هو الشيخُ بدرُ الدين الزركشي محمدُ بنُ بهادر بن عبد الله التركيُّ الأصل، المصريُّ المَوْطِن. وكان الزركشي مثالَ الطالب المجتهد، ثم مثالَ العالم المتفرغِ للعلم، لا يشغلُه عنه غيره، التزم شيوخه أثناءَ الطلب والتزم دارَه أثناء التأليف، وكان يتردد على المكتبات الأميرية، والمكتبات الخاصة مثل مكتبة القاضي برهان الدين بن جماعة، أو إلى سوق الكتب، يُطالع في حانوت الكتبي طولَ نهاره، ومعه ظهورُ أوراق يُعلق فيها ما يُعجبه، ثم يرجع، فينقله إلى تصانيفه.
بعدَ رحيلهِ إلى الشام، وأخذه عن الأذرعي، وابن كثير، وهُمْ مِن جيل العلماء الذين خَلَفُوا الفحولَ أمثال النووي وابنِ تيمية وابنِ القيم وابنِ الصلاح فاتصل عِلمُه - عن طريق شيوخه - بعلمهم، تأثر الزركشيُّ بشيوخه الذين تَلْمَذَ لهم، كما تبيَّن تأثُّره بطريقتهم في التأليف وسلوكِهم في حياتهم العامة.
ولقد استقلَّ بالتأليف في وقت مبكر، وأخذ من الذين سبقوه، وانتفع بهم خاصة شيوخ المذهب الذين انتشرت أسماؤهم وأسماء كتبهم في مصنفاته، ولكنه كان يعزو ما يأخذه إلى أصحابه، وإلى كتبهم. ولكن الزركشي - مع هذا - لم يكن مجردَ ناقل أو مقتبس، وإنما هو مؤلفٌ يعتمدُ على طرق البحث العلمي ومناهجه. نعم هو يأخذ من السابقين، ولكنه يُؤلف بين الآراء، ويُقرر مذهبه، وقد لاحظ العلماءُ والفقهاء الذين قرؤوا مؤلفاتهِ ذلك، وعلقوا عليه.
لم يشتهر الزركشي - مع عُلو قدره - إلا بعدَ موته، ويرجع ذلك إلى عزلته وعزوفه عن الحياة الاجتماعية، وحجبه نفسَه عن الناس لِميله
[ ١٩ ]
الطبيعي إلى العزلة وضيق ذات يده، والزهد في الحياة، والإقبال على التحصيل والتصنيف، في عزلته بعيدًا عن أضواء المجتمع.
ومع هذا فلم يجهل قدرَ علمه العلماء الذين عاصروه، والذين جاؤوا بعده، كالحافظ ابن حجر الذي ترجم له ترجمة حسنةً وافية في "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة"، فقد عرف ابن حجر قدرَه، إذ وقف على مؤلفاته في الحديث، وأفاد منها، كذلك أفاد منه في علوم الحديث، من نكته الجيدة على كتاب المصطلح في علومِ الحديثِ لابنِ الصلاح، كما أفاد من شرحه على صحيح البخاري في "فتح الباري".
يُعَدُّ الإمامُ السيوطي أكثَر العلماء انتفاعًا بالزركشي، سار على الدرب الذي رسمه، ونقل كثيرًا من فصوله، مرة معزوة إليه، ومرةً بدون عزو. أفاد منه في جوانبَ كثيرة من تأليفه، وقد انتفع بالزركشي غير ابن حجر والسيوطي، علماءُ كثيرون.
ولم يقتصر الانتفاع بالزركشي في مجال تحقيق السنة وعلوم القرآن فحسب، بل انتفع العلماء بعلمه في مجال الفقه وعلوم الحديث وغيرها. نعم انتفع به الفقهاء خاصة فقهاء الشافعية الذين جاؤوا من بعده. وقد قال العلامة ابن حجر عن "تكملة شرح المنهاج" للزركشي: هو أنفع شروح المنهاج على كثرتها (^١).
وقد راجعنا قرص "المكتبة الألفية للسنة النبوية" لنبحث عن اسم "الزركشي" في المصارد المختلفة فوجدناه قد تكرر اسم "الزركشي" أكثر من ثلاثمئة مرة كما يلي بعضها:
_________________
(١) لخصناه من مقدمة الدكتور السيد أحمد فرج على "زهر العريش" للزركشي، ص ٥ - ٢٤ بتصرفات قليلة.
[ ٢٠ ]
في "فيض القدير" لعبد الرؤوف المناوي … ١٠٧ … مرة
في "كشف الخفاء" للعجلوني … ٣٧ … مرة
في "فتح الباري" لابن حجر العسقلاني … ٢٥ … مرة
في "شرح السيوطي لسنن النسائي" … ٢٢ … مرة
في "كشف الظنون" لحاجي خليفة … ١٩ … مرة
في "تدريب الراوي" للسيوطي … ١٧ … مرة
في "المصنوع" لعلي القاري … ١١ … مرة
في "عون المعبود" لعظيم آبادي … ١١ … مرة
نظن أن هذا الإحصاء البسيط يكفي للتدليل على اعتماد أصحاب التصانيف على الزركشي وعلمه وتأليفاته رحمه الله تعالى.
[ ٢١ ]