١ - (بَريرة): وهي التي كان فيها ثلاثُ سنن (^٧) وحديثهُا مشهور في
_________________
(١) عدد الأحاديث التي روتها بلغت في مسند الإمام أحمد: (٢٤٠٢).
(٢) انظر لأسماء الرواة الذين حدثوا عنها من الرجال والنساء في "السير" ٢/ (١٩).
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/ ٦٥.
(٤) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ٢/ ١٧٧.
(٥) في النسخة المطبوعة: أعزب وهو تحريف. أثبتناه من (أ).
(٦) أخرجه الترمذي في المناقب باب من فضل عائشة ﵂ (٣٨٨٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح؛ وابن سعد في الطبقات ٨/ ٦٥، وأبو نعيم في الحلية ٢/ ٤٤.
(٧) في (ب): كانت قبلها ثلاث سنين. وهو خطأ.
[ ٩٠ ]
الصحيح (^١) روت عن النبي ﷺ: "إن الرجلَ لَيُدْفَعُ عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها على محجمة مِن دم يُريقه من مسلم" يعني بغير حق (^٢). روته لعبد الملك بن مروان، رواه عنها زيدُ بن واقد، وهو من ثقات الشاميين، لقي واثلة بن الأسقع.
٢ - ومنهن (سائبة): روى عنها نافع مولى ابن عمر عن سائبة: "أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل الحيات التي في البيوت إلا ذا الطُّفيتين والأبتر فإنهما يخطِفانِ البصَرَ، ويَطْرَحانِ ما في بطون النساء". رواه مالك في
_________________
(١) أخرجه البخاري في النكاح باب الحرة تحت العبد (٥٠٩٧) وفي الطلاق باب لا يكون بيع الأمة طلاقًا (٥٢٧٩) وفي الأطعمة باب الأُدم (٥٤٣٠) ومسلم في العتق باب بيان أن الولاء لمن أعتق (٣٧٨٦). عن عائشة قالت: كانت في بريرة ثلاث سنن: خُيّرت على زوجها حين عتقت، وأُهْدِيَ لها لَحْمٌ فدخل عليَّ رسول الله ﷺ والبُرمة على النار، فدعا بطعام، فأُتِيَ بخُبْزٍ وأُدُم من أدم البيت، فقال: أَلَمْ أرَ بُرْمةً على النار فيها لحمٌ! فقالوا: بلى يا رسول الله ذلك لحمٌ تُصُدِّقَ به على بريرة، فكرهنا أن نُطْعمك منه فقال: هو عليها صدقة وهو منها لنا هدية، وقال النبي ﷺ فيها: إنما الوَلاء لمن أعْتَقَ.
(٢) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (٢٤/ (٥٢٦)، والهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٢٩٨ وابن عبد البرّ في الاستيعاب ٤/ ٢٥٠ عن عبد الخالق بن زيد بن واقد قال: حدثنى أبي أن عبد الملك بن مروان حدثهم قال: كنت أجالس بريرة بالمدينة قبل أن ألي هذا الأمر فكانت تقول لي: يا عبد الملك إني أرى فيك خصالًا وإنك لخليق أن تلي هذا الأمر فإن وليت هذا الأمر فاحذر الدماء فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها بملء محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق. وعبد الخالق بن زيد لين. قال النسائي: ليس بثقة، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٦/ ٣٧: وسألت أبي عنه، فقال: ليس بقوي منكر الحديث، قلت: يكتب حديثه؟ قال: زحفا.
[ ٩١ ]
"الموطأ" (^١) عن نافع به. وقد وصله ثقات من أصحاب نافع عن سائبة عن عائشة.
٣ - ومنهن: (مرجانة) وهي أُمُّ علقمة بن أبي علقمة أحد شيوخ مالك.
٤ - ومنهم: (أبو يونس) روى عنه القعقاع بن حكيم، أخرج مالك (^٢) عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم عن أبي يونس مولى عائشة أُم المؤمنين أنه قال: "أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا ثم قالت: "إذا بلغت هذه الآية فَآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فلما بلغتها قالت: "وصلاة العصر، سمعتها من رسول الله ﷺ " (^٣).
_________________
(١) أخرجه مالك في الاستئذان باب ما جاء في قتل الحيات وما يقال في ذلك ٢/ ٩٧٦ وهو مرسل. ولفظه: أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل الجنان التي في البيوت. وأخرجه موصولًا البخاري عن ابن عمر وأبي لبابة في بدء الخَلْق باب خير مال المسلم غَنَم يتبع بها شَعَفَ الجبال (٣٣٠٠) ومسلم في السلام باب قتل الحيات وغيرها (٥٨٢٥) - ٥٨٣١).
(٢) أخرجه مالك في صلاة الجماعة باب الصلاة الوسطى ١/ ١٣٨ - ١٣٩ وفيه بعد قولها فآذني: فلما بلغتها آذنتها. فأملت عليّ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] قالت عائشة: سمعتها من رسول الله ﷺ. وأخرجه مسلم في المساجد باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (١٤٢٧).
(٣) قال الشيخ شعيب الأرنؤوط: وقول عائشة في هذا الحديث "وصلاة العصر" يوهم أن هذه الجملة من القرآن وهي ليست منه يقينًا، لأن خبر الواحد لا يثبت به قرآن، ولهذا لم يثبتها أمير المؤمنين عثمان بن عفان في المصحف الإمام، ولا قرأ بذلك أحد من القراء الذين يثبت الحجة بقراءتهم، لا من السبعة ولا من غيرهم على =
[ ٩٢ ]
٥ - ومنهم (أبو عمرو) كما رواه الشافعي في "مسنده" (^١) عن عبد الله بن أبي مليكة: أنه كان يأتي عائشة بأعلى الوادي هو وعُبيد بن عُمير، والمِسور بن مَخْرَمَة، وناس كثير فيؤمهم (^٢) أبو عمرو مولى عائشة وهو غلامُها يومئذ لم يُعتق" وفي رواية لابن أبي شيبة في "مصنفه" (^٣): أنها
_________________
(١) = أنه قد جاءت آثار على عائشة ﵂ تفيد أن ما قالته هو تفسير لقوله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فقد روى الطبري (٥٣٩٣) عن حميدة مولاة عائشة قالت: أوصت عائشة لنا بمتاعها فوجدت في مصحف عائشة ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وهي العصر. وروى أيضًا عن القاسم بن محمد عن عائشة في قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ قالت: صلاة العصر. وفيه أيضًا (٥٣٩٧) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عروة قال: كان في مصحف عائشة ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وهي صلاة العصر. ومنه أيضًا (٥٤٠١) عن أبي أيوب عن عائشة أنها قالت: الصلاة الوسطى، صلاة العصر. وتفسير الصلاة الوسطى بالعصر ثبت عن النبي ﷺ في الحديث المخرج في صحيح مسلم في المساجد باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (١٤٢٥) عن علي قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا. ثم صلاها بين العشاءين بين المغرب والعشاء. وهو مذهب طائفة من الصحابة والتابعين ومذهب كثير من أهل الأثر. انظر: زاد المسير ١/ ٢٨٢ بتحقيق الشيخين شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط. ومسند أحمد (٢٤٤٤٨).
(٢) المسند ١/ ٥٤ ولفظه: أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة: أنهم كانوا يأتون عائشة أم المؤمنين بأعلى الوادي هو وعبيد بن عمير والمسور بن مخرمة وناس كثيرون فيؤمهم أبو عمرو مولى عائشة ﵂ وأبو عمرو غلامها حينئذ لم يعتق. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣٨٢٤)، والبيهقي في سننه ٣/ ٨٨، وإسناده صحيح.
(٣) في النسخة المطبوعة: فيعرفهم وهو تحريف. أثبتناه من (ب) والمصنف لعبد الرزاق.
(٤) المصنف (٦١٠٣) ولفظها يختلف كما يلي: عن أبي بكر بن أبي مليكة عن عائشة أنها كان يؤمها مُدَبَّرٌ لها.
[ ٩٣ ]
كانت دبَّرته وقوله بأعلى الوادي: يريد وادي مكة، كانوا يأتونها للزيارة والاستفتاء، وذلك عندما تحُجُّ. ولما خرجت إلى مكة مُغاضبةً لعثمان في السنة التي قُتِلَ فيها، قاله ابن الأَثير (^١) في شرح المسند (^٢).
ولها خصائص كثيرة لم يَشْرَكُها أحدٌ مِن أزواجه فيها.
الأولى: أنه ﷺ لم يتزوج بكرًا غيرها، فإن قلت: "كيف حثَّ على نكاح الأبكار، وتزوج من الثيبات (^٣) أكثر؟ فيه أربعة أجوبة (^٤):
قلتُ: تقليلًا للاستلذاذ لأن الأبكار أعذبُ أفواهًا، ولذلك قال: "فهلًا بكرًا تلاعبها وتلاعبك" (^٥) وتكثيرًا لتوسعة الأحكام إذ هنَّ بالفهم (^٦) والتبليغ أَعْلَقُ، وجبرًا لما فاتهن من البكارة كما قُدِّمْنَ في قوله تعالى:
_________________
(١) هو القاضي الرئيس العلامة البارع الأوحد البليغ مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجَزَري ثم الموصلي، الكاتب ابن الأثير صاحب "جامع الأصول" وغريب الحديث (النهاية) وغير ذلك المتوفى سنة ٦٠٦ هـ. انظر لترجمته في "السير" ٢١/ (٢٥٢) للذهبي.
(٢) المراد بالمسند مسند الشافعي وشرح مسند الشافعي تأليف ابن الأثير صاحب جامع الأصول ولم يطبع، منه نسخة خطية في المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة.
(٣) في النسخة المطبوعة: الثياب وهو خطأ. أثبتناه من (أ) و(ب).
(٤) ليس في (ب): فيه أربعة أجوبة.
(٥) أخرجه البخاري في النكاح باب تزويج الثيبات (٥٠٧٩) ومسلم في الرضاع باب استحباب نكاح ذات الدين (٣٦٣٦) وباب استحباب نكاح البكر (٣٦٣٧ - ٣٦٤٢) وأحمد في المسند (١٤١٣٢) ولفظ مسلم (٣٦٣٦) عن عطاء: أخبرني جابر بن عبد الله قال: تزوجت امرأة في عهد رسول الله ﷺ فلقيت النبي ﷺ: يا جابر تزوجتَ؟ قلت: نعم. قال: بكر أم ثيب؟ قلت ثيب، قال: فهلَّا بكرًا تلاعبها؟ قلت: يا رسول الله إن لي أخوات، فخشيت أن تدخل بيني وبينهن، قال: فذاك إذًا.
(٦) في (ب) بالتفهيم.
[ ٩٤ ]
﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]، أو للإشارة إلى تعظيم عائشة وتمييزها بهذه الفضيلة وحدَها دونهن، لئلا تُشارك فيها، فكأنها في كِفّة وهنَّ في كفة أخرى.
الثانية: أنَّها خُيِّرَتْ، واختارت الله ورسوله على الفور، وكُنَّ تبعًا لها في ذلك (^١).
