الحمدُ لله الذي أرسل نبينا محمدًا ﷺ هُدىً ورحمةً للعالمين، والصلاةُ والسلامُ على خاتَم الأنبياء وعلى آله وصحبه أجمعين، ورضوانُ الله تعالى على الذين آمنوا به وعزروه ووقروه من الأنصار والمهاجرين والذين اتبعوه بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد:
فَمِنَ المعلومِ أن الرسول ﷺ بلَّغ الرسالة، وعلّم الكتاب والحكمة، وأدى الأمانة وخلَّف الكتاب والسنة، والذين صحبوه، واتبعوه، وهاجروا، وجاهدُوا معه، أخذوا منه ما أخذوا ثم عملوا به، ونقلوه، وكانوا يحرصون على صحبته، ويهتمون بسماع الأحاديث منه ومشاهدة سننه كل الحرص. ولكنهم لم يكونوا يسمعون كُلَّ الأحاديث مِن رسول الله ﷺ مباشرة بسبب شغلهم فيحدث بعضهم بعضًا. قال الصحابي الجليل البراء بن عازب ﵁.
"وأصحابُ رسول الله ﷺ كانوا يطلبونَ ما يفوتُهم سماعُه من رسول الله ﷺ فيسمعونه مِن أقرانهم وممن هو أحفظُ على منهم، وكانوا يتشدَّدون على مَنْ يسمعون منه" (^١).
ومِن مظاهر هذا التشدد أن بعضَ الصحابة ولا سيما الخلفاء الراشدين احتاطُوا، وتثبتوا في قبولِ الأخبار عن رسولِ الله ﷺ، وكانوا يُقِلُّون من الرواية عن النبي ﷺ، ولم يكونوا يقبلونَ الحديثَ مِن كل محدِّث خشيةَ أن يدخلوا في الحديث ما ليس منه سهوًا أو خطأ، فيقعوا في شُبهة الكذب على رسول الله ﷺ بغير قصد.
_________________
(١) معرفة علوم الحديث للحاكم، ص ١٤.
[ ٤٢ ]
وكان بعضُهم يُنكر على من يكثر الرواية لأن الإكثار كانَ مَظِنةَ الوهم عندهم، كما ينكرون أحيانًا فيكذبون بعضهم بسبب رواياتهم، إلا أنهم كانوا يفعلون ذلك للاحتياط في ضبط الحديث، لا للاتهام بالكذب على رسول الله ﷺ أو سوء الظن به.
وكانوا يتفاوتون في الحمل والأداء، والحفظِ والذاكرة، كما يختلفون في الرواية والدراية كأي واحدٍ من البشر. وكان بعضهم يخطئ في السماع والحفظ كما يخطئ في الضبط والنقل، وكان بعضهم أفقهَ وأتقنَ وأدرك مِن بعضهم، ويستدرك أو يصحح أخطاء الآخرين.
وفي بعض الأحيان كان يُراجع بعضُهم بعضًا فيما يرويه، إما للتثبت والتأكد لأن الإنسانَ قد ينسى أو يسهو، أو يغلط عن غير قصد، وإما لأنه ثبت عنده ما يُخالفه أو ما يُخصصه أو يقيده، أو لأنه يري مخالفتَه لِظاهر القرآن أو لظاهر ما حفظه من سنة إلى غير ذلك.
"وقد يقع للصحابيِّ أن يسمع من صحابي آخر حديثًا عن النبي ﷺ فيتوقفُ فيه، حيث لا يراه منسجمًا ما فهمه من معاني القرآن الكريم، وما سمعه هو من فم النبي ﷺ وهنا إما أن يتوقف الصحابي في الرواية مُجرَّدَ توقف، وإما أن يُنكرها إطلاقًا، حملًا لها على سهو النقل وخطئه ووهمه.
