نسبة كتاب الإجماع لابن المنذر:
إن كتاب الإجماع غير مشكوك في نسبته إلى ابن المنذر، وقد أسندته المصادر التالية إليه:
١ - النووي: تهذيب الأسماء واللغات، الجزء الثاني من القسم الأول ص ١٩٧، والمجموع "١: ٥".
٢ - ابن خلكان: وفيات الأعيان، الجزء الرابع، ص ٢٠٧.
٣ - الذهبي: تذكره الحفاظ جـ ٤ ص ٧٨٢.
٤ - السبكي: طبقات الشافعية الكبرى "٣: ١٠٢".
٥ - الأسنوي: طبقات الشافعية: "٢: ٣٧٤".
٦ - الصفدي: الوافي بالوفيات "١: ٣٣٦".
٧ - السيوطي: طبقات المفسرين ٩١.
٨ - الداودي: طبقات المفسرين "٢: ٥١".
٩ - الحسيني: طبقات الشافعية ٥٩، ٢٤٥.
وقد توثق لدينا الكتاب، وتأكد لابن المنذر بما ورد من نصوصه في كتب ابن المنذر الأخرى: الأوسط، الإشراف، الإقناع، وكتب الفقه الإسلامي التي اعتمدت
[ ١٧ ]
عليه كالمجموع للنووي (١)، والمغني لابن قدامة، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، وفتح الباري لابن حجر العسقلاني، ونيل الأوطار للشوكاني، وسبل السلام للصنعاني.
مضمون الكتب:
يتضمن كتاب الإجماع لابن المنذر: المسائل الفقهية عليها بين أكثر علماء المسلمين، ولم يتعرض ابن المنذر في هذا الكتاب لتعريف الإجماع (٢)، وإن كان البين من مسائله أنه لا يقدح في الإجماع لديه انفراد
واحد أو اثنين، ولم ينفرد ابن المنذر هذا الرأي بل يؤيده معاصر له هو الإمام
الطبري المتوفى سنة (٣١٠) هـ، ومن بعده أبو بكر الرازي الجصاص المتوفى سنة (٣٧٠) هـ (٣).
ويبدو لنا أن الإمام أحمد -﵀- قد أومأ إليه، ووجه إلى أن مخالفة الواحد شذوذ (٤)، وقد نهي عن الشذوذ، وقال الرسول ﷺ: "عليكم بالسواد الأعظم" (٥).
_________________
(١) قال النووي في المجموع "١: ٥". "وأكثر ما أنقله من الإجماع لابن المنذر القدوة في هذا الفن".
(٢) يعرف الإمام الشافعي -مؤسس علم الأصول- في رسالته ص ٤٧٢ الإجماع أنه: "لزوم جماعة المسلمين فيما انتهوا إليه من حكم يتعلق بالحل والحرمة بعد وفاة الرسول ﷺ"، ويبدو لنا أنه يقصد بجماعة المسلمين أهل الاجتهاد والفتيا في المسائل الخفية التي تحتاج إلى الرأي والنظر، وإجماع أمة المسلمين فيما علم من الدين بالضرورة بأدلته القطعية الثبوت والدلالة. وانظر: أصول الفقه لأبي زهرة ص ١٩١، وما بعدها. ويكاد يكون التعريف الغالب بين علماء الأصول بأن الإجماع: هو اتفاق جميع مجتهدي عصر أمة محمد ﷺ بعد وفاته على حكم شرعي عملي، الورقات وشرحها بهامش إرشاد الفحول للشوكاني ص ١٦٥، المختصر في أصول الفقه لابن اللحام ص ٧٤، وكشف الأسرار "٣: ٢٢٦".
(٣) روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة "٢: ١٤٣"، والمحصول للرازي الجزء الثاني، القسم الأول ص ٢٥٧.
(٤) روضة الناظر "٢: ١٤٣".
(٥) أخرجه ابن ماجه عن أنس مرفوعًا بلفظ: " إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف، فعليكم بالسواد الأعظم"، سنن ابن ماجه "٢: ١٣٠٣" برقم ٣٩٥٠.
[ ١٨ ]
وقد عددنا المسائل التي أوردها ابن المنذر في كتابه، فوصلت إلى (٧٦٥) مسألة، معظمها له أصل من كتاب أو سنة وبعضها غير قاطع الدلالة على المعنى، والإجماع المستند إلى كتاب والسنة يعتمد، ويقبل تبعًا لا استقلالًا؛ لكون أقوال الناس تدور على حسب الأدلة فهي يحتج لها، ولا تحتج بها إلا في سبيل التقوية والاعتضاد لا الاعتماد، إذ العمدة النصّ من الكتاب والسنة (١).
والمسائل المجمع عليها التي أوردها ابن المنذر، والتي تعتمد على نصوص قطعية الثبوت، والدلالة من الكتاب والسنة هي حجة قطعية، وهي كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه، ولكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به (٢).
