أخرج البيهقيُّ في سننه" (^٢) عن علي بن المديني: حدثنى أبي، أخبرني علقمةُ بنُ أبي علقمة، عن أمه (^٣).
قالت: "دخل شيبة بنُ عثمان على عائشة، فقال: "يا أُمَّ المؤمنين إن ثيابّ الكعبة تجتمِعُ علينا فتكثر، فَنَعْمَدُ إلى آبارٍ فنحفرها (^٤) فنعمقها، ثم نَدْفنُ ثيابَ الكعبة فيها كيلا يَلْبَسَها الجنُب والحائض" فقالت عائشة: "ما أحسنت وبئسَ (^٥) ما صنعتَ، إن ثيابَ الكعبة إذا نُزِعَتْ منها، لم يضرها أن يَلْبَسَها الجنبُ والحائضُ، ولكن بِعْها واجعل ثمنَها في المساكين، وفي سبيل الله (^٦) وابن السبيل" (^٧).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" ٢/ (٢١٣٢) عن ابن جريج قال: أخبرني زياد بن سعد أن أبا نهيك أخبره أن أبا الدرداء خطب فقال: من أدركه الصبح فلا وتر له، فقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ: يدركه الصبح فيوتر.
(٢) في "السنن" ٥/ ١٥٩.
(٣) في (ب): عن أبيه قال، خطأ.
(٤) في "السنن". فنحتفرها.
(٥) في "السنن": ولبئس.
(٦) في "السنن" هنا توجد هذه الزيادة: قالت: فكان شبيه بعد ذلك يرسل بها إلى اليمن فتباع هناك ثم يجعل ثمنها في المساكين وفي سبيل الله وابن السبيل.
(٧) انتهى النقل من "السنن" ٥/ ١٥٩.
[ ٢٥٣ ]
وهذا الإسناد معلول بوالد علي بن المديني (^١) فإنه ضعيفٌ عند عندهم، لكن تابعه عبدُ العزيز بنُ محمد الدراوردي (^٢): نعم رواه عنه خالد بن يوسف السمتي (^٣) وهو ضعيف.
وشيبة بن عثمان هذا صحابي، ذكره أبو عمر في "الاستيعاب" (^٤) وقال: أسلم يومَ فتح مكة، وشهد حنينًا. وقيل: بل أسلم بحُنين وكان مِن خيار
_________________
(١) هو عبد الله بن جعفر بن نجيح المديني مولى بني سعد قال أبو حاتم: منكر الحديث جدًّا، ضعيف الحديث، يحدث عن الثقات بالمناكير، يكتب حديثه ولا يحتج به. انظر ترجمته في "الجرح والتعديل" ٥ / (١٠٢) و"ميزان الاعتدال" ٣/ (٤٢٤٧) وفيه: قال ابن المديني: أبي ضعيف وعلي بن المديني هو الشيخ الإمام الحجة، أمير المؤمنين في الحديث، أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح المعروف بابن المديني، صاحب التصانيف المتوفى سنة ٢٣٤ هـ. له ترجمة حافلة في "السير" ١١/ (٣٣).
(٢) هو الإمام العالم المحدث عبد العزيز بن محمد بن عبيد أبو محمد الجهني مولاهم المدني الدَّراوَرْدي قيل: أصله من دَرَاورد: قرية بخراسان. قال أحمد بن صالح: الدراوردي من أهل أصبهان نزل المدينة توفي سنة ١٨٧ هـ. قال أبو زرعة: سيّيء الحفظ وقال أبو حاتم: لا يحتج به وقال أحمد: كان الدراوردي إذا حدث من حفظه يهم، ليس هو بشيء، وإذا حدث من كتابه فنعم وقال الذهبي: حديثه في دواوين الإسلام الستة لكن البخاري روى له مقرونًا بشيخ، آخر، وبكل حال فحديثه لا ينحطُّ عن مرتبة الحسن. له ترجمة في "السير" ٨/ (١٠٧).
(٣) وقع في النسخة المطبوعة: السحتى وقال الأستاذ الأفغاني: في الأصل: السحيتي، كلاهما خطأ وتحريف والصواب السمتي كما أثبتناه من (أ) و(ب) و"لسان الميزان" ٢/ (١٦٠٨)، و"ميزان الاعتدال" ٢ / (٢٤٨٨).
(٤) في "الاستيعاب" ٢/ ١٥٩ - ١٦٠.
[ ٢٥٤ ]
المسلمين، ودفع رسولُ الله ﷺ مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة بن أبي طلحة وإلى ابن عمه (^١) شيبةَ بن عثمان بن أبي طلحة، وقال: "خذوها خالدةً تالدةً إلى يومِ القيامة يا بني أبي طلحة، لا يأخُذُها منكم إلا ظالمٌ" (^٢) قال: "فَبَنُو أبي طلحةَ هم الذين يلون سَدَانةَ الكعبة دونَ بني عبد الدار". قال: وشيبة هذا هو جد بني شيبة حجبةِ الكعبة إلى اليوم، وهو أبو (^٣) صفية بنت شيبة توفي في آخرِ خلافةِ معاوية سنة تسعٍ وخمسين، وقيل: بل في أيام يزيد".
