قد ألّف الزركشي كتابَه هذا في آخرِ حياته، وأهداه إلى القاضي برهان الدين بن جَماعة المتوفَّى سنة (٧٩٠ هـ) يبدو أنه سوَّده قبل بضع سنوات من وفاته، إلا أننا نراه في لوحة السماع في آخر كتاب الإجابة أن ابنه محمدًا قرأه على والده وشيخه في سنة (٧٩٤ هـ) أي في السنة التي تُوفي فيها الزركشي ﵀. ولا نُبالغُ إذا قلنا: إن هذا الكتاب هو حصيلة الزركشي العلامة المصنف الفقيه الأصولي العلمية، ولبّ ما رزقه الله مِن لدنه طولَ حياته.
واعترف العلامةُ ابن حجر بقيمة الإجابة للزركشي بعدما ذكر الأصلَ لأبي منصور البغدادي فقال: "نعم، لمصنف الإجابة حسنُ الترتيب والزيادات البينة، والعزو إلى التصانيف الكبار الأُوَل" (^١). وقد أفاد الحافظُ منها كما أفاد مِن تأليفات أخرى للزركشي - بدليل أنه ذكرها في شرحه فقال: "وجزم البدرُ الزركشي فيما استدركته عائشة على الصحابة. ." (^٢).
قال الدكتور السيد أحمد فرج في مقدمة تحقيقه لكتاب "زهر العريش" للزركشي: ". . والذي يقرأ كتاب الإجابة يجد مستوى عاليًا من التحقيق، بيَّنه الزركشي في تحقيقه لاستدراكاتِ عائشة على الصحابة ﵃ أجمعين؛ فهو يُعَدُّ بحق مِن أهم كتب تحقيق السنة على صغره" (^٣).
_________________
(١) من مقدمة الإجابة للأفغاني ص ١٧.
(٢) فتح الباري لابن حجر، ٨/ (٤٧٥٠).
(٣) من مقدمة زهر العريش، ص ١٧ - ١٨.
[ ١٣ ]
نعم، نرى في الإجابة ذروة علم الزركشي في العلوم المختلفةِ مِن الفقه إلى أصوله، ومن الحديث إلى الجرح والتعديل، والدِّراية من الأسانيد إلى المتون، وتظهر في هذا الكتاب قوة الزركشي في التوجيه والتأويل بين الأحاديث المختلفة سندًا ومتنًا، ويتبلورُ مِن هذا الكتاب أيضًا كثرة المصادر التي اطلع عليها الزركشي وإفادته من كتب المتقدمين والمتأخرين وبخاصة من كان ينتحل مذهب الشافعي منهم. وقد جاوز عدد المراجع المذكورة في الإجابة مئة بالإحصاء الدقيق وهذا يدل على سعة مطالعته، وغنى مكتبته، وقوةِ ذاكرته.
واشتهر هذا الكتابُ بين الباحثين والأساتذة في علم الحديث ولا سيما الذين يهتمون بنقد الحديث، فقد رجعوا إليه وأفادوا منه كثيرًا كما رأينا في "منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي" للإدلبي، و"مقاييس نقد متون السنة" للدميني و"منهج النقد عند المحدثين" للأعظمي، إلا أن هذا الأخير قد أخذ على الزركشي في هذا الكتاب قائلًا:
"أما الأحاديثُ التي أوردها الإمامُ بدر الدين الزركشي، فالبعضُ منها غيرُ ثابت سندًا، والبعض الآخر كان في الواقع فتاوى بعض الصحابة خالفوا فيها الأحاديثَ النبوية لعدم معرفتهم بها، فصححت فتواهم، وبعد هذا وذاك أيضًا، تصفو عدةُ أحاديث، رواها الصحابة عن النبي ﷺ فأنكرت عليهم إما معارضة بالقرآن الكريم، أو مبينة الخطأ في الرواية حسب نظرتها، أو استعملت الآيات القرآنية وأضافت إليها الرواية التي كانت ترى أنها صحيحة" (^١).
_________________
(١) منهج النقد عند المحدثين للأعظمي، ص ٧٧. (ط. الثالثة، سنة ١٩٩٠، مكتبة الكوثر بالمملكة).