الثالثة: أنها حيثُ خُيِّرَتْ كان خيارُها على التراخي بلا خلاف، وأما الخلافُ في جوابهن: هل كان مشروطًا بالفور أم لا؟ ففي غيرها، هكذا قاله القاضي أبو الطيب الطبري (^٢) في تعليقه، فإنه حكى الخلاف، وصحَّحَ الفورية، ثم قال: "والخلافُ في التخيير المطلق، فأما إذا قال لها: "اختاري أيَّ وقتٍ شئتِ، كان على التراخي بالإجماع. قال:
_________________
(١) حديث التخيير أخرجه البخاري في تفسير سورة الأحزاب: باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (٤٧٨٥) ومسلم في الطلاق: باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقًا إلا بالنية (٣٦٨١) عن عائشة قالت: لما أُمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: إني ذاكر لكِ أمرًا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك. قالت: قد علم أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه قالت: ثم قال: إن الله [﷿] قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩] قالت قلت: في أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: ثم فعل أزواج رسول الله ﷺ مثل ما فعلت.
(٢) هو الإمام العلامة، شيخ الإسلام، القاضي أبو الطيب، طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر، الطبري الشافعي، فقيه بغداد المتوفى سنة ٤٥٠ هـ. شرح "مُختصر" المُزَني، وصنّف في الخلاف والمذهب والأصول والجدل كتبًا كثيرة. انظر لترجمته في "السير ١٧/ (٤٥٩) للذهبي.
[ ٩٥ ]
وعائشةُ من هذا القبيل، لقوله: "ولا عليك ألَّا تعجلي حتى تستأمري أبويك" (^١).
وهو تقييدٌ يرتبط (^٢) به إطلاق (الشرح) (^٣) و(الروضة) (^٤)، ولم يقف ابن الرفعة (^٥) على هذا النقل، فقال في "شرح الوسيط": "وفي طرد ذلك في بقية أزواجها ﷺ كُلِّهنَّ نظرٌ، من جهة أن المُهَلَ في التخيير إنما قيل لعائشة فقط، وسببه - والله أعلمُ - أنها كانت أحدثَ نسائه سنًا، وأحبَّ نسائه إليه فكان قوله لها: "لا تبادريني بالجواب" خوفًا أن تَبْتَدِرَه باختيار الدنيا. ومغبَّتُه (^٦) ألا يَطَّرِد الحكمُ في غيرها، لا سيما إذا نظرنا إلى ما جاء في "الصحيح" من تخصيص ذلك بها كان (^٧) ذلك ينزل منزلة
_________________
(١) من حديث التخيير وقد تقدم قبل قليل.
(٢) في النسخة المطبوعة: مرتبط، أثبتناه من (أ) و(ب).
(٣) يعني "الفتح العزيز في شرح الوجيز" لأبي القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي الفقيه الشافعي المصنف المتوفى سنة ٦٢٣ هـ. انظر لترجمته في "السير" ٢٢ / (١٣٩) وله "شرح مسند الشافعي" أيضًا.
(٤) يعني: "روضة الطالبين وعمدة المتقين" لأبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي ويسمى بالتهذيب أيضًا. انظر: كشف الظنون لكاتب جلبي ١/ ٩٢٩. قلت: وقد طبع في اثني عشر مجلدًا في المكتب الإسلامي بتحقيق الشيخين شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط.
(٥) هو العالم العلامة شيخ الإسلام وحامل لواء الشافعية في عصره أحمد بن محمد بن علي بن مرتفع بن حازم بن إبراهيم بن العباس الأنصاري، أبو العباس، ابن الرفعة المصري المتوفى سنة ٧١٠ هـ. صنف "الكفاية" في شرح التنبيه، و"المطلب" في شرح الوسيط في نحو أربعين مجلدًا. انظر لترجمته طبقات الشافعية لأبن قاضي شهبة ٢/ (٥٠٠).
(٦) في (ب): وقضيته.
(٧) في (ب): فإن.
[ ٩٦ ]
ما لو قال الواحد منا لبعض نسائه "اختاري متى شئتِ" وقال لأُخرى: "اختاري" فإن خيار الأولى يكونُ على التراخي والأُخرى على الفور.
الرابعة: نزول آية التيمم بسبب عقدها حين حبس رسول الله ﷺ الناس، وقال لها أُسيد بن حضير: "ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر" (^١).
الخامسة: نزول براءتها من السماء بما نسبه إليها أهلُ الإفكِ في ست عشرة (^٢) آية متوالية (^٣)، وشهد الله لها بأنها من الطيبات، ووعدها بالمغفرة والرزق الكريم. وانظر تواضعها وقولها: "ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بوحي يتلى" (^٤) قال الزمخشري (^٥): "ولو فلَّيتَ القرآن وفتشت (^٦) عما أُوعِد به العصاةُ، لم ترَ الله ﷿ قد غلَّظ في شيء تغليظه في إفك عائشة. وعن ابن عباس أنه قال بالبصرة يوم عرفة وقد سُئِلَ عن هذه الآيات: "من أذنب ذنبًا ثم تاب منه قُبِلَتْ توبتُه، إلا مَن خاض في إفكِ عائشة" ثم قال: "برأ الله تعالى أربعةً بأربعة: يوسف بالوليد، وموسى بالحَجَرِ، ومريم بإنطاقِ ولدها: "إني عبد الله" وبرأ عائشة بهذه الآيات العظيمة.
فإن قلت: فإن كانت عائشة المرادةُ فكيف قال: المحصنات؟ قلت: "فيه وجهان: أحدهما أن المراد أزواج النبي ﷺ وليكنِ (^٧) الحكمُ
_________________
(١) قول الصحابي أسيد بن حضير وتخريج الحديث تقدم في ص ٨٠ فراجعه.
(٢) في (أ) و(ب): ستة عشر آية، والصواب ما أثبتنا.
(٣) انظر: [النور: ١١ - ٣٦].
(٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٧٤٨)، والبخاري في المغازي: باب حديث الإفك (٤١٤١) ومسلم في التوبة: باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف (٧٠٢٠) وأحمد في مسنده (٢٥٦٢٣) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٥) "الكشاف" ٣/ ٦٨ وقد نقله الزركشي عنه بالمعنى والاختصار.
(٦) في (ب): نبشت.
(٧) في النسخة المطبوعة: ليكون وهو تحريف
[ ٩٧ ]
شاملًا للكل، والثاني: أنها أم المؤمنين فجمعت إرادةً لها ولبناتها من نساء الأمة.
السادسة: جعله قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة.
السابعة: شرع جَلْدَ القاذف (^١) وصارَ باب القذف وحده بابًا عظيمًا من أبواب الشريعة، وكان سببه قصتها (^٢) ﵂، فإنه ما نزل بها أمر تكرهه إلا جعل الله فيه للمؤمنين فرجًا ومخرجًا كما سبق نظيره في التيمم.
تنبيه جليل: على وهمين وقعا في حديث الإفك في صحيح البخاري (^٣):
أحدهما قول علي ﵁: "وسَل الجارية تَصْدُقْكَ" قال: "فدعا رسول الله ﷺ بريرة .. " وبريرة إنما اشترتها عائشةُ وأعتقتها بعد ذلك. ويَدُلُّ عليها أنها لما أُعْتِقَتْ واختارت نفسها، جعل زوجها يطوف وراءها في سكك المدينة ودموعُه تتحادر على لحيته. فقال لها ﷺ: "لو راجعتيه" فقالت: "أتأمرني؟ " فقال: "إنما أنا شافعٌ". فقال النبي ﷺ: "يا عباس ألا تَعْجَبُ مِن حب مغيث لبريرة وبغضها له" (^٤) والعباسُ إنما قدم
_________________
(١) انظر: [سورة النور: ٤].
(٢) في (ب): قضيتها.
(٣) تقدم تخريجه في ص ٩٧.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣٠١٠) والبخاري في الطلاق: باب شفاعة النبي ﷺ في زوج بريرة (٥٢٨٣) وأبو داود في الطلاق: باب في المملوكة تعتق وهي تحت حر أو عبد (٢٢٣١) وأحمد في مسنده (١٨٤٤) إسناده صحيح على شرط البخاري. وبريرة بفتح الباء وكسر الراء: مولاة كانت لبعض الأنصار كاتبوها، فأدت عنها السيدة عائشة فأعتقتها، فصارت مولاة لها، وخيرها رسول الله ﷺ بعتقها فاختارت نفسها وقصتها معروفة في المصادر من حديث عائشة وغيرها.
[ ٩٨ ]
المدينة بعد الفتح. والمَخْلَصُ من هذا الإشكال: أن تفسير الجارية ببريرة مدرج في الحديث من بعض الرواة، ظنًا منه أنها هي (^١). وهذا كثير مما يقع (^٢) في الحديث من تفسير بعض الرواة، فيظن أنه من الحديث وهو نوعٌ غامض لا يتنبه (^٣) له إلا الحذَّاق.
ومن نظائره ما وقع في الترمذي (^٤) وغيره من حديث يونس بن أبي
_________________
(١) ربما أخذه المؤلف من ابن القيم في زاد المعاد ٣/ ٢٦٨ أو كلاهما من مصدر لم يذكراه. وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٨/ (٤٧٥٠): وقد قيل إن تسميتها هنا وَهْمٌ .. ويمكن الجواب بأن تكون بريرة كانت تخدم عائشة وهي في رقِّ مواليها. وأما قصتها معها في مكاتبتها وغير ذلك فكان بعد ذلك بمدة أو أن اسم هذه الجارية المذكورة في قصة الإفك وافق اسم بريرة التي وقع لها التخيير وجزم البدر الزركشي فيما استدركته عائشة على الصحابة أن تسمية هذه الجارية ببريرة مدرجة من بعض الرواة وأنها جارية أخرى وأخذه من ابن القيم الحنبلي فإنه قال: تسميتها ببريرة وَهْمٌ من بعض الرواة، فإن عائشة إنما اشترت بريرة بعد الفتح، ولما كاتبتها عقب شرائها وعتقت خُيِّرتْ فاختارت نفسها فظن الراوي أن قول علي: "وسل الجارية تصدقك" أنها بريرة فغلط، قال: وهذا نوع غامض لا يتنبه له إلا الحذاق. قلت: وقد أجاب غيره بأنها كانت تخدم عائشة بالأجرة وهي في رقِّ مواليها قبل وقوع قصتها في المكاتبة، وهذا أولى من دعوى الإدراج، وتغليط الحفاظ.
(٢) كثير مما يقع، كذا في (ب).
(٣) في (أ) والمطبوعة: لا ينتبه وهو تحريف، أثبتناه من (ب).