وكثير من الناس يتوهمُ أن بني شيبة من عقب عثمان طلحة، قال شيخنا عماد الدين بن كثير في تفسيره (^٤): "وليس كذلك" (^٥)، فإن عثمان بن طلحة بن أبي أبي طلحة - واسمُ أبي طلحة عبد الله بن عبد العُزَّى بن عثمان بن عبد الدار بن قُصي بن كِلاب القرشي العَبْدَري (^٦) حاجب الكعبة المعظمةِ،
_________________
(١) وقع في (أ) و(ب) والمطبوعة: إلى عثمان بن طلحة وإلى ابن عمته، وهو تحريف، أثبتناه من "الاستيعاب".
(٢) أخرجه الطبراني في "الكبير" ١١ / (١١٢٣٤) حدثنا أحمد بن عمرو الخلال بن عمرو المكي حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثنا معن بن عيسى بن مالك حدثنا عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، يعني حجابة الكعبة. وأخرجه بسنده ومتنه في "الأوسط" ١ / (٤٨٨) وقال: لم يرو هذا الحديث عن ابن أبي مليكة إلا عبد الله بن المؤمل تفرد به معن بن عيسى. ونقله الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢٨٥ وعزاه إلى "الكبير" و"الأوسط" ثم قال: وفيه عبد الله بن المؤمل وثقه ابن حبان وقال: يخطئ ووثقه ابن معين في رواية وضعفه جماعة.
(٣) وقع في (أ) و(ب): ابن وهو تحريف والصواب أبو صفية كما ورد في "الاستيعاب" و"أسد الغابة" ٢/ (٢٤٦٦) و"الإصابة" ٢/ (٣٩٤٥).
(٤) تفسير ابن كثير ٢/ ٢٩٩.
(٥) "وليس كذلك" لا يوجد في تفسير ابن كثير.
(٦) وقع في (أ) و(ب) والمطبوعة: العبدي وهو تحريف، والصواب كما أثبتناه من المراجع.
[ ٢٥٥ ]
وهو ابنُ عم شيبة بن عثمان أبي (^١) طلحة الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم.
أسلم عثمانُ هذا في الهُدنة بين صُلح الحديبية وفتح مكة هو وخالدُ بن الوليد، وعمرو بن العاص.
وأما عمه عثمان بن أبي طلحة فكان معه لواءُ المشركين يوم أحد، وقتل يومئذ كافرًا.
وإنما نبهنا على هذا النسب (^٢) لأن كثيرًا مِن المفسرين (^٣) قد يَشْتَبِهُ عليهم هذا.
قلتُ: وكذا ذكره أبو عبيد (^٤) في "الأنساب" عن ابن الكلبي فذكر بني عبد عثمان الدار، ثم قال: ومنهم بن طلحة بن أبي طلحة الذي أخذ النبي ﷺ منه المفتاحَ يومَ الفتح، ثم رده عليه. ثم قال: "بنو شيبة" (^٥) وشيبة بن عثمان بن أبي طلحة ولي الحِجابة بعدَ عثمان بن أبي طلحة اهـ.
وذكر ابن عربي (^٦) في الفتوحات المكية (^٧) أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
_________________
(١) كلمة "أبي" سقطت من (أ) و(ب) والمطبوعة والصواب هو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة.
(٢) كلمة "النسب" لا توجد في (أ) و(ب) استدركناه من تفسير ابن كثير.
(٣) وقع في (أ) و(ب) والمطبوعة: الناس أثبتناه من تفسير ابن كثير.
(٤) وقع في المطبوعة: أبو عبيدة وهو تحريف، أثبتناه من (أ) و(ب).
(٥) في (ب): وكذا شيبة.
(٦) في (أ) والمطبوعة: العربي، خطأ، وفي (ب) المغربي وهو خطأ، فإن ابن العربي يقال لأبي بكر بن العربي الإشبيلي صاحب "أحكام القرآن" المتوفى سنة ٥٤ هـ. وأما ابن عربي بدون "أل" فيطلق على صاحب "الفتوحات المكية". وهو العلامة صاحب التواليف الكثيرة محيي الدين أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن أحمد الطائي الحاتمي المرسي نزيل دمشق المتوفى سنة ٦٣٨ هـ. انظر في "السير" ٢٣ / (٣٤).
(٧) في الفتوحات ١/ ٧٠٥ - ٧٠٦. والذي قاله ابن عربي هنا يهمنا جدًّا: "والحديث النبوي في ذلك مشهور والخلفاء والأمراء غفلوا عن مقتضى معنى قوله تعالى حين =
[ ٢٥٦ ]
يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] ليس فيها إشارةٌ إلا لدفع المفتاح له، لا لجعلِ أمانة البيت معه حتى جعل ذلك في عقبه بني شيبة. وهذه الآية مكية وحدَها مِن بين سائر أي هذه السورة، فهي مدنية.