[ ١٤ ]
وقد يعتذر عن الزركشي بأنه أراد أن يجمعَ كُلَّ ما اطلع على رواية فيها تصحيح السيدة عائشة لخطأ الراوي في روايته، أو فتواه، أو تأويله، أو عمله وإن كانت ضعيفة سندًا. على أنه كثيرًا ما ذكر ضعف الحديث بعدما ساقه وذكر الضعفاء من الرواة، أو سبب ضعفهم كما سيرى القارئ الكريم. وشيء آخر أن الزركشي أكثرَ الروايةَ عن الصحاح ولا سيما من "الصحيحين" و"السنن" والمصنفات، فعدد الأحاديث الضعيفة قليلة بالنسبة للأحاديث الصحيحة. وأما فتاوى بعض الصحابة فأكثرها مستندة إلى الحديث أو السنة وإن لم يصرحوا بأنه قاله رسول الله ﷺ أو فعله، وقد عدَّ بعض العلماء بعض هذه الفتاوى في حكم المرفوع، كما ورد بعضها في الكتب موقوفًا بسند ومرفوعًا بسند آخر.
ثم إن الزركشي لم يشترط في هذا الكتاب بأنه يجمع الأحاديثَ الصحيحة المرفوعة فقط، بل قال في مقدمته:
"وبعد، فهذا كتاب أجمعُ فيه ما تفردت به الصِّديقةُ ﵂، أو خالفت فيه سواها برأي منها أو كان عندها فيه سنة بينة، أو زيادة علم متقنة، أو أنكرت فيه على علماء زمانها، أو رجع فيه إليها أجلة من أعيان أوانها، أو حررته من فتوى، أو اجتهدت فيه من رأي رأته أقوى. موردًا ما وقع إليَّ من اختياراتها، ذاكرًا من الأخبار في ذلك ما وصل إليَّ عن رواتها، غير مدَّع في تمهيدها للاستيعاب، وأن الطاقة أحاطت بجمعِ ما في هذا الباب" (^١).
ولا بُدَّ هنا أن نعترِف بأن الزركشي حاول أن يَعُدَّ أربعين خصيصةً مِن خصائص السيدة عائشة في أول كتابه واستدلّ فيها ببعض الرواياتِ
_________________
(١) من مقدمة الزركشي للإجابة، ص ٢٧ - ٢٨.
[ ١٥ ]
الضعيفة، وبأقوال المتقدمين، واستنبط منها بعضَ الفوائد والنتائج، فيها شيءٌ مِن التكلف، وفيها نظر على ما رأينا كما وقع في خصائصها رقم (١١، ١٢، ١٣، ٢٥، ٣٨، ٤٠). ونظن أن الزركشي إنما عدها مدافعًا عن شأن السيدة ضدَّ الروافض الذين نالوا منها ونسبوها إلى ما برأها الله، وهم ليسوا بمقتنعين بهذه الاستدلالات الضعيفة، لأنهم لم يقتنعوا بما أنزل الله تعالى ببراءتها في القرآن الكريم. نعم، هي أم المؤمنين، أمُّنا العفيفة البريئة المبرَّأة مِن السماء، ويكفي لإثبات فضلها تلك الآياتُ المتواليات في سورة النور [النور: ١١ - ٢٦]، كما تكشف عن مدى علمها تلك الاستدراكات الحكيمة، إذًا لا حاجة إلى ذكر الروايات الضعيفة والأقوال المتكلفة بعدَ الكتاب والسنة الصحيحة، وأيُّ دليل أقوى من كتاب الله وسنة رسول الله؟! والذي يقرأ قسم الاستدراكات يطمئن اطمئنانًا كاملًا إلى درجة علم أمِّ المؤمنين وفضلها.
وأما قسم الاستدراكات، فقد اعترف بقيمته كل الباحثين المتخصصين ونحن نكتفي بأن نقول: لقد مرت على هذه الأمة ثمانمئة سنة تقريبًا وهي تحتاج إلى من يقوم بتأليف كتاب في نقد متن الحديث فقيض الله لها الإمام الزركشي حيث ألّف كتابه الإجابة، ثم مرت عليها ستمئة سنة أخرى حتى نشره لأول مرة الأستاذ سعيد الأفغاني، وأخيرًا مرت عليها أكثر من ستين سنة حتى وفقنا الله تعالى إلى تحقيقه تحقيقًا علميًّا تَقَرَّ به عيون أهل العلم بعد أن عثرنا على نسخة ثانية لأول مرة بحفظه وعنايته.
[ ١٦ ]