إذا جاءت الرواية مخالفةً لصريح العقل، أو موجباتِ العقول بحيث لا يقبلُ التأويل، ويلحق به ما يدفعه الحِسُّ والمشاهدة، فيعلم بطلانها ويُردُّ. لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول، وأما بخلاف العقول فلا، وأن النبي ﷺ لا يقول إلا الحق والمعقول.
ولذلك كانت أم المؤمنين عائشةُ تعرض الروايات والفتاوى على مقياس العقل حين ترى أنها معارضةٌ لعقلها، ولا يُتوقع أن يقوله النبيُّ ﷺ فتردها فورًا، ونرى أنها تستعملُ في إنكارها أسلوبًا لامزًا وهي تعتمدُ على علمها بأحوالِ النبي ﵇ وبما يُمكن أن يقوله أو لا يقوله. وهكذا ردت رواية أبي هريرة: "مَنْ غَسَّلَ ميتًا، اغتسل، ومن حمله توضأ" بقولها: "أو نجس موتى المسلمين؟! وما على رجل لو حَمَلَ عودًا؟! " (^٢).
_________________
(١) السنن للبيهقي، ١٠/ ٥٨.
(٢) انظر استدراكها على أبي هريرة (الحديث السابع) من هذا الكتاب.
[ ٦٧ ]
كما ردَّت فتوى عبد الله بن عمرو بن العاص بقولها: "يا عجبًا لابن عمرو، يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟! لقد كنتُ أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، وما أزيد أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات" (^١).
وكما أنكرت لما ذكر عندها ما يقطعُ الصلاة: الكلب والحمار والمرأة، فقالت: "قد شبهتمونا بالحمير والكلاب؟! " وفي رواية أخرى: "عدلتمونا بالكلاب والحمر؟! " (^٢).
وهناك مقياسٌ آخر في منهج نقدِ السيدة لا بد أن نذكره هُنا، وهو عرضُ الرواية على رأيها أو بعبارة أخرى على اجتهادها الفقهي. والفرقُ بين العرض على عقلها والعرض على رأيها هي أنها في الأولى تنكر الرواية فورًا بصريح العقل فقط بأنها مخالفة للمعقول، وفي الثانية تنكرها نتيجة رأيها واجتهادها الفقهي بعدما تذكر الظروف والأسباب.
مثاله ما رواه أصحابُ الأصول في قضية التحصيب - أي النزول بالأبطح عند النفر - نزل رسول الله ﷺ به. فذهب أبو هريرة وابنُ عمر إلى أنه على وجه القربة، فجعلوها من سِنن الحج، وذهبت عائشة وابن عباس إلى أنه على وجه الاتفاق، وليس من السنن (^٣).
وكان ابن عمر يرى التحصيب سنة ويروي أن النبيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح (^٤). وأما عائشة فتنظر إلى القضية برأيها،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٤٧) والنسائي (٤١٦) وابن خزيمة ١/ (٢٤٧).
(٢) أخرجه البخاري (٥١٤) ومسلم (١١٤٢ - ١١٤٤) وأحمد (٢٥٩٢٩).
(٣) حجة الله البالغة للدهلوي ١/ ٤٠٩ - ٤١١.
(٤) أخرجه مسلم في الحج (٣١٦٧ - ٣١٦٨).
[ ٦٨ ]
وتقول: ليس التحصيبُ بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ، نزول الأبطح ليسَ بسنة. وعللت رأيها بقولها: "إنما نزله رسولُ الله ﷺ، لأنه كان منزلًا أَسْمَحَ لخروجه" (^١). وفي رواية أخرى: "أحرمت من التنعيم بعمرة، فدخلت فقضيت عمرتي وانتظرني رسولُ الله ﷺ بالأبطح حتى فرغت .. " (^٢) والله ما نزلها إلا من أجلي" (^٣).
وعلى اجتهاد أم المؤمنين عائشة التحصيبُ ليس بسنة، "فمن شاء نزله ومن شاء لم ينزله" (^٤).
