روى الشيخان (^١) عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "إذا أطْعَمَتِ المرأةُ مِن بيت زوجها غير مفسدة، فلها أجرها، وله مثله وللخازن مثل ذلك".
وأخرجا أيضًا عن همام (^٢) عن أبي هُريرة: قال رسول الله ﷺ: "وما أنفقت المرأةُ مِن كسبه عن غيرِ أمره، فإن نصفَ أجره له" (^٣).
وهذا لا يُنافي رواية أبي هُريرة. ثم إنه قد جاءَ عن أبي هُريرة ما يُخالف ظاهرَ: روايته فروى أبو داود في "سننه" (^٤) من جهة عبدِ الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة في المرأة تَصَّدَّق مِن بيتِ زوجها؟ قال: "لا، إلا من قوتها والأجرُ بينهما، ولا يَحِلُّ لها أن تَصَدَّقَ مِن مال زوجها إلا بإذنه".
ولأجل هذا حمل البيهقيُّ (^٥) وغيرُه الحديث السابق على أنها تُعطيه من الطعام الذي أعطاها زوجُها، وجعلها بحكمها دونَ سائر أمواله، والأصلُ
_________________
(١) أخرجه البخاري في الزكاة باب أجر المرأة إذا تصدقت أو أطعمت من بيت زوجها غير مفسدة (١٤٤٠)، (١٤٤١)، (١٤٢٥)، (١٤٣٧) ومسلم في الزكاة باب أجر الخازن الأمين والمرأة إذا تصدقت من بيت زوجها غير مفسدة بإذنه الصريح أو العرفي (٢٣٦٤) و(٢٣٦٦) عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة، كان لها أجرها، وله مثل بما اكتسب، ولها بما أنفقت وللخازن مثل ذلك، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا.
(٢) وقع في النسخة المطبوعة: هشام وهو تحريف، أثبتناه من (أ) و(ب) والصحيحين. وهو في صحيفة همام برقم (٧٦).
(٣) أخرجه البخاري في البيوع باب قوله: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] (٢٠٦٦) ومسلم في الزكاة باب ما أنفق العبد من مال مولاه (٢٣٧٠) وأبو داود في الزكاة باب المرأة تصدق من بيت زوجها (١٦٨٧).
(٤) أخرجه أبو داود في الباب المذكور (١٩٨٨)، ثم قال: هذا يضعف حديث همام.
(٥) في "السنن" ٤/ ١٩٣.
[ ٢٣٠ ]
تحريمُ مال الغير إلا بإذنه. قال: والحامل على ذلك أن أبا هريرة قال ذلك وهو أحدُ رواة تلك الأخبار.
ونازعه الحافظ شمس الدين الذهبي، وقال: بل الظاهر أنه أراد الإذن لها في الصدقة مما يقتاتونه من المطبوخ والمخبوز وهو الطعامُ الرطب، دونَ ما في البيتِ مِن مثل العسل والزيت والجبنِ مما يُدخر فإن ذلك مال؛ فإن أبا هريرة قال: والأجر بينهما.
فأما قوتها: التي تأخذه مِن زوجها بالفرض، ثم تُؤثر منه، فإن الأجرَ لها وحدها. اهـ.
وقال صاحب "الدر النقي" (^١): هذا الأثر المروي عن أبي هريرة لا يَصِحُّ، فإن في سنده عبد الملك العرزميَّ وهو متكلم فيه قال البيهقي (^٢) في موضع: "لا يُقبل منه ما خالفَ فيه الثقاتِ". ثم لو صح، فالعبرةُ عندَ فالعبرة عند الشافعي لما روى لا لما رأى (^٣)، وكيف يُحمل ذلك على الطعام الذي أعطاها، وفي حديث أبي هُريرة "وما أنفقت مِن كسبه من غيرِ أمره"، بل يحمل ذلك على كل ما هو مأذون فيه إما صريحًا أو عرفًا أو عادةً.
وقد أخرج البيهقي (^٤) أيضًا عن يحيى القطان عن زياد بن لاحق: حدثتني تميمةُ بنتُ سلمة أنها أتت عائشة في نِسوة من أهل الكوفة فسألتها امرأة منا فقالت: "المرأة تُصيبُ مِن بيت زوجها شيئًا بغير إذنه؟ " فَغَضِبَتْ وقطَّبت، وساءَها ما قالت، وقالت: "لا تَسْرِقي منه ذهبًا ولا فضة، ولا تأخذي منه شيئًا".
قلت وكأنها ﵂ قالت لها ذلك، لما فهمت مِن قرينةِ الحالِ أنها
_________________
(١) يعني "الجوهر النقي" لابن التركماني ٢/ ٥٨١ - ٥٨٣. انظر ما علقنا على اسم هذا الكتاب ص ١٦٧.
(٢) في "السنن" ١/ ٢٤٢.
(٣) وقع في النسخة المطبوعة: (بما) روى لا بما رأى وفي (ب): بما روى لا ما رأى خطأ. أثبتناه من (أ) والجوهر النقي.
(٤) في "السنن" ٤/ ١٩٣.
[ ٢٣١ ]
تستطيلُ في ماله لموافقتها بالجواز، كما اتفق مثلُ ذلك لابنِ عباس لما أفتى السائلَ عن توبةِ القاتل: أنه لا توبةَ له (^١).
وفي البابِ حديث أخرجه الترمذي وابنُ ماجه (^٢) عن إسماعيل بن عياش: حدثنا شرحبيل بن مسلم (^٣) أنه سمع أبا أُمامة يقول: شَهِدْتُ رسول الله ﷺ في حَجَّةِ الوداع، فسمعتُه يقول: "لا يَحِلُّ لامرأةٍ أن تُعطي من مال زوجها شيئًا إلا بإذنه" فقال رجلٌ: يا رسولَ الله ولا الطعام؟ قال: "ذاك أفضلُ أموالنا" قال الذهبي: هذا إسناد حسن.