قال سعيد الأفغاني في مقدمته على "الإجابة" وهو يتناول علم عائشة:
"وبعد انتقال النبي ﷺ، كان عِلْمُ عائشةَ قد بلغ ذورةَ الإحاطَةِ والنُّضج، في كل ما اتَّصلَ بالدين مِن قرآن وحديثٍ وتفسيرٍ وفقهٍ. . . ومع حمل الأصحاب إلى الأمصار طائفةً صالحة من الأحاديث والأحكام حتى كانوا ثمَّةَ مرجِعَ طلابِ العلم ورُواةِ الحديث، بقيتِ المدينةُ - لأسباب أهمها وجودُ عائشةَ - دارَ الحديث، ومنبعَ العلم.
فحين يُشْكِلُ على أهل الأمصار أمرٌ مِن الأمور، يكتبون إلى أصحابِ رسولِ الله ﷺ في الحجاز يسألونهم عن حُكم الله فيه، فكان هؤلاءِ إذا فاتهم علمُ شيءٍ، رجعوا إلى عُلماء بينَهم اشتهروا بحملِ العلمِ وفقهه، كعبد الله بن عمر، وأبي هُريرة وعبدِ الله بن عمرو، وعُروة، وعبد الله ابني الزبير … تُروى عنهم الأحاديثُ وتُنشر الأحكامُ، حتى صاروا مقصدَ الرواد.
_________________
(١) راجع لتفصيلات هذه الأمور "عائشة والسياسة" لسعيد الأفغاني. ط. الثانية ١٩٥٧ بالقاهرة.
[ ٤٨ ]
ومقامُ السيدةِ بينهم مقامَ الأستاذِ من تلاميذه، فكان عمرُ بن الخطاب يُحيل عليها كُلَّ ما تعلق بأحكامِ النساء أو بأحوالِ النبي البيتية، لا يُضارعها في هذا الاختصاص أحدٌ مِن الرجال ولا النساء.
ويصِل إلى مسمع السيدة عن أولئك العلماءِ روايات وأحكام على غيرِ وجهها، فَتُصحح لهم ما أخطؤوا فيه، أو خفي عليهم، حتى عُرِفَ ذلك عنها فصار من شَكَّ في رواية أتى عائشةَ سائلًا، وإن كان بعيدًا، كَتَبَ إليها يسألُها. ومن هنا طار لها ذلك الصِّيتُ في التمكن من العلم، ورجع إلى قولها كبارُ الصحابة، كأبيها أبي بكر وعمر وابنه وأبي هريرة، وابن عباس وابن الزبير. وصار معاويةُ في خلافته يكتبُ إليها سائلًا عن حكم أو حديثٍ، أو شيءٍ من فعل النبيِّ ﷺ، ولا يَطْمَئِنُّ إلى يقين مما يسمع مِن غيرها حتى يَرِدَ عليه جوابُها، فيبردُ صدرُه. وستجد أن خطأ الصحابة كثيرًا ما يرجع إلى أنهم حضروا آخرَ الحديث، وفاتهم أوله. وسترى في كُلِّ ما تَسْتَدْرِكُ: صحةَ النظر، وصوابَ النقد، وحضورَ الحفظ، وجودةَ النقاش. وأغلبُ الأسبابِ في تَخَبُّطِ الرواياتِ أن الرواة يستنبطون الحكم من الجملة التي حضروها، وكثيرًا ما يكونُ الرسولُ ذكرها في مَعْرِضِ الإنكار، وترى ذلك في مرويات أبي هريرة بصورةٍ خاصة.
وكما اسْتَدْرَكَتْ على أبي هريرة ضياعَ أول الكلام عليه أو آخره، استدركت على كثيرين فَهُمَهُمْ لحديث، أو خطأَ استنباط حكم مِن آية، أو ضلالًا في معرفة أسبابِ النزول، أو اجتهادًا فيه مشقة على الناس. وكان الناسُ يقعون منها في كُلِّ ذلك على علم غزيرٍ، وفهم حصيفٍ، ورأي صائب. ولا غرو فقد كانت السيدةُ عائشة الملجأ الأخيرَ الذي ترفع إليه مسائل الخلاف والروايات وأحكام الشريعة لِتمحيصها، والقضاء فيها بالقول الفصل.
