أي باب أحكام صلاة العبد التطوع وفضلها وأحكام أوقات النهي وغير ذلك. والتطوع لغة فعل الطاعة وتطوع بالشيء تبرع به. وشرعًا وعرفًا طاعة غير واجبة. وقال الأزهري التطوع ما تبرع به من ذات نفسه مما لم يلزمه فرضه وفي
[ ١ / ٢٧٦ ]
القاموس صلاة التطوع النافلة. والنفل والنافلة الزيادة ويرادفه السنة والمندوب والمستحب والمرغب فيه. وقال بعضهم التطوع ما لم يثبت فيه نص بخصوصه والسنة: ما واظب عليه النبي - ﷺ - والمستحب ما لم يواظب عليه ولكنه فعله.
وأفضل ما يتطوع به الجهاد في سبيل الله. وفي فضله والحث عليه آيات وأحاديث كثيرة معلومة. وتعلم العلم وتعليمه. وقال شيخ الإسلام تعلم العلم وتعليمه يدخل بعضه في الجهاد وأنه نوع من أنواعه من جهة أنه من فروض الكفايات. وقال أحمد ومالك وأبو حنيفة أفضل ما تطوع به العلم وتعليمه والعلم لا يعدله شيء وهو الميراث النبوي. والناس إليه أحوج منهم إلى الطعام والشراب.
قال النووي اتفق جماعات السلف على أن الاشتغال بالعلم أفضل من الاشتغال بنوافل الصلاة والصوم والحج ونحو ذلك من أعمال البدن. ثم بعد العلم نوافل الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيره ذلك مما ندب إليه الشارع. وكذا كل ما يتعدى نفعه وفي فضل كل نوع من أنواع التطوعات آيات وأحاديث كثيرة وتختلف الأفضلية باختلاف الوقت وحال العامل.
(قال تعالى: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾) فعل غير المفترض عليه من صلاة وزكاة وصوم وحج وطواف وغير ذلك من سائر الطاعات. قال الحسن وغيره أراد سائر الأعمال يعني من تطوع
[ ١ / ٢٧٧ ]
خيرًا في العبادات ﴿فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ﴾ يثيب على القليل بالكثير ﴿عَلِيم﴾ بقدر الجزاء فلا يبخس أحدًا ثوابه يعطي العبد فوق ما يستحقه يشكر اليسير ويعطي الكثير. وقال تعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ وغير ذلك من الآيات الدالة على عظيم ثوابه تعالى لمن تقرب إليه بالنوافل.
وفي الحديث القدسي "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي من أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به. وبصره الذي يبصر به. ويده التي يبطش بها. ورجله التي يمشي عليها. ولئن سألني لأعطينه. ولئن استعاذني لأعيذنه"
(وعن أبي هريرة في حديث المحاسبة) قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإن أتمها" ولفظ الترمذي "أول ما يحاسب به من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر" فإن انتقص فريضة شيء (قال الله ﷿ انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع أكملت منه الفريضة) "ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك" (رواه الخمسة) بألفاظ متقاربة وصححه الحاكم وابن القطان.
وله شواهد منها عن تميم الداري مرفوعًا "أول ما يحاسب
[ ١ / ٢٧٨ ]
به العبد يوم القيامة صلاته فإن كان أتمها كتبت له تامة وإن لم يكن أتمها قال الله لملائكته انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكملون به فريضته. ثم الزكاة كذلك. ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك "رواه أبو داود وغيره. وللحاكم من حديث ابن عمر "أول ما افترض الله على أمتي الصلوات الخمس. وأول ما يرفع من أعمالهم الصلوات الخمس. وأول ما يسألون عنه الصلوات الخمس. فمن كان ضيع شيئًا منها يقول الله ﵎ انظروا هل تجدون لعبدي نافلة من صلاة تتمون بها ما نقص من الفريضة. وانظروا في صيام عبدي" وذكر الزكاة.
قال: "فيؤخذ ذلك على فرائض الله وذلك برحمة الله وعدله فإن وجد له فضل وضع في ميزانه وقيل له أدخل الجنة مسرورًا.