(٤) أخرجه الترمذي في المناقب: باب ما جاء في بدء نبوة النبي ﷺ (٣٦٢٠) وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال ابن القيم في "زاد المعاد" ١/ ٧٦ - ٧٧: ووقع في كتاب الترمذي وغيره أنه بعث معه بلالًا، وهو من الغلط الواضح، فإن بلالًا إذ ذاك لعله لم يكن موجودًا، وإن كان، فلم يكن مع عمه، ولا مع أبي بكر، وذكر البزار في مسنده هذا الحديث ولم يقل: وأرسل معه عمه بلالًا، ولكن قال: رجلًا. =
[ ٩٩ ]
إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه قال: خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش (فذكر الراهب وقال في آخرها) فردَّه أبو طالب، وبعثَ معه أبو بكر بلالًا، وزوَّده الراهب من الكعك والزبيب. فهذا من الأوهام الظاهرة لأن بلالًا إنما اشتراه أبو بكر بعد مبعث النبي ﷺ، وبعد أن أسلم بلالٌ وعذَّبه قومه، ولما خرج النبي ﷺ إلى الشام مع عمه أبي طالب كان له من العمر اثنتا عشرة (^١) سنة وشهران وأيام. ولعل بلالًا لم يكُن بعد ولد (^٢) ولما خرج المرة الثانية، كان له قريبٌ من خمس وعشرين سنة ولم يكن مع أبي طالب إنما كان مع ميسرة.
الثاني: ما ذكره من تحاورِ سعدِ بن عُبادة وسعد بن معاذ، وقصة (^٣) الإفك كانت بعد الخندق عندَ البخاري وجماعة. قال البخاري في
_________________
(١) = والحديث ذكره الحاكم أيضًا في "المستدرك" ٢/ ٦١٥ - ٦١٦ وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي في تلخيصه وقال: أظنه موضوعًا فبعضه باطل. وقال في "الميزان" (٤٩٣٤): ومما يدل على أنه باطل قوله: وردَّه أبو طالب وبعث معه أبو بكر بلالًا وبلال لم يكن خلق بعد وأبو بكر كان صبيًا. وانتقده أيضًا من جهة متنه بعدما أورده بطوله في السيرة النبوية من "تاريخ الإسلام" ١/ - ٥٥ - ٥٧ تحت عنوان سفره مع عمه إن صح" وقال: وهو حديث منكر جدًّا: وأين كان أبو بكر؟ كان ابن عشر سنين فإنه أصغر من رسول الله ﷺ بسنتين ونصف، وأين كان بلال في هذا الوقت؟ فإن أبا بكر لم يشتره إلا بعد المبعث، ولم يكن ولد بعد .. وفي الحديث ألفاظ منكرة، تشبه ألفاظ الطُرُقية، مع أن ابن عائذ قد روى معناه في مغازيه دون قوله: "وبعث معه أبو بكر بلالًا" إلى آخره.
(٢) في (أ) و(ب): إثني عشر، والصواب ما أثبتنا.
(٣) في (ب): لم يكن ولد بعد.
(٤) في (ب): قضية.
[ ١٠٠ ]
صحيحه (^١): قال موسى بنُ عقبة: كانت في شوال سنة أربع، واحتجَّ البخاري لهذا القول بحديث ابن عمر عُرِضْتُ على النبي ﷺ يومَ أُحُد وأنا ابن أربع عشرة فردّني، ثم عرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني.
وأُحُد بلا شك سنة ثلاث، فدل على أن الخندق سنة أربعٍ. ثم قال في الصحيح (^٢): إنها غزوة المريسيع، قال ابن إسحاق: سنة ست، وقال النعمان بن راشد عن الزهري: كان الإفك في غزوة المريسيع، وأما موسى بن عقبة فقال: سنة أربع. ولا ريب أن قصة الإفك كانت بعد نزولِ آية الحجاب (^٣)، والحجابُ نزل في شأن زينب بنت جحش أم المؤمنين، وهي في قصة الإفك كانت عند رسول الله ﷺ ولم تتكلم في عائشة، ونكاحُ زينب ﵂ كان في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة في قول ابن سعد (^٤) وقال قتادة والواقدي: تزوجها في سنة خمس من الهجرة، وبه قال غيرهم من علماء أهل المدينة.
فدلّ تأخرُ آيةِ الحجاب على أنها كانت بعد الخندق، وقد ثبت بلا ريب أن سعد بن معاذ تُوفي عقب الخندق، وعقب حكمه في بني قُريظة، ولم يكن بين الخندق وقريظة غَزاةٌ. ولهذا يعدل البخاري في أكثر رواياته
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي: باب غزوة الخندق وهي الأحزاب (٤٠٩٧) ولفظه: أن النبي ﷺ عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يُجِزْه، وعرَضَه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة بني المصطلق من خُزاعة وهي غزوة المريسيع قبل الرقم (٤١٣٨).
(٣) يعني سورة الأحزاب: ٥٩.
(٤) الطبقات ٨/ ١١٣.
[ ١٠١ ]
لحديث الإفك عن نسبة سعد إلى أبيه فيقول: فقام سعد أخو بني عبد الأشهل وهذه روايته في المغازي (^١)، وقال: سنة أربع فالظاهرُ أنها على قوله قبل الخندقِ، لأن الخندق كانت في آخر السنة في شوال، واتصلت بغزوة قريظة. وعلى هذا فيصح أن يكون الرادُ على سعد بن عبادة هو سعد بن معاذ.
وقد تقدم وَهْمٌ آخر (^٢): وهو رواية مسروق عن أُم رومان. وأجاب القاضي أبو بكر بنُ العربي (^٣) عن هذا: بأنه جاء في طريق: حدثتني أُمُّ رُومان، وفي أُخرى: عن مسروق، عن أُم رومان معنعنًا. قال ﵀: والعنعنة أصحُّ فيه، وإذا كان الحديث معنعنًا كان محتملًا ولم يلزم فيه ما يلزم في حدثني، لأن للراوي أن يقول: عن فلان وإن لم يدركه. حكاه عنه السُّهيلي (^٤).
فهذه ثلاثة أوهام ادُّعيت في حديث الإفك (^٥): وهمٌ في بريرة، ووهم في سعد بن معاذ، ووهم في أُم رومان. والثلاثة ثابتة في
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي: باب حديث الإفك (٤١٤١) ولفظ النسخة المطبوعة بأيدينا: فقام سعد بن معاذ - أخو بني عبد الأشهل -.
(٢) تقدم في ص ٨٦ - ٨٧ فراجعه.
(٣) هو الإمام العلامة الحافظ القاضي، أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله، ابن العربي الأندلسي الإشبيلي المالكي صاحب التصانيف المتوفى سنة ٥٤٣ هـ. له ترجمة حافلة في "السير" ٢٠/ (١٢٨) للذهبي.
(٤) قد وقعت في النسخة المطبوعة: حكاه عن الشافعي وهو تحريف أثبتناه من (ب).
(٥) انظر لشرح هذا الحديث: "زاد المعاد" لابن القيم ٣/ ٢٦٥ - ٢٦٨، و"هدى الساري" ص ٣٩٢، و"الفتح" لابن حجر ٨/ (٤٧٥٠) ص ٤٧١ - ٤٧٢. والنقد يأتي من الخطيب البغدادي كما ذكره ابن حجر.
[ ١٠٢ ]
الصحيح فلا ينبغي الإقدام على التوهيم إلا بأمر بيِّن. وقد تقدم ما يدفعُ الكُلَّ.
الثامنة: لم ينزل بها أمر إلا جعل الله لها منه مخرجًا وللمسلمين بركة.
التاسعة: أن جبريل أتى بها النبي ﷺ في سرقةٍ (^١) من حرير فقال: هذه زوجتُك، فقلتُ: "إن يكن من عند الله يُمْضِهِ" وقد أدخله البخاري (^٢) في باب النظر إلى المرأة إذا أراد تزويجَها. قال بعضهم: "وهو استدلال صحيحٌ، لأنَّ فعل النبي ﷺ في النوم واليقظة سواءٌ وقد كشف عن وجهها.
وفي رواية الترمذي (^٣): "في خرقةِ حريرٍ خضراء" وقال: حسن
_________________
(١) شرح المؤلف على حاشية هذه الصفحة من (أ) معنى السرقة فقال: السرقة بفتح السين والراء، جمعها سَرَقٌ وهي شقق الحرير البيض قاله أبو عبيد. قال: وأصلها بالفارسية سَرَهْ، أي: جيدة فعَرَّبوه كما قالوا: الإستبرق للغليظ من الديباج. والذي وجدناه في غريب الحديث ٤/ ٢٤٢ لأبي عبيد: هكذا: وأحسب أصل هذه الكلمة فارسية إنما هو سَرَهُ يعني الجيد فعُرِّب فقيل: سرق .. والإستبرق مثله إنما هو إستَبْرَهْ يعني الغليظ من الديباج.
(٢) أخرجه البخاري في النكاح باب النظر إلى المرأة قبل التزويج (٥١٢٥) عن عائشة ﵂ قالت: قاله لي رسول الله ﷺ: أريتُكِ في المنام يجيءُ بك الملك في سرقة من حرير فقال لي: هذه امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت هي، فقلت: إن يك هذا من عند الله يمضه.
(٣) أخرجه الترمذي في المناقب باب من فضل عائشة ﵂ (٣٨٨٠) عن عائشة أن جبريل جاء بصورتها في خِرْقة حرير خضراء إلى النبي ﷺ فقال: إن هذه زوجتك في الدنيا والآخرة. [قال أبو عيسى]: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عمرو بن علقمة، وقد روى عبد الرحمن بن مهدي هذا الحديث عن عبد الله بن علقمة =
[ ١٠٣ ]
غريب. وجاء في رواية غريبة: "أن طول تلكَ الخرقة ذراعان وعرضها شِبر" ذكره الخطيب في تاريخ بغداد (^١) من رواية أبي هريرة.
وأما قوله ﷺ: "إن يكن من عند الله يُمضِهِ" فقال السُّهيلي (^٢): ليس بشك، لأن رُؤْيا الأنبياء وحي، ولكن لما كانت الرؤيا تارةً تكون على ظاهرها وتارة تزهو نظير المرئي أو شبهه فيطرق الشكُّ من هاهنا. ويبقى سؤال: لماذا أتى بـ "إن" والمناسب للمقام "إذا" لأنها للمحقق و"إن" للمشكوك فيه؟ وجوابه يعلم مما قبله.
وذكر الحاكم في "المستدرك" (^٣) عن الواقدي: حدثني عبد الواحد بن ميمون مولى عروة، عن حبيب مولى عروة قال: لما ماتتْ خديجة حَزِنَ عليها النبي ﷺ فأتاه جبريل بعائشة في مَهد فقال: "هذه تذهبُ ببعض حزنك وإن فيها لَخَلفًا من خديجة" الحديث. اهـ. فيحتمل أنها عرضت عليه مرتين لما يدل عليه اختلافُ الحال، ويشهد له رواية البخاري مرتين.
_________________
(١) = بهذا الإسناد مرسلًا ولم يذكر فيه عن عائشة. وقد روى أبو أسامة عن هشام بن عروة، عن أبيه عائشة عن النبي ﷺ شيئًا من هذا.
(٢) تاريخ بغداد للخطيب ٢/ ١٩٣. وقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات ٢/ ٧ - ٨.
(٣) الروض الأنف للسهيلي ٦/ ٤٣٤ ونصُّه فيه: وهذا استدلال حسن. وفي قوله إن يكن من عند الله سؤال، لأن رؤياه وحي، فكيف يشُكُّ في أنها من عند الله. والجواب أنه لم يشك في صحة الرؤيا. ولكن الرؤيا قد تكون على ظاهرها وقد تكون لمن هو نظير المرء أو سَمِيُّه فمن هاهنا تطرق الشك ما بين أن تكون على ظاهرها أو لها تأويل كذلك.
