أي في أحكام الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في وقت أحدهما. قال الشيخ وهو رخصة عارضة للحاجة إليه فإن النبي – - ﷺ - لم يفعله إلا مرات قليلة فلذلك فقهاء الحديث كأحمد وغيره يستحبون تركه إلا عند الحاجة إليه اقتداء بالنبي – - ﷺ - إذا جد به السير. وفي الصحيح وغيره عن ابن مسعود قال "ما رأيت رسول الله – - ﷺ - صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين" وأوسع المذاهب في الجمع مذهب أحمد فإنه نص على أنه يجوز دفعًا للحرج ويجوز للشغل.
وذكر ابن القيم أحاديث. وقال كل هذه سنن في غاية الصحة والصراحة ولا معارض لها. وأوقات المعذورين ثلاثة وقتان مشتركان ووقت مختص والوقتان المشتركان لأرباب الأعذار أربعة لأرباب الرفاهية. ولهذا جاءت الأوقات في كتاب الله نوعين خمسة وثلاثة في نحو عشر آيات وجاءت السنة بتفصيل ذلك وبيانه فتوافقت دلالة الكتاب والسنة والاعتبار الصحيح الذي هو مقتضى حكمة الشريعة وما اشتملت عليه من المصالح.
(وعن أنس) ﵁ قال: (كان رسول الله – - ﷺ - إذا ارتحل) في سفره (قبل أن تزيغ الشمس) أي قبل الزوال
(أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما) يعني في
وقت العصر. ولمسلم "إذا عجل به السير يؤخر الظهر
[ ١ / ٤١٦ ]
إلى وقت العصر فيجمع بينهما" وفي لفظ "كان إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل وقت العصر ثم يجمع بينهما" وعن معاذ "كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعًا.
فدلت هذه الأحاديث على جواز تأخير الظهر إلى وقت العصر لمن جد به السير وهو قول عامة أهل العلم إلا أبا حنيفة فلم ير سوى جمعي عرفة ومزدلفة وهو محجوج بهذه السنن الصحيحة الصريحة في جواز هذا الجمع وبالقياس على الجمع بمزدلفة، وكذا حكى عن الحسن والنخعي ولا التفات لقول مخالف للنصوص (فإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر) أي وحده ولا يضم إليه العصر (ثم ركب متفق عليه) قال شيخ الإسلام لأن المسافر إذا ارتحل بعد زيغ الشمس ينزل وقت العصر. فهذا مما لا يحتاج إلى الجمع بل يصلي العصر في وقتها ولأحمد من حديث ابن عباس ومعاذ أنه يصلي الظهر والعصر وتكلم فيهما غير واحد. وقال الشيخ وقد يتصل سيره إلى الغروب فهذا يحتاج إلى الجمع بمنزلة جمع عرفة وبه تتفق الأحاديث.
(ولهما عن ابن عمر كان) رسول الله (- ﷺ - إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء) يعني تأخيرًا. ولفظ الترمذي وصححه "أنه استغيث على بعض أهله فجد به السير فأخر المغرب حتى غاب الشفق ثم نزل فجمع بينهما. ثم أخبر أن
[ ١ / ٤١٧ ]
رسول الله – - ﷺ - كان يفعل ذلك" وعن ابن عباس "وإذا حانت له المغرب في منزله نزل فجمع بينهما" رواه أحمد وغيره. وله من حديث معاذ "وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء. وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب"
فيستحب عند الحاجة كما كان يصلي - ﷺ - في سفره إذا جد به السير وهذا مذهب جمهور العلماء. قال البيهقي والنووي وغيرهما الجمع بين الصلاتين في وقت الأولى أو الثانية بعذر السفر هو قول جمهور العلماء من السلف والخلف وهو من الأمور المشهورة المستعملة فيما بين الصحابة والتابعين مع الثابت عن رسول الله - ﷺ - من جمع الناس بعرفة ومزدلفة، وهو موجود في كل الأسفار.
وقال شيخ الإسلام والجمع جائز في الوقت المشترك فتارة يجمع في أول الوقت كما جمع بعرفة وتارة يجمع في وقت الثانية كما جمع بمزدلفة. وفي بعض أسفاره. وتارةً يجمع فيما بينهما في وسط الوقتين. وقد يقعان معًا في آخر وقت الأولى وقد يقعان معًا في أول وقت الثانية وقد تقع هذه في هذا وهذه في هذا، وكل هذا جائز لأن أصل هذه المسألة أن الوقت عند الحاجة مشترك. والتقديم والتوسط بحسب الحاجة والمصلحة، اهـ.