فالحاصل أن من نفى أنه سنةٌ كعائشة وابن عباس أراد أنه ليسَ مِن المناسك، فلا يلزم بتركه شيء، ومن أثبته كابن عمر، أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله ﷺ لا الإلزام بذلك (^٥). ويؤيد المذهب الأول ما رواه أبو رافع: "لم يأمرني رسولُ الله ﷺ أن أنزل الأبطح حين خرج من مِنى، ولكن جئتُ فضربت فيه قبته فجاء فنزل" (^٦). ويؤيد المذهب الثاني ما رواه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ننزل غدًا إن شاء الله بخَيْفِ بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر" (^٧). يعني المحصب (^٨).
_________________
(١) أخرجه مسلم في الحج (٣١٦٩ - ٣١٧١).
(٢) أخرجه أبو داود في المناسك (٢٠٠٥).
(٣) فتح الباري لابن حجر ٣/ (١٧٦٦).
(٤) أخرجه أبو داود في المناسك (٢٠٠٨).
(٥) فتح الباري لابن حجر ٣/ (١٧٦٦).
(٦) أخرجه مسلم في الحج (٣١٧٣).
(٧) أخرجه مسلم في الحج (٣١٧٤ - ٣١٧٥).
(٨) أخرجه أبو داود أيضًا في المناسك (٢٠١٠).
[ ٦٩ ]
ومثال آخر لهذا إنكارها على رواية أبي هريرة في المرأة التي عُذبت في هِرة، فقالت: "إن المرأة كانت كافرة" ورأت أن المؤمن أكرمُ عند الله من أن يعذبه من جري هِرة (^١) على حسب اجتهادها.
قال النووي: "فظاهر الحديث أنها كانت مسلمة، وإنما دخلت النار بسبب الهرة" (^٢).
وقال الشيخ يوسف القرضاوي (^٣).
"أنكرت عائشة أم المؤمنين على أبي هريرة تحديثه بهذا الحديث بصيغته وحسبت أنه لم يَضْبِط لفظه حين سمعه من النبي ﷺ. وحجة عائشة أنها تستكثر أن يُعذب إنسان مؤمن من أجل هرة! وأن المؤمن أكرم على الله من أن يدخله النار من أجل حيوان أعجم!.
وغفر الله لعائشة، لقد غفلت عن شيء هنا في غاية الأهمية، وهو ما يدلُّ عليه العمل، إن حبس الهرة حتى تموت جوعًا، لهو برهانٌ ناصع على جمود قلب تلك المرأة وقسوتها على مخلوقات الله الضعيفة، وأن أشعة الرحمة لم تنفذ إلى حناياها، ولا يدخل الجنة إلا رحيم، ولا يرحم الله إلا الرحماء، فلو رحمت من في الأرض لرحمها من في السماء.
إن هذا الحديث وما جاء في معناه ليعد فخرًا للإسلام في مجال القيم الإنسانية، التي تحترم كل مخلوق حي، وتجعل في رعاية كل كبد رطبة أجرًا.
_________________
(١) انظر استدراكها على أبي هريرة (الحديث الثالث) من هذا الكتاب.
(٢) شرح مسلم للنووي، ١٤/ ٢٤٠.
(٣) كيف نتعامل مع السنة النبوية للقرضاوي، ص ٤٦ - ٤٧، ١٩٩٠ - المنصورة.
[ ٧٠ ]
مما يتمم هذا المعنى ما جاء في الحديث الآخر الذي رواه البخاري: أن رجلًا سقى كلبًا، فشكر الله له، فغفر له (^١). وأن امرأة بغيًا سقت كلبًا، فغفر الله لها (^٢).
على أن أبا هريرة لم ينفرد برواية هذا الحديث، حتى يُظَنَّ أنه لم يضبط ألفاظه، كيف وهو أحفظ الصحابة على الإطلاق؟
فقد روى أحمد والبخاري ومسلم عن ابن عمر عنه ﷺ، قال: "عُذِّبَتِ امرأةٌ في هرة! حبستها حتى ماتت جوعًا، فدخلت فيها النار، قال الله: لا أنت أطعمتيها، ولا سقيتيها حين حبستيها، ولا أنت أرسلتيها، فأكَلَتْ مِن خشاش الأرض" (^٣).
ورواه الإمامُ أحمد عن جابر عنه ﷺ قال: "عُذِّبت امرأة في هر ربطته حتى مات، ولم ترسله فيأكل من خشاشِ الأرض" (^٤).
فلم ينفرد أبو هريرة برواية الحديث، ولو أنه انفرد ما ضره ذلك شيئًا (^٥).