وإن لم يوجد له شيء من ذلك أمرت الزبانية فأخذت بيديه ورجليه ثم قذف في النار" وفيها دليل على أن ما نقص من فرض الصلاة أكمل من التطوع. وكذا ما نقص من الخشوع. وقال شيخ الإسلام التطوع تكمل به صلاة الفرض يوم القيام إن لم يكن أتمها. وفيه حديث مرفوع وكذلك الزكاة وبقية الأعمال.
وقيل هو الحكمة في مشروعيته لأنه من جنس الفريضة. فأمكن الجبران به عند التعذر.
(وعن ربيعة) بن كعب بن مالك الأسلمي من أهل
الصفة كان خادمًا للنبي - ﷺ - ملازمًا له حضرًا وسفرًا يكني أبا
[ ١ / ٢٧٩ ]
فراس مات سنة ثلاث وستين (قال قال لي رسول الله - ﷺ - سل) وكان يبيت مع النبي - ﷺ - ويأتيه بوضوئه وحاجته فقال له يومًا سل (فقلت أسألك مرافقتك في الجنة) سمت همته –﵁- إلى أشرف المطالب وأعلى المراتب وعزفت نفسه عن الدنيا وشهواتها فسأل مرافقة خير الخلق النبي الكريم في خير دار جنات النعيم (قال أو غير ذلك) أي أوتسأل غير هذه الرتبة الرفيعة (قلت هو ذاك) الذي أرغب فيه قال (فأعني على نفسك بكثرة السجود رواه مسلم).
فدل الحديث على أن التطوع بالصلاة من أفضل الأعمال، وأعظم القرب التي بها ارتفاع الدرجات عند الله إلى حد لا يناله إلا المقربون. وإن كان الحديث ينصرف إلى الفرائض لكن الإتيان بالفرائض لا بد منه لكل مسلم وإنما أرشده - ﷺ - إلى شيء يختص به ينال به ما طلبه. وعبر عن الصلاة بالسجود تسمية لها ببعض أفرادها والسجود بعضها. قال تعالى: "وكن من الساجدين) أي المصلين ولمسلم وغيره عن ثوبان سمعت النبي - ﷺ - يقول "عليك بكثرة السجود فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة. وحط بها عنك خطيئة" وذلك أنه سأله عن عمل يدخله الله به الجنة وورد في فضل التطوع بالصلاة أحاديث كثيرة.
وآكد التطوع بالصلاة صلاة الكسوف لأنه ﵊ فعلها وأمر بها. وأجمع عليها. ثم صلاة الاستسقاء لأنه
[ ١ / ٢٨٠ ]
يشرع لها الجماعة مطلقًا أشبهت الفرائض، ثم التراويح لأنها تسن لها الجماعة. والتطوع لما تسن له الجماعة أفضل. ثم صلاة الوتر عند بعض أهل العلم والأشبه أنها آكد من التراويح فقد قيل بوجوبها، وقال الشيخ ما تنازع الناس في وجوبه فهو آكد ثم السنن الرواتب وقدمت لاتصالها بالفرائض ولتأكدها.
ويكره تركها وتسقط عدالة من دوام عليه ويأثم.
(وعن ابن عمر قال حفظت من رسول الله - ﷺ - ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها. وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين بعد الصبح متفق عليه) وفيه "كانت ساعة لا يدخل على النبي - ﷺ - فيها أحد. حدثتني حفصة أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر" وفي رواية "وتبين الفجر صلى ركعتين" فلو صلاهما قبل طلوع الفجر لم يجزئه، وفي لفظ "قبل الغداة" يعني صلاة الفجر، وفي رواية في بيته سوى الظهر، وفي رواية وركعتين بعد الجمعة في بيته.
ولمسلم عن عائشة "كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين. وبعد العشاء ركعتين وقبل الفجر اثنتين" صححه الترمذي. وحكى الوزير وغيره اتفاق الأئمة على أن النوافل الراتبة عشر، ويسن الفصل بين الفرض والسنة بكلام أو قيام لما رواه مسلم من حديث معاوية "أمرنا أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج" وجاء عن عمر أنه جبذ رجلًا قام إثر فراغه فقال ﵊ يا عمر
[ ١ / ٢٨١ ]
أصاب الله بك. وذلك لئلا يتخذ ذريعة إلى تغيير الفرض وأن يزاد فيه ما ليس منه.