الكتب المصنفة في الإجماع (٣):
يبدو لنا أنه لم تفد كتبٌ في الإجماع في مسائل الفروع إلا ثلاث فيما نعلم:
١ - كتاب الإجماع لابن المنذر، وهو محل التحقيق والدراسة.
٢ - مراتب الإجماع "في العبادات والمعاملات والاعتقادات" لابن حزم الأندلسي المتوفى (٤٥٦) هـ، وقد نشره حسام الدين المقدسي -﵀- وعليه
_________________
(١) الشيخ عبد الله بن زيد: رسالة الرد على المشتهري بشأن اللحوم المستورة ص ٩، ١٠.
(٢) مجموع الفتاوى، المجلد التاسع عشر، ص ٢٧٠.
(٣) ذكر ابن النديم في الفهرست ص ٢٦٤ أن للإمام الشافعي كتابا بعنوان "الإجماع"، ويبدو لنا أن هذا الكتاب هو "جماع العلم"، والموجود في الجزء التاسع من كتاب الأم ص ٢٥، وهو بحث في الأصول أكثر منه في الفروع، ولا أدل على ذلك من أن أصحاب الفهرست لم يذكر كتاب جمع العلم، وأن ياقوت ذكر كتاب جماع العلم، ولم يذكر كتاب الإجماع "انظر معجم الأدباء ١٧: ٣٢٥"، وكذلك كتاب "الإجماع ما هو؟ " لأبي محمد جعفر بن مبشر الثقفي المتوفى ٢٣٤ هـ-"الفهرست ٢٠٨"، وكتاب "الإجماع" لأبي سليمان داود بن على بن داود بن خلف الأصفهاني المتوفى سنة ٢٧٠ هـ، "الفهرست ٢٧٢"، وكتاب الإجماع لأحمد بن يحيى بن علي بن يحيى بن أبي منصور المنجم المتكلم، وهو على مذهب أبي جعفر الطبري "الفهرست ١٦١، ٢٩٢".
[ ١٩ ]
نقد مراتب الإجماع لابن تيمية، وصدر سنة (١٣٥٧) هـ، وقد صور الكتاب في بيروت حديثا.
٣ - تشنيف الأسماع بمسائل الإجماع "في الفروع" للشيخ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي " (٩١١) هـ (١) "، وهو مفقود.
مقارنة بين كتاب الإجماع لابن المنذر، ومراتب الإجماع لابن حزم:
يمكن أن نوجز المقابلة بين الكتابين فيما يلي:
١ - إن المسائل التي عرضها ابن المنذر لا يخرق الإجماع عليها انفراد واحد، أو اثنين، فالإجماع لديه يفهم بأنه اتفاق أكثر أهل العلم ممن يحفظ عنهم، بينما ابن حزم يذكر أن المسائل التي أوردها مما تيقن أنه لا خلاف فيه بين أحد من علماء الإسلام (٢)، وكان ذلك محل نقد من شيخ الإسلام ابن تيمية (٣).
٢ - اقتصر ابن المنذر في المسائل التي عرضها على العبادات والمعاملات، ولم يعرض للاعتقادات، وقد بلغ عددها -كما سبق أن ذكرنا- (٧٦٥) مسألة، وهو عدد معقول ومقبول (٤)، بينما ابن حزم فقد أحصينا المسائل التي أوردها في العبادات، والمعاملات، فبلغت (١٠٦٧) بخلاف ما أورده في الاعتقادات.
٣ - يعد كتاب الإجماع لابن المنذر من أوثق الكتب في فنه، ومحل تقدير وثناء جُلِّ العلماء، بينما مراتب الإجماع لابن حزم كان محلًّا لنقد بعض العلماء، وفى مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية.
_________________
(١) كشف الظنون لحاجي خليفة "١: ٤٠٩".
(٢) مراتب الإجماع ص ١٢. ويرى ابن حزم أن اجتماع علماء المسلمين على حكم لا نص فيه لكن برأي منهم، أو بقياس منهم على منصوص باطل. الأحكام في أصول الأحكام "٤: ١٢٩".
(٣) إن كثيرًا من الإجماعات التي حكاها -ابن حزم- ليست قريبًا من هذا الوصف فضلًا عن أن تكون منه، فكيف وفيها خلاف معروف! وفيها ما هو نفسه ينكر الإجماع فيه! ويختار خلافه من غير ظهور مخالف، نقد مراتب الإجماع هامش ص ١٦.
(٤) ذهب أبو إسحاق الأسفراييني إلى أن مسائل الإجماع أكثر من عشرين ألف مسألة، وأورد صاحب موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي "٩٥٨٨" مسألة مجمعًا عليها.
[ ٢٠ ]