[ ٤٩ ]
ومِنْ هُنا توقن أن حياةَ السيدة بَنَتْ مجدًا باذخًا لِتاريخ المرأةِ العلمي في الإسلام، بل إن عبقريتَها وحدَها كفيلةٌ بملء تاريخٍ كامل.
ولتعلم بعد هذا سيداتُنا، أن امرأة منهن في صدرِ الإسلام تتلمذَ عليها مشيخةُ المهاجرين والأنصار مِن كل حَبْرٍ وعالمٍ وفقيه وقارئ وراوية. وعنها وحدَها نقل ربع الشريعة، كما قال الحاكم في "المستدرك" (^١).
وقد ذكر ابن حزم المكثرين مِن الصحابة ﵃ فيما رُوِيَ عنهم من الفتيا وقدَّمَ عائشة أمَّ المؤمنين على عمر بن الخطاب وابنهِ عبد الله، وعلي بن أبي طالب وابنِ عباس وابنِ مسعود، وزيدِ بن ثابت (^٢).
علمًا بأن ابنَ حزم قد فَضَّلَها على جميعِ الناسِ، لأن حبَّ رسولِ الله ﷺ لها أكثرُ مِن محبته لجميع الناس، فقد فضلها رسول الله ﷺ على أبيها وعلى عمر وعلى علي وفاطمة رضي الله عن جميعهم تفضيلًا ظاهرًا بلا شكٍّ (^٣).
وسُئِلَ شَيخُ الإسلام (ابن تيمية) رحمه الله تعالى عن خديجةَ وعائشةَ أمي المؤمنين أيُّهُمَا أفضلُ، فأجاب:
بأن سبق خديجة وتأثيرَها في أول الإسلام ونصرَها وقيامَها في الدين لم تَشْرَكْهَا فيه عائشةُ ولا غيرُها مِن أمهات المؤمنين.
وتأثيرُ عائشة في آخرِ الإسلام، وحمل الدين، وتبليغه إلى الأُمَّةِ وإدراكها من العلم ما لم تَشْرَكْها فيه خديجةُ ولا غيرُها مما تميزت به عن غيرها (^٤).
_________________
(١) من مقدمة الأفغاني على الإجابة، ص ٥ - ٦.
(٢) انظر: الإحكام ٥/ ٩٢.
(٣) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ٤/ ١٩١.
(٤) مجموع الفتاوى، ٤/ ٣٩٣ و٤٦٢ - ٤٦٣ وبدائع الفوائد، ٣/ ٦٨٤.
[ ٥٠ ]
وقال الذهبي في ترجمة عائشة أم المؤمنين: "فروت عنه ﷺ علمًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه وعن أبيها وعن عمر. . ." ثم قال: ولا أعلم في أمة محمد ﷺ، بل ولا في النساء مطلقًا، امرأة أعلم منها (^١).
قال سعيد الأفغاني: "ماتت السيدةُ، فعظم الحزنُ على من شغلتْ الناسَ نحوًا من خمسين سنة، تُعلمهم وتهديهم إلى سُنة نبيهم، وتُحيي فيهم سيرته، واجتهدَتْ للمسلمين، وكانت ملجأَ المهتدين والملتجئين والمتعلمين على السواء (^٢).
تُوفيت أُمُّ المؤمنين عائشة سنةَ سبع وخمسين أو ثمان وخمسين وعُمْرُها ثلاثٌ وستون سنةً وأشهر، وصلَّى عليها أبو هريرة، وكان خليفةَ مروان على المدينة ودُفِنَتْ بالبقيع ليلًا رحمها الله تعالى (^٣).