في الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من أصناف الكفر، ومقاديرها، وما لأهلها وعليهم
قال الله -﷿-: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وقال -تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
فأمر الله -تعالى- بقتال المشركين وقتلهم بكل سبيل، وحَصْرهم والتضييق عليهم، ولم يجعل لذلك غايةً إلا أن يُسلموا، وجعل في أهل الكتاب حدًّا آخر إن كانوا لم يسلموا: وهو إعطاء الجزية.
وفي كتاب مسلم (١) عن بريدة قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصَّته بتقوى الله، ومن معه من المسليمن خيرًا، ثم قال: «اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلُّوا، ولاتغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقلتوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم، إلى ثلاث خصال -أو: خلال-، فأيَّتُهُنَّ ما أجابوك فاقبل منهم، وكُفَّ عنهم » الحديث. فذكر فيه: الإسلام، ثم الهجرة، ثم قال: «فإن هم أبوا فسَلْهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكُفَّ عنهم، فإن هم أَبوا،
فاستعن بالله وقاتهلم »
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب تأمير الإمام الأمراء علىالبعوث، ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها) (رقم ١٧٣٠) . وقد مضى، كما قال المصنف.
[ ٥٢٧ ]
إلى آخر الحديث، وقد تقدم بكماله في باب: (الدعوة قبل القتال) .
فثبت أن الواجب على ذلك في قتال الكفار أنّ من بذل منهم الجزية -إمّا عمومًا في أصناف الكفر، أو خصوصًا في أهل الكتاب، على الخلاف بين أهل العلم الذي نذكره إن شاء الله تعالى- فإنه يحرم بذلك قتالهم، ويجب الكفُّ عنهم والقبول منهم؛ بما ثبت من أمر رسول الله - ﷺ -؛ ولأنها إحدى الغايتين اللتين ورَدَ في القرآن الانتهاء إليهما (١) .
والنظر في هذا الباب يتعلق بأربعة أشياء:
الأول: مَن تُقبل منهم الجزية؟ وهل ذلك عام في أصناف الكفر من أهل الكتاب وعبدة الأوثان، ومن لا يدين بشيء أصلًا، أو هو خاص بأهل الكتاب؟.
الثاني: في المقدار المأخوذ منهم في ذلك، وعلى من يفرض فيهم.
الثالث: في حكم من أَسلم منهم بعد الجزية أو مات.
الرابع: في شروط الجزية، وحقوقها الواجبة لهم وعليهم.
فصلٌ: في معرفة من تقبل منهم الجزية من أصناف الكفار
اختلف العلماء فيمن تقبل الجزية منهم على ثلاثة أقوال:
قول: إنها تقبل من جميع الكفار، سواء في ذلك أهل الكتاب وغيرهم من عبدة الأوثان، وكل جاحدٍ مكذبٍ بالربوبية، لا يدين بشيءٍ أصلًا، وسواءٌ في ذلك العرب والعَجمُ، وكلُّ من دان بغير الإسلام من كافة الأمم، وإليه ذهب مالكٌ وجمهور أصحابه، والأوزاعي وغيرهم (٢) .
_________________
(١) انظر: «الجهاد والقتال في السياسة الشرعية» (٣/١٤٥٣- وما بعدها) .
(٢) كسعيد بن عبد العزيز -﵀-. انظر: «المدونة» (١/٥٢٩- ط. دار الكتب العلمية)، «التفريع» (١/٣٦٣)، «عقد الجواهر» (١/٤٨٦)، «جامع الأمهات» (٢٤٨)، «الكافي» (١/٤٧٩)، «النوادر والزيادات» (٣/٤٣)، «الذخيرة» =
[ ٥٢٨ ]
قال ابن الجهم (١): إلا ما أُجمع عليه من كفار قريش، فلا يجوز أن يجري عليهم ذل ولا صغار، وهو إما الإسلام أو السيف، ولا يرخص لهم في المقام على كفرهم بأداء الجزية.
وقال غيره في توجيه ذلك: إن قريشًا أسلمت كلها يوم الفتح، فإذا وُجِد كافر منهم كان مُرتدًّا، والمرتد لا تؤخذ منه الجزية؛ لأنه لا يُقرُّ على كفره.
وقول ثان: إن الجزية لا تقبل إلا من اليهود والنصارى، عربًا كانوا أو عجمًا، والمجوس كذلك -أيضًا- فقط، وإليه ذهب الشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وداود، وجماعة من أهل العلم سواهم (٢)، وبنحوه يقول
عبد الله بن وهب من أصحاب
_________________
(١) = (٣/٤٥١)، «الاستذكار» (٩/٢٩٣، ٢٩٤)، «قوانين الأحكام الفقهية» (ص ١٧٥)، «الشرح الكبير» (٢/٢٠١- مع «حاشية الدسوقي»)، «فتح الجليل» (٣/٢١٣- ٢١٤)، «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٢/٣٩)، «تفسير القرطبي» (٨/١١٠)، «اختلاف الفقهاء» للطبري (٢٠٠) . وانظر: «عمدة القاري» (١٥/٧٣)، «فتح الباري» (٦/٢٥٩)، «المغني» (١٠/٥٧١-٥٧٣)، «نيل الأوطار» (٧/٢٤٥)، «السيل الجرار» (٤/٥٧٠- ٥٧١)، «سبل السلام» (٤/٤٧)، «تحفة الأحوذي» (٢/٣٩٣)، «الجهاد والقتال في السياسة الشرعية» (٣/١٤٦٤)، «آثار الحرب» (٧٠١-٧٠٢) للدكتور وهبة الزحيلي. وقد نصر مذهب مالك: الإمام ابن القيم، كما في «زاد المعاد» له (٥/٩١- ٩٢) . وقال في «أحكام أهل الذمة» (١/١٠٩): «وسرُّ المسألة أن الجزية من باب العقوبات، لا أنها كرامة لأهل الكتاب، فلا يستحقها سواهم!» .
(٢) نقل كلامه ابن شاس في «عقد الجواهر» (١/٤٨٦)، والقرافي في «الذخيرة» (٣/٤٥١) . وحكى ابن القاسم عن مالك أنها لاتقبل من قريش. حكاه الحافظ في «الفتح» (٦/٢٥٩) .
(٣) المشهور في كتب الشافعية أخذها من المجوس، وعبارة «الأم» فيها ما يدل على خلاف ذلك، وما عند المصنف ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» (٢/١١٨)، إلا أن عنده «أبو حنيفة» بدل «الشافعي» . وقال ابن كثير في كتابه: «المسائل الفقهية التي انفرد بها الإمام الشافعي » (ص ١٩٣): «وله قول في المجوس أنهم أهل كتاب، والقول الآخر: أن لهم شبهة كتاب، كقول الثلاثة» . وانظر في مذهب الشافعية: «الأم» (٤/١٨٤)، «مختصر المزني» (٢٧٦-٢٧٧)، «الحاوي الكبير» (١٨/٣٢٨)، «البيان» للعمراني (١٢/٢٥٠)، «شرح صحيح مسلم» (٧/٣١٣)، «المهذب» (٢/٢٥١)، =
[ ٥٢٩ ]
مالك (١)، وروي مثله عن ابن حبيب.
وقول ثالث: إن الجزية تقبل من كل كافر من العجم، ولا تقبل من
العرب، إلا من كتابِّي، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه (٢)، وحكي ذلك عن أبي
_________________
(١) = «المجموع» (٢١/٢٩٠)، «الإقناع» للماوردي (ص ١٧٩)، «الإقناع» لابن المنذر (٢/٤٧٠)، «الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع» (٢/٢٦٢- ط. دار الفكر)، «حاشية البجيرمي على الإقناع» (٤/٢٤٩-٢٥٠)، «روضة الطالبين» (١٠/٣٠٤-٣٠٥)، «حلية العلماء» (٧/٦٩٥)، «مغني المحتاج» (٤/٢٤٣) . وفي مذهب الحنابلة: «المغني» (١٣/٣١-ط. دار هجر)، «الإنصاف» (٤/٢١٧)، «المبدع» (٣/٤٠٤)، «المقنع» لابن البنا (٣/١١٩١)، «شرح الزركشي» (٦/٥٦٧)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٧٨٥) . وانظر في مذهب أبي ثور، وداود، وغيرهم: «التمهيد» (٢/١١٨)، «الاستذكار» (٩/٢٩٤ المسألة رقم ١٣٣٦٨)، «تفسير ابن كثير» (٤/٩١- ط. المكتبة التوفيقية)، «فتح الباري» (٦/٢٥٩)، «اختلاف الفقهاء» للطبري (٢٠٣- تحقيق يوسف شخت)، «بداية المجتهد» (٢/٤٧٦)، «المحلَّى» (٧/ ٣٤٥)، «فقه الإمام أبي ثور» (٧٩٤) . وحكى ابن التين عن عبد الملك بن حبيب أنها لاتقبل إلا من اليهود والنصارى فقط. كما في «الفتح» (٦/٢٥٩) . وفي «مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي - اختصار الجصاص (٣/٤٨٦) - قال: «وذكر الشافعي عن أبي يوسف أنه قال: لاتؤخذ الجزية من العرب» . قال: «وهذا شيء لم يذكره عن أبي يوسف غير الشافعي» . وانظر: «مختصر المزني» (ص ٢٢٧) . وذكر العكبري في «رؤوس المسائل» -أيضًا- رواية ثانية عن أحمد: أنها تؤخذ من عبدة الأوثان من العجم دون العرب. وانظر كتاب: «الروايتين والوجهين» للقاضي أبي يعلى (٢/٣٨٠) .
(٢) فهو يستثني منهم مجوس العرب، نقل ذلك عنه ابن شاس في «عقد الجواهر» (١/٤٨٦)، وعنه القرافي في «الذخيرة» (٣/٤٥١) . ومذهبه أقرب إلى مذهب أبي حنيفة، وهو القول الثالث الذي سيذكره المصنف -﵀-. وانظر: «التمهيد» (٢/١١٨)، «الاستذكار» (٩/٢٩٤) -ونقل المصنف مذاهب العلماء كعادته منه-، كلاهما لابن عبد البر.
(٣) انظر: «الهداية» (٢/٤٥٣)، «اللباب» (٤/١٤٤)، «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠٧)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٨٤ رقم ١٦٥٣)، «بدائع الصنائع» (٧/١١٠-١١١)، «إعلاء السنن» (١٢/ ٤٣٦- ٤٣٧)، «البناية» (٥/٨٢٠)، «فتح القدير» (٦/٤٨)، «حاشية ابن عابدين» (٣/٤١٤) . =
[ ٥٣٠ ]
عبيد (١)، ومثله عن بعض أصحاب مذهب مالك (٢) .
فأمّا حجة من قَصَر ذلك على اليهود والنصارى والمجوس: فالكتاب والسنة.
أما الكتاب: فإنه لم يؤذن في آية الجزية إلا في أهل الكتاب فقط، وهم اليهود والنصارى باتفاق. والمجوس، قيل: إنهم أهل كتاب (٣)،
_________________
(١) = وانظر: «فتح الباري» (٦/٢٥٩) . وذكر ابن حزم في «المحلَّى» (٧/٣٤٥ المسألة رقم ٩٥٨)، مذهب أبي حنيفة هذا، وعزاه له وللإمام مالك -رحمهما الله-، وقد عرفت أن في مذهب أبي حنيفة فقط التفريق بين العرب والعجم. وردَّه -﵀- وهوالأرجح؛ لأن الله -تعالى- لم يخصَّ عربيًا من عجميّ في كلا الحكمين: الإسلام أو الجزية. وانظر: «مجموع الفتاوى» (١٩/٢١-٢٢) .
(٢) في كتابه «الأموال» (ص ٣٩)، ونقله عنه -مختصرًا- الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٦/ ٢٦٠)، قال أبو عبيد: «فعلى هذا تتابعت الآثار عن رسول الله - ﷺ -، والخلفاء بعده في العرب من أهل الشرك: أن من كان منهم ليس من أهل الكتاب، فإنه لا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل، كما قال الحسن. وأما العجم فتقبل منهم الجزية، وإن لم يكونوا أهل كتاب؛ للسنة التي جاءت عن رسول الله - ﷺ - في المجوس، وليسوا بأهل كتاب، وقبلت بعده من الصابئين، فَأَمْرُ المسلمين على هذين الحكمين من العرب والعجم، وبذلك جاء التأويل -أيضًا- مع السنة» . انتهى كلامه ﵀. وقول الحسن الذي أشار إليه أبو عبيد، رواه قبل كلامه هذا بقليل. فقد أخرج برقم (٦٢) بسنده إلى الحسن قال: أمر رسول الله - ﷺ - أن يقاتل العرب على الإسلام، ولا يقبل منهم غيره، وأمر أن يقاتل أهل الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون. ثم قال أبو عبيد: وإنما نرى الحسن أراد بالعرب ههنا أهل الأوثان منهم، الذين ليسوا بأهل كتاب، فأمَّا من كان من أهل الكتاب فقد قبلها رسول الله - ﷺ - منهم، وذلك بيِّنٌ في أحاديث، ثم ذكر جملةً منها.
(٣) لعله ابن وهب كما أشرنا إليه آنفًا، بل صرَّح بذكره ابن عبد البر في «التمهيد» (٢/١٢٣) . وانظر: «النوادر والزيادات» (٣/٤٤) .
(٤) وإليه ذهب ابن حزم في «المحلى» (٧/٣١٦)، والشافعي في قول، كما في «المهذب» (٢/٢٥٠)، و«المسائل الفقهية التي انفرد بها الشافعي» لابن كثير (ص ١٩٣) .
[ ٥٣١ ]
وقيل: ليسوا أهل كتاب (١)، وكلا المذهبين يَنتزعُ الدّلالةَ على ما صار إليه من حديث عبد الرحمن بن عوفٍ في المجوس، قال: أشهد لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «سُنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب»، خرَّجه مالك في «الموطأ» (٢) .
_________________
(١) وهو قول جمهور العلماء، والشافعي في قول آخر، وهو أن لهم شبهة كتاب.
(٢) أخرجه في «الموطأ» (١٢٩ رقم ٣٠٤- ط. دار إحياء التراث) عن جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس، فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم! فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب» . قال عنه ابن عبد البر -كما في «تنوير الحوالك» للسيوطي (١/٢٠٧) -: منقطع، لأنَّ محمد بن علي لم يَلْقَ عمر، ولا عبد الرحمن بن عوف. وكلامه هذا في «التمهيد» (٢/١١٤)، وفي «الاستذكار» (٩/٢٩٢) . ونقل العلائي في «جامع التحصيل» (٢٦٧ رقم ٧٠٠) عن الذهبي، أن محمد بن علي أرسل عن عمر. وتعقبه ولي الدين أبو زرعة العراقي في «تحفة التحصيل» (٢٨٢)، أن هذا قصور من العلائي حيث نقل ذلك عن الذهبي، ولم يراجع في هذا الموضع كتاب ابن أبي حاتم، وهو الأم في هذا الباب. قلت: هو في كتاب ابن أبي حاتم: «المراسيل» (١٨٥ رقم ٦٧٤) قال: قال أبوزرعة -أي: الرازي-: «محمد بن علي بن الحسين، عن عمر: مرسل» . وانظر: «الثقات» لابن حبان (٥/٣٤٨)، «تاريخ بغداد» (٣/٥٤)، «سير أعلام النبلاء» (٤/ ٤٠١)، «تهذيب الكمال» (٢٦/١٣٧) . وعن مالك أخرجه: الشافعي في «المسند» (٢/٤٣٠- ترتيبه)، ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» (٩/١٨٩- ١٩٠)، والجوهري في «مسند الموطأ» (٣١٣) . وأخرجه: عبد الرزاق في «المصنف» (٦/٦٨ رقم ١٠٠٢٥ و١٠/٣٢٥ رقم ١٩٢٥٣)، وابن أبي شيبة (٢/٤٣٥ رقم ١٠٧٦٥ [عن المجوس] و٦/٤٣٠ رقم ٣٢٦٥٠، ٣٢٦٥١)، وأبو عبيد في «الأموال» (رقم ٧٨)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١١/٢٩١)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٤/ ٢٦٩)، من طرق عن جعفر بن محمد، به. وقال الحافظ في «الفتح» (٦/٢٦١): «وهذا منقطع مع ثقة رجاله» . وأخرجه ابن عبد البر في في «التمهيد» (٢/١١٥)، من طريق أبي علي الحنفي، عن مالك، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، فذكره -وفي بعض طرقه: قال مالك: في الجزية، أي: سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب في الجزية-، فزاد في إسناده: عن جدّه. وقال ابن عبد البر: «قال أبو الحسن علي بن عمر [أي: الدارقطني]: لم يقل في هذا الإسناد: =
[ ٥٣٢ ]
فقال الذين نَفوْا: لو كانوا أهل كتاب لصرَّح بكتابهم، ولم يقل: سُنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب.