فلا يستحب إلا عند الحاجة إليه للاختلاف فيه غير جمعي عرفة ومزدلفة فسن بشرطه إجماعًا قال شيخ الإسلام الجمع
[ ١ / ٤١٨ ]
بعرفة ومزدلفة متفق عليه وهو منقول بالتواتر فلم يتنازعوا فيه وفعل كل صلاة في وقتها أفضل إذ لم يكن حاجة عند الأئمة كلهم. والنبي – - ﷺ - – لم يجمع في حجته إلا بعرفة ومزدلفة ولم يجمع بمنى ولا في ذهابه وإيابه. ولكن جمع في غزوة تبوك إذا جد به السير. والذي جمع هناك يشرع أن يفعل نظيره اهـ.
وما ورد في حديث معاذ وابن عباس من تقديم العصر ففيه مقال. وقال شيخ الإسلام هذا إذا كان لا ينزل إلا وقت الغروب كما كان بعرفة لا يفيض حتى تغرب الشمس أما إذا كان ينزل وقت العصر فإنه يصليها في وقتها وقال وإذا كان نازلًا في وقتهما جميعًا نزولًا مستمرًا فما علمت روي ما يستدل به عليه إلا حديث معاذ وغزوة تبوك وحجه – - ﷺ - لم ينقل إنه جمع فيه إلا بعرفة ومزدلفة. وحديث معاذ ليس في المشهور.
وقال ابن القيم لم يكن - ﷺ - يجمع راتبًا في سفره كما يفعله كثيرًا من الناس. ولا الجمع حال نزوله أيضًا وإنما كان يجمع إذا جد به السير. وإذا سار عقيب الصلاة كما في أحاديث تبوك. وأما جمعه وهو نازل غير مسافر فلم ينقل ذلك عنه
إلا بعرفة ومزدلفة لأجل اتصال الوقوف كما قال الشافعي وشيخنا. (ولمسلم عن ابن عباس جمع النبي – - ﷺ - بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء) بالمدينة (من غير خوف ولا مطر وفي لفظ "من غير خوف ولا سفر" وقيل لابن عباس
ما أراد بذلك. قال أراد أن لا يحرج أمته. أي لئلا يشق عليهم
[ ١ / ٤١٩ ]
فقصد إلى التخفيف عنهم. ولهما عنه أن النبي - ﷺ - "صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء" وفي لفظ "صلى لنا الظهر والعصر جميعًا من غير خوف ولا سفر" ودل الحديث بفحواه على الجمع للمرض والمطر والخوف. وإنما خولف ظاهر منطوقه في الجمع لغير عذر للإجماع وإخبار المواقيت فتبقى فحواه على مقتضاه قال ابن المنذر يجوز من غير خوف ولا مطر. قال الخطابي وهو قول جماعة من أصحاب الحديث لظاهر الحديث. ومنعه الجمهور لغير حاجة وفي الترمذي "الجمع من غير عذر من الكبائر" قال والعمل عليه عند أهل العلم. قال النووي وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع للحاجة لم لا يتخذه عادة.
وقال شيخ الإسلام في الجمع لمطر أو غيره: وبهذا الحديث استدل أحمد على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى وهذا من باب التنبيه بالفعل فإنه إذا جمع ليرفع الحرج الحاصل بدون الخوف والمطر والسفر، فالحرج الحاصل بهذه أولى أن يرفع والجمع لها أولى من الجمع لغيرها وما يبين أن ابن عباس لم يرد الجمع للمطر وإن كان أولى بالجواز ما رواه مسلم عنه قال رأيت رسول الله - ﷺ - "يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء" قال ابن شقيق فحاق في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته
[ ١ / ٤٢٠ ]
فصدق مقالته. ولمسلم عنه لما قال له رجل الصلاة قال أتعلمنا بالصلاة "وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله – - ﷺ - " وقد استدل على فعله وهو يخطب بالبصرة بما رواه لما رأى أنه إن قطعه ونزل فاتت مصلحته وكانت عنده من الحاجات التي يجوز فيها الجمع وكان يرى أن الأمر في حال الجمع أوسع منه في غيره وبذلك يرتفع الحرج عن الأمة.
وقال شيخ الإسلام: وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن الأمة. فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا والأحاديث كلها تدل على أنه جمع في الوقت الواحد لرفع الحرج عن أمته فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج قد رفعه الله عن الأمة. وقال أيوب ولعله في ليلة مطيرة. وكان أهل المدينة يجمعون في الليلة المطيرة. وروي ذلك مرفوعًا وهو قول جمهور أهل العلم وذكر الشيخ أثارًا عن الصحابة.
