أحد أهم مقاييس نقدِ الحديث هو عرض الرواية على سنة رسول الله ﷺ، أي: على أعماله أو أفعاله أو إقراره. وقد اعتمد بعضُ الصحابة في نقد الروايات على السنن حيث إنهم لازموا النبيَّ ﷺ، وشاهدُوا سننه طول صحبتهم معه ولا سيما أمُّ المؤمنين عائشة قد استندت على هذا المقياس في كثير من ردودها على الصحابة. وكانت عاشت معه ﵇ ليلًا ونهارًا، في حَضَرٍ وسَفَرٍ حتى ارتحل إلى الرفيق الأعلى، وكانت أعرفَ الناسِ بأحواله وأعماله ﵇ بذكائها وفقهها ووعيها، ومحاكمتها الحكيمة. وكانت تبحث عن قصدِ النبي وعلة فعله، أو منشأ تصرفه، أو مواظبته لهذا العمل، أو الظروف التي جرت السنة فيها، وتعيها كل الوعي، وتصحح الروايات راجعة إلى السنة المعروفة عندها.
_________________
(١) فتح الباري لابن حجر ٦ / (٢٨٥٨) و(٢٨٥٩).
(٢) الإجابة نفس الموضع.
(٣) أخرجه البخاري في الطب (٥٧٠٥) و(٥٧٥٢) ومسلم في الإيمان (٥٢٤ - ٥٢٥) وأحمد (١٩٩١٣) و(١٩٩٦٦) و(١٩٩٨٤).
[ ٥٩ ]
وقد أخذ بهذا المعيارِ كثيرٌ من العلماء في تمييز الروايات الموضوعةِ من الأحاديث الصحيحة إذا خالف الحديث لما جاءت به السنةُ الصريحة والسنةُ المعلومة، والفعل الجاري مجرى السنة كما بينه ابن القيم والخطيب البغدادي وغيرهما (^١).
ولقد أطلق الأستاذ المفكر المرحوم السيد أبو الأعلى المَوْدوُدي الباكستاني على العلماء الذين وهبهم اللهُ تعالى التفقه والوعي في البحث عن دراسة القرآن والسيرة بحثًا عميقًا دقيقًا، والذين أجابوا عن المسائل المختلفة بآرائهم واجتهاداتهم وفقًا لفهمهم الإسلامي تعبيرَ "مزاج شناس رسول" أي الذي يعرف مزاج الرسول حق المعرفة أو بعبارة أخرى الذي أُشْرِبَ قلبُه مزاج الرسول. فكأن هذا العالم - على ما قاله المودودي - يرى بعين النبي ﷺ ويتكلم بلسانه، فيحصل عنده حدس إلى درجة أنه يستطيع أن يميز الرواياتِ السقيمةَ من الروايات الصحيحة بسهولة مستندًا لهذه الملكة.
قلت: السيدة عائشة أحقُّ الناس بهذه الصفة التي حملتها على أن تقول حينما رأت بعض تغيرات في أحوالِ النساء في المدينة المنورة: "لو أدرك النبيُّ ﷺ ما أحدث النساءُ لَمَنَعَهن المسجد كما مُنِعَتْ نساء بني إسرائيل" (^٢).
وهذا الخبرُ دليل واضح على معرفة أم المؤمنين بالرسولِ ﵇ وأحواله معرفة حقًّا، وهي التي تجعلها تقول: "لو أدرك النبيُّ. . . لفعل
_________________
(١) انظر: المنار المنيف لابن القيم، ص ٥٦، والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص ٤٧٢.
(٢) أخرجه البخاري في الأذان (٨٦٩) ومسلم في الصلاة (٩٩٩)، وأحمد (٢٤٦٠٢) و(٢٥٦١٠) ومالك في القبلة ص ١٢.
[ ٦٠ ]
كذا .. " ولا شَكَّ أنها ﵂ استفادت مِن أفعال النبي ﵇ وأحواله التي عاشتها ورصدتها طول صحبتها معه، وأشارت إلى موقفِ النبي ﵇ المحتمل من هذه الحالة التي أحدثتها النساء بعد ارتحال رسول الله ﷺ.