وقال الذين أثبتوا: بل أَمْرهُ - ﷺ - في المجوس خاصَّةً دون سائر أهل الكفر أن يُحملوا على سنَّة أهل الكتاب دليلٌ ظاهرٌ أنهم أهل كتاب، ولمّا لم يكن أمرهم في ذلك مستفيضًا كاستفاضة أمر اليهود والنصارى أنهم أهل كتاب، عرَّفه بالإضافة إليهم.
وبالجملة، فعلى كلا القولين لم يختلف فيهم أحدٌ من أهل العلم: أنهم ممن تُقْبَلُ منهم الجزية (١) كاليهود والنَّصارى، إمَّا بالسُنَّة إن لم يكونوا أهل كتاب، أو
_________________
(١) = (عن جده) مِمَّن حدث به عن مالك غير أبي علي الحنفي، وكان ثقة، وهو في «الموطأ»: جعفر عن أبيه، أن عمر» . ثم قال ابن عبد البر: «وهو مع هذا كله منقطع، ولكن معناه متصل من وجوه حسان» . وانظر: «الاستذكار» (٩/٢٩١- ٢٩٢) . قلت: وأبو علي الحنفي هو: عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، أبو علي البصري، قال الحافظ في «التقريب» (٤٣١٧): «صدوق» . وقد ضعفه شيخنا الألباني -﵀-. انظر: «إرواء الغليل» (١٢٤٨، ٢٢٥٣)، «غاية المرام» (٤٣) . ويغني عنه حديث: أنه - ﷺ - أخذ الجزية من مجوس هجر. رواه البخاري. ورواه ابن المنذر، والدارقطني في «الغرائب» -كما في «الفتح» (٦/٢٦١) - من طريق أبي علي الحنفي به. وقال الحافظ: «فإن كان الضمير في قوله: «عن جده» يعود على محمد بن علي، فيكون متصلًا؛ لأن جده الحسين بن علي سمع من عمر بن الخطاب، ومن عبد الرحمن بن عوف» . وأخرج الطبراني في «الكبير» (١٩/٤٣٧ رقم ١٠٥٩)، من حديث مسلم بن العلاء بن الحضرمي قال: شهدت رسول الله - ﷺ - فيما عهد إلى العلاء حيث وجهه إلى البحرين، قال: «ولا يحل لأحدٍ جهل الفرض والسنن، ويحل له ما سوى ذلك»، وكتب للعلاء: «أن سُنُّوا بالمجوس سنة أهل الكتاب» . وعزاه الحافظ في «الإصابة» إلى ابن منده، وأبي سليمان بن زَبر. قلت: مدار هذا الحديث على رجل يُدْعى: عمر بن إبراهيم. قال الحافظ في «الإصابة» (٣/ ٤١٦): «هو ساقط» .
(٢) جل الكلام السابق نقله المصنف -﵀- بتصرف، من ابن عبد البر في كتابه: «الاستذكار» (٩/٢٩٧) .
[ ٥٣٣ ]
بالقرآن والسنة إن كانوا أهل كتاب، ووردت في ذلك آثار: أن رسول الله - ﷺ - أخذ الجزية من مجوس هجر (١)، ومن مجوس البحرين (٢)، وفعله الخلفاء الأربعة بعده (٣) .
_________________
(١) أخرج البخاري في «صحيحه» في كتاب الجزية والموادعة (باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب) (رقم ٣١٥٦، ٣١٥٧) بسنده إلى عمرو بن دينار، قال: كنت جالسًا مع جابر بن زيد وعمرو بن أوس، فحدثهما بجالة -سنة سبعين-، عام حجَّ مصعب بن الزبير بأهل البصرة -عند درج زمزم- قال: كنت كاتبًا لجزء بن معاوية -عم الأحنف- فأتانا كتاب عمر بن الخطاب -قبل موته بسنة-: فرقوا بين كلِّ ذي مَحْرمٍ من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس، حتى شهد عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله - ﷺ - أخذها من مجوس هَجَر.
(٢) أخرجه البخاري (رقم ٣١٥٨، ٤٠١٥، ٦٤٢٥)، ومسلم (٢٩٦١) من حديث عمرو بن عوف الأنصاري، وذكر فيه بعث النبي - ﷺ - أبا عبيدة إلى البحرين يأتيه بجزيتها. والبحرين: البلد المشهور بالعراق، وهي بين البصرة وهَجَر. قال الحافظ في «الفتح» (٦/٢٦٢): وكان غالب أهلها إذ ذاك المجوس. وترجم عليه النسائي: «أخذ الجزية من المجوس» . وذكر ابن سعد -فيما ذكره الحافظ في «الفتح» (٦/٢٦٢) -: أن النبي - ﷺ - بعد قسمة الغنائم بالجعرانة، أرسل العلاء إلى المنذر بن ساوى عامل البحرين يدعوه إلى الإسلام فأسلم، وصالح مجوس تلك البلاد على الجزية.
(٣) انظر: «الاستذكار» (٩/٢٩٣)، لابن عبد البر. وقال في «التمهيد» (٢/١١٧) مُفصِّلًا في أخذ الخلفاء الأربعة الجزية من المجوس: «وفعله بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. روى الزهري عن سعيد بن المسيب أن رسول الله - ﷺ - أخذ الجزية من مجوس هجر، وأن عمر بن الخطاب أخذها من مجوس السواد، وأن عثمان بن عفان أخذها من البربر. هكذا رواه ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب. وأما مالك ومعمر فإنهما جعلاه عن ابن شهاب، ولم يذكرا سعيدًا. ورواه ابن مهدي عن مالك، عن الزهري، عن السائب بن يزيد. وقد ذكرناه في مراسيل ابن شهاب» . قلت: رواية ابن وهب عن يونس بن يزيد، أخرجها البيهقي في «الكبرى» (٩/١٩٠)، من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن ابن وهب، به. ورواية مالك في «الموطأ» (ص ١٩٢- ط. دار إحياء التراث)، وعنه الشافعي في «الأم» (٤/ ١٨٣-١٨٤)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٩/١٩٠) . وقال: «وابن شهاب إنما أخذ حديثه هذا عن ابن المسيب، وابن المسيب حسن المرسل» ا. هـ. =
[ ٥٣٤ ]
وخرَّج الترمذي (١)، عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله - ﷺ - أخذ الجزية من مجوس هجر. قال فيه: حسن صحيح.
وفي «الموطأ» (٢) عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن رسول الله - ﷺ - أخذ الجزية من مجوس البحرين.
وإنما اختلف أهل العلم في أكل ذبائح المجوس وتزوج بناتهم؛ فمن قال: إنهم ليسوا أهل كتاب، وإنما قُبِلت الجزية منهم بالإذن المُعَيَّنُ في ذلك، على أن غير الجزية باقٍ على التحريم، لم يتناوله الإذن بحال، فمنعَ من مناكحهم وأكل ذبائحهم.
ومن قال: إنهم أهل كتابٍ حقيقةً، لزمه -لا محالة- القولُ بجواز ذلك، وبه قال أهل الظاهر (٣)، وروي نحوه عن سعيد بن المسيّب،
أنه لم ير بذبائح المجوس
_________________
(١) = ورواية معمر، أخرجها عنه عبد الرزاق في «المصنف» (٦/٦٩ رقم ١٠٠٢٦) . ورواية ابن مهدي، عن مالك عنده في «الموطأ» (ص ١٩٣- رواية يحيى الليثي)، من طريق السائب بن يزيد أنه قال: كنت غلامًا عاملًا مع عبد الله بن عتبة بن مسعود على سوق المدينة في زمان عمر بن الخطاب، فكنَّا نأخذ من النَّبط العُشْرَ.
(٢) في «جامعه» في أبواب السّير (باب ما جاء في أخذ الجزية من المجوس) (رقم ١٥٨٧) . وقد مضى الحديث، وأصله في البخاري.
(٣) «الموطأ» (١٩٢- ط. دار إحياء التراث)، وتتمته: وأن عمر بن الخطاب أخذها من مجوس فارس، وأن عثمان بن عفّان أخذها من البَرْبَر.
(٤) كداود الظاهري وأبي ثور فيما نقله عنهما غير واحدٍ من أهل العلم، وكابن حزم في «المحلَّى» (٧/٤٥٤ المسألة رقم ١٠٥٨) . وانظر: «المغني» (١٣/٢٦٩)، «حلية العلماء» (٦/٣٨٧)، «تفسير ابن كثير» (٣/٣٧)، «البحر الزخّار» للمرتضي (٤/٤١)، «فتح الباري» (٦/٢٥٩)، «نيل الأوطار» (٩/٣١٠)، «فقه الإمام أبي ثور» (٤٦٨-٤٦٩)، وما ذهبوا إليه هو مذهب سعيد بن المسيب -في قول، وهو الذي ذكره عنه المصنف-، وقتادة، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وعمرو بن دينار، والمروزي، وهو مخالف لما ذهب إليه جمهور العلماء: الأئمة الأربعة. وحكى ابن التين -فيما ذكره عنه الحافظ في «الفتح» (٦/٢٥٩) - الاتفاق على أنه لا يحل نكاح نسائهم، ولا أكل ذبائحهم. =
[ ٥٣٥ ]
بأسًا (١)، وأَبَى الشافعيُّ وجمهور أهل العلم (٢)، مِمَّن صار إلى أنهم أهل كتاب، أو
_________________
(١) = وعدَّ ابن قدامة في «المغني» مذهب أبي ثور أنه شاذ وخلاف إجماع من تقدمه، وتعقبه الحافظ ابن حجر بذكر مذهب سعيد، كما سيذكره المصنف بعد قليل. واحتج ابن حزم لما ذهب إليه: أنهم أهل كتاب -كما مضى ذكر ذلك عنه- بأثر سعيد، فحكمهم كحكم أهل الكتاب في كل ذلك. وقال: لم يفسح الله -تعالى- في أخذ الجزية من غير كتابي، وأخذها النبي - ﷺ - من المجوس، وما كان ليخالف أمر ربه -تعالى-. وردَّ قول من استدل بقول الله: ﴿أَن تَقُولُوا إِنَّمَآ أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦]، بأن هذا بنصِّ الآية نهيٌ عن هذا القول لا تصحيحًا له، وقد قال -تعالى-: ﴿وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]، والله أعلم. وقال ابن حجر في «الفتح» (٩/٤١٧): «ذهب الجمهور إلى تحريم النساء المجوسيات، وجاء عن حذيفة أنه تسرّى بمجوسية، أخرجه ابن أبي شيبة، وأورده -أيضًا- عن سعيد بن المسيب وطائفة، وبه قال أبو ثور» . قلت: وقوله: «وطائفة» تحريف عن «طاوس»؛ فلتصحح. واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى الكبرى» (٣/٩٥) جواز وطء المجوسيات بملك اليمين، وهذا مذهب المنقول عنهم الجواز آنفًا، قال القرطبي في «تفسيره» (٥/١٤٠): «وقد روي عن طاوس ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار أنهم قالوا: لا بأس بنكاح الأمة المجوسية بملك اليمين» . قال: «وهو قول شاذ مهجور، ولم يلتفت إليه أحدٌ من فقهاء الأمصار، وقالوا: لا يحل أن يطأها حتى تسلم» . وانظر: «الجامع للاختيارات الفقهية» (٢/٥٧٩-٥٨١) .
(٢) رواه ابن حزم في «المحلَّى» (٧/٤٥٦)، بإسناده إلى سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب. وذكره عنه ابن عبد البر في «الاستذكار» (٩/٢٩٢)، وقال: «والناس على خلافه»، وانظر الهامش السابق.
(٣) انظر في فقه الحنفية: «مختصر الطحاوي» (٢٩٧)، «الهداية» (٤/٣٩٣)، «اللباب» (٣/٢٢٣)، «الاختيار» (٥/١٣)، «البناية» (٩/١٢)، «فتح القدير» (٩/٤٨٨)، «النتف في الفتاوى» (١/٢٢٨) . وفي فقه المالكية: «المعونة» (٢/٧٠٦، ٨٠٠)، «التفريع» (١/٤٠٦)، «جامع الأمهات» (٢٢٣، ٢٦٨)، «الكافي» (١/٤٢٩)، «فصول الأحكام» (٢٣٠)، «الإشراف» (٣/٣٢٨ رقم ١١٦٤- بتحقيقي)، «تفسير القرطبي» (٥/١٤٠)، «الاستذكار» (٩/٢٩٣)، «الرسالة» (١٨٧)، «قوانين الأحكام» (١٩١)، «التلقين» (١/٢٧٠)، «الذخيرة» (٣/٤٥١) . =
[ ٥٣٦ ]
لم يَصِرْ من ذلك،
ورأوا أن إباحةَ ذبائح أهل الكتاب ونكاح نسائهم خاصّةٌ في اليهود والنصارى.
وأما مستند من عمَّ أصناف الكفر في قبول الجزية، فمن طريق الإلحاق بجامع الكفر؛ قالوا: وإذا كان في الجزية صغارٌ لهم، وإِذلاَلٌ موجِبهُ الكفر، مع كونهم أهل كتاب، وهم أرجَى في القُربِ إلى الحَقِّ، فسائر أهل الكفر بذلك أولى، إلاَّ أنَّ هذا المعنى قد يُعكس عليهم. فيقال: إنما استُحيوا وقبلت منهم الجزية إبقاءً عليهم لموضع احترامهم بالكتاب، وبكونهم على بقايا شرعٍ تقدَّم، كما أجيز نكاح نسائهم وأكلُ ذبائحهم؛ بخاصَّة حرمة الكتاب، وذلك لا يشركهم فيه أهل الكفر من غيرهم (١)، فوجب أن لا يُقبل منهم إلا الإسلام أو السَّيفُ بنص القرآن، وهذا على مذهب القياس أَسَدُّ وأوضح، والقول بقصر الجزية على من عيِّن في ذلك أرجح.
وأما ما ذهب إليه من فرَّق في الجزية بين العرب والعجم، فأجاز في كفار العجم مطلقًا، ولم يُجز في كفار العرب، إلا أن يكونوا على دين أهل الكتاب: فشيءٌ لا أعرف له مستندًا، إلا شيئًا ذكره ابن عبد البر من طريق عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، أنَّ النبي - ﷺ - صالحَ عبدَةَ الأوثان على الجزية، إلا من
_________________
(١) = وفي فقه الشافعية: «الأم» (٢/٢٦٣- وما بعدها)، «المهذب» (٢/٤٥)، «روضة الطالبين» (٧/ ٤٩٤)، «الإقناع» للماوردي (ص ١٨٤)، «الوسيط» (٧/١٠١)، «مغني المحتاج» (٤/٢٦٦)، «البيان» للعمراني (٤/٥٢٦)، «توقيف الحكام على غوامض الأحكام» للأقفسهي (ق ٧/أ) . وفي فقه الحنابلة: «المغني» (١٣/٢٩٦)، «مغني ذوي الأفهام» ليوسف بن عبد الهادي (٢٢١)، «رؤوس المسائل الخلافية» للعكبري (٥/٧٨٦)، «الواضح» (٢/٢٩٢)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٦٢٣)، «شرح الزركشي» (٦/٦٤٤)، «مسائل الإمام أحمد» (١/٣٩٣- رواية الكوسج، ٢/١٤١- رواية ابن هانئ، ٣/٨٦٧-٨٧١- رواية عبد الله) .
(٢) جلُّ الكلام السابق من كلام ابن عبد البر في «الاستذكار» (٩/٢٩٢-٢٩٣)، و«التمهيد» (٢/١١٦-١١٧) .
[ ٥٣٧ ]
كان منهم من العرب (١) .
قال ابن عبد البر (٢): هذا يدل على أن مذهب ابنِ شهاب أن العرب لا تؤخذ منهم الجزيةُ، إلا أن يدينوا بدين أهل الكتاب. قال (٣): «وما أعلم أحدًا روى هذا الخبر المرسل عن ابن شهاب إلا معمرًا» .