(ولهما عن عائشة أربعًا قبل الظهر) قال الطبري الأربع كانت في كثير من أحواله والركعتان في قليلها.
(ولمسلم عن أم حبيبة مرفوعًا) يعني إلى رسول الله - ﷺ - أنه قال: (من صلى ثنتي عشرة ركعة في يومه وليلته) وفي نسخ في يوم وليلة كأن المراد كل يوم وليلة تطوعًا وفي رواية "سوى المكتوبة (بني له بهن بيت في الجنة) وللترمذي وصححه "أربعًا قبل الظهر وركعتين بعدها. وركعتين بعد المغرب. وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر".
ولفظ النسائي "ركعتين قبل العصر". ولم يذكر العشاء، وما رواه الترمذي هو ما اتفق عليه ابن عمر وعائشة.
واستحب الجمهور المواظبة على الأربع قبل الظهر. ورجح ابن القيم أنها ورد مستقل سببه انتصاف النهار لقوله ﵊ "إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح" رواه أحمد وقال كان - ﷺ - يحافظ في اليوم والليلة على أربعين ركعة. سبع عشرة الفرائض، واثنتي عشرة التي روت أم حبيبة، وإحدى عشرة صلاة الليل فكانت أربعين ركعة.
(وللخمسة عنها قال "من حافظ على أربع) أي ركعات
[ ١ / ٢٨٢ ]
(قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار) صححه الترمذي وغيره، وفي رواية "لم تمسه النار) والحديث يدل على تأكد استحبابها. وكفى بهذا الترغيب باعثًا على المحافظة
عليها.
(وعن ابن عمر مرفوعًا رحم الله امرءًا صلى أربعًا قبل العصر) رواه أحمد وأبو داود وغيرهما و(حسنه الترمذي) وصححه ابن خزيمة وابن حبان وأنكره شيخ الإسلام وفي السنن عن علي " كان النبي - ﷺ - يصلي قبل العصر أربع ركعات " وللطبري من حديث عبد الله بن عمرو"من صلى أربع ركعات قبل العصر لم تمسه النار " وفيه أحاديث آخر ضعيفة لكن تدل بمجموعها على استحباب صلاة أربع قبل العصر.
(وعن عبد الله بن مغفل) بن غنم أحد العشرة الذين بعثهم عمر إلى البصرة يفقهون الناس توفى بها سنة ستين (قال قال رسول الله - ﷺ - صلوا قبل المغرب) صلوا قبل المغرب (ثم قال في الثالثة لمن شاء) أي أن يصلي قبل المغرب (كراهية أن يتخذها الناس سنة) أي طريقة مألوفة لا يتخلون عنها (رواه البخاري) ولابن حبان أن النبي - ﷺ - " صلى قبل المغرب ركعتين " ولمسلم "كنا نصلي ركعتين بعد غروب الشمس. وكان - ﷺ - يرانا فلم يأمرنا ولم ينهنا".
لكن ما ليس براتب لا يلحق بالراتب ولا تستحب المواظبة عليه ليضاهي السنن الراتبة. وللشيخ قاعدة معروفة وهي أن ما
[ ١ / ٢٨٣ ]
ليس من السنن الراتبة لا يداوم عليه حتى يلحق بالرواتب. ولأبي داود عن عائشة "ما صلى العشاء قط فدخل علي إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات"وفي الصحيح عن ابن عباس وذكر مبيته عند خالته ميمونة قال" فصلى أربع ركعات" وتقدم في رواية النسائي "قبل العصر ركعتين".
وقال الشيخ: وأما قبل العصر وقبل المغرب والعشاء فلم يكن يصلي، لكن ثبت عنه في الصحيح أنه قال " بين كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة لمن شاء" فمن شاء أن يصلي تطوعًا فهو حسن لكن لا يتخذ ذلك سنة. ولا يكره أن يصلي فيها بخلاف ما فعله - ﷺ - ورغب فيه فإن ذلك أوكد من هذا.
(وعن عائشة قالت "لم يكن النبي - ﷺ - على شيء من النوافل) الرواتب وغيرها (أشد تعاهدًا) أي محافظة (منه على ركعتي الفجر متفق عليه) وفي رواية "معاهدة" ولمسلم "ما رأيته إلى شيء من الخير أشد منه إلى الركعتين قبل الفجر" ولابن خزيمة ولا إلى غنيمة.
