أي في أحكام سجود التلاوة وأحكام سجود الشكر، وذلك أن الله تعالى شرعهما عبودية عند تلاوة تلك الآيات واستماعها وقربة إليه وشكرًا له عند تجدد نعمة واندفاع نقمة وخضوعًا له وتذللًا بين يديه في مقابلة فرحة النعمة وانبساط النفس لها. وتقدم حديث: "إنك لن تسجد لله سجدة إلا
[ ١ / ٣٢٣ ]
رفعك الله بها درجة. وحط بها عنك خطيئة". وحديث "إذا سجد ابن آدم اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويلاه أمر بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار".
وفي فضل السجود أحاديث كثيرة لما فيه من التذلل والخضوع لله.
قال ابن القيم: ومواضع السجدات أخبار وأوامر خبر من الله عن سجود مخلوقاته له عمومًا أو خصوصًا فسن للتالي والسامع أن يتشبه بهم عند تلاوة آية السجدة أو سماعها وآيات الأوامر بطريق الأولى.
(عن ابن عمر كان رسول الله - ﷺ - يقرأ علينا السورة) يعني من القرآن (فيقرأ السجدة) وفي لفظ "فيها السجدة (فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد أحدنا مكانًا لموضع جبهته) يعني من شدة الزحام (متفق عليه) قال أبن عمر حتى يسجد على ظهر أخيه. والحديث دليل على مشروعية سجود التلاوة وهو عند الجمهور سنة وعند أبي حنيفة واجب. وهو رواية عن أحمد واختاره الشيخ وغيره. قال وهو مذهب طائفة من العلماء. وقال ابن بطال وأجمعوا على أن القارئ إذا سجد لزم المستمع أن يسجد اهـ.
ولا يسن لسامع الذي لم يقصد الاستماع قال عثمان إنما السجدة على من استمع ونحوه عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس ولا يعرف لهم مخالف وهو مذهب الجمهور. ولأبي داود
[ ١ / ٣٢٤ ]
"كبر وسجد وسجدنا معه" وفيه ضعف.
وللحاكم نحوه من طريق آخر على شرط الشيخين "ويرفع يديه" ندبًا لا في صلاة وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي لقول ابن عمر ولا يفعل ذلك في السجود وهو المذهب صرح به ابن القيم وغيره. وقال في الفروع كسجود نافلة فيما يعتبر له اتفاقًا واحتج الأصحاب بأنه صلاة فيدخل في العموم.
وخالف شيخنا قال: ولا يشرع فيه تحريم ولا تحليل. هذا هو السنة المعروفة عن النبي - ﷺ - وعليها عامة السلف.
وقال أحمد أما التسليم فلا أدري ما هو. قال ابن القيم وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي غيره. ولا نقل فيه تشهد ولا سلام البتة ولا جلوس. وعلى هذا فليس بصلاة فلا يشترط له شروط الصلاة بل يجوز وإن كان على غير طهارة وكان ابن عمر يسجد على غير طهارة وهو مفهوم الخبر واختاره البخاري. لكن السجود بشروط الصلاة أفضل. ولا ينبغي أن يخل بذلك إلا لعذر فالسجود بشروط الصلاة أفضل. ولا ينبغي أن يخل بذلك إلا لعذر فالسجود بلا طهارة خير من الإخلال به. لكن قد يقال إنه لا يجب في هذه الحال كما لا يجب على السامع ولا على من لم يسجد قارؤه. وإن كان ذلك السجود جائزًا عند جمهور العلماء.
وقال غير واحد ليس في أحاديث السجود ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضئًا. وليس بصلاة من كل وجه قال ابن جرير ليس بركعة ولا ركعتين فيجوز بلا وضوء وللجنب والحائض وإلى غير القبلة كسائر الذكر.
[ ١ / ٣٢٥ ]
ولم يأت بإيجابه لغير الصلاة قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس وقال ابن القيم القول الثاني لا يشترط وهو قول كثير من السلف حكاه ابن بطال. وقالوا ليس في اشتراط الطهارة له كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس. اهـ.
وكان يسجد مع النبي - ﷺ - من حضره. ولم ينقل أنه أمر أحدًا منهم بالوضوء. وليس فيها أيضًا ما يدل على طهارة المصلي. قال في الفروع وأما ستر العورة والاستقبال مع الإمكان فمعتبر اتفاقًا وسجود عن قيام أفضل كصلاة النفل لما فيه من كمال الخضوع. قال الشيخ بل سجود التلاوة قائمًا أفضل منه قاعدًا كما ذكره من ذكره من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما. وكما نقل عن عائشة. وكذا سجود الشكر كما رواه أبو داود في سننه عن النبي - ﷺ - من سجوده للشكر قائمًا وهذا ظاهر في الاعتبار قال تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ وهو عن قيام.