قلت: فأمَّا إن ذهب ذاهب إلى تعليل مَنعِ إجابتهم إلى الجزية إذا كانوا من غير أهل الكتاب، مع كوْن سائر الكفار غيرهم يجاب إلى ذلك على أيِّ دين من الكفر كان، بأن ذلك منع منه العرب إكرامًا لهم (٤)، ودفعًا للصغار عنهم، كما ذهب إلى ذلك بعض المُعَلِّلين، فهو ينكسر عليهم بقبول الجزية منهم إذا كانوا من أهل الكتاب.
وقد اختلف العلماء في حكم من كان من العرب على دين أهل الكتاب، فلهم في نصارى بني تغلب ثلاثة أقوال:
قول (٥): إنه لا يعتد بما دانوا به، وحكمهم حكم عَبَدة الأوثان من العَرب، فلا تُقبل منهم الجزية، إنما هو الإسلام أو السَّيف، وكأنَّ وجه هذا المذهبِ هو حَملُ الآية في تعيين أهل الكتاب بقبول الجزية، على أنَّ المراد به أهلُ الكتاب الذين أنزل ذلك عليهم، أو توارثوه عن آبائهم من اليهود والنَّصارى، لا مَن دخَلَ
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في «المصنّف» (٦/٨٦ رقم ١٠٠٩٢)، ونقله عنه ابن عبد البر في «التمهيد» (٢/١٢٣)، و«الاستذكار» (٩/٣٠٠) وهو مرسل ضعيف.
(٢) في «التمهيد» (٢/١٢٣) .
(٣) في «التمهيد» (٢/١٢٣)، ونحوه في «الاستذكار» (٩/٣٠٠) . وقال في «الاستذكار» عن الزهري: وقد جعلوه وهمًا منه.
(٤) في المنسوخ: «منع من العرب أكثر مالهم» . وكتب فوق (من): كذا
(٥) ذكر الشافعي -كما في «مختصر المزني» (ص ٢٧٢) - ذلك عن أبي يوسف القاضي. وقال الجصَّاص في «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٨٦): «وهذا شيء لم يذكره عن أبي يوسف غير الشافعي» . وانظر: «حلية العلماء» (٧/٦٩٦) .
[ ٥٣٨ ]
في ذلك من غيرهم بعد.
وقولٌ ثانٍ (١): إنهم كسائر أهل الكتاب في قبول الجزية وسائر
الأحكام، وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز (٢)، وجماعة من أهل العلم؛ قالوا: إن الجزية تؤخذ منهم (ومن أحدٍ ما) (٣) تؤخذ من سائر أهل الكتاب في الشروط والصغار وسائر الأحكام، ووجه ذلك حمل الآية على عمومها فيمن دان بدين أهل الكتاب، وقال الله -تعالى-: ﴿لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن
_________________
(١) هو قول جمهور العلماء، علىخلاف بينهم في مقدار الجزية التي تؤخذ من نصارى بني تغلب -على ما سيذكره المصنف في القول الثالث-، وهل تؤخذ من النساء والصبيان أو لا؟ فذهب مالك والشافعي -على تفصيل سيذكره المصنف فيمن كان منهم على دين أهل الكتاب قبل بعثة النبي - ﷺ - أو لم يكن-، إلى أنها لا تؤخذ من نسائهم وصبيانهم، وعلى تفصيل عند الحنفية: أنها تؤخذ من المقاتلين من الرجال، العقلاء، الأحرار، الأصحَّاء، دون النساء، والصبيان، والمجانين، وقال القدوري في «مختصره» (٤/١٥٣- مع «اللباب»): «ويؤخذ من نسائهم، ولا يؤخذ من صبيانهم» . ومذهب الحنابلة عدم الأخذ من الجميع باسم الجزية: رجالًا، ونساءً، وصبيانًا، مع مضاعفة الزكاة عليهم، والمعنى واحد. والمالكية على أصلهم في عدم التفريق بين العرب وغيرهم من أهل الكتاب، وسيأتي ذكر مذهبهم. انظر في مذهب الحنفية: «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠٧)، «اللباب» (٤/١٥٣)، «الهداية» (٢/٤٥٧)، «البناية» (٥/٨٤٥)، «بدائع الصنائع» (٧/١١٠-١١١)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٨٤) . وفي مذهب الشافعية: «الأم» (٤/١٨٢)، «روضة الطالبين» (١٠/٣٠٥)، «الإقناع» للماوردي (١٧٩)، «منهاج الطالبين» (٣/٢٨٧)، «التهذيب» للبغوي (٧/٥١٦)، «البيان» للعمراني (١٢/٢٥٧)، «الحاوي الكبير» (١٨/٣٩٩)، «المجموع» (٢١/٢٩٧) . وفي مذهب الحنابلة: «المغني» (١٣/٢٢٣)، «المقنع» لابن البنا (٣/١١٩٤)، «شرح الزركشي» (٦/٥٨٠)، «الإنصاف» (١٠/٤٠٥)، «كشاف القناع» (٣/١١٩)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/ ٧٩٤)، «المبدع» (٣/٤٠٦- ٤٠٧) . وانظر: «مجموع الفتاوى» (١٩/١٩) لابن تيمية.
(٢) انظر: «المغني» (١٣/٢٢٤) . وسيذكره المصنف بَعْدُ.
(٣) كتب الناسخ في هامش نسخته: «ما بين القوسين غير واضح في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تؤخذ منهم كما تؤخذ إلخ» .
[ ٥٣٩ ]
يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، فيستوي في ذلك العرب وغيرهم.
قال الشافعي (١): إنما الجزية على الأديان، لا على الأنساب، قال: فكل من دان دين أهل الكتاب، أي كتاب كان، ممن دان بذلك آباؤه، أو دان بنفسه، ولم يدن آباؤه، وخالف دين الأوثان، قبل نزول الفرقان، فهو خارج من أهل الأوثان: تقبل منه الجزية، عربيًا كان أو عَجميًّا، وأمَّا من دخل عليه الإسلام، وهو لا يدين بدين أهل الكتاب: لم يقبل منه إلا الإسلام أو السَّيف، عربيًا كان أو عجميًا، ولا يقر
على ما أحدثه من دين أهل الكتاب بعد نزول الفرقان.
وأما مالكٌ وجميع أصحابه (٢)، فكذلك يرونَ أخذ الجزية من نصارى العرب على ما تؤخذ من غيرهم، لا من حيث إنهم أهل كتاب فقط، بل ومن حيث هم كفارٌ -أيضًا-، وذلك أصل مذهبهم في تساوي أصناف الكفر في باب الجزية -كما تقدم- (٣) .
وقول ثالث: إنه يؤخذ منهم بدل الجزية ضِعفُ ما يؤخذ من المسلمين في الصدقات في كل نوعٍ من المال الذي تجب فيه الزكاة؛ ما يلزم المسلم فيه العشر، فعليهم عُشران، وفي نصف العُشْر عليهم عشر، وفي ربع العشر عليهم نصف العشر، وكذلك في كل شيء، حتى في الركاز عليهم خمسان. ومِمَّن ذهب إلى
_________________
(١) في «الأم» (٤/١٨٢، ١٨٤) . وانظر: «أحكام أهل الذمة» (١/١٨٨- وما بعدها) .
(٢) انظر: «المدونة» (١/٢٤١)، «الكافي» (١/٤٧٩-٤٨٠)، «جامع الأمهات» (٢٤٨)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٨٦)، «التفريع» (١/٣٦٣)، «الذخيرة» (٣/٤٥١)، «النوادر والزيادات» (٣/ ٣٥٦)، «المعونة» (١/٤٤٩)، «عيون المجالس» (٢/٧٥١) . وهو قول الأوزاعي -﵀-. انظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/٢٩)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٥٢٥) .
(٣) وخالف من المالكية في ذلك: ابن رشد، وابن الجهم، وقالا: لا تؤخذ الجزية من كفار قريش، وعللوا ذلك: أنه إكرام لهم عن الذلة والصغار، لمكانهم من رسول الله - ﷺ -. انظر: «عقد الجواهر» (١/٤٨٦)، «الذخيرة» (٣/٤٥١)، وقد مضى الكلام عليه.
[ ٥٤٠ ]
هذا: الشافعيُّ، وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل، وغيرهم (١)، وجاء مثل ذلك عن عمر ابن
الخطاب (٢)، ومثل هذا لا يُدرك بالاجتهاد والنَّظر، فإن لم يكن في
ذلك
_________________
(١) انظر في مذهب الحنفية: «الأصل» (٢/١٤٣)، «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠٨)، «الهداية» (٢/ ٤٥٧)، «البناية» (٥/٨٤٥)، «اللباب» (٤/١٥٢)، «إعلاء السنن» (١٢/٥٥٥) . وفي مذهب الشافعية: «الإقناع» للماوردي (١٨١)، «البيان» للعمراني (١٢/٢٥٧)، «المجموع» (٢١/٢٩٧)، «التهذيب» (٧/٥١٦)، «روضة الطالبين» (١٠/٣١٦)، «الحاوي الكبير» (١٨/٣٣٠، ٣٣٥) . وفي مذهب الحنابلة: «المغني» (١٣/٢٢٤-٢٢٥)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٦٠٠-٦٠١)، «الواضح» (٢/٢٨٠)، «المبدع» (٣/٤٠٦-٤٠٧)، «الإنصاف» (٢٢٠٤)، «شرح الزركشي» (١/٥٧٨، ٥٨٠)، «المقنع» لابن البنا (٣/١١٩٤) -ونقل عن الشافعي أنه لا يؤخذ منهم شيء، وهذا خلاف مذهب الشافعي-، «كشاف القناع» (٣/١١٩)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٧٩٤-٧٩٥) . وقال به من الصحابة: عمر بن الخطاب -كما سيأتي-، وقال به من الفقهاء بعد الصحابة: ابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، والزهري. كما في «المغني» (١٣/٢٢٤) . وانظر: «الخراج» ليحيى بن آدم (ص ٦٥ رقم ٢٠٠، ٢٠١) . وهو مذهب أبي عبيد في كتابه «الأموال» (ص ٣٧) . وانظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/٤٤) .
(٢) قال ابن قدامة في «المغني» (١٣/٢٢٤) -ونحوه الزركشي في «شرح مختصر الخرقي» (٦/٥٧٩) -: ولم يخالفه أحد من الصحابة. وأثر عمر: أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/١٩٨) -وكما في «نصب الراية» (٢/٣٦٣) - عن علي بن مسهر، ويحيى بن آدم في كتاب «الخراج» (رقم ٢٠٦) -ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» (٩/٢١٦) -، حدثنا أبو بكر بن عياش، وعبد الرزاق (٩٩٧٤) عن ابن جريج، جميعهم عن أبي إسحاق الشيباني، عن السَّفاح، عن داود بن كردوس، قال: صالَحَ عمر -﵁- بني تغلب على أن يضاعف عليهم الصدقة، ولا يمنعوا أحدًا منهم أن يسلم، ولا يغمسوا أولادهم. وعند ابن أبي شيبة: وأن لا ينصِّروا أولادهم. وأخرجه أبو يوسف في كتاب «الخراج» (ص ١٢٠) قال: حدثني بعض المشايخ، عن السفاح، عن داود بن كردوس، عن عبادة بن النعمان التغلبي، أنه قال لعمر بن الخطاب، فذكر نحوه. وأخرجه البيهقي (٩/٢١٦) من طريق أبي إسحاق الشيباني، عن السفاح، بمثل الإسناد والمتن عند أبي يوسف. وكأنَّ المبهم من مشايخ أبي يوسف هو أبو إسحاق الشيباني. ونقل عن الشافعي قوله: وهكذا حفظ أهل المغازي، وساقوه أحسن من هذا السياق، وأن عمر صالحهم على مضاعفة الجزية باسم =
[ ٥٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الصدقة، لا باسم الجزية. وأخرجه أبو عبيد في «الأموال» (رقم ٧٠) -وعنه ابن زنجويه في «الأموال» (رقم ١١١) -، والبلاذري في «فتوح البلدان» (ص ١٨٦)، عن أبي معاوية، عن أبي إسحاق الشيباني، به. وفيه قول داود بن كردوس: صالحتُ عمر بن الخطاب عن بني تغلب. فالمصالحة وقعت بين عمر وبين داود بن كردوس نيابة عن بني تغلب. وقال أبو عبيد: وقد كان عبد السلام بن حرب المُلائي يزيد في إسناد هذا الحديث -بلغني ذلك عنه-: عن الشيباني، عن السفاح، عن داود بن كردوس، عن عبادة بن النعمان، عن عمر. فوافق طريق أبي يوسف. وهذه الزيادة وقعت للبلاذري في «فتوح البلدان» (ص ١٨٥) من طريق أبي عوانة، عن المغيرة، عن السفاح، به، و(ص ١٨٧) ولأبي عبيد (رقم ٧١)، من طريق هشيم، عن المغيرة، عن السفاح، به. وذكره الزيلعي في: «نصب الراية» (٢/٣٦٣) وعزاه لابن زنجويه، ولم يسق لفظه. وداود بن كردوس: مجهول. انظر: «التاريخ الكبير» (٣/٢٢٩)، «الجرح والتعديل» (٣/٤٢٣)، «ثقات ابن حبان» (٤/٢١٦)، «المحلَّى» (٧/٣١٤)، «ضعفاء ابن الجوزي» (١/٢٦٧)، «المغني في الضعفاء» (١/٢٢٠)، «ديوان الضعفاء والمتروكين» (١٢٨)، «الميزان» (٢/١٩)، «إكمال تهذيب الكمال» (٤/٣٧٩)، «تهذيب التهذيب» (٤/٩٤)، «اللسان» (٣/٤١١) . وقال ابن حزم (٧/٣١٤): «والسفاح، وداود بن كردوس مجهولان» . والسفاح هذا، وقعت تسميته عند البلاذري وأبي عبيد بأنه ابن المثنى، ووقعت تسميته عند ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/١٩٨) -وكما في «نصب الراية» (٢/٣٦٣) - بأنه ابن مطر. ولم أجد من تَرْجَمَهُ سوى ابن حبان؛ فقد ذكره في «الثقات» (٦/٤٣٥)، وقال: روى عنه السفاح بن مَطَر. ونقله عنه: الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (٤/٩٤)، ولم يعلِّق عليه. وقد ورد ذكره في حديث، أخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (٣/٢٥٩) من طريق أبي معاوية، وابن حزم في «المحلَّى» (٧/٣١٣) -من طريق ابن أبي شيبة- عن علي بن مسهر، كلاهما (علي بن مسهر، وأبو معاوية) عن أبي إسحاق الشيباني، عن السفاح، عن داود بن كردوس، أن عبادة بن النعمان بن زرعة، أسلمت امرأته التميمية، وأبَى أن يسلم، ففرَّق عمر بينهما. وفي رواية ابن حزم: أنه السفاح بن مُضر، والصواب: مطر -كما سيأتي-. وفي «المحلّى» (٦/١١١): ابن مطر. وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه عليه: في «الأصلين»: «السفاح بن مطرف»، وهو خطأ، وصححناه من كتب الرجال، ومن «خراج يحيى بن آدم» (رقم ٢٠٦ و٢٠٧ و٢٠٨)، و«التلخيص» (ص ٣٠٨)، [أو (٤/٢٣٣- ط. مؤسسة قرطبة)] . قلت: لم يذكر يحيى بن آدم في رواياته الثلاث اسم أبيه، وإنما قال: السفاح. ولم ينسبه لأحد. =
[ ٥٤٢ ]
توقيف -وهو ما لا يوجد- فالمصير إليه شاق. وقد ذكر بعض أهل العلم (١) أن
_________________
(١) = وقال ابن حزم (٦/١١١) في مسألة أخذ الزكاة من نصارى بني تغلب في ردّه على أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، في قولهم: تؤخذ منهم مضاعفة. قال (٦/١١٢): «واحتجوا بخبر واهٍ مضطرب في غاية الاضطراب » . وذَكَرَ خبر عمر. ثم قال: «هذا كل ما موّهوا به، ولو كان هذا الخبر عن رسول الله - ﷺ -، لما حلَّ الأخذ به؛ لانقطاعه وضعف رواته، فكيف وليس هو عن رسول الله - ﷺ -» . وقال في نفس الخبر (٦/١١٣): «وأخذوا ها هنا بأسقط خبر، وأشده اضطرابًا، لأنه يقول راويه مرَّة: عن السفَّاح بن مطرف، ومرَّةً: عن السفاح بن المثنى، ومرَّة: عن داود بن كردوس أنه صالح عمر عن بني تغلب، ومرَّة عن داود بن كردوس، عن عبادة بن النعمان، أو زرعة بن النعمان، أو النعمان بن زرعة، أنه صالح عمر. ومع شدة هذا الاضطراب المفرط، فإن جميع هؤلاء لا يدري أحد مَنْ هُمْ من خَلْقِ الله -تعالى-» !! قلت: في رواية يحيى بن آدم (٢٠٦ و٢٠٨) عن داود، إخباره بأن عمر صالح بني تغلب، وكذلك نقله ابن حجر في «التلخيص» (٤/٢٣٣) عن ابن أبي شيبة [وهو في «المصنّف» (٣/١٩٨)]، وكذلك شارح أبي داود (٣/١٣٢) . ورواية يحيى (٢٧١) عن داود، عن عبادة بن النعمان: «أنه قال لعمر » -كما سبق في التخريج-، وكذلك نقله الجصاص في «أحكام القرآن» (٣/٩٤) عن يحيى ابن آدم، إلا أنه قال: عمارة بن النعمان، وذكره ابن حزم (٦/١١٢)، وكذلك هي رواية أبي يوسف في «الخراج» وهو: «عبادة بن النعمان» . وانظر: «نصب الراية» (١/٣٩٥، ٣٩٦) . ولكن قال الجصاص في أحكام القرآن (٣/٩٤) بعد ذكر رواية داود بن كردوس: «هذا خبر مستفيض عند أهل الكوفة» . وقد رُوي عن عمر أنه قال: «هؤلاء حمقى، رضوا بالمعنى، وأَبَوا الاسم» . ذكره ابن قدامة في «المغني» (١٣/٢٢٥) . وذكره الحافظ ابن حجر في «التلخيص» (٤/٢٣٣) عن الرافعي، لكنه لم يذكر من رواه. وقد وردت بشأن نصارى بني تغلب الروايةُ والنَّقْلُ الشائع، انظره في كتاب «الخراج» لأبي يوسف (ص ١٢٠- وما بعدها)، و«فتوح البلدان» للبلاذري (ص ١٨٥- وما بعدها)، وبه تطمئن النفس إلى أن لها أصلًا صحيحًا، وانظر تعليق الشيخ أحمد شاكر على «المحلَّى» (٦/١١٢-١١٣) . قوله: ولا يغمسوا أولادهم: أي: لا يصبغوهم. كما وقع في رواية أبي عبيد، وهو ما يعرف عند النصارى بـ: التعميد.
