ومن مقاييس نقد الحديث في منهج السيدة عائشة هي عرض الرواية على قواعد اللغة والمنطق بفهمها الواعي، وبمعرفتها العميقة مقصود النبي ﷺ من حديثه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٤٦٦) و(٦٠٠٩) ومسلم (٥٨٥٩).
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٦٧) ومسلم (٥٨٦١) ولفظهما: إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل.
(٣) أخرجه البخاري (٢٣٦٤) و(٣٤٨٢) ومسلم (٦٦٧٥) و(٥٨٥٢) و(٥٨٥٥) وأحمد (٢٦٩٦٣).
(٤) أخرجه أحمد (١٤٦٠٢).
(٥) كيف نتعامل مع السنة النبوية، للقرضاوي، ص ٤٧.
[ ٧١ ]
كما رأينا في حديث أخرجه مسلم عن عائشة أمِّ المؤمنين قالت: "قال رسول الله ﷺ: "أَسْرَعُكُنَّ لُحوقًا بي، أطولُكُن يدًا" قالت: فكن يتطاولن أيَّتُهُنَّ أطول يدًا. قالت: فكانت أطولنا يدًا زينب، لأنها كانت تعمل بيدِها وتصدق" (^١).
قال النووي: "معنى الحديث أنهن ظنن أن المراد بطول اليد طول اليد الحقيقية وهي الجارحة فكن يذر عن أيديهن بقصبة فكانت سودة أطولهن جارحة، وكانت زينب أطولهن يدًا في الصدقة وفعل الخير فماتت زينب أولهن فعلموا أن المراد طول اليد في الصدقة والجود. قال أهل اللغة: فلان طويل اليد وطويل الباع إذا كان سمحًا جوادًا (^٢).
وكما رأينا في إنكارها على فهم أبي سعيد الخدري أنه لما حضره الموت، دعا بثياب جدد فلبسها ثم قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ الميت يُبْعَثُ في ثيابه التي يموتُ فيها" (^٣).
ونقل الزركشي عن أبي الحسين أحمد بن القطان في كتاب أصول الفقه له أنه قال: "إنَّ أبا سعيد ﵁ فهم من الحديث أن النبي ﷺ أراد بالثياب الكفن وأن عائشة ﵂ أنكرت على ذلك وقالت: "يرحم الله أبا سعيد إنما أراد النبي ﷺ عمله الذي مات عليه، قد قال رسول الله ﷺ: يُحشر الناسُ حفاة عراة غرلًا" (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٦٣١٦) والبخاري (١٤٢٠) والنسائي (٢٥٤٢). ووقع هذا الحديث في البخاري (والنسائي أيضًا) بلفظ متعقد يوهم أن أسرعهن لحوقًا سودة، وهذا الوهم باطل بالإجماع. قاله النووي ٩/ ١٦.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/ ٨ - ٩.
(٣) أخرجه أبو داود في الجنائز (٣١١٤).
(٤) أخرجه البخاري (٣٣٤٩) ومسلم (٧١٩٨) وأحمد (٢٤٢٦٥) و(٢٤٥٨٨).
[ ٧٢ ]
قال الخطابي: "أما أبو سعيد، فقد استعمل الحديث على ظاهره، وقد روى في تحسين الكفن أحاديث، وقد تأوله بعض العلماء على خلاف ذلك فقال: معنى الثياب العمل، كنى بها عنه أنه يُريد أنه يُبعث على ما مات عليه من عمل صالح أو عمل سيء. قال: والعرب تقول: فلان طاهرُ الثياب: إذا وصفوه بطهارة النفس، والبراءة من العيوب، ودنس الثياب إذا كان بخلاف ذلك" (^١).
ويؤيد إنكار عائشة وفهمها بعضُ الأحاديث المرفوعة كما أخرجه مسلم عن جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "يبعث كل عبد على ما مات عليه". وعن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أراد الله بقوم عذابًا، أصابَ العذابُ مَنْ كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم" (^٢).