يورد الزركشي في "الإجابة" عدةَ أمثلة من هذا النوع قد أصابت عائشةُ فيها كما سنراها بوضوح، ولا حاجة لذكرها هنا، ولكنها أحيانًا ردَّت رواية صحابي عن فعل فعله النبي ﵇ أمام هذا الصحابي بأن هذا الفعل ليس من الأفعال التي واظب عليها رسول الله ﷺ بل كانت مواظبته على عكس هذا العملِ المروي كما شاهدته أمُّ المؤمنين منذ سنين. ولذلك لما رأت هذه الرواية أو الخبر عن عمل النبي ﵇ مخالفةً لِعادته زعمت أن الصحابي المُخبِرَ أخطأ في روايته ولم تقبل خبره.
ومثال هذا ردُّها الأخبارَ التي وردت في بوله ﵇ قائمًا كما روى حذيفة ﵁ في حديث أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما قال: "رأيتني أنا والنبي ﷺ نتماشي، فأتى سُباطة قوم خلفَ حائط، فقام كما يقوم أحدكم فبال". وفي رواية أخرى: "أتى النبي ﷺ سباطة قوم قبال قائمًا، ثم دعا بماء فجئته بماء فتوضأ" (^١).
فقد ردت أم المؤمنين هذه الروايات وادَّعتْ أن النبيَّ ﵇ لم يَبُلْ قائمًا كما نرى في الروايات التالية:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٤ - ٢٢٦) و(٢٤٧١)، ومسلم (٦٢٤ - ٦٢٥)، وعبد الرزاق (٧٥١) وابن أبي شيبة (١٣٠٩).
[ ٦١ ]
"من حدَّثك أن رسول الله ﷺ بلال قائمًا، فلا تُصدِّقْه، أنا رأيتُه يبولُ قاعدًا" (^١). وفي رواية: " .. ما بَالَ رسولُ الله ﷺ قائمًا منذ أُنزل عليه القرآن" (^٢). وفي رواية أخرى: "مَنْ حدَّثكم أنَّ النبي ﷺ كان يبولُ قائمًا فلا تُصدِّقوه، ما كان يَبُولُ إلا قاعِدًا" (^٣).
والمراد الإخبار عن الحالة المستمرة، ولم تطّلعْ على ما اطَّلعَ عليه حذيفةُ، ولهذا علَّقت مستندةً في إنكارها برؤيتها حيث قالت: "أنا رأيتُه يبول قاعدًا" (^٤).
قال الخطابي: والثابت عن رسول الله ﷺ والمعتاد مِن فعله أنه كان يبول قاعدًا، وهذا هو الاختيار، وهو المستحسن في العادات، وإنما كان ذلك الفعل منه نادرًا لسببٍ أو ضرورة دعته إليه" (^٥).
وقد أخرج الحاكم عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: سمعتُ عائشةَ تُقْسِمُ بالله ما رأى أحدٌ رسول الله ﷺ يبولُ قائمًا منذ أنزل عليه الفرقان. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. والذي عندي أنهما لما اتفقا على حديث منصور عن أبي وائل عن حذيفة أتى رسول الله ﷺ سُباطة قوم، فبالَ قائمًا، وجدا حديث المقدام عن أبيه عن عائشة ﵂ معارضًا له، فتركاه والله أعلم (^٦).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٢٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢٥٠٤٥) و(٢٥٥٩٦) و(٢٥٧٨٧).
(٣) أخرجه الترمذي في الطهارة (١٢).
(٤) انظر استدراكها البول قائمًا من هذا الكتاب.
(٥) معالم السنن للخطابي ١/ ١٨ - ١٩، وتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص ٦٢.
(٦) المستدرك للحاكم، ١/ ١٨٥.
[ ٦٢ ]
قال الزركشي: "القاعدةُ الأصولية تقضي لحديث حذيفة من حيث إنه مثبت، فيقدَّم على من روى النفي. وجمع بعضُهم بين الروايتين لأن النفي في حديث عائشة ورد على صيغة (كان) بمعنى الاستمرار في الأغلب، وحديث حذيفة ليس فيه (كان) فلا يدل إلا على مطلق الفعل ولو مرة" (^١).
قلت: ولو سلّمنا هذا الجمعَ لبقي الإشكال في قولها: "فلا تُصدقوه".
وهذه كلمة صدرت منها عفويًا ولا ينبغي تكذيبُ صحابي جليل مثل حذيفة فيما شاهده مِنْ فعلِ النبي ﷺ عند الحاجة ولو كانت مرة. يرحم اللهُ أم المؤمنين لو فَسَّرَتْ هذه الحالةَ مثل ما فَسَّرَتْ حديث غسل يوم الجمعة من ناحية سبب الورود والظروف، لكان خيرًا وأحسن تأويلًا.