ثم قال فهذه الآثار تدل على أن الجمع للمطر من الأمر القديم المعمول به بالمدينة زمن الصحابة والتابعين. مع أنه لم ينقل أن أحدًا منهم أنكر ذلك فعلم أنه منقول عنهم بالتواتر جواز ذلك. وقول ابن عباس جمع النبي – - ﷺ - ليس نفيًا منه للجمع لتلك الأسباب بل إثبات منه لأنه جمع بدونها وإن كان قد جمع بها أيضًا ولو لم ينقل أنه جمع بها فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بها بطريق الأولى.
[ ١ / ٤٢١ ]
وقال يجوز الجمع للوحل الشديد والريح الشديدة الباردة في الليلة الظلماء ونحو ذلك وإن لم يكن المطر نازلًا في أصح قولي العلماء. وذلك أولى من أن يصلوا في بيوتهم. بل ترك الجمع مع الصلاة في البيوت بدعة مخالفة للسنة إذ السنة أن تصلي الصلوات الخمس في المسجد جماعة وذلك أولى من الصلاة في البيوت مفرقة باتفاق الأئمة الذين يجوزون الجمع كمالك والشافعي وأحمد.
والحديث يدل على الجمع للمرض الذي يحرج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق الأولى والأحرى. وقال النووي وغيره يجوز الجمع من أجل المرض وفاقًا لمالك وقواه. وقال يستدل له بحديث ابن عباس "من غير خوف ولا مطر"؛ لأنه إما أن يكون بالمطر وإما بغيره مما في معناه أو دونه ولأن حاجة المريض آكد من الممطور. وقال الشيخ يجوز للمرض كما جاءت بذلك السنة في جمع المستحاضة فإن النبي - ﷺ - أمرها بالجمع في حديثين.
وقال: ويجمع من لا يمكنه إكمال الطهارة في الوقت إلا بحرج كالمستحاضة وأمثال ذلك من الصور. وفي الاختيارات يجوز للمرضع الجمع إذا كان يشق عليها غسل الثوب في وقت كل صلاة والجمهور على خلاف ذلك. قال ويجوز الجمع للطباخ والخباز ونحوهما ممن يخشى فساد ماله أو مال غيره بترك الجمع وللصلاة في الحمام مع جوازها فيه خوف فوات الوقت ولخوف تحرج في تركه وذكر ما في الصحيحين من حديث ابن
[ ١ / ٤٢٢ ]
عباس أنه سئل لم فعل ذلك قال أرد أن لا يحرج أحدًا من أمته. فلم يعلله بمرض ولا غيره وجاء عن عمر أن من الكبائر الجمع بين الصلاتين إلا من عذر.
قال فدل على جواز إباحة الجمع للعذر ولم يخص عمر عذرًا دون عذر.
وإذا استوى التأخير والتقديم في الأرفق بهم فالتأخير أفضل في الجملة. وقال الشيخ في جمع المطر السنة أن يجمع للمطر في وقت المغرب حتى اختلف مذهب أحمد هل يجوز أن يجمع للمطر في وقت الثانية وقيل إن ظاهر كلامه أنه لا يجمع وفيه وجه ثالث أن الأفضل التأخير وهو غلط مخالف للسنة والإجماع القديم. وصاحب هذا القول ظن أن التأخير أفضل مطلقًا وهذا غلط فليس جمع التأخير أولى من التقديم بل ذلك بحسب الحاجة والمصلحة فقد يكون هذا أفضل. وهذا مذهب جمهور العلماء وهو ظاهر مذهب أحمد المنصوص عنه وغيره. ويأتي الكلام في جمعي عرفة ومزدلفة إن شاء الله. ويشترط الترتيب وقيل والموالاة. ورجح الموقف وغيره أنه راجع إلى العرف.
وذكر الشيخ أن كلام أحمد يدل على أن الجمع عنده هو الجمع في الوقت وإن لم يصل إحداهما بالأخرى كالجمع في وقت الثانية على المشهور في مذهبه ومذهب غيره. وإنه إذا صلى المغرب في أول وقتها والعشاء في آخر وقت المغرب حيث يجوز له
[ ١ / ٤٢٣ ]
الجمع جاز ذلك. وأنه نص على نظير هذا فقال إذا صلى إحدى صلاتي الجمع في بيته والأخرى في المسجد فلا بأس وهذا نص منه على أن الجمع هو الجمع في الوقت لا تشترط فيه المواصلة.
قال والصحيح أنه لا تشترط الموالاة بحال لا في وقت الأولى ولا وقت الثانية فإنه ليس لذلك حد في الشرع. وفي الصحيحين في قصة جمع مزدلفة بعد أن صلى المغرب "أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء" واشترطوا وجود العذر عند افتتاحهما وسلام الأولى. فلو انقطع السفر ونحوه في الأولى بطل.