(٤) "المستدرك" ٤/ ٥. والواقدي متهم.
[ ١٠٤ ]
العاشرة: أنها كانت أحبَّ أزواج النبيِّ ﷺ إليه: قال له عمرو بن العاص: "يا رسول الله أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ " قال: "عائشة" قال: "ومن الرجال؟ " قال: "أبوها". أخرجه الشيخان وصححه الترمذي (^١).
الحادية عشرة: وجوبُ محبتها على كل أحد، ففي الصحيح (^٢): لما جاءَت فاطمة ﵂ إلى النبيِّ ﷺ قال لها: "ألستِ تحبين ما أُحِبُّ؟ " قالت: "بلي" قال: "فأحبي هذه". يعني عائشة، وهذا الأمر ظاهرُ الوجوب.
وتأمل قوله ﷺ لما حاضت عائشة: "إن هذا شيءٌ كتبه الله على بنات آدم" (^٣) وقوله لما حاضت صفية: "عَقْرَى حَلْقى (^٤) أَحَابِسَتُنا
_________________
(١) أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي ﷺ (٣٦٦٢) ومسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁ (٦١٧٧) والترمذي في المناقب باب من فضل عائشة ﵂ (٣٨٨٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة: باب في فضائل عائشة أم المؤمنين (٦٢٩٠).
(٣) أخرجه البخاري في الحج: باب قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (١٥٦٠) وفي الأضاحي: باب الأضحية للمسافر والنساء (٥٥٤٨) عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها، وحاضت بسَرِفٍ قبل أن تدخل مكة، وهي تبكي، فقال: ما لكِ أنفِسْتِ؟ قالت نعم، قال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاقضِي ما يقضي الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت.
(٤) قال ابن الأثير في النهاية ٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣ و٢/ ٤٢٨: عقرى حلقى: أي عقرها الله وأصابها بعقر في جسدها. وظاهره الدعاء عليها، وليس بدعاء في الحقيقة، وهو في مذهبهم معروف. تقديره: عقرها الله عقرًا وحلقها حلقًا. ويقال للأمر يعجب منه: عقرًا حلقًا. ويقال أيضًا للمرأة إذا كانت مؤذية مشئومة. ومن مواضع التعجب قول أم الصبي الذي تكلم: عقرى! أو كان هذا منه! وقال ابن حجر في "الفتح" (١٧٦٢) بعدما نقل معنى عقرى حلقى: وحكى القرطبي أنها كلمة تقولها اليهود للحائض، فهذا أصل هاتين الكلمتين، ثم اتسع العرب في قولهما بغير إرادة حقيقتهما كما قالوا: قاتله الله! وتربت يداه! ونحو ذلك.
[ ١٠٥ ]
هي؟ " (^١) وفرقٌ عظيم بين المقامين. ولعلَّ مِن جملة أسباب المحبة كثرةَ ما بلَّغته عن النبي ﷺ دون غيرها من النساء الصحابيات (^٢) كما قيل بمثل ذلك في قوله: وحُبِّب إليَّ من دنياكم النساءُ" (^٣).
الثانية عشرة: أنَّ مَن قذفها، فقد كفر لتصريح القرآن الكريم ببراءتها. قال الخوارزمي (^٤) في "الكافي"من أصحابنا، في كتاب الردة: "لو قَذَفَ عائشة بالزنى، صار كافرًا بخلاف غيرها من الزوجات، لأن القرآن نزل ببراءتها" اهـ.
وعند مالك: "أن مَن سبَّها قُتِلَ" قال أبو الخطاب بن دحية (^٥) في أجوبة المسائل: "ويشهد لقول مالك كتابُ الله، فإن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سَبَّحَ نفسه لنفسه. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [الأنبياء: ٢٦] والله تعالى ذكر عائشة فقال:
_________________
(١) أخرجه البخاري في الحج باب التمتع، والقران والإفراد بالحج وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي (١٥٦١) وباب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت (١٧٦٢) وباب الادّلاج من المحصب (١٧٧١ - ١٧٧٢) ومسلم في الحج باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض (٣٢٢٨) وأحمد في مسنده (٢٤٥٥٨).
(٢) انظر ما نقله ابن حجر في "الفتح" عن القرطبي وبعضهم نفس الإيضاح (١٧٦٢).
(٣) أخرجه أحمد في المسند (١٢٢٩٣) بإسناد حسن. والنسائي في عشرة النساء باب حب النساء (٣٣٩١) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: حبِّب إليَّ من الدنيا النساء والطيب وجعل قرّة عيني في الصلاة.
(٤) هو أبو محمد محمود بن محمد بن العباس بن رسلان الخوارزمي الشافعي المتوفى سنة ٥٦٨ هـ وكان فقيهًا، فاضلًا، عارفًا بالمتفق والمختلف وصنف "الكافي" وتاريخًا لخوارزم. انظر لترجمته طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ١٩ - ٢٠.
(٥) تقدمت ترجمته في ص ٨٩.
[ ١٠٦ ]
﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] فسبَّح نفسه في تنزيه عائشة كما سَبَّحَ نفسه لنفسه في تنزيهه" حكاه القاضي أبو بكر بن الطيب (^١).
الثالثة عشرة: من أنكر كون أبيها أبي بكر الصديق ﵁ صحابيًا كان كافرًا، نص عليه الشافعي فإن الله تعالى يقول: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] ذكره صاحب "الكافي".
ومقتضاه: أنه لا يجري ذلك في أنظار غيره (^٢)، وليس كذلك. نعم: مَدْركُ (^٣) تكفير منكر صحبة الصديق تكذيب النص (^٤) وصحبة غيره التواتر.
الرابعة عشرة: أن الناس كانوا يَتَحرَّوْنَ بهداياهم يومها من رسول الله ﷺ. فيُتحفونه بما يُحب في منزل أحبِّ نسائه إليه، يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ﷺ أخرجه الشيخان (^٥).
_________________
(١) هو الإمام العلامة، أوحد المتكلمين، مقدم الأصوليين، القاضي أبو بكر، محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن قاسم، البصري، ثم البغدادي، ابن الباقلاني، صاحب التصانيف المتوفى سنة ٤٠٣ هـ المالكي. مؤلف "التقريب والإرشاد" الصغير المطبوع بتحقيق د. عبد الحميد بن علي أبو زنيد وهو مترجم في مقدمة هذا الطبع بالتفصيل وفي "السير" ١٧ / (١١٠) للذهبي.
(٢) في النسخة المطبوعة: أنه لا يجري ذلك في إنكار [صحبة] غيره وهو تحريف، أثبتناه من (أ) و(ب).
(٣) في النسخة المطبوعة: يدرك وهو تحريف أيضًا. أثبتناه من (ب).
(٤) في النسخة المطبوعة: [النصوص]. والصواب ما أثبتناه من (ب).
(٥) أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي ﷺ باب فضل عائشة ﵂ (٣٧٧٥) ومسلم في فضائل الصحابة باب في فضائل عائشة أم المؤمنين ﵂ (٦٢٨٩) عن عائشة: أن الناس كانوا يتحرّون بهداياهم يوم عائشة، يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ﷺ.
[ ١٠٧ ]
الخامسة عشرة: أن سودة وهبت يومًا لها بخصوصها (^١).
السادسة عشرة: اختياره ﷺ أن يمرَّض في بيتها. قال أبو الوفا بن عقيل (^٢) ﵀: "انظر كيف اختار لمرضه بيت البنت واختار لموضعه من الصلاة الأبَ، فما هذه الغفلة المستحوذة على قلوب الرافضة، عن هذا الفضل والمنزلة التي لا تكادُ تخفى عن البهيم (^٣) فضلًا عن الناطق".
السابعة عشرة: وفاته ﷺ بين سحرها ونَحْرها قال الصاغاني (^٤): "السحَر - بفتح السين وضمها - ما تعلق بالحُلقوم وبالمري من أعلى البطن من الرئة وغيرها" وعن الفراء (^٥) فيه: "سَحَر بالتحريك" وكان عُمارة بنُ عقيل بن بلال بن جرير (^٦) يقول: "إنما هو بين شَجْري" بشين
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص ٨٨.
(٢) وقع في النسخة المطبوعة: أبو الوفا عقيل وهو خطأ أثبتناه من (أ) و(ب)، هو الإمام العلامة البحر، شيخ الحنابلة، أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي الظَفَري الحنبلي المتكلم المتوفى سنة ٥١٣ هـ. علّق كتاب "الفنون" وهو أزيد من أربعمئة مجلد. انظر لترجمته في "السير" ١٩/ (٢٥٩) للذهبي.
(٣) في (ب): البهيمة.
(٤) هو الحافظ الحجة أبو بكر محمد بن إسحاق بن جعفر الصاغاني المتوفى سنة ٢٧٠ هـ. انظر: "السير" ١٢/ (٢٢٤).
(٥) هو العلامة، صاحب التصانيف، أبو زكريا، يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسدي مولاهم الكوفي النحوي المتوفى سنة ٢٠٧ هـ، صاحب معاني القرآن. انظر: "السير" ١٠/ (١٢).
(٦) هو عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن عطية الخطفي الشاعر من أهل بصرة. كان عمارة واسع العلم، غزير الأدب وقدم بغداد فأخذ أهلها عنه. ذكره الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ١٢/ ٢٨٢ (٦٧٢٢).
[ ١٠٨ ]
معجمة وجيم، فسئل عن ذلك، فشبك بين أصابعه، وقدمها عن صدره كأنه يضم شيئًا، يريد أنه ﵇ قبض وقد ضمته بيديه إلى نحرها وصدرها وخالفت بَيْنَ أصابعها. وكأنه عنده مأخوذ من قولهم: اشتجرت (^١) الرماحُ، إذا اشتبكت بعضُها ببعض.
الثامنة عشرة: وفاته ﷺ في يومها.
التاسعة عشرة: دفنه في بيتها ببقعة هي أفضل بقاع الأرض بإجماع الأُمة.
العشرون: أنها رأت جبريل ﷺ (^٢) في صورة دحية الكلبي وسلَّمَ عليها. ثبت في "الصحيحين" (^٣)، زاد الحاكم في "مستدركه" (^٤) عن
_________________
(١) في (ب): استحرب، خطأ.
(٢) في (ب): ﵇.
(٣) عزا المؤلف هذا الحديث إلى الصحيحين لكننا لم نجده بهذا المعنى إلا في المسند لأحمد (٢٤٤٦٢) و(٢٥١٣١ عن عائشة قالت: رأيت رسول الله ﷺ واضعًا يديه على مَعْرفَة فرسٍ وهو يكلم رجلًا، قلت: رأيتك واضعًا يديك على معرفة فرس دحية الكلبي وأنت تكلمه. قال: ورأيتِ؟ قالت: نعم. قال: ذاك جبريل ﵇ وهو يقرئك السلام قالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، جزاه الله خيرًا من صاحب ودخيل، فنعم الصاحب ونعم الدخيل. إسناده ضعيف لضعف مجالد، وهو ابن سعيد الهَمْداني. انظر تمام تخريجه مسند أحمد (٢٤٤٦٢). ولعل المؤلف يشير إلى رواية "يا عائش" في الصحيحين تقدم في ص ٨٤. وليس فيه "في صورة دحية الكلبي" فراجعه.
