قال أبو الحسن البعلي في "القواعد النورانية والفوائد الأصولية" (ص ٢٩٤): "إجماع الخلفاء الأربعة مع مخالفة مجتهد صحابي لهم على حكم ليس بإجماع ولا حجة عند أحمد وأكثر الفقهاء؛ وعن أحمد -رحمه الله تعالى- رواية أخرى: أنه إجماع، وبها قال أبو خازم الحنفي واختارها ابن البنا من أصحابنا.
وعن أحمد رواية ثالثة: أنه حجة لا إجماع".اهـ
وقال د. عبد الله التركي في أصول مذهب الإمام أحمد (ص ٣٨٢): "والذي أرجحه أن أحمد - ﵀ - لا يعتبر اتفاقهم إجماعًا ذلك أن الروايات التي نقلت عنه في التخير من أقوال الصحابة عند الاختلاف أقربها للكتاب والسنة صريحة ومتعددة، ومنها قوله في رواية المروذي: إذا اختلف أصحاب رسول الله - ﷺ - لم يجز للرجل أن يأخذ
[ ٢٦ ]
بقول بعضهم إلا على اختيار ينظر أقرب قول إلى الكتاب والسنة".اهـ
قلت: وقد رجح الشنقيطي في المذكرة (ص ١٨٣) أن اتفاقهم حجة وليس إجماعًا، لأن الإجماع لا يكون إلا من الجميع.
وللعلائي بحث قوي في "إجمال الإصابة" في إثبات كون اتفاق الخلفاء الأربعة حجة وليس إجماعًا، وقد رد فيه على اعتراضات المخالفين، فقال في (ص ٤٧ - ٥٠):
" وكذلك ما تقدم عن الإمام الشافعي في القديم وفي كتاب اختلافه مع مالك في الجديد عند تفرق أقوال الصحابة وقد تقدم أنه يصير إلى قول أحد الخلفاء الأربعة، وحينئذ فالاحتجاج بما اتفقوا عليه يكون بطريق الأولى؛ وأما كونه إجماعًا كما إذا أجمعت الأمة قاطبة فبعيد، لأن الأدلة المتمسك بها لكون الإجماع حجة من النقلية والعقلية إنما يتناول جميع الأمة ولا ريب في أن الخلفاء الأربعة ليسوا جميع الأمة؛ وقد ذكر أئمة الأصول أن أبا خازم احتج لكون ذلك إجماعا بقوله - ﷺ -: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ " -الحديث-، فأوجب اتباع سنتهم كما أوجب اتباع سنته والمخالف لسنته - ﷺ - لا يعتد بقوله فكذلك المخالف لسنتهم ثم أجابوا عن ذلك بوجهين: أحدها: أن ذلك عام في كل الخلفاء الراشدين ولا دليل فيه على انحصاره في الأربعة دون غيرهم ﵃؛ وثانيهما: المعارضة بما روي عنه - ﷺ - أنه قال: "أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديم"؛ فتحمل سنة الخلفاء الأربعة في الحديث على ما يتعلق بالخلافة فقط للجمع بين الأحاديث، كيف ومن سنتهم إجازة المخالفة لهم كما تقدم من رد المرأة على عمر ﵁ في المغالاة بالصداق وغير ذلك من الصور الكثيرة.
وأيضًا فإنه يلزم منه أن يكون قول الواحد منهم بمفرده حجة وحينئذ فتتعارض أقوالهم كما قد اختلف الشيخان ﵄ في العطاء، فرأى أبو بكر ﵁ تسوية الصحابة فيه كلهم ورأى عمر ﵁ التفاضل بينهم بحسب السبق والقرب من النبي - ﷺ - فيتعذر العمل بسنتهم فيحمل
[ ٢٧ ]
حينئذ كما تقدم على أمر الخلافة وتجهيز الجيوش إلى الأمصار ونحو ذلك؛ وهذه الاعتراضات كلها ضعيفة؛ ولنبدأ أولًا ببيان الحديث المتقدم وتصحيحه ووجه الدلالة منه ثم نرجع إلى ما يتعلق بهذه الاعتراضات "؛ وبعد أن أثبت صحته، قال:
"ووجه الدلالة منه ظاهر لا من الطريق التي تقدم أنه احتج به لكون ذلك كالإجماع بل من جهة أن النبي - ﷺ - أمر بالتمسك بسنتهم والعض عليها بالنواجذ وذلك مجاز كناية عن ملازمة الأخذ بها وعدم العدول عنها مع أنه - ﷺ - قرن في هذه الأوامر بين سنته وسنتهم فكانا في الحجية سواء، ولا يقال إن ذلك يلزم منه أن تكون سنتهم مساوية لما ثبت من سنة النبي - ﷺ - بحيث يقع التعارض بينهما ويعدل إلى الترجيح فربما يقدم العمل بسنتهم على ما ثبت عن النبي - ﷺ - لأنا نقول لا يلزم من كون سنتهم حجة معتمدة أن يكون لها هذه المساواة بل يجوز أن تكون مأمورًا باتباعها والعمل بها بشرط عدم وجود سنة للنبي - ﷺ - قدمت على سنتهم كما أن القياس حجة شرعية، وهو متأخر في الرتبة عن الكتاب والسنة.
وأما كونه مُختصًا بالخلفاء الأربعة دون من بعدهم فلإجماع العلماء قاطبة على اختصاصهم بالوصف المذكور في الحديث وأنه لا يطلق على من بعدهم، وقد روى سفينة ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة بعدي ثم يصير ملكًا"، وإسناده حسن؛ وكانت مدة الأئمة الأربعة ﵃ نَحو هذا المقدار بالاتفاق، وبِهذا احتج البيهقي وغيره على انصراف قوله - ﷺ -: "وسنة الخلفاء الراشدين المهديين" إلى الأئمة الأربعة، وقَصَرَ اللفظ عليهم؛ وأما الحديث المروي: أصحابي كالنجوم، فسيأتي بيانه وأنه حديث ضعيف لا يقاوم الحديث المروي عن العرباض المتقدم حتى يكونا متعارضين".اهـ
قلت: وما رجحه العلائي والشنقيطي -رحمهما الله- من أن اتفاق الخلفاء الأربعة حجة وليس إجماعًا هو الذي به تجتمع الأدلة، وهو رواية عن الإمام أحمد.
[ ٢٨ ]