وهم المريض والمسافر والخائف ونحوهم. والأعذار جمع عذر والعذر الحجة التي يعتذر بها وما يرفع اللوم عما حقه أن يلام عليه سموا بذلك لما قام بهم من الأعذار الآتية ونحوها.
(قال تعالى: ﴿لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ أي لا تكلف إلا ما أطاقت من العمل قال أهل التفسير فمن لم يستطع القيام فليصل قاعدًا وقد وضع الله الحرج عن هذه الأمة وجعل دينها يسرًا وأرشد عباده المؤمنين أن يقولوا ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِه﴾ ِ وقال: "قد فعلت" وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (وقال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين﴾ يعني الموت الموقن به الذي لا يشك فيه أحد والمعنى واعبد ربك في جميع أوقاتك ومدة حياتك حتى يأتيك الموت وأنت في عبادة ربك وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ قال ابن كثير يستدل بالآية على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتًا فيصلي بحسب حاله.
[ ١ / ٤٠٠ ]
(وعن عمران بن حصين قال قال رسول الله – - ﷺ - صل قائمًا) وذلك أن عمران كانت به بواسير فسأل النبي – - ﷺ - فأمره أن يصلي قائمًا إن استطاع. والقيام واجب في الفرض إجماعًا مع القدرة. ولو كان قيامه كصفة راكع لحدب أو كبر أو مرض ونحوه أو معتمدًا في قيامه على شيء من نحو عصا، أو مستندًا إلى حائط ونحوه.
(فإن لم تستطع) أي الصلاة قائمًا (فقاعدًا) قال النووي وغيره أجمعت الأمة على أن من عجز عن القيام في الفريضة صلى قاعدًا ولا إعادة عليه ولا ينقص ثوابه للخبر، اهـ.
وكذا لو شق عليه القيام أو كان في سفينة، أو بيت قصير سقفه وتعذر الخروج أو خاف عدوًا إن انتصب قائمًا صلى جالسًا. وقال إمام الحرمين الذي أراه في ضبط العجز أن يلحقه بالقيام مشقة تذهب خشوعه لأن الخشوع مقصود الصلاة.
وكذا رقيب غزاة أو كمينهم خاف إن قام رؤية العدو. ويصلي متربعًا اتفاقًا وكيف قعد جاز فإن الشارع لم يخص جلسة دون جلسة. وذكر ابن أبي نسيبة عن جماعة من التابعين أنهم كانوا إذا صلوا جلوسًا يجثون (فإن لم تستطع) أي قاعدًا (فعلى جنب رواه البخاري) والخمسة وغيرهم وذكره غير واحد مذهب الجمهور.
زاد النسائي فإن لم تستطع فمستلقيًا ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا
[ ١ / ٤٠١ ]
إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ وقال الشيخ ووجهه إلى القبلة للخبر إن استطاع أو كان عنده من يوجهه وإن لم يكن عنده من يوجهه إلى القبلة صلى على أي جهة توجهه اهـ. وإذا لم يقدر على جنبه وصلى على ظهره فصلاته صحيحة بلا نزاع. وروى الدارقطني من حديث علي بسند ضعيف فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقيًا رجلًا مما يلي القبلة ولو صلى على ظهره ورجلاه إلى غير القبلة فإنه يصير مستدبرًا للقبلة فلا تنعقد صلاته مع القدرة ويومئ العاجز برأسه راكعًا وساجدًا مهما أمكنه.
قال الشيخ فيمن لا يستطيع التحرك. وإذا سجد لا يستطيع الرفع يومئ برأسه إيماء بحسب حاله وروي عن جابر صل على الأرض إن استطعت وإلا فأوم إيماء واجعل سجودك أخفض من ركوعك ولا ينقص أجر من نوى الخير وفعل ما يقدر عليه لخبر أبي كبشة وغيره. ولو عجز عن الإيماء برأسه سقطت عنه الصلاة ولا يلزمه الإيماء بطرفه وهذا مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد وهو ظاهر حديث عمران وغيره.
وينتقل إلى القيام من قدر عليه وإلى الجلوس من عجز عن القيام إجماعًا. وإن قدر على قيام وقعود وعجز عن ركوع وسجود أومأ بركوع قائمًا وبسجود قاعدًا عند جمهور أهل العلم. ولمريض الصلاة مستلقيًا مع القدرة على القيام لمداواة وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد لأنه – - ﷺ - صلى جالسًا حين جحش شقه وأم سلمة تركت السجود لرمد بها.
[ ١ / ٤٠٢ ]
(وعن يعلى بن مرة) بن وهب بن جابر بن عتاب بن مالك الثقفي من أفاضل الصحابة ﵃ (أن النبي – - ﷺ - انتهى إلى مضيق) ضد متسع من واد وغيره (والسماء) يعني المطر (من فوقهم والبلة) يعني النداوة (من أسفل منهم فحضرت الصلاة فأمر المؤذن فأذن وأقام ثم تقدم النبي – - ﷺ - فصلى بهم) يعني إيماء (يجعل السجود أخفض من الركوع رواه) أحمد و(الترمذي) وقال العمل عليه عند أهل العلم.
وثبت عن أنس من فعله ولم ينقل عن غيره خلاف في أن الفرض يصح على الراحلة واقفة كانت أو سائرة خشية التأذي بوحل أو مطر أو ثلج أو برد. فإن قدر على نزول بلا ضرر لزمه وكذا إن خاف انقطاعًا عن رفقته بنزوله أو على نفس من عدو ونحوه أو عجز عن ركوب إن نزل قال في الاختيارات تصح صلاة الفرض على الراحلة خشية الانقطاع عن الرفقة أو حصول ضرر بالمشي أو تبرز الخفرة وعليه الاستقبال وما يقدر عليه من شروط وأركان وواجبات وما لا يقدر عليه لا يكلف به.
ومن كان بسفينة ونحوها وقدر على القيام لزمه بلا نزاع. وسئل النبي – - ﷺ - كيف أصلي في السفينة قال "صل فيها قائمًا إلا أن تخاف الغرق" رواه الدارقطني ويؤيده الأحاديث المستفيضة في وجوب القيام مع القدرة. وصلى جابر وأبو سعيد وأبو هريرة في سفينة قيامًا في جماعة. وإن عجز عن القيام فيها والخروج
[ ١ / ٤٠٣ ]
منها صلى جالسًا مستقبلًا اتفاقًا. ويدور إلى القبلة عند الجمهور كلما انحرفت السفينة بخلاف النفل فلا يلزمه أن يدور وتقدم.