روى (^٢) الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (^٣)، عن هشام، عن أبيه عن عائشةَ قالت: "دخلتُ على أبي بكر، فقال: "في كَمْ كفَّنتم النبيَّ ﷺ؟ " قالت: "في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحُوليةٍ (^٤) ليس فيها قميصٌ ولا عِمامة". وقال لها: "في أيِّ يوم تُوفِّي رسولُ الله ﷺ "؟ قالت: "يومُ الاثنين" قال: فأيُّ يوم هذا؟ " قالت: "يومُ الإثنين" قال: "أرجو فيما بيني وبينَ الليل" فنظر (^٥) إلى ثوبٍ عليه كان يُمرض فيه، به رَدْعٌ (^٦) من زعفران، فقال: "اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين، فكفنوني بها" (^٧) قلت: "إن هذا خَلَقٌ" قال: "إن الحيَّ أَحقُّ بالجديدِ مِن الميتِ، إنما هو لِلمُهْلةِ" فلم يَتَوفَّ حتى أمسى (^٨)
_________________
(١) ﵁ سقطت من النسخة المطبوعة، أثبتناه من (أ) و(ب).
(٢) الإمام محمد بن إسماعيل ليس في (أ)، أثبتناه من (ب).
(٣) أخرجه البخاري في الجنائز باب موت يوم الاثنين (١٣٨٧). قد ذكر المؤلف هنا تحت العنوان رواية عبد الرزاق من كتاب الاستقصاء لابن حزم ورواية مالك نقلًا من ابن عبد البر ثم رمج عليها ولم تذكر في (ب) انظر مصنف عبد الرزاق ٣/ (٦١٧٦) ومالك في الجنائز باب ما جاء في كفن الميت ص ٢٢٤ وأحمد في المسند (٢٤١٨٦) و(٢٤١٢٢) و(٢٤٧٩٠) و(٢٥٠٠٥).
(٤) سحولية: قال ابن الأثير في "النهاية" ٢/ ٣٤٧: يُرْوى بفتح السين وضمها، فالفتح منسوب إلى السحول، وهو القصَّار، لأنه يسحلها: أي يغسلها، أو إلى سحولٍ وهي قرية باليمن. وأما الضم فهو جمع سَحْل، وهو الثوب الأبيض النقي ولا يكون إلا من قطن.
(٥) في (أ) والنسخة المطبوعة: ينظر. أثبتناه من (ب) والبخاري.
(٦) به ردع: أي لطخ لم يعمه كله. انظر: "النهاية" لابن الأثير ٢/ ٢١٥.
(٧) في (ب): ثوب وكفنوني فيها، خطأ. وعند البخاري: فيهما.
(٨) سقط من (ب) جملة: يتوف حتى أمسى.
[ ١٣٨ ]
ليلة (^١) الثلاثاء ودُفِنَ قبلَ أن يُصْبِحَ". ورواه عبدُ الرزاق (^٢).
قال، وقوله: (إنما هُوَ للمهلة): مَنْ كَسَرَ الميمَ، فإنه أراد الصديدَ، ومن ضمَّها شبهه بعَكَرِ الزيتِ وهو المُهْلُ. والرواية بكسر الميم.
وقال ابن السيِّد (^٣) في "المقتبس": قوله: إنما هو للمُهلة كذا رواه يحيى؛ والمعروف المَهلة أو المِهلة يعني بالفتح أو بالكسر، فإذا حذفت تاءُ التأنيث قلت: المُهل لا غير. ورواه أبو عُبيد (^٤): إنما هو للمُهل وقال: المهل في هذا الحديث الصديدُ والقيح، وهو في غيره كُلُّ شيء أُذيب مِن جواهر الأرض، كالذهب والفضة والنُّحاسِ، والمهل: عَكَرُ الزيت (^٥) قال: وأكثرُ رواة الموطَّأ على الكسر.
وقال الزمخشري في الفائق (^٦): روي للمُهلة وللمَهلة والمِهلة بالكسر (^٧)، ثلاثتُها: الصديدُ والقيح الذي يذوب ويسيل من الجسد، ومنه قيل للنحاس الذائب: المهل (^٨).
قال البيهقي في "شعب الإيمان" (^٩) وقد روى حديثَ أبي قتادة "مَنْ وَلِي
_________________
(١) في (ب) قبل هذه الكلمة: من وكذا في البخاري.
(٢) "المصنف" ٣/ (٦١٧٦).
(٣) هو العلامة أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البَطْليَوْسي النحوي اللغوي صاحب التصانيف المتوفى سنة ٥٢١ هـ. انظر لترجمته: "السير" ١٩/ ٣١٥). والمقتبس هو شرح الموطأ.
(٤) وقع في النسخة المطبوعة: أبو عبيدة وهو تحريف. أثبتناه من كل من (أ) و(ب).