(٢) بل وقع ذلك صراحة في بعض طرق الحديث، وهي طريق هشيم وأبي عوانة، عن مغيرة، عن السَّفَّاح. وقد مضى في الهامش السابق الإشارة إلى هذه الرواية دون ذكر المتن، والله الموفِّق.
[ ٥٤٣ ]
عمر -﵁- إنما صالح نصارى بني تغلب على ذلك لمَّا خُوِّف من أمرهم، وقيل له: لا تُقَوِّ عدوك عليك بهم. وكأنَّ نصارى بني تغلب كرهوا اسم الجزية، ولم يجيبوا إلى ذلك، إلا أن يعطوا نحو عطاء الصدقات، فضاعف ذلك عليهم فقبلوه.
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه أَبَى على نصارى بني تغلب إلا الجزية، وقال: لا والله إلاَّ الجزية، وإلاَّ فقد آذنتكم بحرب (١) .
ولم يختلفوا: أن حكم ما يؤخذ منهم على ذلك بمثابة حكم الجزية، لا حكم الصدقة، ويوضع في مال الفيء.
فصلٌ: في مقدار الجزية، وعلى من تُفرض
اختلف أهل العلم في مقدار ما يقبل في الجزية، والمشهور في ذلك ثلاثة أقوال:
قول: رواه مالك في «موطئه» (٢) عن عمر بن الخطاب، أنه ضَرَبَ
الجزية على
_________________
(١) ذكره ابن قدامة في «المغني» (١٣/٢٢٤) . وانظر: «أحكام أهل الذمة» لابن القيم (١/٢١٠-٢١١-ط. رمادي) .
(٢) «الموطأ» في كتاب الزكاة (باب جزية أهل الكتاب والمجوس) (ص ١٩٢ رقم ٣٠٥- ط. دار إحياء التراث)، عن نافع، عن أسلم مولى عمر بن الخطاب، عن عمر، به. وأخرجه أبو عبيد في كتاب «الأموال» (ص ٤٩ رقم ١٠٠، وص ١٩١ رقم ٣٩٣)، من طريق يحيى بن بكير، والبيهقي في «الكبرى» (٩/١٩٦)، وابن زنجويه في كتاب «الأموال» (رقم ١٥٣، ٥٩٢)، عن ابن أبي أويس، والبلاذري في «فتوح البلدان» (ص ١٣١) عن عمرو بن حماد بن أبي حنيفة، كلهم عن مالك، به. وإسناد حديث مالك: رجاله ثقات. وهو صحيح. وأخرجه عبد الرزاق (٦/٨٧ رقم ١٠٠٩٥)، من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، به. وأخرجه (١٠/٣٢٩ رقم ١٩٢٦٧) من طريق أيوب، عن نافع، به. وفيه زيادة، وستأتي قريبًا في هذا الباب في أثناء التخريج.
[ ٥٤٤ ]
أهل الذَّهب أربعة دنانير، وعلى أهل الوَرِق أربعين درهمًا، مع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام، وبه أخذ مالك، قال: ولا يُزاد على ذلك ولا يُنقص منه، وعلى ذلك جميع أصحابه، في أنه لا يزاد عليه، وسواء عندهم في ذلك الغنيُّ والفقير، إلا أن يكون من الفقر بحيث لا يقدر على شيء، فلا يُكَلَّفُ ما لا يطيق (١) .
وقول ثانٍ: قال الشافعي، وأبو ثور (٢)، وغيرهما (٣): إن مقدار الجزية دينار على كل رأسٍ من الأحرار البالغين، سواء في ذلك الغني والفقير، واحتجَّ الشافعي بحديث معاذ.
خرَّج أبوداود (٤)، عن أبي وائل، عن معاذ، وعن مسروق -أيضًا-، عن
معاذٍ،
_________________
(١) انظر: «التفريع» (١/٣٦٣)، «الكافي» لابن عبد البر (١/٤٧٩)، «جامع الأمهات» (ص ٢٤٨)، «عقد الجواهر» (١/٤٨٨)، «المنتقى» (٣/٢٢١)، «المعونة» (١/٤٥٠)، «الرسالة» (ص ١٦٨)، «الذخيرة» (٣/٤٥٣)، «النوادر والزيادات» (٣/٤٥٩-٤٦٠)، «البيان والتحصيل» (٤/١٧٩-١٨٠)، «الاستذكار» (٩/٢٩٩، ٣٠٢)، «الخرشي» (٣/١٤٥) . وفي رواية أخرى في فقير أهل الذمة: إذا لم يجد، لم يطالب بشيء. وانظر: «عيون المجالس» (٢/٧٥٤)، «جامع الأمهات» (٢٤٨) .
(٢) انظر: «الأم» (٤/١٨٩، ٢١٩)، «مختصر المزني» (ص ٢٧٧)، «المهذب» (٢/٢٥٢)، «الإقناع» للماوردي (ص ١٨٠)، «الحاوي الكبير» (١٨/٣٤٥)، «التهذيب» للبغوي (٧/٤٩٨)، «البيان» (١٢/٢٥٥)، «منهاج الطالبين» (٣/٢٩٢)، «روضة الطالبين» (١٠/٣١١)، «المجموع» (٢١/٢٩٥)، «شرح النووي على صحيح مسلم» (٧/٣١٣)، «التنبيه في الفقه الشافعي» (ص ٢٣٧) . وانظر: «اختلاف الفقهاء» للطبري (٢١١- تحقيق المستشرق يوسف شخت)، «فقه الإمام أبي ثور» (٧٩٦- ٧٩٧) . وهو رواية عن أحمد، كما في «المغني» (١٣/٢٠٩-٢١٠) .
(٣) في الأصل: «وغيرهم»، وقد أشار أبو خبزة إلى ذلك في هامش نسخته.
(٤) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في أخذ الجزية) من طريق أبي وائل (رقم ٣٠٣٨)، ومن طريق مسروق (رقم ٣٠٣٩)؛ كلاهما عن معاذ، به. وأخرجه في كتاب الزكاة (باب في زكاة السائمة) (رقم ١٥٧٦) من طريق أبي وائل، به. وأخرجه يحيى بن آدم (٣٦٤)، والبيهقي (٩/١٨٧) من طريق عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، به. =
[ ٥٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وفيه زيادة في أوله، أنه - ﷺ - أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين: تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين: مُسِنَّة. وأخرجه من طريق أبي وائل عن معاذ: أحمد (٥/٢٣٣)، والنَّسائي (٥/٢٦، ٤٢)، والبيهقي (٩/١٩٣) . وعند أحمد والنسائي زيادة على الزيادة المذكورة، وهي: وأمرني فيما سقت السماء العشر، وما سُقي بالدوالي نصف العشر. وأخرجه عبد الرزاق (٦٨٤١) أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل (شقيق بن سلمة)، عن مسروق، به، بالزيادة المذكورة، ولم يذكر فيه: «ثيابًا تكون باليمن» . ومن طريق عبد الرزاق، أخرجه: الترمذي (٦٢٣)، وأحمد (٥/٢٣٠)، وابن الجارود في «المنتقى» (٣٤٣)، والطبراني في «الكبير» (٢٠ رقم ٢٦٠)، والدارقطني (٢/١٠٢)، والبيهقي (٤/٩٨)، والبغوي (١٥٧١) . وقرن عبد الرزاق، والطبراني، والدارقطني، والبيهقي، بسفيان: معمرًا. ولفظ ابن الجارود دون قوله: «أن آخذ من كل حالم دينارًا، أو عدله من المعافر» . وأخرجه أبو داود (١٥٧٨)، والبزار في «مسنده» (٢٦٥٤)، وابن الجارود (٣٤٣)، وابن خزيمة (٢٢٦٨) من طرق عن سفيان الثوري، به. وأخرجه حميد بن زنجويه في «الأموال» (١٠٥، ١٤٥٤)، والدارمي (١٦٢٣)، وابن ماجه (١٨٠٣)، والنسائي (٥/٢٥-٢٦، ٢٦)، وابن خزيمة (٢٢٦٨)، والشاشي في «مسنده» (١٣٤٧)، وابن حبان (٤٨٨٦)، والطبراني (٢٠ رقم ٢٦١، ٢٦٤)، والحاكم (١/٣٩٨)، والبيهقي (٤/٩٨ و٩/١٩٣) من طرق عن الأعمش، به. وأخرجه يحيى بن آدم في «الخراج» (٢٢٨)، والدارمي (١٦٢٤، ١٦٢٥، ١٦٢٧)، وأحمد (٥/٢٣٣)، وابن ماجه (١٨١٨)، والبزار في «مسنده» (٢٦٤٦)، والشاشي في «مسنده» (١٣٤٩ و١٣٥١)، والطبراني (٢٠ رقم ٢٦٢)، من طرقٍ عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، به. واقتصر يحيى بن آدم في روايته، والدارمي في روايته الأخيرة، وابن ماجه، والبزار، والشاشي في راويته الأولى، على زكاة الثمار في آخره. وأخرجه يحيى بن آدم (٣٦٦ و٣٦٧) عن الشعبي، مرسلًا، مقتصرًا على ذكر زكاة الثمار. وعند النسائي (٥/٢٦)، والبيهقي (٩/١٩٣) في أحد موضعيه: «ثنية» بدل قوله: «مسنة» . وقرن ابن خزيمة، والطبراني (٢٦٤) بشقيق: إبراهيمَ النَّخعي، وتحرف عند الطبراني (شقيق) إلى (سفيان) . وأخرجه النسائي (٥/٢٦)، وابن خزيمة (٢٢٦٨)، والطبراني (٢٠ رقم٢٦٣)، والدارقطني (٢/١٠٢)، والبيهقي (٤/٩٨ و٩/١٩٣) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش سليمان بن مهران، عن إبراهيم النخعي، عن مسروق، عن معاذ. فذكر مكان شقيقٍ أبي وائل: إبراهيم النخعي. =
[ ٥٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وهي الطريق التي عند أبي داود (رقم ٣٠٣٩) من طريق أبي معاوية، به. وأخرجه الطبراني (٢٠ رقم ٢٦٥) من طريق ابن أبي ليلى، عن أبي صالح، عن مسروق، عن معاذ. وأخرجه حميد بن زنجويه في «الأموال» (رقم ١٠٥، ١٤٥٤)، والدارمي (١٦٢٣)، والنسائي (٥/٢٦)، والشاشي (١٣٤٧)، والبيهقي (٤/٩٨ و٩/١٩٣) من طريق يعلى بن عبيد، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن معاذ. وعند النسائي والبيهقي: «ثنية» بدل «مسنة» . ولم يذكروا فيه مسروقًا، وإبراهيم عن معاذ منقطع. وأخرجه مرسلًا: الطيالسي (٥٦٧)، وأبو عبيد في «الأموال» (٦٤، ٩٩٣)، والشاشي (١٣٤٨، ١٣٥٠، ١٣٥٢، ١٣٥٣) من طرق عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق قال: بعث النبي - ﷺ - معاذًا إلى اليمن. وقرن الأعمش -عند أبي عبيد، والشاشي في الموضعين الثاني والرابع- بأبي وائل: إبراهيمَ النخعي، قال: بعث إلخ. واقتصر الطيالسي على قوله: «أن يأخذ من كل حالم دينارًا أو قيمته» . وأخرجه مرسلًا: أبو يوسف القاضي في «الخراج» (ص ٧٧) عن الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق. وأخرجه مرسلًا -كذلك-: ابن أبي شيبة (٣/١٢٦- ١٢٧) عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق. وأخرجه مرسلًا: ابن أبي شيبة (٣/١٢٧) عن وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي وأبي وائل قالا: بعث النبي - ﷺ - معاذًا فذكره. ورَوَى الحديث دون قوله: «ومن كل حالم إلخ» طاوس عن معاذ مرة، ومرة أدخل بينهما ابن عباس -﵄-. وأخرجه مرسلًا: أبوعبيد في «الأموال» (٦٥)، ومن طريقه: ابن زنجويه (١٠٩)، وأخرجه يحيى ابن آدم في «الخراج» (٢٢٩)، ومن طريقه البيهقي (٩/١٩٣- ١٩٤) كلاهما (أبو عبيد ويحيى) عن جرير ابن عبد الحميد، عن منصور، عن الحكم قال: كتب رسول الله - ﷺ - إلى معاذ بن جبل وهو باليمن: أن يأخذ من كل حالم أو حالمة دينارًا، أو قيمته، ولا يفتن يهودي عن يهوديته. هذا لفظ حديث يحيى بن آدم، وفي حديث أبي عبيد زيادة. وأخرجه أبو يوسف القاضي في «الخراج» (ص ١٢٨) عن الأعمش، عن عمارة بن عمير أو مسلم بن صبيح أبي الضحى، عن مسروق، به. مختصرًا بالجزية في آخره. وفي الباب: قوله: «من كل حالم إلخ» عن عروة بن الزبير مرسلًا عند أبي عبيد (٦٦)، وفي إسناده ابن لهيعة، وهو سيء الحفظ. وعن عمرو بن دينار مرسلًا عند أبي يوسف في «الخراج» (ص ١٣١)، وفيه شيخ مبهم. والحديث صحيح، قال عنه الترمذي: «حديث حسن»، وقال ابن عبد البر: «ثابت متصل»، وصححه =
[ ٥٤٧ ]
أن رسول الله - ﷺ - لما وجَّهه إلى اليمن، أمَره أنْ يأخذ من كل حالمٍ -يعني: محتلمٍ- دينارًا، أو عَدله من المعافر -ثيابٌ تكون باليمن-.
قال الشافعي (١): وهو - ﷺ - المبيِّن لنا عن الله -تعالى-، يريد: أن في ذلك بيان ما أريد بالجزية التي ذكر الله -تعالى- أن يعطوا، فيكفَّ عنهم.
