ذهب الزركشي في البحر المحيط (٦/ ٤٣٠) إلى عدم اشتراط الشهرة، وقال: "بل يعتبر قول المجتهد الخامل خلافًا لبعض الشاذين حيث فصل المشهور بالفتوى فيعتبر قوله دون غيره ".اهـ
(المسألة الخامسة): هل يعد خلاف الواحد والاثنين مانعًا من الإجماع؟
قال ابن حزم في الإحكام (٤/ ٥٣٨): "وقالت طائفة إذا اتفق الجمهور على قول خالفهم واحد من العلماء فلا يلتفت إلى ذلك الواحد وقول الجمهور هو إجماع
[ ١٧ ]
صحيح؛ وهذا قول محمد بن جرير الطبري.
وقالت طائفة: ليس هذا إجماعًا.
وقالت طائفة: قول الجمهور والأكثر إجماع وإن خالفهم من هو أقل عددًا منهم؛ وقالت طائفة ليس هذا إجماعًا ".اهـ
قلت: قال د. أبو حماد صغير في مقدمة الأوسط (١/ ٤٨): "أما ابن المنذر فقد تابع فيه الطبري؛ فهو يذكر المسألة وإذا كان فيها خلافٌ شاذ أو رأي منفرد ليس له سند صحيح، فهو يعتبره إجماع أهل العلم ولا عبرة عنده بخلاف رجل أو رجلين.
ومن عرف نهج ابن المنذر ثم تتبع نهج الطبري في تهذيب الآثار وتفسيره، وابن نصر المروزي في اختلاف العلماء، ومالك في الموطأ والمدونة الكبرى، والشافعي في الأم، وأبو عُبَيْد في كتاب الطهارة وكتاب الأموال، وغيرهم كثيرون، يَجد أن نَهج بعضهم لا يختلف عن بعض آخر.
إذن إجماعات ابن المنذر ليست من قبيل إجماع الأصوليين ولا فيها نكارة، إذ سبقه العلماء وسلك هو أثرهم فيها".اهـ
وقال ابن مفلح في الفروع (١/ ٤٦٥): " قال العلامة ابن القيم: وهذه عادة ابن المنذر أنه إذا رأى قول أكثر أهل العلم حكاه إجماعًا".اهـ
قلت: وقد قال المقري في قواعده الفقهية: "إياكم وإجماعات ابن المنذر" (١).
وهذا التقرير من المقري قد يكون صوابًا إذا وزنا إجماعات ابن المنذر على تعريف الأصوليين للإجماع؛ أما إذا اعتبرنا ما ذكره ابن حزم من مذهب الطبري في تعريف الإجماع؛ ففي هذه الحالة يعتبر قول المقري فيه شيء من الإجحاف.
وقال الشيخ عبد الله بن الجبرين في مقدمة تحقيقه لكتاب الإقناع لابن المنذر
(١/ ٢٠): "إن من يدرس المسائل التي حكى الإمام ابن المنذر فيها الإجماع عليها تتبين
_________________
(١) أفادني بهذا النقل: الشيخ مشهور حسن آل سلمان -جزاه الله خيرًا-.
[ ١٨ ]
له دقته في ذلك، فلا تكاد تجد مسألة حكى إجماع أهل العلم عليها إلا وقد وافقه في ذلك بعض إئمة هذا الشأن كابن حزم أو ابن رشد أو ابن قدامة أو غيرهم؛ وقد يوجد في بعض هذه المسائل خلاف شاذ من بعض أهل العلم، وهي قليلة إذا قورنت بالمسائل التي لم يعثر فيها على خلاف، كما أن هذا الخلاف قد لا يثبت عمَّن نسب إليه، وإن ثبت عن أحد منهم قد يكون قولًا رجع عنه أو اشتهر عنه خلافه أو أن الإجماع سابق لخلافه أو أن المخالف في ذلك ممن لا يعتد بخلافه عند أهل العلم أو عند بعضهم.
وإن لم يوجد شيء من هذه الاحتمالات فلا ينبغي أن يتخذ من ذلك وسيلة إلى القدح في جميع الإجماعات التي حكاها المؤلف أو الحكم بأنه متساهل في حكاية الإجماع أو أنه يحكي الإجماع مع علمه بوجود مخالف، أو مع عدم جزمه بعدم وجود مخالف؛ فهذا كله غير مسلَّم ".اهـ
قلت: وكذلك فإن بعض المسائل قد يظهر فيها الخلاف بعد عصر ابن المنذر؛ وأما قبل ابن المنذر أو في حياته لم يكن يُعرف في المسألة خلاف معتبر؛ فلا ينبغي القدح في إجماع نقله ابن المنذر لمجرد وجود خلاف من بعض المتأخرين عنه.