أخرجَ البخاري (^١) عن ابن عمر قال:
"وقف النَّبِيّ ﷺ على قَلِيب بدر فقال: ﴿هَلْ وَجَدْتُمْ ما وعد ربُّكُمْ حَقًّا"﴾ ثم قال: "إنهم الآن يسمعون ما أقولُ" فذُكِرَ لعائشةَ، فقالت: "إنما قال النَّبِيُّ ﷺ: "إنهم ليعلمون الآن أن ما كنتُ أقولُ لهم حق".
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب قتل أبي جهل (٣٩٨٠ - ٣٩٨١) وتتمته عند البخاري: إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق، ثم قرأت ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] حتَّى قرأت الآية. وأخرجه أحمد في "المسند" (٤٨٦٤) وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على الحديث: إنكار عائشة إسماع الموتى مطلقًا مستند إلى أنها حملت المراد من الآيتين على الحقيقة. أما إذا حملت الآيتان على المجاز، يعني تشبيه الكفار الأحياء بالموتى، فلا يبقى فيهما دليل على ما ذهبت إليه عائشة ﵂. وابن عمر لم ينفرد بهذا اللفظ، بل تابعه عليه عمر بن الخطاب كما سلف برقم (١٨٢) ووافقهما عليه أبو طلحة كما عند البخاري (٣٩٧٦) وعبد الله بن مسعود عند الطبراني (١٠٣٢٠) بإسناد صحيح وسيدان عند الطبراني أيضًا (٦٧١٥). ثم إن عائشة روت نحو لفظ ابن عمر كما سيرد ٦/ ١٧٠ (٢٥٣٧٢) بلفظ "ما أنتم بأفهم لقولي منهم" فإن كان محفوظًا، فكأنها رجعت عن الإنكار. (ولكن إسناده ضعيف لانقطاعه". وقد قبل الجمهور حديث ابن عمر لأنَّهُ - كما قال الإسماعيلي فيما نقله الحافظ في "الفتح" ٧ (٣٩٨١) - لا سبيل إلى رد رواية الثقة إلا بنص مثله يدلُّ على نسخه أو تخصيصه أو استحالته فكيف والجمع الذي أنكرته وأبته غيرها ممكن، لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لا ينافي قوله ﷺ: "إنهم الآن يسمعون" لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فالله تعالى هو الذي أسمعهم، بأن أبلغهم صوت نبيه ﷺ. وانظر فضل بيان في هذه المسألة في "الفتح" (٣/ ١٣٧٠ - ١٣٧١) و(٧/ ٣٩٨٠) و(٣٩٨١)، و"البداية والنهاية" ٣/ ٢٩٢ - ٢٩٣.
[ ٢٠٠ ]
قال السهيلي في "الروض" (^١): "وعائشة لم تَحْضَرْ، وغيرُها ممن حضر أحفظُ للفظه ﷺ وقد قالوا له: يا رسول الله "أتخاطِبُ قومًا قد جيَّفوا أو أُجيفوا"؟ فقال: "ما أنتُمْ بأسمعَ لما أقولُ منهم".
وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين، جاز أن يكونوا سامعين، إما بآذان رؤُوسهم إذا قُلنا: إن الروح تُعادُ إلى الجسد، أو إلى بعضه عند المسألة وهو قولُ جمهور أهلِ السنة (^٢)، وإما بأُذن القلب أو الروح على مذهب مَنْ يقولُ بتوجهِ السؤال إلى الروحِ من غير رجوعٍ منه إلى الجسد أو إلى بعضه.
قال: "وقد رُوِيَ أن عائشة احتجَّت بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَن فِي القُبُورٍ﴾ [فاطر: ٢٢] وهذه الآية كقوله: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِى الْعُمْيَ﴾ [الزخرف: ٤٠] أي إن الله هو الذي يَهْدِي ويُوَفِّق ويُوصِلُ (^٣) الموعظةَ إلى آذان القلوبِ لا أنت، وجعل الكفار أمواتًا وصُمًّا على جهة التشبيه بالأموات وبالصم، فالله هو الذي يسمعهم على الحقيقة إذا شاءَ (^٤)، فلا تَعلُّق لها في الآية لوجهين: أحدهما: أنها إنما نزلت في دُعاء الكفارِ إلى الإيمان، الثاني: أنه إنما نفى عن نبيه أن يكونَ هو المسمع لهم، وصدقَ الله، فإنه لا يسمعهم إذا شاءَ إلا هو (^٥).
_________________
(١) "الروض الأنف" ٥/ ١٧٤ - ١٧٦.
(٢) في "الروض": قول الأكثرين من أهل السنة.
(٣) وقع في النسخة المطبوعة: ويدخل وهو تحريف. أثبتناه من (أ) و(ب): و"الروض".
(٤) في "الروض" زيادة هنا: "لا نبيُّه ولا أحد فإذا لا تعلق لها في الآية من وجهين".
(٥) في "الروض" زيادة أخرى: ويفعل ما شاء وهو على كل شيء قدير.
[ ٢٠١ ]