قال الشافعي (٢): وإن صولحوا على أكثر من ذلك جاز، إذا طابت نفوسهم، قال: وإن صولحوا على ضيافة ثلاثة أيامٍ جازَ، إذا كانت الضيافة معلومة في الخبز والشعير والتبن (٣) والإدام.
وذَكَر ما على الوسط من ذلك، وما على الموسر، وذكَرَ موضع النزول والكنّ من البَرْدِ والحَرِّ.
وقول ثالث، قال به أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل وغيرهم (٤): إن
_________________
(١) = ابن حبان وابن الجارود والحاكم وشيخنا الألباني. انظر: «صحيح سنن أبي داود» (٥/٢٩٧-٢٩٨- ط. غراس)، «الإرواء» (٧٩٥) . وانظر: «الفتح» (٦/٢٦٠) . وقوله: «حالم» أي: بالغ، أي: يؤخذ منه في الجزية دينار. «عدله»: بالفتح، وجُوِّز الكسرُ: ما يساوي قيمة الشيء. «معافر»: برود تنسج في اليمن.
(٢) «الأم» (٤/١٨٩) .
(٣) المصدر السابق.
(٤) في المنسوخ: «التين»، وفي الهامش: «أو التبن، بالباء الموحدة، يعني: للدواب» .
(٥) انظر في مذهب الحنفية: «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠٧)، «الهداية» (٥/٨١٦- مع شرحه «البناية»)، «القدوري» (١١٦)، «الإصلاح والإيضاح» (ق ١٣٤/ب- مخطوط)، «فتح القدير» (٦/٤٥) . وفي مذهب الحنابلة: «رؤوس المسائل الخلافية» (ص ٥٠٨ المسألة رقم ٣٦٩)، «المقنع» لابن البنا (٣/١١٩١)، «شرح الزركشي» (٦/٥٦٨)، «المغني» (١٣/٢٠٩، ٢١١)، «الروايتين والوجهين» (٢/ ٣٨١)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٥٩٤)، «كشاف القناع» (٣/١٢١)، «الفروع» (٦/٢٦٣- ٢٦٤)، «الواضح» (٢/٢٧٩)، «مسائل الإمام أحمد» رواية ابنه صالح (١/٢١٦- ٢١٧ و٣/٢١٩-٢٢٠)، «أحكام أهل الملل» للخلاّل (رقم ٢٤٣، ٢٤٤، ٢٤٨- ٢٥٣)، ولأحمد في المسألة أكثر من رواية. وانظر: «أحكام أهل الذمة» لابن القيم (١/١٢٤- ١٢٨) .
[ ٥٤٨ ]
الجزية اثنا عشر درهمًا، وأربعة وعشرون درهمًا، وثمانية وأربعون
درهمًا، يريدون: بحسب الأحوال (١) . فالفقير تفرض عليه اثنا عشر درهمًا، والوسط يضاعف ذلك عليه، والغني يضاعف عليه ما ضوعف على الوسط (٢)،
وقد روي
_________________
(١) ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١٩/٢٥٣-٢٥٤): «والصحيح أنها ليست مقدرة بالشرع، وأَمْرُ النبي - ﷺ - لمعاذ: «أن يأخذ من كل حالِمٍ دينارًا، أو عدله معافريًا» قضية في عين، لم يجعل ذلك شرعًا عامًّا لكل من تؤخذ منه الجزية إلى يوم القيامة، بدليل أنه صالح لأهل البحرين على حالم [كذا في المطبوع]، ولم يقدره هذا التقدير، وكان ذلك جزية، وكذلك صالح أهل نجران على أموالٍ غير ذلك، ولا مقدرة بذلك، فعلم أن المرجع فيها إلى ما يراه ولي الأمر مصلحة، وما يرضى به المعاهدون، فيصير ذلك عليهم حقًّا يجزونه، أي: يقصدونه ويؤدونه» .
(٢) ذكر البخاري في «صحيحه» (٦/٢٥٧- «الفتح») معلقًا عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، قال: قلت لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: فعل ذلك من قبل اليسار. ووصله عبد الرزاق في «المصنف» (١٠٠٩٤، ١٠٠٩٨)، وذكره أبو عبيد في «الأموال» (ص ٥١ رقم ١٠٧) بلاغًا عن سفيان بن عيينة. وأما حديث معاذ المذكور آنفًا لما بعثه النبي - ﷺ - إلى أهل اليمن، وأمره أن يأخذ من كل حالمٍ دينارًا، فقد قال ابن القيم في «أحكام أهل الذمة» (١/١٣٤- ١٣٥) -وذكر نحوه قبله ابن قدامة في «المغني» (١٣/٢١٢) -: قلت: ولا يخلو حديث معاذ من أحد وجوه ثلاثة: الأول: أن يكون أَمَرَهُ بذلك؛ لأن الغالب على أهل ذمة اليمن إذ ذاك الفقر، وقد أشار مجاهد إلى ذلك في قوله: إنما جعل على أهل الشام ثمانية وأربعون درهمًا من أجل اليسار. الوجه الثاني: أنهم كانوا قد أقروا بالجزية، ولم يتميز الغني منهم من الفقير، والصحابة إذ ذاك لم يسكنوا اليمن، بل كانوا مع النبي - ﷺ -، إذ هو حَيٌّ بين أظهرهم، فلما لم يتفرَّغوا لتمييز غنيهم من فقيرهم، جعل رسول الله - ﷺ - الجزية كلها طبقة واحدة، فلما مات رسول الله - ﷺ -، وتفرق الصحابة في البلاد وسكنوا الشام، تفرغوا لتمييز طبقات أهل الذمة، ومعرفة غنيهم وفقيرهم ومتوسطهم، فجعلوهم ثلاث طبقات، وأخذوا من كل طبقة ما لا يشق عليهم إعطاؤه. الوجه الثالث: أن النبي - ﷺ - لم يقدرها تقديرًا عامًّا لا يقبل التغيير، بل ذلك موكول إلى المصلحة واجتهاد الإمام، فكانت المصلحة في زمانه أخذَها من أهل اليمن على السواء، وكانت المصلحة في زمن الخلفاء الراشدين أخذها من أهل الشام ومصر والعراق على قدر يسارهم وأموالهم، وهكذا فعل رسول الله - ﷺ -، فإنه أخذها من أهل نجران حُلَلًا في قِسْطين: قِسطٌ في صَفَر، وقِسطٌ في رجب. =
[ ٥٤٩ ]
مثل ذلك عن عمر بن الخطاب: أنه فعله بأهل السواد (١) . قال سفيان
_________________
(١) = قلت: وفي حديث ابن عباس -﵄- قال: صالح رسول الله - ﷺ - أهل نجران على ألفي حلّة، النصف في صَفَر، والنصف في رجب، يؤدونها إلى المسلمين، وعلى ثلاثين درعًا، وثلاثين فرسًا، وثلاثين بعيرًا، وثلاثين من كل صنفٍ من أصناف السِّلاح يقرون بها، والمسلمون ضامنون لها حتَّى يردوها عليهم، إن كان باليمن كَيْدٌ أو غدرة، على ألا يُهدَم لهم بيعة، ولا يُخْرَجَ لهم قس، ولا يفتنون عن دينهم، ما لم يحدثوا حدثًا أو يأكلوا الرِّبا. والحديث أخرجه أبو داود في «سننه» (رقم ٣٠٤١)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/١٩٥) من طريق مصرف بن عمرو اليمامي، ثنا يونس بن بكير، ثنا أسباط بن نصر الهمداني، عن إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي، عن ابن عباس، به. وهذا إسناد ضعيف، فإسماعيل بن عبد الرحمن: صدوق يهم، كما في «التقريب» . وقال المنذري -كما في «عون المعبود» (٨/٢٩٢) -: «وفي سماع السدي -وهو إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي- عن عبد الله بن عباس نَظَرٌ، وإنما قيل: إنه رآه، ورأى ابن عمر، وسمع من أنس بن مالك -﵃-» . وانظر: «ضعيف سنن أبي داود» (رقم ٣٠٤١) لشيخنا الألباني -﵀-. وقال أبو عبيد في «الأموال» (ص ٥١): «وهذا عندنا مذهب الجزية والخراج، إنما هما على قدر الطاقة من أهل الذمة، بلا حَمْلٍ عليهم، ولا إضرارٍ بفيء المسلمين، ليس فيه حَدٌّ مؤقت» . وانظر: «الخراج» ليحيى بن آدم (رقم ٢٩) .
(٢) روى أبو عبيد في «الأموال» (ص ٥٠ رقم ١٠٣) من طريق أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن عمر: أنه بعث عثمان بن حنيف بوضع الجزية على أهل السواد ثمانية وأربعين، وأربعة وعشرين، واثني عشر. قلت: يعني على الغني ثمانية وأربعين، وعلى المتوسط أربعة وعشرين، والفقير اثني عشر. كما قال به أبو حنيفة وأحمد. وقال الحافظ في «الفتح» (٦/٢٦٠) بعد ذكره رواية أبي عبيد: وهذا على حساب الدينار باثني عشر. وأخرجه ابن زنجويه في «كتاب الأموال» (١ رقم ١٥٨ و٢٣٠)، ويحيى بن آدم في «كتاب الخراج» (ص ٤٢ رقم ١٠٣) -ومن طريقه البلاذري في «فتوح البلدان» (ص ٢٦٦) -، والبيهقي في «الكبرى» (٩/١٣٤)، من طريق أبي إسحاق -وهو السبيعي-، به. وزادوا جميعًا -سوى أبي عبيد- في أوله، عن حارثة، أنّ عمر أراد أن يقسم أهل السواد بين المسلمين، فأمر بهم أن يحصوا، فوجد الرجل يصيبه ثلاثة من الفلاحين، فشاور فيهم. فقال له علي: دعهم يكونون مادة للمسلمين الخ. =
[ ٥٥٠ ]
الثوري (١): «ذُكرت عن عمر ضرائب مختلفة على أهل الذمة الذين أُخذوا عنوة» . قال الثوري: «وذلك إلى الوالي، يزيد عليهم بقدر يُسرهم، ويضع عنهم بقدر حاجتهم، فأمَّا من لم يؤخذ عنوة، حتى صولحوا صلحًا،
فلا يزاد عليهم شيءٌ على ما صولحوا عليه، فالجزية عليهم على ما صولحوا عليه، من قليلٍ أو كثير، في أرضهم وأعناقهم» (٢) يعني -إن شاء الله-: إذا كان أقل ما بذله أهل الصلح، مما يبلغ القدر الذي يقبل مثله في الجزية، وهذا هو فائدة الخلاف في حدِّ أقل الجزية الذي إذا بذلوه قُبِلَ، ووجَبَ الكفُّ عنهم، كما أن فائدة الخلاف في حَدِّ الأكثر مراعاة ترك الإجحاف.
وجملة الأمر: أنَّ أهل الذمة في ضرب الجزية عليهم صنفان: أهل صلح وأهل عنوة.
فأهل الصلح: هم الذين يبذلون الجزية قبل القدرة عليهم؛ ليحقنوا بذلك دماءهم، ويحرزوا أموالهم، فهؤلاء يُقرُّون على ما صولحوا عليه من قليلٍ أو كثيرٍ، ولا يزاد عليهم شيءٌ، إذا كان ما بذلوه يبلغ مبلغ القدر الذي يقبل في الجزية، فإن كان أقلَّ مما يقبل في ذلك -على الخلاف المتقدم في حدِّه- لم يجز قبوله منهم، وإذا بذلوا الحدَّ الذي يُقبلُ فصاعدًا، وجب القبولُ والكَفُّ عنهم، وأُقِروا على أرضهم وأموالهم، يتوارثونها في الموت، ويحرزونها بالإسلام، لا حَقَّ للمسلمين
_________________
(١) = وأبو إسحاق: مدلس، وقد عنعنه. فالإسناد ضعيف. وأخرجه أبو يوسف في «كتاب الخراج» (ص ٣٦)، عن محمد بن إسحاق، عن حارثة، به. وذِكْرُ محمد بن إسحاق، لعلّه خطأ مطبعي- والصواب: أبو إسحاق. وأخرجه عبد الرزاق (٦/١٠٠ رقم ١٠١٢٨) عن معمر، عن قتادة، عن أبي مجلز، عن عمر، نحوه بأطول من هذا.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٦/٩٠ رقم ١٠١٠٠) عن الثوري، به. وأخرج الشق الثاني منه في (١٠/٣٣٠ رقم ١٩٢٧٠) . وذكره عنه الأشجعي والفريابي. انظر: «الاستذكار» (٩/٣٠٣ رقم ١٣٤١١) .
(٣) انظر: «نقد مراتب الإجماع» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢١٤) .
[ ٥٥١ ]
معهم في شيءٍ من ذلك إلا الجِزية المضروبة، ومن شرط ذلك أن يكونوا بحيث تجري عليهم أحكام المسلمين وسلطانهم، وتُؤخذ منهم الجزية وهم صاغرون.
وأمَّا أهل العنوة -وهم الذين غلبهم المسلمون، واستولوا على رقابهم وبلادهم- فهؤلاء حكمهم حكم الأسرى، وحكم أراضيهم حكم غنائم المسلمين، فإذا أقرهم الإمام على الجزية وجب لهم حكمها، وكان الخلاف المتقدم في حَدِّ أقلِّ ما يضرب عليهم وأكثرهِ، وتفريق من فرَّق بين الغنيِّ والفقير، ومراعاة ما يحملون دون إجحاف.
واختلف أصحاب مذهب مالك: هل يكونون بذلك أحرارًا؛ لأن استحياءهم لضرب الجزية من باب المنِّ عليهم، أو هُم على أحكام العبيد للمسلمين؟ (١) .
وأما أرضهم: فلا حقَّ لهم فيها باتفاق، وهي مِلْكٌ للمسلمين: إمَّا للجيش الذين غلبوا عليهم، تقسم فيهم كسائر المغانم، وإمّا فيءٌ موقوفةٌ لمصالح المسلمين، على حسب ما مضى
من القول، وذكر الخلاف في ذلك، فإن أقرّها الإمام في أيديهم على الخراج -على مذهب من رآها فيئًا-، كان لها حكم ذلك. فهذا فرق ما بين الصلح والعنوة.
وقد مضى ذكر الخلاف فيما يؤخذ من نصارى العرب.
والأرجح أنهم في الجزية وسائر الأحكام من أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم سواء مع أهل الكتاب، والله أعلم.
واتفق الجمهور على أنَّ الجزية لا تفرض على النساء والصبيان، ولا على العبيد، إلاّ على الرجال الأحرار البالغين، روي ذلك عن مالكٍ، وأبي حنيفة، والشافعي، وأبي ثور، وغيرهم (٢) .
_________________
(١) انظر: «المعونة» (١/٦٢١)، «الكافي» (١/٤٨٢)، «الذخيرة» (٣/٤١٦) .
(٢) انظر في مذهب الحنفية: «مختصر الطحاوي» (٢٩٣- ٢٩٤)، «اللباب» (٤/١٤٥)، «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠٧)، «بدائع الصنائع» (٧/١١١)، «إعلاء السنن» (١٢/٤٦٢)، «الهداية» (٢/٤٥٣- =
[ ٥٥٢ ]
قال أبو بكر بن المنذر (١): لا أحفظ عن غيرهم خلاف قولهم.
وقال أبو محمد بن حزم (٢): الرجال والنساء، والأحرار والعبيد، في كلِّ ذلك سواء. واستدلَّ على ما ذهب إليه من ذلك بعموم قول الله -تعالى-: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وفي الاستدلال بذلك على إدخال النساء في هذا العموم نَظَر؛ لأنَّ الصيغة موضوعةٌ للمذكَّر، وإنما يدخل النساء في صيغ الجمع المذكر
_________________
(١) = ٤٥٤)، «البناية» (٥/٨٢٥)، «الاختيار» (٤/٢١٧) . وفي مذهب المالكية: «جامع الأمهات» (٢٤٨)، «الكافي» (١/٤٧٩)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/ ٤٨٦)، «التفريع» (١/٣٦٣)، «الذخيرة» (٣/٤٥١)، «النوادر والزيادات» (٣/٣٥٨-٣٥٩)، «المقدمات الممهدات» (١/٣٧١)، «بداية المجتهد» (٢/٤٩٥) . وفي مذهب الشافعية: «مختصر المزني» (٢٧٧)، «الحاوي الكبير» (١٨/٣٥٥)، «الإقناع» للماوردي (١٨٠)، «روضة الطالبين» (١٠/٣٠٠-٣٠٢)، «التهذيب» (٧/٥٠١، ٥٠٣)، «البيان» (١٢/ ٢٦٤- ٢٦٦)، «منهاج الطالبين» (٣/٢٨٨)، «المجموع» (٢١/٣١٢)، «مغني المحتاج» (٤/٢٤٥) . وهو مذهب الحنابلة -أيضًا-، انظر: «المغني» (١٣/٢١٦، ٢٢٠)، «شرح الزركشي» (٦/ ٥٧٢- ٥٧٤)، «شرح مختصر الخرقي» لأبي يعلى (٢/٥٩٥)، «الواضح» (٢/٢٧٩، ٢٨٠)، «كشاف القناع» (٣/١٢٠) . ونقل مذهب أبي ثور: الطبري في «اختلاف الفقهاء» (٢٠٨- تحقيق يوسف شخت)، وابن قدامة في «المغني» (١٣/٢١٦)، وانظر: «فقه الإمام أبي ثور» (ص ٧٩٥) .