(٤) ولفظه: عن مسروق قال: قالت لي عائشة: لقد رأيت جبريل ﵊ واقفًا في حجرتي هذه ورسول الله ﷺ يناجيه فلما دخل قلت: يا رسول الله، من هذا؟ قال: بمن شبهتيه؟ قلت: بدحية الكلبي. قال: لقد رأيت خيرًا كثيرًا ذاك جبريل ﵇، فما لبثت إلا يسيرًا حتى قال: يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك =
[ ١٠٩ ]
مسروق، عنها: "قلت: يا رسول الله من هذا؟ قال: بمن شبهتهِ؟ قلت: بدحية. قال: لقد رأيتِ جبريل" وفي رواية له عن عبد الله بن صفوان، عنها: "ورأيتُ جبريل ولم يره أحد من نسائه غيري" (^١).
فأخرج (^٢) من جهة مالك بن سُعَيْر، عن إسماعيل بن أبي خالد، أنا عبد الرحمن بن الضحاك: أن عبد الله بن صفوان أتى عائشة وآخرُ معه، فقالت عائشة لأحدهما: "أسمعت حديث حفصة يا فلان؟ " فقال: "نعم يا أُمَّ المؤمنين" فقال لها عبد الله بن صفوان: "وما ذاك يا أُمَّ المؤمنين"؟ قالت: "خِلالٌ تسعٌ لم تكُ لأحد من النساء قبلي إلا ما أتى الله مريمَ بنتَ
_________________
(١) = السلام، قالت قلت: وعليه السلام، جزاه الله من دخيل خيرًا. وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" ٨/ ٦٧ - ٦٨.
(٢) أخرجه الحاكم في "المستدرك" ٤/ ١٠ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه وقال: صحيح. قلت: بل رأته أيضًا أم سلمة ﵁ كما أخرجه مسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل أم سلمة [أم المؤمنين ﵂ (٦٣١٥) عن مُعْتَمِر بن سليمان قال: سمعت أبي: حدثنا أبو عثمان عن سلمان قال: لا تكونن إن استطعت، أوَّل من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته. قال: وأنبئتُ أن جبريل [﵇] أتى نبيَّ الله ﷺ وعنده أم سلمة، قال: فجعل يتحدث ثم قام، فقال نبي الله ﷺ لأم سلمة: من هذا؟ أو كما قال، قالت: هذا دحية الكلبي قال: فقالت أم سلمة: أيم الله ما حسبته إلا إياه، حتى سمعت خطبة نبيِّ الله ﷺ يخبر خبرنا، أو كما قال، قال: فقلت لأبي عثمان: ممّن سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد. وأخرجه البخاري في فضائل القرآن: باب كيف نزل الوحي وأوّل ما نزل (٤٩٨٠). قلت: فَعَلى هذا، إما خفي هذا الحديث على عائشة وإما اختلط اسم أم المؤمنين وذكروا أم سلمة بدلًا من عائشة أو كلتاهما رأتاه في صورة دحية الكلبي والله أعلم.
(٣) أي الحاكم في "المستدرك" ٤/ ١٠.
[ ١١٠ ]
عمران، والله ما أقول هذا أني أفخر على أحد من صواحباتي" فقال لها عبدُ الله بنُ صفوان: وما هُنَّ يا أُمَّ المؤمنين؟ " قالت: "جاءَ المَلَك بصورتي إلى رسول الله ﷺ، وتزوجني رسولُ الله رسول الله ﷺ وأنا ابنةُ سبع سنين، وأُهدِيتُ إليه وأنا ابنة تسع سنين، وتزوجني بكرًا لم يشركه فيَّ أحدٌ مِنَ الناس، وكان يأتيه الوحي وأنا وهو في لحاف واحد، وكُنْتُ مِنْ أحبِّ الناس إليه، ونزل فيَّ آياتٌ من القرآن كادت الأُمة تهلِكُ فيها، ورأيتُ جبريل ولم يره أحد من نسائه غيري، وقُبِضَ في بيتي ولم يله أحدٌ غير الملك وأنا". وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^١). اهـ.
ومالك بن سُعَيْر من رجال مسلم، وقال أبو حاتم (^٢): "صدوق" وضعفه أبو داود (^٣) وهذه الزيادة فيها نظر لما في كتاب مسلم (^٤): أن أُم سَلَمة رأته في صورة دحية أيضًا. قال أبو الفرج: "وإنما سلَّم عليها ولم يُواجهها لحرمة زوجها، وواجه مريم، لأنه لم يكن لها بَعْلُ؛ فمن نزهت (^٥) لحرمة بعلها عن خطاب جبريل كيف يُسلط عليها أكفُ أهل الخطايا؟ " (^٦).
متمم العشرين (^٧): اجتماع ريق رسول الله ﷺ وريقها في آخر أنفاسه. رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (^٨).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في "المستدرك" ٤/ ١٠، ولفظ آخر الجملة فيه: وقبض في بيتي ولم يله أحد غير الملك إلا أنا. ووافقه الذهبي.
(٢) "الجرح والتعديل" ٨/ ٢١٠ (٩٢٤).
(٣) انظر: "ميزان الاعتدال" ٤/ ٣٤٦ - ٣٤٧ (٧٠١٨).
(٤) مر بنا آنفًا في ص ١١٠.
(٥) في (ب): ترهب.
(٦) انظر: "كشف المشكل" ٤/ ٣٥٠.
(٧) في (ب): والعشرون.
(٨) "المستدرك" ٤/ ٧. يعني أنها أخذت السواك الرطب لأخيها عبد الرحمن فمضغته وقضمته وطيبته ثم دفعته إليه ﵇.
[ ١١١ ]
الحادية والعشرون: لم ينزل الوحيُ على رسول الله ﷺ وهو في لحاف امرأة من نسائه غيرها. أخرجه البخاري في المناقب (^١) ورواه ابن حبان في صحيحه (^٢) والحاكم في المستدرك (^٣) بلفظ: "ما نزل الوحي عليَّ وأنا في بيت امرأة من نسائي غير عائشة". وقال: صحيح الإسناد لم يخرجاه (^٤). والأول أصحُّ، فقد كان ينزل (^٥) عليه في بيت خديجة.
الثانية والعشرون: كانت أكثرهن علمًا، قال الزهري: "لو جُمِعَ علمُ عائشة إلى علم جميع" النساء، لكان علم عائشةَ أفضل" (^٦).
وقال عطاء: "كانت عائشة أفقَهَ الناس وأحسن الناس رأيًا في العامة" (^٧).
وذكر أبو عمر بن عبد البر ﵀: "أنها كانت وحيدة عصرها في ثلاث علوم: علمِ الفقه، وعلمِ الطب، وعلم الشعر" (^٨).
_________________
(١) بل أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي ﷺ باب فضل عائشة ﵂ (٣٧٧٥).
(٢) "الإحسان" ١٦/ (٧١٠٨) بتحقيق وشرح شيخنا شعيب الأرنؤوط.
(٣) "المستدرك" ٤/ ٩. ولفظه: والله ما نزل الوحي علي وأنا في ثَوْب امرأة من نسائي غير عائشة.
(٤) بل أخرجه البخاري في الهبة وفضلها باب من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه دون بعض (٢٥٨٠) في حديث طويل عن عائشة وفيه: لا تؤذيني في عائشة، فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة.
(٥) في (ب): كان يدخل عليه.
(٦) ذكره الهيثمي في "المجمع" ٩/ ٢٤٣ بهذا اللفظ ونسبه للطبري، وقال: رجاله ثقات، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" ٤/ ١١: لو جُمع علم الناس كلِّهم ثم علم أزواج النبي ﷺ لكانت عائشة أوسعهم علمًا.
(٧) في (ب): الغاية، خطأ. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" ٤/ ١٤.
(٨) ذكر ابن عبد البر في "الاستيعاب" ٤/ ٣٥٨ قول عروة: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة.
[ ١١٢ ]
وقال أبو بكر البزار في "مسنده" (^١): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا خلاد بن يزيد، حدثنا محمد بن عبد الرحمن (المليكي) أبو غرارة زوج جبرة (^٢) قال حدثني عروةُ بنُ الزبير قال: قلت لعائشة: إني لأتفكرُ في أمرك، فأعجبُ: أجِدُكِ مِن أفقه الناس، فقلتُ: ما يمنعها؟ زوجة رسول الله ﷺ وابنة أبي بكر، وأجدك عالمةً بأيام العرب وأنسابها وأشعارها فقلت: وما يمنعها، وأبوها علَّامة قريش؟ ولكن إنما أعجب أن وجدتُك عالمةً بالطب فمن أين؟ " فَأَخَذَتْ بيدي، وقالت: "يا عُرَيَّة إن رسول الله ﷺ كثر مِن أسقامه، فكان أطباءُ العرب والعجم ينعتون له فتعلمتُ ذلك". قال: وهذا الحديثُ لا نعلمه مرويًا (^٣) عن عائشة إلا بهذا الإسناد. اهـ.
ومحمد بن عبد الرحمن مختلف فيه، لكن رواه أبو نعيم في "الحلية" (^٤) عنه من جهة أحمد بن حنبل: حدثنا عبدُ الله بن معاوية الزبيري، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، به وأخرج (^٥) الحاكم نحوه من جهة إسرائيل، عن هشام، به (^٦). وقال صحيح الإسناد، قال الذهبي في مختصره: على شرط الشيخين (^٧).
_________________
(١) أخرجه البزار في "المسند" (البحر الزخار) ٣/ (٢٦٦٢). وأحمد في "المسند" (٢٤٣٨٠).
(٢) في النسخة المطبوعة: أبو غرازة زوج خيرة وهو تحريف. هو محمد بن عبد الرحمن المليكي أبو غرارة زوج جَبْرة كما في "تهذيب الكمال" ٢٥/ ٥٩١.
(٣) في (ب): يروى.
(٤) "حلية الأولياء" ٢/ ٥٠.
(٥) في النسخة المطبوعة: ورد في وهو تحريف.
(٦) لفظة به سقطت في النسخة المطبوعة، أثبتناه من (أ) و(ب). وفي "المستدرك" ٤/ ١٩٧: هشام بن عروة عن أبيه.
(٧) في "المستدرك" ٤/ ١٩٧ ولفظه: قلت لعائشة ﵂ قد أخذتِ السنن=
[ ١١٣ ]
الثالثة والعشرون: كانت أفصحهن لسانًا، عن موسى بن طلحة قال: ما رأيتُ أحدًا أفصح من عائشة. أخرجه الترمذي (^١) وقال: حسن صحيح غريب.
