مِن المعلوم أن أمَّ المؤمنين عائشة معدودة في علماء الصحابة بالأحاديثِ روايةً ودرايةً، وهي الرابعة من المكثرين بين الصحابة الكرام، لقد ساعدتها قوة ذاكرتها في تصحيح المتون فعرضت الحديثَ أو الفتوى على الحديث عندها، واستعملت هذا المنهجَ في عدة استدراكاتها، ويبدو من هذه الروايات أنها:
١ - لما ذكر لها حديثٌ ما، إما صدقته بأنها سمعته من النبيِّ ﷺ، وإما أنها تذكر اللفظ الذي عندها.
٢ - بعد ما صدقت الحديث، تبيَّنُ قصدَ النبي ﷺ بهذا الحديث إذا فهم منه غير المعنى المقصود كما بينت في حديث "من أحبَّ لِقاء الله أحب الله لقاءه".
_________________
(١) انظر الموضع نفسه من هذا الكتاب.
[ ٦٣ ]
٣ - أحيانًا تعرض الرواية على حديث أصحَّ وأقوى عندها كما عرضت رواية أبي هريرة "من لم يُوتِرْ فلا صلاة له" على حديث عندها: "من جاء بالصلوات الخمس يومَ القيامة. .".
٤ - وأحيانًا تجد الرواية ناقصة، أو أن الصحابي أخطأ في الفهم والنقل، فتستدرك وتُصحح هذا الخطأ بسماعها هي أو بمشاهدتها، كما قالت في حديث غسلِ يوم الجمعة:
"أكثرَ الناسُ في الغسل يوم الجمعة، وإنما كان ذلك في بيتي، دخل على رسول الله ﷺ نفرٌ من أهل العاليةِ في يوم حَارٍّ قد عملوا في نخلهم، وعليهم ثيابُهم الصوف، فدخلوا ولهم أرواح منكرة، فقال رسول الله ﷺ: إذا كان هذا اليوم فاغتسِلُوا" (^١).
٥ - وأحيانًا ترى أو تزعُمُ أن الروايةَ ناقصة، أو نقلت بالخطأ، وأغلب ظنها أن النبيَّ ﷺ لا يقوله كذلك، وتُحاوِلُ أن تصححها بالتأويل أو التخمين، ولا تقول إنها سمعتها عن النبي ﷺ. وقد أشار بعضُ العلماء أنها ردت بعض الروايات بالتأويل كما نرى في ردها حديث أبي هريرة:
"لأن يمتلئ جوفُ أحدكم قيحًا ودمًا خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا". فقالت عائشة ﵂: "لم يحفظ الحديث إنما قال رسولُ الله ﷺ: "لأن يمتلئ جوفُ أحدكم قيحًا ودمًا أن يمتلئ شعرًا هُجيتُ به". وذكر ابن وهب في جامعه أن عائشة ﵂ تأولت هذا الحديث في الأشعار التي هُجِيَ بها النبيُّ ﷺ وأنكرت قولَ من حمله على العموم في جميع الشعر" (^٢).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٥٤٧) وانظر أيضًا (٨٣٨٤).
(٢) انظر لتخريج الأحاديث والإطناب: استدراكها على أبي هريرة (الحديث الثامن) من هذا الكتاب.
[ ٦٤ ]
علمًا بأن حديثَ عائشة هذا ضعيف فلم تثبت هذه الزيادة في الصحاح والسنن، وهذا يؤيد أن النبي ﷺ لم يقله، وإنما قالته أمُّ المؤمنين عائشة بالتأويل فقط.
ومثال ثان لهذا رَدُّهَا على عمر وابن عمر لحديثهما عن عذاب الميت ببكاء أهله عليه فقالت تارة: "إنما مرَّ رسولُ الله ﷺ على يهودية يبكي عليها أهلُها فقال: "إنهم يبكون عليها، وإنها لتُعذَّبُ في قبرها" (^١). وتارة أخرى قالت: "يَرْحَمُ الله عمر، والله ما حَدَّثَ رسولُ الله ﷺ أن الله يعذِّبُ المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ليزيدُ الكافرَ عذابًا ببكاءِ أهله عليه"، وقالت: "حَسْبُكُمُ القرآنُ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] (^٢) ". وفي رواية عند مسلم: "وَهَلَ (ابن عمر)، إنما قال رسولُ الله ﷺ: إنه ليُعذَّبُ بخطيئته أو بذنبه، وإن أهله ليبكُون عليه الآن" (^٣).
"وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة، وفيه إشعار بأنها لم تردَّ الحديثَ بحديثٍ آخر، بل بما استشعرته من معارضة القرآن" كما قال ابن حجر (^٤).
وقال القرطبي: إنكارُ عائشة ذلك وحكمها على الراوي بالتخطئة أو النسيان، أو على أنه سمع بعضها ولم يسمع بعضًا بعيدٌ، لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون وهم جازمون، فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢٨٩) ومسلم (٢١٥٣) و(٢١٥٤).
(٢) أخرجه البخاري (١٢٨٨) ومسلم (٢١٤٩ - ٢١٥٠).
(٣) أخرجه مسلم (٢١٥٤).
(٤) فتح الباري لابن حجر، ٣/ (١٢٨٨ - ١٢٨٩).
(٥) الموضع نفسه.
[ ٦٥ ]
وقال الزركشي: واعلم أن تعذيبَ الميتِ ببكاءِ أهله عليه رواه عن النبيِّ ﷺ جماعةٌ من الصحابة، منهم عمر وابن عمر وأنكرته عليهما عائشة، وحديثُها موافق لظاهر القرآن وهو قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وموافق للأحاديث الأخرى في بكاء النبي ﷺ على جماعة من الموتى وإقراره على البكاء عليهم. وكان رحمة للعالمين فمحال أن يفعل ما يكون سببًا لعذابهم أو يقرَّ عليه (^١).
والذي عندي أن السيدة عائشة أنكرت الحديث حيث وجدته معارضًا للقرآن وصححته بالتأويل لا بأحاديثَ سمعتها عن النبيِّ ﷺ. وأظن أنها أصابت في الردِّ بهذه الآية وأخطأت في تأويلها بقولها: "إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه" لأن حكم هذه الآيةِ الكريمة شاملةٌ للمؤمن بعمومها للمؤمن وللكافر معًا، وما الله يزيد المؤمن ولا الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه إن أخذنا بهذه الآية الجليلة.
والذي يهمنا هنا أنها أنكرت على بعض الروايات بتأويلاتها قائلة: "ما قال النبي ﷺ، كذا، إنما قال كذا. . ." وأغلب ظني هنا أن السيدة تعنى بهذا القولِ: "ربما قال النبي ﷺ أو ولعله قال كذا" ولا تعني الجزمَ والله أعلم بالصواب.
ومثال ثالث لهذا إنكارها على حديث "وَلَدُ الزِّنى شَرُّ الثلاثة" بوجهين:
١ - قالت: "فلم يكن الحديثُ على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يُؤذي رسول الله ﷺ فقال: "من يَعْذِرُني من فلان؟ " قيل: "يا رسول الله، إنه مع ما به ولدُ زنى" فقال: "هو شَرُّ الثلاثة". والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] (^٢).
_________________
(١) انظر استدراكها على عبد الله بن عمر (الحديث الأول) من هذا الكتاب.
(٢) المستدرك للحاكم، ٢/ ٢١٥.
[ ٦٦ ]
٢ - قالت: قال رسول الله ﷺ: ولد الزنى شَرُّ الثلاثة إذا عَمِلَ بعمل أبويه". وقال البيهقي: ليس بالقوي، وقد روى مثله بإسناد ضعيف من حديث ابن عباس ثم قال: وإنما يروى هذا الكلامُ على الخبر من قول سفيان الثوري فنقله بسنده ومتنه (^١).
فهذه الرواية الأخيرة - مع ضعفها - دليل على أن هذا تأويلٌ واضح، إما من السيدة عائشة، وإما من سفيان الثوري، دخل إلى المتن وليس من حديث رسول الله ﷺ، والأول هو أشبه بالصواب، والله أعلم.