الحمد لله الذي جعل فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام، وأعلى أعلام فتواها بين الأعلام، وألبسها حُلَّة الشرف حيث جاء إلى سيد الخلق الملكُ بها في سرقةٍ (^١) من حرير في المنام.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له شهادةً تَنْظِمُنا في أَبْناءِ أُمهات المؤمنين وتَهْدِينا إلى سَنَنِ السُّنةِ آمنين.
وأشهد أن سيدنا محمدًا عبدهُ ورسوله الذي أرشدَ إلى الشريعة البيضاء، وأعلن بفضل عائشة حتى قيل: خذوا شطرَ دِينكم عن الحُميراء (^٢)،
_________________
(١) أي في قطعة من جيد الحرير، وجمعها سَرَق. انظر "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير ٢/ ٣٦٢.
(٢) قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (٤٣٢): حديث: خذوا شطر دينكم عن الحميراء، قال شيخنا في تخريج ابن الحاجب من إملائه لا أعرف له سندًا؛ ولا رأيته في شيء من كتب الحديث إلا في "النهاية"، لابن الأثير ذكره في مادة ح م ر، ولم يذكر من خرجه ورأيته أيضًا في كتاب الفردوس. لكن بغير لفظه، وذكره من حديث أنس بغير إسناد أيضًا ولفظه: "خذوا ثلث دينكم من بيت الحميراء" وبيض له صاحب مسند الفردوس فلم يخرج له إسنادًا وذكر الحافظ عماد الدين بن كثير أنه سأل الحافظين المزي والذهبي عنه فلم يعرفاه. وقال العجلوني في "كشف الخفاء" (١١٩٨) وقال الحافظ عماد الدين في تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب: هو حديث غريب جدًّا، بل هو منكر، سألت عنه شيخنا المزي فلم يعرفه، وقال لم أقف له على سند إلى الآن، وقال شيخنا الذهبي هو من الأحاديث الواهية التي لا يعرف لها إسناد. وقد ذكره ابن القيم في "المنار المنيف" (٩١) بعد حكمه: وكل حديث فيه "يا حميراء" أو ذكر "الحميراء" فهو كذب مختلق (٨٩). انظر ما علق عليه الشيخ أبو غدة هناك. =
[ ٧٨ ]
صلى الله عليه وعلى آله وصبحه صباح مساءٍ، وعلى أزواجه اللواتي قيلَ في حقهن: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] صلاةً باقيةً في كل أوانٍ دائمة ما اختلف الملون (^١).
وبعد، فهذا كتاب أجمعُ فيه ما تفردت به الصِّدِّيقةُ ﵂ أو خالفت فيه سواها برأي منها، أو كان عندها فيه سنةٌ بيّنة، أو زيادةُ علمٍ متقنة، أو أنكرت فيه على علماء زمانها، أو رجع فيه إليها (^٢) أجلَّةٌ مِن أعيان أوانها، أو حرَّرَته من فتوى، أو اجتهدَتْ فيه من رأي رأته أقوى، مُوردًا ما وقع إليَّ مِن اختياراتها، ذاكرًا من الأخبار في ذلك ما وصل إليَّ عن رواتها. غير مدَّعٍ في تمهيدها للاستيعاب، وأن الطاقة أحاطت بجميع (^٣) ما في هذا الباب. على أني حررتُ ما وقع لي من ذلك تحريرًا ونمّقت بُرودَه رقْمًا وتحبيرًا مع فوائد أضمُّها إليه وفرائدَ (^٤) أنثُرُها عليه، ليبقى (^٥) عِقدًا ثمينةً جواهرُه، وفَلكًا منيرةً زواهِرُه.
ولقد وُفّقتُ لجمعها في زمن قريب، وأصبح مأهولُ ربعها مأُوىً لِكل غريب. وما هذا إلا ببركة هذا البيتِ العظيم الفخر، وما هي بأول
_________________
(١) = وسيأتي كلام الزركشي على هذه الكلية أيضًا أثناء تعداد خصائص عائشة ﵂ الخامسة والعشرين. والحميراء تصغير حمراء، وكانت عائشة بيضاء، والعرب تسمي الأبيض أحمر.
(٢) هو الليل والنهار.
(٣) إليها سقطت من (ب).
(٤) في (ب) بجمع.
(٥) في (ب): فوائد وهو خطأ.
(٦) كذا في مسودة المؤلف، وفي (ب) ليكن.
[ ٧٩ ]
بركَتِكُم (^١) يا آل أبي بكر (^٢). وسميته (الإجابة لإيراد ما استدركته عائشةُ على الصحابة) والله أسألُ أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، موصلًا إلى جنان (^٣) النعيم وأهديته إلى بحر علم ثمينٍ جوهرُه، وأُفق فضل أضاءَ شمسُه وقمرُه، وروضِ آدابِ (^٤) يانعةٍ ثماره، ساطعةٍ أزهاره، سيدي (^٥) قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة (^٦) الشافعي أدام الله عُلُوَّه وكَبَتَ عدوّه إذ لمذهب الشافعي من ثماره أيُّ روضات، وهو لمحرابه إمام يتلو فيه من معجز القولِ آيات. قد أظهر عرائس فضله المجلوّة، وأبرز نفائس نقلهِ المحبوة، وبهر العقول بدقائقه التي بَهَرَتْ، وزاد المباحث رونقًا بعبارته التي سحرت الألباب وما شعرت.
_________________
(١) في (ب): تركتكم وهو خطأ.
(٢) من قول الصحابي الجليل أسيد بن الحضير، والحديث أخرجه البخاري في التيمم (٣٣٤) ومسلم في التيمم باب التيمم (٨١٦) وأحمد في مسنده (٢٥٤٥٥). إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٣) في (ب): جنات.
(٤) في (ب): أوان وهو خطأ.
(٥) سقطت من (ب) لفظة: سيدي.
(٦) هو عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله جماعة علي بن جماعة، قاضي القضاة، شيخ المحدثين بركة المسلمين أبو عمر بن قاضي القضاة بدر الدين أبي عبد الله الكناني، الحموي الأصل، الدمشقي المولد المصري المتوفى سنة ٧٦٧ هـ. صنف تصانيف كثيرة وولي القضاء فسار فيه سيرة حسنة. ومن تصانيفه تخريج أحاديث الرافعي، والمناسك الكبرى والمناسك الصغرى والسيرة الكبرى والسيرة الصغرى. انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٦٤٧) والطبقات للسبكي (١٠/ ٧٩ - ٨١). قد نشر كتابه "هداية السالك إلى المذاهب الأربع في المناسك" الأستاذ نور الدين عتر ثلاثة مجلدات، بيروت ١٩٩٤/ ١٤١٤ هـ.
[ ٨٠ ]
تُهدى العُلُومُ إليه وهُو حقيقةً أدرى مِن المُهدي بِهِنَّ وأعلمُ.
وكنتُ في إهدائه إلى مقامه كمن يُهدي إلى البستان أزهاره؛ وإلى الفَلَك شموسَه وأقماره، وإلى البحر (^١) جدولًا، وإلى السَّيل وَشَلًا، ولكن عرضت هذا المُصَنَّف على مَلِكِ الكلام؛ بل أمير المؤمنين في الحديث والإمام، لأثقفه باطلاعه عليه والسلام. والله تعالى يجعل أيامه كُلَّها مواسِمَ، ويُطرز التصانيف بفوائده حتى تصير كالثغور البواسم.
_________________
(١) في (ب) وفي البحر.
[ ٨١ ]