وحيث لا يُوجد بين الصحابي وبين الرسول الأكرم ﵊ سلسلة إسناد، بل الواسطة هي واحد من الصحابة غالبًا فقط، فإن الوهمَ إن كان، فإنما هو مِن هذا الراوي الصحابي، وإنما يقع له الوهمُ غالبًا لأحد الأسباب التالية:
- أن يُحدِّث بما سمعه من النبي ﷺ ولا يَدْري أنه منسوخ.
[ ٤٣ ]
- أن يقعَ له انقلاب بين شيئين أو لفظين، فيجعل كل واحد منهما مكانَ الآخر، وهذا هو "المقلوب".
- أن يقول مع رواية الحديث قولًا من عند نفسه، متصلًا بنص الحديث، فيظنه السامعون أنه مرفوع، وهذا هو "المدرج".
- أن يرويَ الحديث في مورد يجعلُه يتحمل من المعنى أكثر مما يحتمل.
- أن لا يضبط لفظ الحديث بحيث يختلف المعنى.
- أن يرويَ الحديثَ على غير وجههِ لغفلته عن سبب الورود.
- أن يقعَ له غلط فيروي واهمًا عن النبي ﷺ ما لم يسمعه منه" (^١).
ففي مثل هذه الحالات، كان المتثبتون أو النقاد من الصحابة كانوا يسألون الراوي عمن سمع هذا الحديث، هل من النبي ﷺ مباشرة أم من صحابي آخر بواسطة. وإذا كان المصدر هو النبي ﷺ ربما كانوا يطلبون شاهدًا آخر ليؤكده أو يسألونه من هو أحفظ مثل السيدة عائشة فيثبتونه.
وإذا كان المصدر هو صحابيًا آخر، فكانوا يرسلون إليه فيسألونه عن صحة هذه الرواية. إن كان يخبر أنه سمعه عن النبي ﷺ هكذا فيقبلون حديثه، وإن لم يؤيده فيبدو لهم خطأ الراوي فيصحح خطأه ثم يقبلونه.
علمًا بأن هذا التثبت - وإن كان يعدُّ نوعًا ابتداءً مِن تطبيق الإسناد - لم يقع إلا عندَ الحاجة في بعض الأحيان فقط، أو عندما رأوا في الحديث شيئًا منكرًا حسب اجتهادهم، لأنهم لم يكونوا يكذبون يومئذ فيحدث الشاهدُ الغائب، وكثيرًا ما كانوا يقبلونَ من الآحاد فيعملون بها إذا لم يجدوا أي مشكلة في الرواية.
_________________
(١) منهج نقد المتن، للإدلبي، ص ١٠٥ - ١٠٦.
[ ٤٤ ]
وبالرغم من أن نقد الحديث يَشْمَلُ دراسةَ السند والمتن، فقد وقع نقد السند في أواخر أيام الصحابة. وكان في الزمن الأول لا يسألون عن الإسناد، كما قال ابن سيرين (^١)، وكانوا يُحدثون بعضهم بعضًا حتى ركب الناسُ الصعبَ، والذلولَ، فلم يأخذوا من الناس إلا ما يعرفون كما بيَّنه ابن عباس ﵁ (^٢).
لقد عاشَ النقد الحديثي أسعدَ أوقاته في عهد الصحابة. فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يَرُدُّ بعضُهم على بعض حينما يستمعون إلى متونِ الأحاديث المروية، والأحكام المتصلة بها، منهم من اعترض على رواية أخيه ومنهم من استدركه ومنهم من كذَّب ومنهم مَنْ صحَّح روايةَ صحابي أو تابعي وفقًا لمنهجه أو مقاييسه، وليس هذا إلا ليفهم القرآن وحديث الرسول فهما صحيحًا مستقيمًا.
ولا شَكَّ في أن نقدَ المتن من المنهج النقدي للحديث هو الأولُ عندَ الصحابة. ونماذجُ النقد المتنبي للحديث غير قليلة عندهم. وفي طليعتهم أمُّ المؤمنين عائشة ﵂ حيث إن انتقاداتها مبثوثة في كتب الحديث ومصادر السنة ومجموعة عة في هذا الكتاب القيم.