(٢) نقله عنه ابن قدامة في «المغني» (١٣/٢١٦) . وقال ابن المنذر في «الإجماع» (ص ٥٨): وأجمعوا على أن لا تؤخذ من صبيٍّ ولا من امرأةٍ جزية، وأجمعوا أن لا جزية على العبيد. وانظر: «اختلاف الأئمة» (١٥٦)، «تفسير القرطبي» (٨/١١٢)، «الإفصاح» (٢/٢٩٤)، «أحكام أهل الذمة» (١/١٤٩) . وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٩/٣١٢): «وهذا إجماع من علماء المسلمين، لا خلاف بينهم فيه، أن الجزية إنما تضرب على البالغين من الرجال، دون النساء والصبيان» . قلت: وستأتي مخالفة ابن حزم لهذا الإجماع، والرد عليه.
(٣) في «المحلّى» (٧/٣٤٧) .
[ ٥٥٣ ]
بحكم التبعية وتغليب التذكير، فهو يفتقر إلى ما يدلُّ عليه، بل لو سُلِّم أن الصيغة بأصل الوضع عامة في المذكَّر والمؤنث، لكان خروج نساء الكفار من القتل والقتال معلومًا من الشرع، فعموم الآية هنا لا يتناول النساء على كل حال (١) . وأما العبيد: فالعموم صالح فيهم (٢) .
واختلفوا في العبد من أهل الكتاب يُعتقُ؛ فقال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي (٣): تؤخذ منه الجزية. قال الشافعي: وسواء أعتقه مسلمٌ أو
كافرٌ، وقال
_________________
(١) أخرج أبو عبيد في «الأموال» (رقم ٩٣)، وعبد الرزاق (١٠٠٩٦، ١٩٢٦٧) من طريق أيوب -وهو السختياني-، وابن أبي شيبة (٧/٥٨٢) في «مصنفيهما»، والبيهقي في «الكبرى» (٩/ ١٩٥- ١٩٦) من طريق عبيد الله بن عمر، كلاهما عن نافع، عن أسلم مولى عمر، أن عمر -﵁- كتب إلى أمراء الأجناد: أن يقاتلوا في سبيل الله، ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم، ولا يقتلوا النساء، ولا الصبيان، ولا يقتلوا إلا من جَرَتْ عليه المواسي ، وزاد أبو عبيد في روايته: وكتب إلى أمراء الأجناد: أن يضربوا الجزية، ولا يضربوها على النساء والصبيان، ولا يضربوها إلا على من جَرَتْ عليه المواسي. قال أبو عبيد: يعني: من أَنْبَتَ. وهذا أثر صحيح. وقد بوَّب عليه أبو عبيد (ص ٤٥) -وذكر عدة أحاديث- بابًا خاصًا سماه (من تجب عليه الجزية، ومن تسقط عنه من الرجال والنساء) . قال أبو عبيد (ص ٤٦)، -وذكره عنه ابن القيم ﵀ في «أحكام أهل الذمة» (١/١٥١) -: «وهذا الحديث هو الأصل فيمن تجب عليه الجزية، ومن لا تجب عليه، ألا تراه إنما جعلها على الذكور المذكورين دون الإناث والأطفال، وأسقطها عمن لا يستحق القتل، وهم الذرية؟» . وفي قوله - ﷺ - لمعاذ عندما أرسله إلى اليمن: «خذ من كلِّ حالم دينارًا» -وهو صحيح، وسبق تخريجه-. دلالة على أن الجزية لا تجب على غير بالغ.
(٢) انظر في الرد على ابن حزم: «إعلاء السنن» (١٢/٤٦٤) .
(٣) انظر: «البيان» للعمراني (١٢/٢٦٨-٢٦٩)، «روضة الطالبين» (١٠/٣٠١)، «الحاوي الكبير» (١٨/٣٥٧)، «المجموع» (٢١/٣٢٠)، «التهذيب» للبغوي (٧/٥٠٣)، «مختصر الطحاوي» (٢٩٤)، «اللباب» (٤/١٤٥) . وهو مذهب عمر بن عبد العزيز، أخرجه عبد الرزاق (٦/٢٣ رقم ٩٨٨٤) عن سفيان الثوري، عنه: أنه أخذ الجزية من عتقاء المسلمين، من اليهود والنصارى. وبه قال سفيان الثوري، والليث بن سعد. وهو مذهب الإمام أحمد في الصحيح عنه، رواه عنه جماعة. =
[ ٥٥٤ ]
الشعبي (١): لا جزية عليه، ذمته ذمة مواليه.
وأما مالك، فاختلفت الروايات عنه في ذلك؛ ففي رواية: لا جزية عليه. وفي رواية: عليه الجزية. وفي رواية: التفريق بين أن يعتقه مسلم أو كافر (٢) .
واختلفوا في فرض الجزية على الفقير المحتاج الذي لايقدرعلى شيء؛ فمذهب مالك (٣) وجماعة من العلماء أنها توضع عنه، أو يخفف عليه إن كان ممن يقدر على بعض الشيء، ولا يكلف ما لا يطيق، وبه (٤) قال أصحاب الرأي (٥) . وقال الشافعي: تكون دَيْنًا عليه، ولا تسقط عنه (٦) .
_________________
(١) = ورواية أخرى عن أحمد: أنه يقرُّ بغير جزية، ووهَّى الخلال في كتابه «أحكام أهل المِلل» (ص ١٠٣) هذه الرواية، وقال: «هذا قول قديم، ثم رجع عنه أحمد. والعمل على ما رواه الجماعة» . وانظر: «المغني» (١٣/٢٢٣)، «شرح الزركشي» (٦/٥٧٧)، «الإنصاف» (٤/٢٢٤)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٦٠٠)، «الواضح» (٢/٢٨٠)، «المبدع» (٣/٤٠٩)، «الروايتين والوجهين» (٢/٣٨٣) .
(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (٦/٢٣ رقم ٩٨٨٥)، قال: أخبرنا الثوري، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن الشعبي، به. وانظر: «أحكام أهل الملل» للخلال (ص ١٠٣ رقم ٢٨٢) .
(٣) انظر: «جامع الأمهات» (٢٤٨)، «الذخيرة» (٣/٤٥٢)، «النوادر والزيادات» (٣/٣٥٩)، «المقدمات الممهدات» (١/٣٧١) .
(٤) انظر: «التفريع» (١/٣٦٣)، «الكافي» (١/٤٧٩)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٨٨)، «الذخيرة» (٣/٤٥٢)، «المنتقى» (٣/٢٢١)، «عيون المجالس» (٢/٧٥٦)، «النوادر والزيادات» (٣/٣٥٩) .
(٥) في منسوخ أبي خبزة: «ولا يكلف ما لا يطيق، بدونه قال أصحاب الرأي » !!
(٦) انظر: «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠٨)، «الهداية» (٢/٤٥٣)، «البناية» (٥/٨٢٦)، «فتح القدير» (٥/٢٩٤)، «اللباب» (٤/١٤٥)، «إعلاء السنن» (١٢/٤٦٢- ٤٦٣) . وهو مذهب الحنابلة. انظر: «المقنع» لابن البنا (٣/١١٩٢)، «شرح الزركشي» (٦/٥٧٣)، «المغني» (١٣/٢١٩)، «الإنصاف» (٤/٢٢٤)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٧٨٨)، «أحكام أهل الملل» للخلال (ص ٩٠)، «أحكام أهل الذمة» (١/١٥٩، ١٦٠) .
(٧) «الأم» (٤/٢٩٧- «سير الواقدي»)، «منهاج الطالبين» (٣/٢٨٩)، «التهذيب» (٧/٤٩٩)، =
[ ٥٥٥ ]
وكذلك اختلفوا في الشيخ الفاني: هل تؤخذ منه الجزية أو لا (١)؟
وفي
_________________
(١) = «المجموع» (٢١/٣٢٠)، «البيان» (١٢/٢٦٩)، «الحاوي الكبير» (١٨/٣٤٧- ٣٤٨)، «مغني المحتاج» (٤/٢٤٦)، «روضة الطالبين» (١٠/٣٠٧-٣٠٨)، «حلية العلماء» (٧/٦٩٨)، «التنبيه في الفقه الشافعي» (ص ٢٣٨) . مع أن الماوردي في «الحاوي» جعل الفقير الذي لا يملك ضربان: مُعْتَمِلًا، وغير مُعْتَمِل: لا يقدر على الاكتساب إلا بالمسألة، فذكر قولين في وجوب الجزية عليه: أحدهما: أنها واجبة عليه، وهو المنصوص عليه عند الشافعية. والثاني: لا جزية عليه، ويكون في عقد الذمة تبعًا لأهل المسكنة، كالنساء والعبيد. وقال: نصَّ عليه في «سير الواقدي» . قلت: والذي في «سير الواقدي» من كتاب «الأم» (٤/٢٩٧) ما نصُّه: « فإن أعوز أحدهم بجزيته، فهي دَيْنٌ عليه، يؤخذ منه متى قدر عليها» . والمشهور المنصوص عليه عند الشافعية ما ذكره المصنف -﵀-. واختار ابن المنذر في «الإقناع» (٢/٤٧٢) أن لا جزية على الفقير الذي لا يجد ما يؤدي منه الجزية. وهو القول الثاني الذي ذكره الماوردي. وقد ذهب إلى وجوب الجزية على الفقير: الإمام أبو ثور. نقل ذلك عنه الإمام الطبري في «اختلاف الفقهاء» (٢٠٨- نشره المستشرق: يوسف شخت) .
(٢) فمذهب الجمهور أنها لا تؤخذ منه؛ لأنه ليس من أهل القتال، فلم يكن عليه جزية. انظر في مذهب الحنفية: «الهداية» (٢/٤٥٣)، «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠٧)، «اللباب» (٤/١٤٥)، «البناية» (٥/ ٨٢٥)، «بدائع الصنائع» (٧/١١١)، «إعلاء السنن» (١٢/٤٦٢، ٤٦٨) -وقال: ومقتضى القياس أن تُضْرَبَ على الشيخ والزَّمِنِ والمقعد إذا كان لهم يسار-. وفي مذهب الحنابلة: «المغني» (١٣/٢١٩)، «شرح الزركشي» (٦/٥٧٥)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٥٩٥)، «الواضح» (٢/٢٧٩، ٢٨٠)، «المقنع» (٣/١١٩٢)، «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٦١)، «أحكام أهل الملل» (ص ٨٩) . وفي مذهب المالكية: «المدونة» (١/٣٧٠)، «الكافي» لابن عبد البر (١/٤٧٩)، «المعونة» (١/٦٢٤)، «الرسالة» (ص ١٨٩) . خلافًا للشافعي -في أحد قوليه-: أن عليه الجزية، بناءً علىجواز قتله هو، والزَّمِنِ، والأعمى، ومن في معناهم، فوجبت الجزية بدلًا عن القتل. انظر: «الأم» (٤/١٨٦)، «مختصر المزني» (ص ٢٧٢)، «الإقناع» للماوردي (ص ١٧٦)، «الإقناع» لابن المنذر (٢/٤٧٢) .
[ ٥٥٦ ]
المجنون إذا كان يفيق مَرَّةً ويُجَنُّ أخرى (١) .
وأمَّا المجنون المُطْبِق الذي لا يفيق، فلا ينبغي أن يكون فيه خلافٌ: أنَّ ذلك لا يلزمه؛ لأنه غير مكلَّف، ولا يَتَّصف بدِينٍ يُتَمسَّكُ به في الكفر ولا غيره (٢) .
وقد مضى التنبيه على مثل هذا في (الباب الخامس) عند ذكر استباحة أصناف الكُفَّار تنكيلًا وقتلًا.
فصلٌ: في حُكم من أسلمَ من أهل الجزية أو ماتَ
خرَّج الترمذي (٣)، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تصلح
قبلتان
_________________
(١) فمذهب الشافعية في المجنون: إنْ تَقَطَّع جنونه قليلًا، كساعة من شهر لزمته، -نظرًا لغالب حاله-، أو كثيرًا كيوم ويومين، فالأصحُّ: تُلفَّق الإفاقة، فإذا بلغت سنة وجَبَتْ. انظر: «الأم» (٤/١٨٥)، «منهاج الطالبين» (٣/٢٨٩)، «التهذيب» للبغوي (٧/٥٠٢)، «الحاوي الكبير» (١٨/٣٥٦)، «الإقناع» للماوردي (١٨٠) . وجزم ابن المنذر في «الإقناع» (٢/٤٧٢) أنه لا جزية على مغلوب على عقله. وقال أبوحنيفة: يُرَاعَى فيه أغلب حالتيه، فإن كان جنونه أكثر، فلا جزية، وإن كان أقل، فعليه الجزية. انظر: «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠٧)، «اللباب» (٤/١٤٥)، «إعلاء السنن» (١٢/٤٦٣) . وله عند الحنابلة ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون جنونه غير مضبوط، الثاني: مضبوط. الثالث: أن يجن نصف الحول، ويفيق نصفه، على تفصيل عندهم في الحالات الثلاث. انظر: «المغني» (١٣/٢١٨) . وعند المالكية: لا تؤخذ منه، سواء كان مطبقًا أو مغلوبًا على عقله غير مطبق. انظر: «الذخيرة» (٣/٤٥)، «عقد الجواهر» (١/٤٨٦)، «جامع الأمهات» (٢٤٨)، «الكافي» (١/٤٧٩) .
(٢) حكى صاحب «البيان» (١٢/٢٦٥) من الشافعية عن الخراسانيين: أنها تؤخذ الجزية من المجنون المُطبق. قال: «وليس بشيء» . ونقله عنه النووي في «الروضة» (١٠/٢٩٩) .