(ولمسلم ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) أي أجرهما خير من الأرض وما عليها. وهذا تمثيل وإلا فذرة من ذرات الآخرة خير من الدنيا وما فيها والحديثان يدلان على أفضليتهما واستحباب تعاهدهما وثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان لا يدعهما حضرًا ولا سفرًا وحض عليهما حتى قال " ولو طردتكم
[ ١ / ٢٨٤ ]
الخيل "رواه أبو داود. وحكى عن الحسن وجوبهما وقال بعضهم أفضل من الوتر. وقال الشيخ يسن ترك غيرهما في السفر ولم ينقل أنه صلى راتبة غيرهما فيه ويتطوع بغير الرواتب أفضل ونقله بعضهم إجماعًا.
(ولهما عنها كان يخفف الركعتين قبل الصبح حتى إني لأقول اقرأ فيهما بأم الكتاب أم لا) وذلك لإسراعه بقراءتها واجمعوا على سنية تخفيفهما إلا ما روي عن بعض الحنفية وقال القرطبي معنى الحديث أنه كان يطيل في النوافل فلما خفف في قراءة ركعتي الفجر صار كأنه لم يقرأ بالنسبة على غيرهما من الصلوات لا النقر المنهي عنه.
(ولمسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - "قرأ في ركعتي الفجر) وللخمسة إلا النسائي من حديث ابن عمر رمقت رسول الله - ﷺ - شهرًا "فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر " (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد) وله شواهد. ولابن ماجه وكان يقول "نعم السورتان يقرأ بهما" ذلك لما جمعتاه من توحيد العلم والعمل. وتوحيد المعرفة والإرادة وإيجاب عبادته وحده. والتبري من عبادة ما سواه. وبيان ما يجب لله من صفات الكمال. وتنزيهه عن النقائص والأمثال.
ولهذا كان يقرأ بهما في ركعتي الفجر وفي الوتر اللتين هما فاتحة العمل وخاتمته ليكون مبتدأ النهار توحيد. وخاتمة الليل
[ ١ / ٢٨٥ ]
توحيد. وله من حديث ابن عباس "كان يقرأ في الأولى (قولوا آمنا بالله) الآية التي في سورة البقرة وفي الثانية ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية التي في سورة آل عمران".
وما جاء في الصحيحين من حديث عائشة "أنه إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن" فقال أحمد عائشة ترويه وابن عمر ينكره وكذا ابن مسعود وغيره وقال بعض أهل العلم إنما اضطجاعه بعد الوتر. وقبل ركعتي الفجر. كما هو مصرح به في حديث ابن عباس. وأما حديث عائشة فرواية مالك بعد الوتر وغيره بعد ركعتي الفجر. ولا يبعد أن يكون هذا تارة وهذا تارة فيباح ولم ير مالك وغيره بأسًا لمن فعلها راحة وكرهوها لمن فعلها استنانًا. وأما حديث أمره بالاضطجاع بعدها. فقال شيخ الإسلام باطل.
(وللترمذي عنه مرفوعًا: من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعدما تطلع الشمس) وصححه الحاكم وهذا مذهب الجمهور وعنه أنه ﵊ نام عن ركعتي الفجر فقضاهما بعد ما طلعت الشمس والحديث لا يدل على المنع
من فعلهما بعد صلاة الفجر. وعن قيس بن عاصم أنه صلاها بعدها وأقره النبي - ﷺ - وأختاره الشيخ وغيره (وقضاء ركعتي الظهر متفق عليه) من حديث أم سلمه وفيه أنه قضاها بعد
[ ١ / ٢٨٦ ]
العصر وللترمذي من حديث عائشة أنه قضى الأربع اللواتي قبل الظهر بعده.
(و) قضاء (ركعتي الفجر رواه مسلم) وأحمد والنسائي وغيرهم من حديث أبي قتادة في قصة نومهم عن صلاة الفجر وتقدم وفيه "فصلى ركعتين ثم صلى الغداة"وقد دلت هذه الأحاديث وغيرها على مشروعية قضاء النوافل الراتبة. قال الشيخ وصح أنه قال"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" وهذا يعم السنن الراتبة وغيرها.