(٥) قول أبي عبيد في "غريب الحديث" ٣/ ٢١٧ - ٢١٨ هكذا: المهل في هذا الحديث: الصديد والقيح، والمهل في غير هذا كل فِلزّ أذيب، والفلز جواهر الأرض من الذهب والفضة والنحاس وأشباه ذلك .. وقال أبو عمرو: المهل في شيئين، هو في حديث أبي بكر: الصديد والقيح وفي غيره: دُرْدِيّ الزيت.
(٦) "الفائق" ٣/ ٣٩٥.
(٧) في النسخة المطبوعة: بكسر وهو تحريف، أثبتناه من (أ).
(٨) هذه الجملة أي قول الزمخشري سقطت من (ب).
(٩) "شعب الإيمان" (٩٢٦٨) و(٩٢٦٩). =
[ ١٣٩ ]
أخاه فليُحْسِنْ كفنَه فإنهم يتزاورون فيها": هذا إن صحَّ لم يُخالف قولَ الصِّديق ﵁، إنما هو للمهل يعني الصديد، لأنه كذلك رؤيتنا (^١) ويكون ما شاءَ اللهُ في علم الله، كما في الشهداء: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ونحن نراهم (^٢) يتشحَّطُونَ في الدماء، وهُم في الغيب كما أخبر الله عنهم، ولو كانوا في رؤيتنا كما أخبر عنهم لارتفع الإيمانُ بالغيب.
وقد روى الصِّديق ﵁ (^٣) عنها أحاديث.
_________________
(١) = أخرجه الترمذي في الجنائز باب أمر المؤمن بإحسان كفن أخيه (٩٩٥) عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ: إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه. وقال: هذا حديث حسن غريب. وابن ماجه في الجنائز باب ما جاء فيما يستحب من الكفن (١٤٧٤). وأخرجه مسلم في الجنائز باب في تحسين كفن الميت (٢١٨٥) عن جابر بن عبد الله يحدث: أن النبي ﷺ خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قبض فكُفِّن في كفن غير طائل وقُبِرَ ليلًا. فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يُصلِّي عليه. إلا أن يُضطرّ إنسان إلى ذلك، وقال النبي ﷺ: إذا كفن أحدكم أخاه فَلْيُحَسِّنْ كفنه. وأخرج حديث جابر أيضًا أبو داود (٣١٤٨) والنسائي (١٨٩١) وعبد الرزاق (٦٥٤٩) وأحمد (١٤١٤٥ و١٤٥٢٤ و١٤٦١٧ و١٤٧٦٦ و١٤٩٩٣)، والحاكم ١/ ٥٢٣ - ٥٢٤، والبيهقي ٣/ ٤٠٣ و٤/ ٣٢ وابن حبان ٧/ (٣٠٣٤). والحديث عند عبد الرزاق (٦٢٠٨) عن ابن سيرين قال: كان يقال: من ولي أخاه فليحسن كفنه وإنه بلغني أنهم يتزاورون في أكفانهم. وعند ابن أبي شيبة ٢/ (١١١٣١) عن ابن سيرين قال كان يحب حسن الكفن ويقال: أنهم يتزاورون في أكفانهم.
(٢) وقع في النسخة المطبوعة: روايتنا وهو تحريف. أثبتناه من كل من (أ) و(ب).
(٣) وقع في النسخة المطبوعة فراغ هنا وقال الأستاذ سعيد الأفغاني: "كلمة غير مفهومة"، وثَمَّ لفظة: الله وهو تحريف، أثبتناه من (ب)، وكلمتان في (أ) تشبهان: ونحن نراهم.
(٤) الصديق ﵁، أثبتناه من (ب).
[ ١٤٠ ]
منها ما أخرجه الطبراني في "معجمه الوسط" (^١) من جهة منصور (^٢) عن مجاهد، عن خالد بن سعد، عن غالب بن أبجر عن أبي بكر الصديق.