(وللبخاري عن عمر أن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء) أي السجود فهو موكول إلى مشيئتنا. وله عنه أنه قرأ على المنبر سورة النحل حتى جاء السجدة فنزل وسجد وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال أيها الناس إنا لم نؤمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب أي السنة ومن لم يسجد فلا إثم عليه.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وخبر عمر في هذا الموطن العظيم والجمع العميم دليل ظاهر في إجماعهم على أنه ليس بواجب. ولأن الأصل عدم الوجوب حتى يثبت دليل صحيح صريح في الأمر به. وفي الصحيحين عن زيد بن ثابت قرأت على النبي - ﷺ - النجم فلم يسجد فيها. ويأتي أنه سجد فيها ففعله تارة وتركه تارة يدل على السنة. قال الحافظ وأولى الاحتمالات أنه لبيان الجواز.
(وله عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - سجد بالنجم) ولهما عن ابن مسعود قرأ "والنجم فسجد من كان معه" والسجود فيها مذهب الجمهور.
(ولمسلم عن أبي هريرة: سجدنا مع رسول الله - ﷺ - في (إذا السماء انشقت) و(اقرأ باسم ربك) ورواه الخمسة وغيرهم وهو مذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين وإنما خالف بعض المالكية. وذكر قولًا للشافعي في القديم، ولهما عن أبي هريرة "أنه سجد خلف النبي - ﷺ - في إذا السماء انشقت" وقال الطحاوي تواترت الآثار عنه - ﷺ - بالسجود في المفصل وقال ابن عبد البر وأي عمل يدعى مع مخالفة النبي –ﷺ- والخلفاء الراشدين بعده. وذكر الحافظ أن في رواية أبي الأشعث عن معمر التصريح بأن سجود النبي - ﷺ - في (إذا السماء انشقت) كان داخل الصلاة. وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء ولم يفرقوا بين صلاة الفريضة والنافلة.
[ ١ / ٣٢٧ ]
وقال أجمعوا على أنه يسجد في عشرة مواضع وهي متوالية إلا ثانية الحج. وص وأما سجود المفصل فتقدم أنه ثابت في الصحيح وهو مذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين. وخالف بعضهم في سجدة آخر الحج وص. وعن عمرو بن العاص قال "أقرأني رسول الله - ﷺ - خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل. وفي الحج سجدتان" رواه أبو داود والحاكم وحسنه النووي والمنذري وتكلم فيه الحافظ وغيره. ولأبي داود وغيره من حديث عقبة بن عامر قلت يا رسول الله أفي سورة الحج سجدتان قال "نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأها" ولفظ حديث خالد "فضلت بسجدتين".
(وعن ابن عباس: ليست ص من عزائم السجود) أي لم يرد فيها تحريض ولا حديث فليست مما سنه منها (وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يسجد فيها رواه البخاري)
وسئل ابن عباس من أين أخذت السجود في ص قال من قوله تعالى: إلى قوله:
﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ إلى قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فدل على أنه أخذه عن النبي - ﷺ - وسمعه واستنبطه من الآية. وللنسائي مرفوعًا "سجد في ص، وقال سجدها داود توبة ونسجدها شكرًا ولأبي داود وغيره من حديث أبي سعيد "نزل عن المنبر وسجد سجد الناس معه" ولما بلغها يومًا آخر نشزوا للسجود فقال: "إنما هي توبة نبي ولكن رأيتكم نشزتم للسجود فسجد وسجدوا.
[ ١ / ٣٢٨ ]
وجاء عن جماعة من الصحابة أنهم سجدوا فيها. فينبغي سجودها خارج الصلاة كما هو قول الجمهور. لا في الصلاة خروجًا من الخلاف. كما أنه لا ينبغي السجود في الصلاة السرية خشية الإبهام والتخليط على المأموم.
(وعن عائشة: كان - ﷺ - يقول في سجود القرآن) بالليل (سجد وجهي لله الذي خلقه) زاد البيهقي: وصوره (وشق) أي فتح (سمعه وبصره) حتى جعله يسمع ويبصر "بحوله وقوته" رواه الخمسة وغيرهم إلا ابن ماجه و(صححه الترمذي) وابن السكن وزاد الحاكم "فتبارك الله أحسن الخالقين" ولمسلم نحوه من حديث علي وتقدم في الصلاة.