وروي محمدُ بن سيرين، عن الأحنف بن قيس قال: سمعتُ خطبة أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، والخلفاء كلهم هلم جرًّا إلى يومي هذا، فما سمعتُ الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن منه مِنْ في عائشة. أخرجه الحاكم في "مستدركه" (^٢) وساق أبو الفرج في "التبصرة لها كلامًا طويلًا موشَّحًا بغرائب اللغة والفصاحة. وقال صاحبُ "زهر الآداب" (^٣): لما توفي الصديقُ ﵁، وقفت عائشة على قبره فقالت:
"نَضَّرَ الله وجهَكَ يا أبتِ، وشكر لك صالح سعيك، فلقد كنت للدنيا مُذلًّا بإدبارك عنها، وللآخرة مُعزًا بإقبالك عليها، ولئن كان أجلَّ الحوادث بعد رسول الله ﷺ رُزْؤُكَ، وأعظمَ المصائب بعده فقدُك، إِنَّ كتاب الله لَيَعِد بحسن الصبر عنك حسنَ العوض منك، وأنا أستنجز
_________________
(١) = عن رسول الله ﷺ والشعر والعربية عن العرب فعن من أخذت الطب؟ قالت: إنَّ رسول الله ﷺ كان رجلًا مسقامًا وكان أطباء العرب يأتونه فأتعلم منهم. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي وقال: صحيح.
(٢) أخرجه الترمذي في المناقب باب من فضل عائشة ﵂ (٣٨٨٤). والحاكم في "المستدرك" ٤/ ١١.
(٣) في "المستدرك" ٤/ ١١.
(٤) هو الأديب، شاعر المغرب، أبو إسحاق، إبراهيم بن علي بن تميم القيرواني الحُصري المتوفى سنة ٤٥٣ هـ، وله كتاب "زهر الآداب" وكتاب "المصون في الهوى". انظر: "السير" ١٨/ (٧٤) للذهبي.
[ ١١٤ ]
موعودَ الله فيك بالصبر، وأستقضيه بالاستغفار لك. أما لئن كانوا قاموا بأمر الدنيا لقد قمتَ بأمرِ الدين لما وهى شَعْبُهُ، وتفاقم صَدْعُهُ، ورَجَعَتْ جوانبُه، فعليك سلامُ الله توديع غيرِ قاليةٍ لحياتك، ولا زاريةٍ (^١) على القضاء فيه" (^٢).
الرابعة والعشرون: أن الأكابر من الصحابة كان إذا أشكل عليهم الأمرُ في الدين، اسْتَفْتَوْها، فيجدون علمه عندها. قال أبو موسى الأشعري ما أشكل علينا - أصحاب رسول الله ﷺ حديثٌ قطُّ، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه عِلمًا. أخرجه الترمذي (^٣) وقال: حسن صحيح. وقال مسروق: رأيت مشيخة أصحاب محمد ﷺ يسألونها عن الفرائض (^٤).
الخامسة والعشرون: جاءَ في حقها: "خُذُوا شطرَ دينكم عن الحميراء" (^٥) وسألت شيخنا الحافظ عماد الدين بن كثير ﵀ عن ذلك فقال: كان شيخنا حافظُ الدنيا أبو الحجاج المزي ﵀ يقول: كُلُّ حديث فيه ذكرُ الحميراء باطل إلا حديثًا في الصوم في "سنن
_________________
(١) في (ب): رازية، خطأ.
(٢) "زهر الآداب" ١/ ٣٣ - ٣٤.
(٣) أخرجه الترمذي في المناقب باب من فضل عائشة ﵂ (٣٨٨٣) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٤) أخرجه ابن سعد في "الطبقات" ٨/ ٦٦، والحاكم في "المستدرك" ٤/ ١١، والدارمي في الفرائض باب في تعليم الفرائض ص ٧٣٨ - ٧٣٩ عن مسلم قال: سألنا مسروقًا: كانت عائشة تحسن الفرائض؟ قال: والذي لا إله غيره لقد رأيت الأكابر من أصحاب محمد يسألونها عن الفرائض.
(٥) تقدم تخريجه ص ٧٨ - ٧٩ فراجعه.
[ ١١٥ ]
النسائي" (^١) قلت: وحديث آخر في النسائي (^٢) أيضًا عن أبي سلمة قال: قالت عائشة: دخل الحبشةُ المسجد يلعبون فقال لي: "يا حميراء أتحبين أن تنظري إليهم" الحديث، وإسناده صحيح. وروى الحاكم في "مستدركه" (^٣) حديث: ذكر النبي ﷺ خروج بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة فقال: "انظري يا حُميراء ألَّا تكوني أنتِ" ثم التفت إلى علي، فقال: "إن وليتَ مِن أمرها شيئًا فارفُق بها" وقال: صحيح الإسناد (^٤).
_________________
(١) لم أعثر على هذه الرواية في كِلتي السنن للنسائي، والحديث في هذا الباب رواه إسحق بن راهويه في مسنده ٢ / (٦٧٣): أخبرنا بقية بن الوليد، حدثني عبد الملك بن محمد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله ﷺ قبَّلها وهو صائم وقال: إن القبلة لا تنقض الوضوء ولا تفطر الصائم وقال: يا حميراء إن في ديننا لسعة. وقال إسحاق: أخشى أن يكون غلطًا. وقد استدل بهذه الرواية الزيلعي في "نصب الراية" ١/ ٧٣ وعزاها إلى مسند إسحاق بن راهويه أيضًا. وربما أخطأ المزي في العزو إلى النسائي والله أعلم. قلت: بقية بن الوليد ضعيف، كثير التدليس عن الضعفاء. انظر: تحرير تقريب التهذيب، ١/ (٧٣٤). وميزان الاعتدال للذهبي ١ / (١٢٥٠).
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى في عشرة النساء باب إباحة الرجل لزوجته النظر إلى اللعب (٨٩٥١) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: دخل الحبشة المسجد يلعبون فقال لي: يا حميراء أتحبين أن تنظري إليهم؟ فقلت: نعم فقام بالباب وجئته فوضعت ذقني على عاتقه فأسندت وجهي إلى خده، قالت: ومن قولهم يومئذ: أبا القاسم طيبًا فقال رسول الله ﷺ: حسبك فقلت: يا رسول الله لا تعجل فقام لي ثم قال: حسبك. فقلت: لا تعجل يا رسول الله، قالت: وما لي حب النظر إليهم، ولكن أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي، ومكاني منه. إسناده صحيح كما قال ابن حجر في الفتح ٢/ (٩٥٠) وقال: ولم أرَ في حديث صحيح ذكر الحميراء إلا في هذا.
(٣) في "المستدرك" ٣/ ١١٩.
(٤) قال الحاكم: هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الذهبي: عبد الجبار لم يخرجا له. =
[ ١١٦ ]
وذكرها الشيخ أبو إسحاق الشِّيرازي في "طبقاته" (^١) في جملة فقهاء الصحابة. ولما ذكر ابن حزم (^٢) أسماء الصحابة الذين رويت عنهم الفتاوى في الأحكام على مزيد (^٣) كثرة ما نقل عنهم، قدَّم عائشة على سائر الصحابة. وقال الحافظ أبو حفص عمر بن عبد المجيد القرشي الميانشي (^٤) في كتاب "إيضاح ما لا يسع المحدث جهله" (^٥): اشتمل كتابُ البخاري ومسلم على ألف حديث ومائتي حديث من الأحكام، فروت عائشة من جملة الكتابين مائتين ونيفًا وتسعين (^٦) حديثًا لم يخرج عن الأحكام منها إلا يسير (^٧).
_________________
(١) = قلت: وسالم بن أبي الجعد من ثقات التابعين لكنه يدلس ويرسل، انظر: تحرير تقريب التهذيب ٢/ (٢١٧٠) وعمار بن معاوية الدُّهني صدوق نُسب إليه من تشيع انظر المصدر نفسه ٣ (٤٨٣٣) والحديث في الخروج على علي فانتبه. وقال سعيد الأفغاني في تعليقه على هذا الحديث: كذا والله أعلم بصحته.
(٢) "طبقات الفقهاء" للشيرازي المتوفى سنة ٤٧٦ هـ ص ٤٧ - ٤٨.
(٣) في "الإحكام" ٥/ ٩٢ وفي "جوامع السيرة" ص ٣١٩.
(٤) وقع في النسخة المطبوعة: مزية وهو تحريف. في (أ) و(ب): مزيد.
(٥) هو أبو حفص عمر بن عبد المجيد بن الحسن المهدي الميانِشي نزيل مكة المكرمة وشيخ الحرم المتوفى بها سنة ٥٨١ هـ، وكان محدثًا متقنًا صالحًا. صنف جزءًا في ما لا يسع المحدث جهله حققه وعلق عليه صبحي السامرائي. انظر لترجمته: مقدمة هذه الرسالة و"تاريخ الإسلام" للذهبي ٤١/ ١٢٠ - ١٢١. ونسبته إلى ميانش، قال ياقوت في "معجم البلدان" ٥/ ٢٣٩: وميانش، بالفتح والتشديد من قرى المهدية بإفريقية ماؤها عذب. انظر أيضًا: "العقد الثمين" لتقي الدين الفاسي ٦/ ٣٣٤.
(٦) انظر ص ١٠ من هذه الرسالة.
(٧) في (ب) وفي رسالة الميانشي المطبوعة: وسبعين وهو خطأ، لأن مسند عائشة يبلغ ألفين ومئتين وعشرة أحاديث. اتفق لها البخاري ومسلم على مئة وأربعة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين وانفرد مسلم بتسعة وستين على ما قال الذهبي في "السير" ٢/ (١٩) يعني جملتها في الصحيحين: مئتين وسبعة وتسعين.
(٨) في (ب): يسيرًا، خطأ.
[ ١١٧ ]
قال الحاكم أبو عبد الله: فَحُمِلَ عنها ربعُ الشريعة. قال أبو حفص (^١): وروينا بسندنا عن بقي بن مخلد ﵁: أن عائشة روت ألفين ومائتي حديث وعشرة أحاديث (^٢)، والذين رووا الأُلوف عن رسول الله ﷺ أربعة: أبو هريرة وعبد الله بن عمر (^٣) وأنس بن مالك وعائشة ﵃ (^٤).
السادسة والعشرون: لم ينكحِ النبي ﷺ امرأة أبواها مهاجران بلا خلاف، سواها.
السابعة والعشرون: أن أباها وجدها صحابيان، وشاركها في ذلك جماعةٌ قليلون. قال موسى بن عُقبة: لا نعرف أربعةً أدركوا النبيَّ ﷺ هم وأبناؤهم إلا هؤلاء الأربعة، فذكر أبا بكر الصديق وأباه وابنه عبد الرحمن وابنه محمدًا أبا عتيق. حكاه عنه ابن الصلاح في النوع الرابع والأربعين من "علومه" (^٥)، وكذا صاحبُ "مسند الفردوس" وقال: ولا نعلمُ من العشرة أحدًا أسلم أبوه على يدي رسول الله ﷺ إلا أبا بكر. قلت: وقد أفرد ابن منده (^٦) جزءًا فيمن روى عن النبي ﷺ هو وولده وولد ولده
_________________
(١) في "ما لا يسع المحدث جهله" ص ١٠.
(٢) والمخرج في مسند أحمد (٢٤٠٢).
(٣) وقع في النسخة المطبوعة: وعبد الله بن عمرو، معتمدًا على (أ) وهو خطأ. أثبتناه من (ب).