(٣) في «جامعه» في أبواب الزكاة (باب ما جاء: ليس على المسلمين جزية) (رقم ٦٣٣) عن يحيى بن أكثم، و(رقم ٦٣٤) عن أبي كريب؛ كلاهما عن جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس، به. وأخرجه أبو داود (٣٠٣٢ و٣٠٥٣)، وابن أبي شيبة (٣/١٩٧)، وأحمد (١/٢٢٣، ٢٨٥)، وابن الجارود (١١٠٧)، والطحاوي في «المشكل» (٤/١٦)، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/٢٣٢)، وابن =
[ ٥٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عدي في «الكامل» (٥/١٨٤٥ و٦/٢٠٧٢)، والدارقطني (٤/١٥٦، ١٥٧)، و«البيهقي» (٩/١٩٩) من طرقٍ عن قابوس، به. وقابوس هذا: ضعيف، وبه أعلَّه ابن القطان، فقال: وقابوس عندهم ضعيف، وربما ترك بعضهم حديثه. وقال الحافظ في «التقريب» (٢/١١٥): فيه لين. وقال الذهبي في «الكاشف» (٤٤٩٨): «قال أبو حاتم وغيره: لا يحتج به» . انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (٩٤٣)، «ضعيف الترمذي» (٩٣)، «ضعيف سنن أبي داود» (١٠/ ٤٤٠-٤٤١) . وأبو ظبيان، اسمه: حصين بن جندب، وهو ثقة. كما في «التقريب» (١٣٦٦) . قلت: تابع قابوسًا في الرواية عن أبيه: الأعمش في رواية النصف الثاني من الحديث، وهو ذكر الجزية. فقد أخرج الطبراني في «الأوسط» (رقم ٦٦٨٢): حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، ثنا محمد بن عمرو الغَزِّي، حدثنا يحيى بن عيسى الرملي، عن الأعمش، به. وقال: لم يَرو هذا الحديث عن الأعمش إلا يحيى بن عيسى، تفرد به: محمد بن عمروٍ الغزي. قلت: الأعمش -مع جلالة قدره- مدلس، وقد عنعن. ويحيى بن عيسى الرملي: صدوق يخطئ، ورمي بالتشيع. كما في «التقريب» (٧٦١٩) . ومحمد بن عمرو الغَزِّي: صدوق. كما في «التقريب» -أيضًا-. وشيخ الطبراني في هذا الإسناد هو: محمد بن الحسن بن قتيبة بن زيادة بن الطفيل، أبو العباس اللخمي العسقلاني. مترجم في: «تذكرة الحفاظ» (٢/٧٦٤)، «تاريخ دمشق» (٥٢/٣١٧)، «سير أعلام النبلاء» (١٤/٢٩٢)، «العبر» (٢/١٤٧)، «شذرات الذهب» (٢/٢٦٠) . نَعَتَه ابن عساكر بشيخ عسقلان. وقال الذهبي: ثقة. فهذا الإسناد فيه ضعف من أجل تدليس الأعمش، فأخشى أنه أسقط من روايته قابوسًا؛ لضعفه، لا سيما وقد نقل الخلال في «أحكام أهل الملل» (ص ٩٧) عن الإمام أحمد، قال: ليس يرويه غير قابوس، ولا يرويه أحد عن قابوس غير جرير. ا. هـ. قلت: يعني الرواية الموصولة، وهناك رواية أخرى مرسلة، وسيأتي تخريجها. مع التنويه أنني لم أقف على من ذكر أن شيخ الطبراني روى عن محمد بن عمرو الغَزِّي. ولقوله: «ليس على مسلم جزية» شاهد من حديث ابن عمر؛ أخرجه الطبراني في «الأوسط» (رقم ٧٧٧٢)، من طريق محارب بن دثار، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: «من أسلم فلا جزية عليه» . وفيه مجاهيل. لذا قال الهيثمي في «المجمع» (٦/١٣): «وفيه من لم أعرفهم» . فلا يصلح هذا شاهدًا. وانظر: «نصب الراية» (٣/٤٥٣) . =
[ ٥٥٨ ]
في أرضٍ واحدةٍ، وليس على مسلم جزيةٌ» .
وأجمع أهل العلم أنه لا جزية على مسلم، وأنَّ من أسلم من أهل الذِّمة فلا جزية عليه لما يستقبل (١)، واختلفوا فيه إذا أسلم في بعض الحول أو بعد تمامه، وكذلك إن مات.
فقيل: إنه إذا أسلم أو مات، فقد سقط عنه كلُّ ما كان لزمه من الجزية لما مَضَى في حولٍ أو أحوال، وهو قول مالكٍ وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأبي عُبيد (٢) .
_________________
(١) = وقال الترمذي: حديث ابن عباس، قد روي عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - مرسلًا. قلت: الرواية المرسلة أخرجها: أبو عبيد (١٢١)، وابن زنجويه (١٨٢)؛ كلاهما في كتابه «الأموال»، والدارقطني (٤/١٥٧) من طريق سفيان الثوري، عن قابوس، به. مرسلًا. دون ذكر ابن عباس في حديثه. وأفاد أبو حاتم أن الاختلاف في وصله وإرساله من قابوس نفسه. وانظر: «إرواء الغليل» (١٢٥٧) . وقال الترمذي: «والعمل على هذا عند عامة أهل العلم: أن النصرانيَّ إذا أسلم، وُضِعت عنه جزية رقبته» .
(٢) انظر: «الإجماع» (ص ٥٩)، «الإقناع» (٢/٤٧٢)؛ كلاهما لابن المنذر، «مراتب الإجماع» لابن حزم (ص ١٤١)، «تفسير القرطبي» (٨/١١٤) .
(٣) انظر في مذهب الحنفية: «مختصر الطحاوي» (٢٩٤)، «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠٨)، «القدوري» (ص ١١٧)، «الهداية» (٢/٤٥٤)، «البناية» (٥/٨٢٨)، «اللباب» (٤/١٤٦)، «رؤوس المسائل» (٥٠٧)، «إعلاء السنن» (١٢/٤٦٨) . وفي مذهب الحنابلة: «المغني» (١٣/٢٢١)، «المقنع» (٣/١١٩٣)، «شرح الزركشي» (٦/٥٧٥)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٥٩٩)، «الواضح» (٢/٢٨٠)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٧٨٩) . وفي مذهب المالكية: «المدونة» (١/٢٤٢)، «التفريع» (١/٣٦٣)، «الذخيرة» (٣/٤٥٤)، «جامع الأمهات» (٢٤٨)، «عيون المجالس» (٢/٧٥٧)، «الاستذكار» (٩/٣١١) . وهو مذهب سفيان الثوري، وعبيد الله بن الحسن، وعمر بن عبد العزيز، كما في «المغني» (١٣/٢٢١)، و«الاستذكار» (٩/٣١١) . وروي ذلك عن عمر وعلي -﵄-. انظر: «الأموال» لأبي عبيد (٥٩- ٦٠) . وظاهر كلام أحمد -فيما ذكره ابن قدامة في «المغني» - التفريق بين الذي يسلم بعد الحول، والذي يموت بعد الحول، فتسقط الجزية عن الأول، وتبقى على الثاني، كما هو مذهب الشافعي. =
[ ٥٥٩ ]
قال أبو عبيد (١): لا يجوز أن يطالب مسلم بجزية. وقال مالك: يقول الله -تعالى-: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ما قد مضى قبل الإسلام، من دمٍ أو مال أو شيء (٢) .
وقيل: إنه يؤخذ منه كلُّ ما كان ترتَّب عليه، وتقدَّم من حولٍ أو أحوالٍ لم يؤدها، وهو قول الشافعي، وأبي ثور (٣) .
قال الشافعي: ليس للإمام تركه؛ لأنه حقّ لجماعة المسلمين عليه. يعني: أنه صار دَينًا لهم في ذِمَّته، وهذا أرجح؛ لأن قول الله -تعالى-: ﴿إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] راجعٌ إلى ما كان من كفرهم وآثامهم، وما كانوا
_________________
(١) = قال ابن قدامة (١٣/٢٢٢): وحكى أبو الخطاب، عن القاضي: أنها تسقط بالموت، كما هو مذهب أبي حنيفة. وانظر: كتاب «الروايتين والوجهين» (٢/٣٨٤)، «المحرر» (٢/١٨٤)، «الإنصاف» (٤/ ٢٢٨)، «أحكام أهل الملل» للخلال (ص ٩٦) .
(٢) في «الأموال» (ص ٥٩) .
(٣) رواه أشهب عن مالك، ذكره ابن العربي في «أحكام القرآن» (٢/٨٥٣) وعلق عليه بقوله: «وهذا هو الصواب، لما قدمنا من عموم قوله: ﴿إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ وقوله: «الإسلام يهدم ما قبله»»، ونحوه في «الأحكام الصغرى» (١/٥٣٣)، «تفسير القرطبي» (٧/٤٠٢)، «الإمام مالك مفسرًا» (ص ٢١٢)، ثم ظفرت به مسندًا من طريق ابن وهب عن مالك نحوه عند ابن أبي حاتم في «التفسير» (٥/١٧٠٠ رقم ٩٠٦٦، ٩٠٦٧) .
(٤) انظر: «الأم» (٤/١٨٣- ط. دار المعرفة)، «المهذب» (٢/٢٥٢)، «حلية العلماء» (٧/ ٧٠٢)، «روضة الطالبين» (١٠/٣١٢)، «التنبيه في الفقه الشافعي» (ص ٢٣٨)، «مغني المحتاج» (٤/ ٢٤٩)، «الإقناع» لابن المنذر (٢/٤٧٢)، وفيه: «وليس على من أسلم قبل أن يحول الحول جزية» . فمعنى كلامه أن عليه الجزية إن أسلم بعد الحول، كما هو مذهب الشافعية. ونقل الطبري في «اختلاف الفقهاء» (٢١٢) عن أبي ثور: أن الذميَّ إذا أسلم أثناء الحول لم تجب عليه الجزية، أما إن أسلم بعد الحول، فلا تسقط. وانظر: «المغني» (٨/٥١١- ط. مكتبة الجمهورية العربية)، أو (١٣/٢٢١- ط. دار هجر)، «فقه الإمام أبي ثور» (ص ٧٩٦) .
[ ٥٦٠ ]
يستحقون من عقاب الله -تعالى- على ذلك، فهو لا يتناول الديون وحقوق المال التي التزموها على وجهٍ يجيزه الشرع، فإن هذا ثابت، وليس مما يغفر؛ لأنه على حدِّ الشرع، وإنما يُهدر عنهم ما استباحوه بحال الكفر في أنواع المحرمات من دمٍ أو مالٍ، وغير ذلك من الحدود التي لا يجيزها الشرع، فذلك هو الذي يَبْطلُ عنهم حكمه بإسلامهم، فلا يؤاخذون به، عفوًا من الله ومغفرة.
وأما قول أبي عبيد: «لا يطالب مسلم بجزية» فصحيح؛ بمعنى أنه لا يكلَّف الجزية بعد إسلامه، كما كان يُكلَّفها في كفره، وأما ما كان استقرَّ عليه من ذلك في حال الكفر، فمطالبٌ به كسائر الدّيون، ولا فرق في هذا فيمن أسلم (١) .
فأمَّا من مات وعليه حولٌ أو أحوال، فقد كان ينبغي أن يكون ذلك في تركته على كلِّ قول، ومهما توجَّه الخلاف فيمن أسلم، وعليه حولٌ أو أحوال، فلا يصلح ذلك فيمن مات؛ لأن أمرهما في الكفر والإسلام مختلفٌ (٢)، والأدلة التي اعترضَ بها فيمن أسلم لا تثبت فيمن مات وهو كافر، فلا وجه للقول بسقوط ذلك عَمَّن مات بعد أن عُمِّرت ذمته. وقد زعم من قال بسقوطه عن الميت: أن ذلك ليس بدينٍ عليه، وهذه مكابرة، لأنَّ كُلَّ حَقٍّ في المال وجبَ بوجه شرعيٍّ متعلِّقٍ بالذِّمة، لا في عينٍ معينة؛ فهو ديْنٌ، يُعرف ذلك لغةً وشرعًا، والذمي إذا كَمَلَ حولُه على حَدٍّ ما شرط له من الوفاء بذمته، فقد وجبت عليه ضريبة ذلك الحول بإجماع، فذلك -ما
_________________
(١) الأرجح ما ذهب إليه الجمهور من سقوطها عمَّن أَسْلم؛ لعموم الأدلة في ذلك. قال أبوعبيد في «الأموال» (٦٠) بعد سَرده بعض الآثار: أفلا ترى أن هذه الأحاديث قد تتابعت عن أئمة الهدى بإسقاط الجزية عمن أسلم، ولم ينظروا: في أول السنة كان ذلك، ولا في آخرها، فهو عندنا على أن الإسلام أهدر ما كان قبله منها.
(٢) ومذهب الحنابلة -كما مضى- التفريق بين الإسلام والموت، بينما يسقطها المالكية والحنفية عمَّن مات، ويوجبها الشافعية بعد موته من تركته. انظر: «المدونة» (١/٢٤٢)، «التفريع» (١/٣٦٣)، «عيون المجالس» (٢/٧٥٧)، «مختصر الطحاوي» (٢٩٤)، «الهداية» (٢/٤٥٤)، «روضة الطالبين» (١٠/٣١٢)، «مغني المحتاج» (٤/٢٤٩)، «المحرر» (٢/١٨٤)، «الإنصاف» (٤/٢٢٨)، «المغني» (١٣/٢٢٢) .
[ ٥٦١ ]
لمْ يُعْطَ- دَينٌ عليه بلا شك، اللهم إلا أن يعني قائل ذلك: أن الجزية إلزام مالٍ يؤخذ على وجه الصَّغار والعقوبة بالكفر، فكان من شرطه بقاء الملزم، كما كان من شرطه البقاء على الكفر.
وأما من مات قبل أن يتم حوله، فسبب الخلاف فيه: هل الجزية موضوعة لتمام الحول كالزكاة مثلًا، فهي لا تجب إلا بتمامه، فإذا مات قبل أن يستكمل الحول فلم تجب الجزية (١)، أو هي كالخراج والكراء مُقسَّطةٌ على أوقات العام: لكل جزءٍ ما يقابله، فيلزمه بحسب ذلك في تركته؟ وبهذا الاعتبار يتوجه اختلاف القولين في ذلك عند الشافعي (٢)، وكذلك فيمن أسلمَ في بعض الحول: أنه يؤخذ منه ما مَضَى من الحول بحسابه، أو لا يؤخذ منه؟ في ذلك قولان.
[فصلٌ: في حكم الأرض إذا أسلم عليها أهل الذمة] (٣)
وأمَّا حكم الأرضين، إذا أسلم عليها أهل الذمة: فذلك يختلف في حقِّ أهل الصلح وأهل العنوة، كما أشرنا إليه في الفصل قبل هذا.
وفي «الموطأ» (٤) عن مالك، أنه سُئِل عن إمامٍ قَبِلَ الجزية من قومٍ، فكانوا يعطونها: أرأيت من أسلم منهم، أتكون له أرضه، أو تكون للمسلمين، ويكون لهم
_________________
(١) كذا في الأصل مجوّدة، وفي المنسوخ: «الزكاة» وكلاهما له وجه.
(٢) من هامش المنسوخ فقط.
(٣) فمذهب الشافعي وأحمد: إذا دخلت سنة في سنة، لم تسقط جزية السنة الماضية، ووجب عليه جزية سنتين، قالوا: لأنه مال يتكرر بتكرر الحول، أو: مال يجب في كل حول، فوجب أن لا يتداخل. انظر: «التنبيه في الفقه الشافعي» (ص ٢٣٨)، «المغني» (١٣/٢٢٣) . خلافًا لأبي حنيفة في قوله: تسقط جزية السنة الماضية، وتجب جزية واحدة. انظر: «الهداية» (٢/٤٥٤)، «ملتقى الأبحر» (١/٣٧٢)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٨٧) . وفرَّق المالكية بين الغني والفقير، فقالوا: إذا اجتمعت عليه سنون، إن كان غنيًا أخذت منه جيمع السنوات، وإن كان فقيرًا فلا تؤخذ منه؛ لأن الفقير لا جزية عليه. انظر: «الذخيرة» (٣/٤٥٤) . وانظر: «أحكام أهل الذمة» (١/١٤٦- وما بعدها) .
(٤) في كتاب الجهاد (باب إحراز من أسلم من أهل الذمة أرضه) (ص ٢٩٩- ط. دار إحياء التراث) .
[ ٥٦٢ ]
ماله؟ فقال مالك: «ذلك يختلف؛ أما أهل الصلح: فمن أسلم منهم فهو أحقُّ بأرضه وماله، وأما أهل العنوة الذين أُخذوا عَنْوة: فمن أَسْلَم منهم، فإنَّ أرضه وماله للمسلمين؛ لأن أهل العنوة قد غُلبوا على بلادهم، وصارت فيئًا للمسلمين، وأمَّا أهل الصلح: فإنهم قومٌ قد مَنعوا أموالهم وأنفسهم حتَّى صالحوا عليها، فليس عليهم إلا ما صالحوا عليه» .
قال ابن عبد البر (١): على هذا جمهور العلماء.
وقال ابن حبيب (٢) في أهل الصلح: إن كانت جزيتهم مُفَرَّفَةً على الجماجم، فالحكم فيهم على ذلك على من أسلم منهم أو مات: إحرازُ أرضه بالإسلام، وورثت عنه في الموت، وسقط ما كان عليه من الجزية، وإن كانت مصالحتهم على جزيةٍ واحدةٍ مُجْملةٍ، فالأرض تبقى أبدًا موقوفةً للجزية لا تُورَّث، ولا يَحُوزها بالإسلام، ولا يُحَطُّ عن جماعتهم بموت من مات منهم، أو إسلامه شيءٌ من جملة تلك الجزية، ولا يؤخذ من أسلم بشيءٍ منها، ويؤخذ بذلك أهلُ دينه، وتكون أرضه وقفًا على ذلك.