وللترمذي وغيره عن ابن عباس "اللهم حط عني بها وزرًا وأكتب لي بها عندك أجرًا وأجعلها لي عندك ذخرًا وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود ﵇" وفيهما مشروعية الذكر في سجود التلاوة بما اشتملا عليه ويقول قبلهما سبحان ربي الأعلى كما يقول في سجود صلب الصلاة.
(وعن أبي بكرة) نفيع بن مسروح ويقال ابن الحارث بن عمرو الثقفي تدلى في بكرة مع غلمان من أهل الطائف
توفي سنة إحدى وخمسين ﵁ (إن النبي - ﷺ -
كان إذا أتاه أمر يسره) ظاهره خاصًا كان أو عامًا
[ ١ / ٣٢٩ ]
(خر ساجدًا لله" رواه الخمسة إلا النسائي وحسنه الترمذي) وقال غريب ولفظ أحمد: أنه شهد النبي - ﷺ - أتاه بشير يبشره بظفر جند له على عدوهم ورأسه في حجر عائشة "فقام فخر ساجدًا فأطال السجود ثم رفع رأسه فتوجه عند صدفته فدخل فاستقبل القبلة".
وله من حديث عبد الرحمن بن عوف نحوه وفيه: "إن جبريل أتاني فبشرني فقال إن الله –﷿- يقول لك من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه فسجدت شكرًا" ولأبي داود عن سعد بن أبي وقاص قال خرجنا مع النبي - ﷺ - من مكة نريد المدينة فلما كنا قريبًا من عزوراء "نزل ثم رفع يديه ساعة ثم خر ساجدًا فعله ثلاثًا. وقال "إني سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني الثلث الآخر فخررت ساجدًا" وذكر الثالثة كذلك.
(وعن البراء بن عازب) بن حارث الأنصاري الأوسي مات بالكوفة سنة اثنتين وسبعين (في كتاب علي إلى النبي - ﷺ - بإسلام همدان) وكان رسول الله - ﷺ - بعثه إلى اليمن معلمًا لهم ولما أسلموا وانقادوا كتب علي –﵁- إلى رسول الله - ﷺ - بخبر إسلامهم (قال) البراء -﵁- (لما قرأه)
رسول الله - ﷺ - (خر ساجدًا شكرًا لله) على ذلك رواه
البيهقي وغيره و(صححه المنذري) الحافظ الحجة زكي
[ ١ / ٣٣٠ ]
الدين عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المشهور بالمنذري المتوفي سنة ست وخمسين وستمائة.
وفي الصحيحين قصة سجود كعب بن مالك في عهد النبي - ﷺ - لما بشر بتوبة الله عليه. وروى سعيد بن منصور وغيره سجود أبي بكر لما جاءه خبر قتل مسيلمة وسجد علي لما وجد ذا الثدية في الخوارج. وذلك يدل على أن مشروعية سجود الشكر كانت متقررة عندهم وهو مذهب جمهور العلماء. وروي عن مالك كراهته وأبي حنيفة والثانية عنه إباحته وهذا عنهما رحمهما الله غريب لاستفاضته عنه - ﷺ - وعن أصحابه من طرق كثيرة تقوم بها الحجة.
وقال ابن القيم لو لم تأت النصوص بالسجود عند تجدد النعم لكان هو محض القياس ومقتضى عبودية الرغبة. كما أن السجود عند الآيات مقتضي عبودية الرهبة. اهـ. فلا مرية في مشروعية سجود الشكر في غير الصلاة عند تجدد النعم سواء كانت خاصة أو عامة دينية أو دنيوية. كتجدد ولد أو مال أو جاه أو نصرة على عدو أو غير ذلك من سائر النعم أو اندفاع النقم.
شكرًا لله عليها وخضوعًا له وتذللًا بين يديه في مقابلة فرحة النعمة وانبساط النفس لها. لا دوام النعمة لأنه لا ينقطع. فلو شرع له السجود لاستغرق عمره وشكرها بالطاعات.
قال شيخ الإسلام ولو أراد الدعاء فعفر وجهه لله بالتراب
[ ١ / ٣٣١ ]
وسجد له ليدعوه فيه فهذا سجود لأجل الدعاء ولا شيء يمنعه. وابن عباس سجد لما جاء نعي بعض أزواج النبي - ﷺ - وقد قال ﵊ "إذا رأيتم آية فاسجدوا" قال وهذا يدل على أن السجود يشرع عند الآيات فالمكروه هو السجود بلا سبب.