(٤) انظر أيضًا: "عدد ما لكل واحد من الصحابة من الحديث"، ص ٧٩ لبقي بن مخلد بتحقيق أكرم ضياء العمري.
(٥) "علوم الحديث" لابن الصلاح، ص ٣٠٣.
(٦) هو الإمام الحافظ الجوّال، محدث الإسلام، أبو عبد الله، محمد بن المحدث أبي يعقوب بن الحافظ أبي عبد الله محمد بن يحيى بن مندة الأصبهاني، صاحب التصانيف المتوفى سنة ٣٩٥ هـ. له ترجمة حافلة في "السير" ١٧/ (١٣).
[ ١١٨ ]
واشتركوا في رؤيته وصحبته والسماع منه، وبدأ بوالد الصديق أبي قُحافة، وروى له حديثًا، ثم بالصديق، ثم بولده عبد الرحمن.
ومنهم حارثة بن شراحيل وابنُه زيد بن حارثة وابنُه أسامة بن زيد حِب رسول الله ﷺ.
وروى أبو القاسم البغوي (^١) في "معجمه" من جهة محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن عبد الله بن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا بلغ المرءُ المسلمُ أربعين سنةً صرف الله عنه ثلاثة أنواعٍ من البلاء: الجنون والجُذام والبَرَص (^٢) .. الحديث" ثم قال: لا أعلم لعبد الله بن أبي بكر عن النبي ﷺ غير هذا الحديث، وفي إسناده ضعف وإرسال. وقال الدارقطني: حدثنا عبد الله بن أبي بكر فأسند عنه حديثًا في إسناده نظر. يرويه عثمان بن الهيثم المؤذن عن رجال ضعفاء (^٣). قال المنذري (^٤):
_________________
(١) هو الحافظ الإمام الحجة المعمَّر، مسند العصر، عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن المرزبان بن سابور بن شاهنشاه، أبو القاسم البغوي الأصل، البغدادي الدار والمولد، المتوفى سنة ٣١٧ هـ صاحب المسند، له ترجمة في "السير" ١٤/ (٢٤٧).
(٢) أخرجه ابن قانع في "معجم الصحابة" (٢/ ٥٤٩) عن عبد الله بن أبي بكر الصديق، ودوام الحديث: فإذا بلغ خمسين خفف عنه ذنوبه، فإذا بلغ ستين رزقه الله الإنابة إليه، فإذا بلغ سبعين أحبه أهل السماء فإذا بلغ ثمانين أثبتت حسناته ومحيت سيئاته، فإذا بلغ تسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وسمّي أسير الله في الأرض وشفع لأهل بيته.
(٣) وذكر نحوه ابن الجوزي في الموضوعات ١/ ٧٩ - ١٨٠. عن أنس قال: قال رسول الله: إذا بلغ العبد أربعين سنة أمنه الله تعالى من البلايا الثلاث: الجنون والجذام والبرص.
(٤) هو الإمام العلامة الحافظ المحقق شيخ الإسلام زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة بن سعد المنذري الشامي الأصل =
[ ١١٩ ]
وقد وقع لنا من حديث عبد الله بن أبي بكر الصديق عن رسول الله ﷺ حديثان آخران غير هذا الحديث، أحدهما: أن رسول الله ﷺ فرّق بين جارية بكر وزوجها، زوَّجَها أبوها وهي كارهة (^١) .. الحديث" الثاني: أن النبي ﷺ قال: "لا يُجْلَدُ فوق عشرة أسواط إلا في حدِّ من حدود الله" (^٢).
وهذان الحديثان يرويهما عنه المهاجر بن عكرمة المخزومي. وعندي في سماع المهاجر هذا من عبد الله بن أبي بكر نظر، فإن عبد الله قديمُ الوفاة، فإنه توفي في شوال سنة إحدى عشرة من الهجرة وهي السنة التي توفي فيها رسول الله ﷺ، وقيل: سنة اثنتي عشرة، والأولى أشهر. وكان وفاتُه بالمدينة ونزل حفرَته عُمَرُ بن الخطاب، وطلحةُ بنُ عبيد الله، وعبدُ الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵃.
الثامنة والعشرون: كان أبوها أحبَّ الرجال إليه وأعزَّهم عليه.
_________________
(١) = المصري الشافعي، صاحب التصانيف، المتوفى سنة ٦٥٦ هـ. انظر لترجمته: في "السير" ٢٣/ (٢٢٢).
(٢) أخرجه ابن قانع في "معجم الصحابة" (٢/ ٥٤٩) عن عبد الله بن أبي بكر، ودوامه: وكان رسول الله ﷺ إذا زوج أحدًا من بناته أتى خدرها فقال: إن فلانًا يذكر فلانة.
(٣) أخرج أحمد في مسنده (١٥٨٣٤) و(١٥٨٣٥) و(١٥٨٣٢)، والبخاري (٦٨٤٨) ومسلم (١٧٠٨) والحاكم في "المستدرك" ٤/ ٤١٠ والبيهقي في "السنن" ١٠/ ١٤٢ و٨/ ٣٢٨ وآخرون كلهم عن أبي بردة بن نيار عن النبي ﷺ قال: لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله. قال البيهقي: وله شاهد مرسل وذكره من جهة يحيى بن أبي كثير عن المهاجر بن عكرمة أن عبد الله بن أبي بكر حدثه أن النبي ﷺ قال: لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد. وقال يعقوب: ورواه بعض من لا يوثق بروايته فقال: إن عبد الله بن أبي بكر الصديق ﵄ حدثه، وإنما هو عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم. انظر "السنن" ٨/ ٣٢٨.
[ ١٢٠ ]
التاسعة والعشرون: أن أباها أفضلُ الناس بعد رسول الله ﷺ. وقد سئل عن ذلك مالك فقال: وهل في ذلك شك؟
وقد صح عن علي بن أبي طالب ذلك أيضًا. أخرجه أبو ذر (^١) في كتاب "السنة" له.
وأخرج البخاري في صحيحه (^٢) عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أيُّ الناسِ خير بعد رسول الله ﷺ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثُمَّ مَنْ؟ قال: عمر، وخشيتُ أن يقول: عثمان؛ قلت: ثم أنت قال: ما أنا إلا رجلٌ من المسلمين.
وإنما وقع الخلاف في التفضيل بين علي وعثمان، وذهب قوم إلى تساويهما في الفضل (^٣)، وحُكي عن مالك ويحيى بن سعيد القطان. وأما ما ذكره ابن عبد البر في كتاب "الصحابة" (^٤): أن السلف اختلفوا في تفضيل أبي بكر وعلي، فقد غُلِّطَ في ذلك ووهِّم، لا سيما وثبت بأن من كان يعتقد ذلك من السلف أبو سعيد الخدري وهذا بعيد. وقد أخرج البخاري في "صحيحه" (^٥) عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا نخيِّر بين الناس الناس في زمان رسول الله ﷺ فنُخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم نترك أصحاب رسول الله ﷺ لا نُفاضِلُ بينهم. وقد
_________________
(١) هو الحافظ الإمام المجوّد، العلامة، شيخ الحرم، أبو ذر، عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غُفير بن محمد، المعروف ببلده بابن السمّاك، الأنصاري الخراساني الهروي المالكي، صاحب التصانيف، المتوفى سنة ٤٣٤ هـ. له ترجمة حافلة في "السير" ١٧/ (٣٧٠).
(٢) أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي ﷺ باب (٣٦٧١).
(٣) وقعت في (ب) وفي النسخة المطبوعة: الفضيلة، أثبتناه من (أ).
(٤) "يعني الاستيعاب" ٣/ ٥٢.
(٥) أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي ﷺ باب مناقب عثمان بن عفان (٣٦٩٨).
[ ١٢١ ]
أنكر ابن عبد البر (^١) صحة هذا الخبر وقال: إنه غلط لِوجهين أحدهما: أنه حكى عن هارون بن إسحاق قال: سمعت يحيى بن معين يقول: من قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعرف لعلي سابقتَه وفضلَه، فهو صاحبُ سنة، ومن قال أبو بكر وعمر وعلي وعثمان وعرف لعثمان سابقته وفضله فهو صاحب سنة. فذكرت له هؤلاء الذين يقولون: أبو بكر وعمر وعثمان ويسكتون فتكلم فيهم بكلام غليظ. وهذا عجيبٌ، لأن ابن معين إنما أنكر على رأي قوم لا على نقلهم. وهؤلاء القوم العثمانية، المُغلون في عثمان وذم علي. ومن قال ذلك واقتصر على عثمان، فلا شك أنه مذموم. وليس في الخبر ما يدل على أن عليًا ليس بخير الناس بعدهم.
الثاني: أنه خلافُ قولِ أهل السنة: إن عليًا أفضلُ الناس بعد عثمان. هذا لا خلاف فيه، وإنما اختلفوا في تفضيل علي وعثمان؛ قال: واختلف السلف أيضًا في تفضيل علي وأبي بكر. وفي إجماع الجماعة التي ذكرنا دليل على أن حديث ابن عمر وهم وغلط اهـ (^٢). وهذا أعجبُ من الأول، فإن الحديث صحيح أورده الأئمة: البخاري فَمَنْ دونَه في كتبهم الصحاح، والحامل له على ذلك اعتقاده أن حديث ابن عمر يقتضي أن عليًا ليس بأفضل الناس بعد عثمان، وليس كذلك بل هو مسكوت عنه.
الثلاثون: كان لها يومان وليلتان في القَسم دونهنَّ لما وَهبَتْها سَودة يومها وليلتها (^٣).
_________________
(١) في "الاستيعاب" ٣/ ٥٢.
(٢) وفي دوامه يقول ابن عبد البر: وإنه لا يصح معناه، وإن كان إسناده صحيحًا.
(٣) تقدم تخريجه في ص ٨٨، وأخرجه أحمد في "المسند" (٢٤٨٥٩) قالت: عن عائشة كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها غير أن سودة بنت زمعة كانت وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي ﷺ تبتغي بذلك رضا النبي ﷺ. =
[ ١٢٢ ]
الحادية والثلاثون: أنها كانت تغضب فيترَضّاها ولم يثبت ذلك لغيرها.
الثانية والثلاثون: لم يَرْوِ عن النبي ﷺ امرأةٌ أكثر منها. ونقل الماوردي في الأقضية من "الحاوي" (^١) عن أبي حنيفة: أنه لا يقبل (^٢) من أحاديث النساء إلا ما ورته عائشة وأُم سلمة. وهو غريب.
الثالثة والثلاثون: كان يتتبعُ (^٣) رضاها كلعبها باللعب، ووقوفه في وجهها لِتنظرَ إلى الحبشة يلعبون، واستنبط العلماءُ ذلك أحكامًا كثيرة. فما أعظم بركتها (^٤).
الرابعة والثلاثون: أنها أفضلُ امرأة مات عنها رسول الله ﷺ بلا خلاف، واختلفوا في التفضيل بينها وبين خديجة على وجهين: حكاهما المتولي (^٥) في "التتمة". وقال الآمدي (^٦) في "أبكار الأفكار" (^٧): مذهب
_________________
(١) بل قاله الماوردي في الحاوي ٢٠/ ١٤٦ كتاب أدب القاضي ما نصه: وامتنع أبو حنيفة من قبول أخبار النساء في الدين إلا أخبار عائشة وأم سلمة. ثم قال الماوردي: وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: لو كان نقص الأنوثة مانعًا لَعَمَّ، والثاني: أن قبول قولهن في الفتيا يوجب قبوله في الأخبار، لأن الفتيا يوجد قبوله، لأن الفتيا أغلظ شروطًا.
