجنوبِ (^١) فقالوا: هذا أبو ذر" فكأنَّه لا يُثبته ولا يَعْلَمُ أنه أبو ذر (^٢).
وقال بعضُ العلماء في هذا الحديث: قد أجمعنا على أنه ليسَ بنورٍ، وخَطَّأنا المجوسَ في قولهم: هو نور، والأنوار أجسامٌ والباري سبحانه ليس بجسم، والمراد بهذا الحديث أن حِجابهُ النورُ، وكذلك روي في حديث أبي موسى (^٣)، فالمعنى: كيف أراه وحجابُه النورُ؟ ومن أثبت رؤية النَّبِيِّ ﷺ ربه،
_________________
(١) في (أ) و(ب) والنسخة المطبوعة: في الحياة والممات وهو تحريف. وهكذا وقع في بعض نسخ "كتاب التوحيد" كما في تحقيق الدكتور عبد العزيز بن إبراهيم الشهوان (١/ ٣٠٦)، وفي تحقيق محمد خليل هراس، ط.١٩٧٨ ص ٢٠٦: في الحساء والجنوب، وهنا تحريف في كلمة: الحساء، والصواب بكي في الجباه والجنوب كما ورد في مصنف عبد الرزاق (٤/ ٦٨٦٥) عن معمر عن قتادة عن أبي ذر قال: بشر أصحاب الكنز بكي في الجباه والجنوب وفي الظهور. وأخرجه البزار في مسنده (٩/ ٣٩٠٧) حَدَّثَنَا محمد بن المثنى قال حَدَّثَنَا معاذ بن هشام قال حدثنى أبي عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال: أتيت المدينة فإذا رجل قائم على غرائر سود يقول: ألا أبشر أصحاب الكنوز بكي في الجباه والجنوب، فقالوا: هذا أبو ذر صاحب رسول الله. ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥] انظر أيضًا: ما أخرجه مسلم برقم (٢٣٠٦) وأحمد (٢١٤٧٥).
(٢) هنا انتهى نقل المؤلف عن ابن خزيمة.
(٣) أخرجه مسلم في الإيمان باب في قوله ﵇: إن الله لا ينام وفي قوله حجابه النور (٤٤٥ - ٤٤٨) وأخرجه أحمد في "المسند" (١٩٦٣٢)، وابن حبان في "الإحسان" (١/ ٢٦٦) وفيه تخرجه أيضًا فراجعه.
[ ١٨٠ ]
فإنما يثبت ليلة المعراج، وأسلم أبو ذر بمكة قديمًا (^١) قبلَ المعراجَ، ثم رَجَعَ إلى بلادِ قومه، فأقام بها حتَّى مضت بدر وأُحُد والخندقُ ثم قَدِمَ المدينة بعدَ ذلك، فيحتمل أنه سأل النَّبِيّ ﷺ وقتَ إسلامه: "هل رأيتَ ربَّك؟ " وما كان عُرِجَ به بعدُ فقال: "نُورٌ، أنَّى أراهُ؟ " (^٢). أي النور يمنعُ مِن رؤيته. وقد قال بعد المعراج في رواية ابن عباس: "رأيت ربي" (^٣) اه. وهذا ضعيف، فإن عائشةَ أُمّ المؤمنين قد سألت عن ذلك بعد الإسراءِ ولم يثبت لها الرؤْية.
وأما قولُ الإمام أحمد: "ما زلت منكرًا لهذا الحديث وما أدري ما وَجْهُهُ" فقال بعضُ الأئمة: لا نعرف معنى هذا الإنكار وقد صحَّ ذلك عن أبي ذر وغيره. وللكلام على هذا (^٤) الحديث موضعٌ آخر قد بسطتُه فيه، ورددتُ ما حرَّفه بعض النقَلَة في لفظه، والله ﷾ أعلم.