_________________
(١) "المعجم الأوسط" ١/ (١٠٥) وقال أيضًا: تفرد به عبيد الله بن موسى. وأخرج البخاري في الطب باب الحبة السوداء (٥٦٨٧)، وابن ماجه (٣٤٤٩) واللفظ للبخاري: حدثني عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا عبيد الله، حدثنا إسرائيل عن منصور، عن خالد بن سعد قال: خرجنا ومعنا غالب بن أبجر فمرض في الطريق، فقدمنا المدينة وهو مريض، فعاده ابن أبي عتيق فقال لنا: عليكم بهذه الحُبَيْبة السُّوَيْداء، فخذوا منها خمسًا أو سبعًا فاسحَقُوها، ثم اقْطَرُوها في أنفه بقطرات زيت في هذا الجانب، فإن عائشة ﵂ حدثتني أنها سمعت النبي ﷺ يقول: إن هذه الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا من السام، قلت وما السام؟ قال: الموت. وأخرجه ابن أبي شيبة عن نفس الجهة مختصرًا ٥/ (٢٣٤٤١). قال ابن حجر: في "الفتح" ١٠/ (٥٦٨٧): وقد أخرجه المنجنيقي في كتاب رواية الأكابر عن الأصاغر عن عبيد الله بن موسى بهذا الإسناد فأدخل بين منصور وخالد بن سعد مجاهدًا، وتعقبه الخطيب بعد أن أخرجه من طريق المنجنيقي بأن ذكر مجاهد فيه وهمٌ. ووقع في رواية المنجنيقي أيضًا "وخالد بن سعيد" بزيادة ياء في اسم أبيه، وهو وَهْمٌ نبه عليه الخطيب أيضًا .. قال الخطيب: وقوله في السند: "عن غالب بن غالب بن أبجر" وَهْمٌ فليس لغالب فيه رواية، وإنما سمعه خالد مع غالب من أبي بكر بن أبي عتيق، قال: وأبو بكر بن أبي عتيق هذا هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. وفي الباب عن عائشة أخرجه أحمد (٢٥٠٦٧) و(٢٥١٣٣) عن أبي هريرة (٧٢٨٧) و(٧٥٥٧) و(٧٦٣٨) و(٨٥١٧) و(٩٤٧٣) و(٩٥٤٣) و(٩٥٤٤) و(١٠٥٥٠) و(١٠٦٢٦) و(١٠٠٤٦) وعن بريدة الأسلمي (٢٢٩٣٨ و٢٢٩٧٢ و٢٢٩٩٩) ولفظها: عليكم بهذه الحبة السوداء - وهي الشونيز - فإن فيها شفاء وأخرج حديث أبي هريرة في هذا الباب أيضًا البخاري (٥٦٨٨)، ومسلم (٥٧٦٦ - ٥٧٦٨) والترمذي (٢٠٤١)، والنسائي في الكبرى (٧٥٧٨)، والحميدي (١١٠٧) ومعمر بن راشد في الجامع (٢٠١٦٩) والطيالسي (٢٤٦٠)، والبيهقي ٩/ ٣٤٥.
(٢) من جهة منصور سقطت من (ب).
[ ١٤١ ]
عن عائشة عن النَّبِيّ ﷺ قال: "في الحبَّة السوداءِ شفاءٌ مِنْ كل داءٍ إلا السَّام".
وقال: لا يُروى عن أبي بكر عن عائشة إلا بهذا الإسناد.
وذكر ابن الصلاح (^١) في النوع الرابع والأربعين من علومه: أن هذا غلط ممن رواه عن أبي بكر الصديق عن عائشة إنما هو عن أبي بكر بن أبي عتيق عن عائشة وهو عبدُ الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق اهـ. وفي "التلقيح" (^٢) لابن الجوزي في باب من روى عن ابنه: روى أبو بكر الصديق (^٣) عن ابنته عائشة حديثين (^٤). وكذلك روت أمُّ رومان عن ابنتها عائشة حديثًا (^٥).
_________________
(١) "علوم الحديث" ص ٣٠٢. ينتهي النقل عند ابن الصلاح إلى قوله: عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.
(٢) وقع في النسخة المطبوعة: التنقيح وهو تحريف وليس لابن الجوزي كتاب يسمى بالتنقيح، إنما هو "التلقيح" كما رأينا في كل من (أ) و(ب)، انظر: "تلقيح فهوم أهل الأثر" لابن الجوزي، ص ٤٤٠.
(٣) من جملة: وفي التلقيح إلى قوله الصديق سقطت من (ب).
(٤) من جملة: وفي التلقيح إلى قوله حديثين. ذكره العراقي في "التقييد والإيضاح" ص ٣٠٢ في النسخة المطبوعة مع مقدمة ابن الصلاح، وليس فيها: وكذلك روت أم رومان عن ابنتها عائشة حديثين.
(٥) في (ب) حديثين. قال السيوطي في "تدريب الراوي" ٢/ ٢٥٦: قال العراقي: لكن ذكر ابن الجوزي: أن الصديق روى عن ابنته عائشة حديثين، وروت عنها أم رومان أمها حديثين، قال البلقيني: فإن كان ابن الجوزي أخذ رواية الصديق ذلك الحديث فقد تبين أنه وهم. قلت: قد ذكر المزي في "تحفة الأشراف" من مسند أم رومان ١٣/ ٧٨ - ٧٩ حديثين عنها برقم (١٨٣١٧) و(١٨٣١٨) وأشار إلى أربعة روايات في البخاري (٣٣٨٨) و(٤١٤٣) الحديث نفسه مطولًا، و(٤٦٩١) و(٤٧٥١) مختصرين. وكل هذه الروايات الأربعة من جهة حصين عن أبي وائل عن مسروق عن أم رومان في حديث الإفك وهو حديث واحد.
[ ١٤٢ ]