قال النووي: قال العلماء: معناه يُبعث على الحالة التي مات عليها ومثله الحديثُ الآخر بعده، ثم بعثوا على نياتهم (^٣).
وفي هذا الحديث عرضت السيدةُ عائشة ما سمعته من أبي سعيد على ما يعرفه الجميعُ من أن الناس يحشرون حُفاة عراة غرلًا، وهي هنا لم تُخطّئ أبا سعيد فيما سمعه من رسول الله ﷺ، بل في فهمه الذي فهمه من الحديث، فقد أخذ بظاهر النص، ولم يدر أن النبي ﷺ يعني بثيابه التي يبعث فيها عمله الذي مات عليه.
وهذا المنهج الذي سنته السيدةُ عائشة أحرى بالاتباع، فلا يبادر المرء إلى رَدِّ حديث صحيح لمعارضته معنى حديث آخر مع إمكان الجمع
_________________
(١) معالم السنن للخطابي ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣.
(٢) أخرجه مسلم (٧٢٣٢) و(٧٢٣٤).
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/ ٢١٠.
[ ٧٣ ]
بينهما، بل يحمل أحدهما على وجه والثاني على وجه آخر، حتى يتخلص من الخلاف الظاهري كما عملت السيدة في هذا الحديث (^١).
إذًا قد فهم أبو سعيد الخدري هذا الحديث على الحقيقة، وفهمته السيدة عائشة على المجاز، وبيَّنت ما أراد النبيُّ ﷺ بهذا الحديث، وقد أفادت وأجادت والله أعلم.
ومثال آخر لهذا الموضوع ما رواه كل من البخاري ومسلم عن عُروة قال: سألتُ عائشة ﵂ فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة. قالت: بئسما قلت يا ابنَ أختي، إنَّ هذه لو كانت كما أوَّلتها عليه، كان لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يُهلون لِمَنَاة الطاغية التي كانوا يعبدونها بالمشلل، فكان مَن أهَلَّ يتحرج أن يطوفَ بينَ الصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول ﷺ عن ذلك قالوا: "يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوفَ بَيْنَ الصفا والمروة فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية، قالت عائشة ﵂: وقد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما (^٢).
قال النووي: قال العلماء: هذا من دقيق علمها، وفهمها الثاقب، وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ، لأن الآية الكريمة إنما دلّ لفظها على رفع الجناح عمَّن يطوف بهما، وليس فيه دلالة على عدم وجوب السعي ولا
_________________
(١) مقاييس نقد متون السنة للدميني، ص ١٠٧ - ١٠٨.
(٢) أخرجه البخاري (١٦٣٤) ومسلم (٣٠٨١).
[ ٧٤ ]
على وجوبه، فأخبرته عائشةُ ﵂ أن الآية ليست فيها دلالة للوجوب ولا لعدمه، وبيَّنت السبب في نزولها والحكمة في نظمها، وأنها نزلت في الأنصار حين تحرَّجُوا مِن السعي بين الصفا والمروة في الإسلام، وأنها لو كانت كما يقول عُروة لكانت: فلا جناح عليه أن لا يطوفَ بهما (^١).
قال الزركشي: قال بعض علماء التفسير: "إذا كان الحرجُ في الفعل، قيل: لا جناح أن تفعل، وإن كان في الترك قيل: لا جناح ألا تفعل .. فاستدل ابن الزبير على عدم الوجوب بأن الحرج كان في الفعل لا في الترك، فقالت عائشة ﵂: "لو كان الحرج في الترك وأريد نفيُه كان "لا جناح ألا يطوف، لكن الحرج كان في الفعل فقيل: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (^٢).
وهذا منها يدل على علم وفير، وفهم دقيق، ونظر ثاقب تفحص كُلَّ ما يُروى، وتُبيِّنُ خطأَه، وتوجهه التوجية اللائق به، فرضي الله عنها وأرضاها (^٣).