(٢) في (أ) والنسخة المطبوعة: لا ينقل، أثبتناه من (ب)، ويؤيده ما قاله الماوردي.
(٣) في النسخة المطبوعة: يتبع، خطأ.
(٤) في: (ب) تركبها، خطأ.
(٥) هو الشيخ عبد الرحمن بن مأمون بن علي بن إبراهيم النيسابوري أبو سعيد المتولي المتوفى سنة ٤٧٨ هـ. انظر "طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة ١/ ٢١١؛ كشف الظنون لكاتب جلبي ١/ ١.
(٦) هو علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي، سيف الدين الآمدي، شيخ المتكلمين في زمانه ومصنف "الأحكام" المتوفى سنة ٦٣١ هـ. انظر لترجمته "طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة ٢/ ٧٩ - ٨٠.
(٧) في (ب) الأذكار، خطأ.
[ ١٢٣ ]
أهل السنة أن عائشة أفضلُ نساء العالمين. وقالت الشيعة: "أفضل زوجاته خديجة وأفضل نساء العالمين فاطمة ومريم ومريم وآسية" اهـ.
ومنهم من توقف في ذلك وهو ما مال إليه إلكيا (^١) الطبري في تعليقه في الأصول. واحتج مَن فضَّل خديجة بأنها أولُ الناس إسلامًا، كما نقل الثعلبي (^٢) الإجماع عليه، وبأن لها تأثيرًا في أوَّل الإسلام وكانت تُسلِّي رسول الله ﷺ وتبذُلُ دونه مالها، فأدركَتْ غُرة الإسلام، واحتَمَلَت الأذى في الله ورسوله، وكانت نصرتُها للرسول في أعظم أوقات الحاجة، فلها من ذلك ما ليس لغيرها. قال أبو بكر بن داود (^٣): ولأن عائشة أقرأها
_________________
(١) وضع هنا الأستاذ سعيد الأفغاني ﵀ أداة الاستفهام وقال في تعليقه: هنا كلمة لم نستطع حلها ولم نجد في تراجم الملقبين بالطبري اسمًا أو نعتًا قريبًا من رسمها في الأصل. قلت: بل هي واضحة في كل من (أ) و(ب) وهو: إلكيا الطبري، العلامة، شيخ الشافعي، ومدرس النظامية، أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري الهراسي المتوفى سنة ٥٠٤ هـ. له تصانيف حسنة، منها "أحكام القرآن" وهو مطبوع في أربعة أجزاء. انظر "السير" ١٩/ (٢٠٧) والكيا، بكسر الكاف وفتح الياء لفظة فارسية معناها: الكبير القدر، المقدم بين الناس. وترجمته في "وفيات الأعيان" لابن خلكان ٣/ ٢٨٦ - ٢٨٩، ومن كلامه السائر: إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح، طارت رؤوس المقاييس في مهاب الرياح.
(٢) هو الإمام الحافظ العلامة، شيخ التفسير أبو إسحاق، أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري المتوفى سنة ٤٢٧ هـ. له كتاب "التفسير الكبير" وكتاب "العرائس" في قصص الأنبياء انظر: "السير" ١٧/ (٢٩٢).
(٣) هو محمد بن داود بن علي الظاهري، العلامة البارع، ذو الفنون، أبو بكر المتوفى سنة ٢٩٧ هـ وهو مصنف كتاب "الزهرة" في الآداب والشعر. له ترجمة في "السير" ١٣ / (٥٦).
[ ١٢٤ ]
رسولُ الله ﷺ السلام من جبريل، وخديجة أقرأها جبريلُ السلام من ربّها على لسان محمد، فهي أفضل.
واحتجَّ مَن فضل عائشة بأن تأثيرها في آخر الإسلام، فلها من التفقُّه في الدين، وتبليغه إلى الأمة وانتفاع بنيها بما أدَّت إليهم من العلم ما ليس لغيرها. قال السُّهيلي: وأصحُ ما رُوي في فضلها على النساء حديثُ: "فضلُ عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" يعني كما أخرجه الشيخان من حديث أنس (^١) قال: وأراد بالثريد اللحم. كذلك رواه مَعْمر في "جامعه" (^٢) مفسرًا عن قتادة - وأبان يرفعه - فقال فيه: "كفضل الثريد باللحم" ووجه التفضيل من هذا الحديث أنه قال في حديث آخر: "سيد أُدُم الدنيا والآخرة اللحم" (^٣) أن الثريد إذا أُطلق لفظه، فهو ثريدُ اللحم، أنشد سيبويه (^٤):
إذا ما الخبزُ تأدِمُه بِلَحْمٍ … فذاك أمانة اللهِ الثَّريدُ (^٥)
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأطعمة باب الثريد (٥٤١٩) ومسلم في فضائل الصحابة باب في فضائل عائشة أم المؤمنين ﵂ (٦٢٩٩).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ١٠ / (١٩٥٧٢) ولفظه: عن قتادة وأبان قالا: قال رسول الله ﷺ: مثل عائشة في النساء مثل الثريد واللحم في الطعام.
(٣) أخرج الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٥/ ٣٥ عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ: "سيد الإدام في الدنيا والآخرة اللحم" .. وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه سعيد بن عبية القطان ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وفي بعضهم كلام لا يضر.
(٤) هو إمام النحو، حجة العرب، أبو بشر، عمرو بن عثمان بن قَنبر الفارسي، ثم البصري المتوفى سنة ١٨٠ هـ. انظر: "السير" ٨/ ٩٧.
(٥) البيت أنشده السبويه ٣/ ٦١ ورقم البيت: ٤٣٤، تأدمه: تخلطه، وأمانة نصب بنزع إسقاط حرف الجر ومعناها: أحلف بأمانة الله.
[ ١٢٥ ]
قال: ولولا قولُه في خديجة: "والله ما أبدلني الله خيرًا منها" (^١) لقلنا بتفضيلها على خديجة وعلى نساء العالمين. اهـ. وهذا الحديث الذي أشار إليه أخرجه ابن ماجه في "سننه" (^٢): حدثنا العباس بن الوليد الخلال الدمشقي حدثنا يحيى بن صالح (^٣)، حدثني سليمان بن عطاء الجزري، حدثني مسلمة الجهني، عن عمه أبي مشجعة عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: "سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة اللحم" وقال ابن الجوزي في "مشكله": "العرب" تُفضِّلُ الثريد، لأنه أسهلُ في تناوله، ولأنه يأخذ جوهر المرَق" (^٤) فلم يقف على هذا المعنى الحسن.
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في طبقاته (^٥): "روينا عن الإمام أبي الطيب سهل الصُّعلوكي (^٦) أنه قال في قول النبي ﷺ: "فضل عائشة
_________________
(١) أخرجه أحمد في "المسند" (٢٤٨٦٤) عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا ذكر خديجة، أثنى عليها، فأحسن الثناء، قالت: فغِرْتُ يومًا، فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراءَ الشِّدْق، قد أبدلك الله ﷿ بها خيرًا منها قال: "ما أبدَلَني الله ﷿ خيرًا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذْ كذَّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ﷿ وَلَدَها إذ حرمني أولاد النساء. قال الشيخ شعيب الأرنؤوط: صحيح وهذا سند حسن في المتابعات. انظر تمام تخريجه في "المسند" (٢٤٨٦٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه في الأطعمة باب اللحم (٣٣٠٥) من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة. اللحم. وهو ضعيف جدًّا لأن فيه سليمان بن عطاء الجزري وهو منكر الحديث وأبو مَشْجَعَة مجهول.
(٣) وقع في (أ) و(ب): الحسن بن صالح وهو خطأ. والصواب ما أثبتناه من ابن ماجه. انظر "التهذيب" ٤/ ٢١١؛ وتحرير تقريب التهذيب ٤/ (٧٥٦٨).
(٤) انظر: "كشف المشكل" ١/ ٤١٥.
(٥) "طبقات الفقهاء الشافعية" ١/ ٤٨٢ - ٤٨٣.
(٦) هو العلامة، شيخ الشافعية بخراسان، الإمام أبو الطيب، سهل بن محمد بن =
[ ١٢٦ ]
على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" أراد فضل ثريد عمرو العُلى الذي عظم نفعه وقدره، وعم خيره وبره، وبقي له ولعقبه ذكر حتى قال فيه القائل:
عمرو العُلى هَشَمَ الثّريد لقومه … ورجالُ مكةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ (^١)
ثم قال ابن الصلاح: "أبعد سهلٌ في تأويل الحديث والذي أراه: أن معناه ثريد كل طعام على باقي ذلك الطعام. وسائر بمعنى باقي .. وهو كذلك، فإن خير اللحم قد حصل فيه، فهو أفضل منه" (^٢) اهـ.
وسئل ابن الحاجب (^٣) في "أماليه" عن قوله ﷺ: "كَمُلَ مِن الرجالِ كثيرٌ، ولم يَكْمُلْ مِن النساء إلا مريمُ ابنةُ عِمران وآسيةُ، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (^٤) هل الألف واللام لاستغراق الجنس أو لا؟ فأجاب: "بأن النساء في الأول لمن عدا عائشة.
_________________
(١) = سليمان بن محمد العجلي الحنفي، ثم الصُّعلوكي النيسابوري، الفقيه الشافعي المتوفى سنة ٤٠٤ هـ. انظر لترجمته "السير" ١٧/ (١٢١).
(٢) البيت لعبد الله بن الزَّبَعْرَى أنشده المبرد في المقتضب ٢/ ٣١٢ تحت باب الصفة التي تجعل وما قبلها بمنزلة شيء واحد فيحذف التنوين من الموصوف. وعمرو العلى هو هاشم بن عبد المطلب الجد الثالث للنبي ﷺ.
(٣) "طبقات الفقهاء الشافعية" ١/ ٤٨٢ - ٤٨٣.
(٤) هو الشيخ الإمام العلامة المقرئ الأصولي الفقيه النحوي جمال الأئمة والملة والدين أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الكردي الدُّويني الأصل الإسنائي المولد المالكي المتوفى سنة ٦٤٦ هـ. صاحب التصانيف. انظر لترجمته في "السير" ٢٣/ (١٨٥).
(٥) أخرجه البخاري في الأطعمة باب الثريد (٥٤١٨) ومسلم في فضائل الصحابة باب في فضائل خديجة أم المؤمنين ﵂ (٦٢٧٢) وابن أبي شيبة في "المصنف" ٦/ (٣٢٢٧٦).
[ ١٢٧ ]
وفي الثاني لمن عدا وآسية" فلا دلالة فيها على تفضيل أحد القبيلين على الآخر، كقولك زيدٌ أفضلُ القوم، وعمرو أفضلُ القوم: فيه دليل على أنهما أفضلُ القوم ولا تفضيل لمجرد ذلك لأحدهما على الآخر.