والأظهر ما ذهب إليه الجمهور، وشهد له الدليل، كما بيَّنه مالكٌ -﵀-.
فصلٌ: في شروط الجزية، وما يجب على أهل الذمة ولهم
قال الله -تعالى-: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٩] .
فكان أول ما يجب أن يكون الكفار الذين قُبِلتْ منهم الجزيةُ في بلدٍ، أو موضع يحيط بهم سلطان المسلمين، وتجري عليهم أحكامهم؛ ليكون إقرارهم على الجزية وأداؤهم لها كما فرضَ الله -تعالى-؛ لأنه لا يتمكن منهم في ذلك إلا أن يُحاط بهم.
_________________
(١) في «الاستذكار» (١٤/٣٣١ رقم ٢٠٥٦٠)، قال: ما ذكره مالك -﵀- في هذا الباب عليه جماعة العلماء.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٣٦٢)، «البيان والتحصيل» (٤/٢٠٠، ٢٠١) .
[ ٥٦٣ ]
فأمَّا مصالحة من صولح من العدو على مالٍ يُؤدّونه، وإقرارهم هناك على حالِ مملكتهم ومنعتهم؛ فليس هذا من باب الجزية في شيء، وهي مهادنة، ولا تجوز إلا لضرورة كما قدَّمنا في ذلك.
والجزيةُ مشروعةٌ، مأمورٌ بقبولها، والكفُّ عنهم إذا بَذلوها على شروطها، فأمرها مختلف في الوجوب والحظر.
قال عبد الملك بن حبيب (١): إذا نزل جيش المسلمين على حصنٍ، فحاصروه الأيام، فدعا أهله إلى المصالحة على مالٍ يدفعونه ويُرحلُ عنهم، فلا يجوز قبوله إنْ رجَا المسلمون افتتاحَه، وليمضوا على محاصرتهم، وإن يئسوا من افتتاحه، بما عسى أن يَتَسنَّ ذلك لهم، فلهم أن يقبلوا ذلك، ولهم أن يحاصروا إن كانت بهم قوة على ذلك، قال: وإنْ دَعَوْا إلى الجزية، فإن كانوا بالموضع الذي يكون عليهم فيه سلطان الإسلام، ويتولاّهم من المسلمين والٍ تتأَدَّى إليهِ جِزيتهم، ويخالطهم المسلمون، وتكون قوتهم مُنبسِطة، كما هي على المعاهدين وأهل الذمة؛ لقربهم من دار الإسلام، فلازمٌ لوالي الجيش أن يقبل ذلك منهم، وإن لم يكونوا عنده بهذه (٢) الصفة، وكانوا في بُعْدٍ من دار الإسلام، وبحيث
إن شاؤوا بعد قفول الجيش عنهم مَنعوا جِزيتهم، وعادوا حربًا؛ فلا يقبل ذلك منهم، حتى ينتقلوا من دارهم تِلك إلى دار الإسلام، فإن أجابوا إلى ذلك وإلا فالسَّيْف.
قال: وهكذا سمعت مُطرِّفًا، وابنَ الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصْبَغَ يقولون.
قال عبد الملك: وهذا تفسير قول مالكٍ؛ قد قال مالك محمّلًا كل قومٍ من العدوّ دعوا إلى الجزية حين أحيط بهم، فإنهم إن كانوا بموضعٍ يقدر عليهم المسلمون إنْ نزعوا، قُبِلَ ذلك منهم، وأُقِرُّوا في بلادهم، وإن كانوا بموضعٍ إن
_________________
(١) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٣٤١) . وانظر: «البيان والتحصيل» (٣/٦٤)، فقد ذكر نحو الكلام الآتي عن ابن وهب.
(٢) وضعت كلمة (بهذه) في المنسوخ بين معكوفتين، وكتب الناسخ في الهامش: ليست في الأصل.
[ ٥٦٤ ]
نزعوا لا يُقدرُ عليهم إلا بمؤنة، فإنه لا يُقبلُ منهم ما دَعوا إليه، إلاَّ على الارتحال مع المسلمين، وتَخْلِيَةِ بلادهم.
ومن الشروط على أهل الجزية: أخذهم السنة (١) بالمنع والكفِّ عن تناول شريعة المسلمين ومِلَّتهم، وتوَقِّي ما يقدح في شيءٍ من أمور دينهم بشيءٍ من المَعابةِ والطَّعن والاستخفاف، وذكر النبي - ﷺ - بغير ما يحِقُّ له، ولو لم يُقرُّوا بصحة ذلك، ومنعهم (٢) من الدعاء لدينهم، والإعلان بمعالم شرعهم في أمصار المسلمين: من ضربِ النواقيس، وبناء الكنائس، ومجتمع الصلوات، وإظهار الصَّليب ونحو ذلك.
ومن ذلك: منعهم من الإفصَاحِ والإعلان بشرْكِهم، وما يَنحلُون لله من الصاحبة والولد، تعالى الله عن قولهم عُلوًّا كبيرًا.
ومن ذلك: منعهم من إظهار ما يستبيحونه من شرب الخمور، ومواقعة الفجور، وغير ذلك، مِمَّا لا يحل للمسلمين -مع الاطلاع عليه- إقراره.
ومن ذلك: أن تجري عليهم أحكام المسلمين متى دعاهم إلى ذلك خَصْمٌ، أو متى ظهَرَ منهم ظلم.
هذه كلها شروطٌ واجبةٌ لا ينبغي إسقاطُها، ولا تَرْكُ العمل بشيءٍ منها، ولا تحلُّ إجابةُ الكفار إلى أن يشترطوا إسقاط ذلك عنهم أو
شيءٍ منه، ولا يجب الوفاء لهم به إن التزمه لهم من يَعقد على المسلمين، مِمَّن لعلَّه يجهل ذلك. والدليل على صحة هذه الجُمْلة: قولُ الله -﷿-: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، وقوله -تعالى-: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقوله -تعالى-: ﴿كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨]، وقوله -تعالى-: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى
_________________
(١) فوق كلمة (السنة) علامة استفهام، وكأن الناسخ شك في صحة رسمها على هذا الوجه!.
(٢) في هامش المنسوخ بعدها: «التبشير» . فتصبح العبارة: «ومنعهم التبشير من الدعاء لدينهم» .
[ ٥٦٥ ]
الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وقوله -تعالى-: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] . وفي حديث ابن عباس المتقدم: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تصلحِ قبلتان في أرضٍ واحدة» (١)، فهو يتضمَّن منعهم من إظهار دينهم بحضرة المسلمين، وفي أمصارهم.
وأيضًا: فقد أوجب الله -تعالى- قتل الكفار وقتالهم؛ لإعلاء كلمة الله، وحتَّى يدخلوا في الإسلام، فإنما (٢) استثنى -تعالى- في الجزية الكفَّ عن قتالهم على الإسلام، فهم بأداء الجزية يُكفُّ عنهم في ذلك خاصة ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٩]، كما قال -تعالى-.
وأمَّا أن يباح لهم الاعتلاء بإظهار كفرهم وباطلهم، والتَّبسُّط بما ينافي كتاب الله -تعالى- ودينَه الحق، فذلك لم يستثْنِه الله -تعالى- لهم قط (٣) . ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، وقال -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ
فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾ [الأنفال: ٣٩] .
وقال قوم من أهل العلم (٤) في قوله -تعالى-: ﴿ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]: أن يُجْرَى عليهم حُكمُ الإسلام، وأن لا يُظهروا شيئًا من كفرهم، ولا مِمَّا يَحْرُمُ في دين الإسلام (٥) .
_________________
(١) مضى تخريجه.
(٢) كذا، ولعلّ صوابها: وإنّما.
(٣) أثبتها الناسخ: «فقط»، ووضع فوقها علامةً تشير إلى أنها هكذا في الأصل.
(٤) هو الإمام الشافعي -﵀- فيما نقله عنه البغوي في «معالم التنزيل» (٣/٣٣)، وقبله السمعاني في «تفسيره» (٢/٣٠١-٣٠٢- ط. دار الوطن)، وقال: وهذا معنىً حسن، وذكر هذا القول -ضمن عدَّة أقوال-: ابن الجوزي في تفسيره «زاد المسير» (٣/٢٨٦)، ولم ينسبه، ثم وجدته في «الأم» للشافعي -﵀- (٤/٢١٩) .
(٥) وسيأتي -قريبًا- الاختلاف في معنى الصَّغار.
[ ٥٦٦ ]
وفي كتاب عمر -﵁- الذي كتبه له عبد الرحمن بن غنم، حين صالح نصارى الشام، وشرط عليهم فيه: أن لا يُحدثُوا في مدينتهم، ولا ما حولها دَيْرًا، ولا كنيسةً، ولا صومعةَ راهبٍ، ولا يُجَدِّدوا ما خربَ منها، ولا يُعلِّموا أولادهم القرآن، ولا يُظهروا شِرْكًا، ولا يمنعوا ذوي قراباتهم من الإسلام إن أرادوه، وأن لا يُظهروا صليبًا، ولا شيئًا من كتبهم في شيء من طرق المسلمين، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربًا خفيًّا، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيءٍ من حضرة المسلمين، ولا يبيعوا الخمور، في أشياء غير هذه، مما شرط عليهم في كتابه ذلك، وقال في آخرها: فإن خالفوا شيئًا مما شرطوه؛ فلا ذمَّة لهم، وقد حلَّ للمسلمين منهم ما يحلُّ من أهل المعاندة والشِّقاق (١) .
_________________
(١) أخرجه الخلال في «الجامع» (رقم ١٠٠٠) بإسناد ضعيف. ولكن للشروط العمرية طرقٌ كثيرة مشتهرة، جمعها القاضي أبو محمد بن زبْر في «جزء» جمعه في هذه الشروط. وقد نقلها عنه الحافظ ابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/٤٨٨- وما بعدها) بأسانيد صحيحة. وأخرجه ابن حزم في «المحلّى» (٧/٣٤٦) من طريق سفيان الثوري، عن طلحة بن مصرف، عن مسروق، عن عبد الرحمن بن غنم، به. وقال الونشريسي في «المعيار المعرب» (٢/٢٣٨): «وقد ذكر -أيضًا- هذه القضية من أئمة الحديث أبو عبيد، واعتمد عليها الفقهاء من أهل كل مذهب في الأحكام المتعلقة بأهل الذمة؛ فقد ذكرها من المالكية شيخ الإسلام أبو بكر الطرطوشي في «سراج الملوك»، والشيخ الإمام أبو عبد الله بن المناصف في كتابه «الإنجاد»، والحافظ ابن خلف الغرناطي في «تنبيه ذوي الألباب على أحكام خطة الاحتساب»، وذكر بعضها المحدث أبو الربيع بن سالم الكلاعي في كتابه «الاكتفاء»، وذكرها من الشافعية: ابن المنذر وابن بدران، ومن الظاهرية ابن حزم، وغيرهم» . قال: «وسُقناها تامّةً لاعتماد العلماء عليها، حيثما تكلموا على فصل من فصولها» . وقال ابن القيم في «أحكام أهل الذمة» (٣/١١٦٤): «إن الأئمة تلقوها بالقبول، وذكروها في كتبهم، واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء، وعملوا بموجبها» . وقد فصّل -﵀- في شرحها شرحًا وافيًا شافيًا. فليراجع هناك. وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٨/٦٥٢) لشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، و«تفسير ابن كثير» (٤/٩١-٩٢-ط. المكتبة التوفيقية) .
[ ٥٦٧ ]
قال عبد الملك بن حبيب (١): قال لي مُطرِّفٌ وابنُ الماجشون وأصبغُ: إذا كان أهل ذمةٍ منقطعين عن دار الإسلام وحريمه، ولم يكن المسلمون معهم في موضعهم ذلك، فلهم إحداث الكنائس، ورَمُّ كنائسهم القديمة، والزيادةُ فيها، اشترطوا ذلك أو لم يشترطوه، ولا يُمنعوا من إدخال الخمر إليهم، ولا مِن كَسْب الخنازير عندهم، وإن كانوا في بلد المسلمين، أو في حريمه وعمله، أو في قريةٍ من قراهم، قد سكنها المسلمون معهم؛ مُنِعُوا من ذلك كُلِّه، فإن زعموا أنهم لا يريدون بيع الخمر من مسلم؛ لم يكن لهم إدخالها، لا سِرًّا ولا جهرًا، ولا أن يحملوها من قرية إلى قرية، وما ظهر للإمام من خمرهم، فعليه أن يُهريقَها، ويَضْرِبَ حاملها، كان منهم أو من غيرهم، وإن خرج منهم سكران في جماعة المسلمين؛ كان عليه أن يضربه على ذلك، وكذلك إن أظهروا الخنازير في مواضع المسلمين؛ فعلى الإمام أن يأمرهم بعقرها، ويضربَ مُظهرها،
ويُغَيِّب جيفهَا عنهم إذا عقرها، وكذلك يُمنعون من إظهار صليبهم في أعيادهم، أو في استسقائهم في جماعة المسلمين، فإن أظهروا؛ فعلى الإمام أن يأمر بكسرها، ويضربهم على إظهارها، قالوا: ولو اشترطوا في صلحهم رَمَّ كنائسهم القديمة، وُفِّيَ لهم به، ومُنِعُوا من الزيادة فيها، كانت ظاهرةً أو باطنة. قالوا: ولا ينبغي لإمام المسلمين أن يشترط لهم إحداث الكنائس، فإن جهل فَفَعل؛ مُنِعوا من إحداثها، ولا عَهدَ لأحدٍ في معصية الله -﷿-.
قال ابن الماجشون (٢): إنما لهم بالشرط الرَّمُّ فقط. قال: وأما أهل العنوة فلا تترك لهم -عندما تُضْربُ عليهم الجزية- كنيسةٌ قائمةٌ إلاَّ هُدِّمت، ولا يُتركوا أن يحدثوا كنيسة، وإن كانوا معتزلين عن جماعة الإسلام؛ لأنهم كعبيد المسلمين، ولا شرط لهم يُوفَّى به، وإنما صار لهم عهدٌ حُرِّمت به دماؤهم حين أُخذت منهم الجزية.
_________________
(١) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٣٧٦)، «الذخيرة» (٣/٤٥٨-٤٥٩)، «المعيار المعرب» (٢/ ٢٤١-٢٤٢)، وذكر أن المصنف -﵀- أورده في «الإنجاد» .
(٢) نحوه في «النوادر والزيادات» (٣/٣٧٦) .
[ ٥٦٨ ]
وقال الشافعي (١): «ينبغي للإمام أن يُحدِّد بينه وبين أهل الذمة جميع ما يعطيهم ويأخذ منهم، فيسمي الجزية، وأن يؤدوها على ما وُصِفت -يعني: من الصَّغار- وعلى أن يُجرى عليهم حكم الإسلام إذا طالبهم به طالبٌ، أو أظهروا ظلمًا لأحد، وعلى أن لا يُذكر رسول الله - ﷺ - إلا بما هو أَهلُه، ولا يطعنوا في دين الإسلام، ولا يعيبوا من حكمه شيئًا، فإن فعلوا؛ فلا ذِمَّة لهم، ويأخذ عليهم أن لا يُسْمِعوا المسلمين شركهم، وقولهم في عُزيرٍ وعيسى، فإن وجدهم فعلوا بعد التقدّم في عزيرٍ وعيسى إليهم، عاقبهم على ذلك عقوبة لا تبلغ حدًّا، وأن لا يُكرهوا أحدًا على دينهم، إذا لم يُرِدْه من أبنائهم ولا رقيقهم ولا غيرهم، وعلى أن لا يُحدثوا في مصرٍ من أمصار المسلمين كنيسةً، ولا مُجتمعًا لصلاتهم، ولا ضرب ناقوسٍ، ولا حملَ خَمْرٍ، ولا إدخال خنزير، ولا يُعذِّبوا بهيمة، ولا يقتلوها صبرًا -يعني: إلاّ ما كان ذبحًا مما يوافق الشرع-، وأنْ لا يدخلوا مسجدًا، ولا يبايعوا مسلمًا بَيْعًا يحرم في الإسلام، ولا يُسقوا مسلمًا خمرًا، ولا يطعموه محرمًا: من لحمِ خنزيرٍ ولا غيره، ولا
يُظهروا الصليب، ولا الجماعات في أمصار المسلمين» . قال: «وإن كانوا في قرية يملكونها منفردين، لم يمنعهم إحداث كنيسةٍ، ولا يَعرض لهم في خنازيرهم وخمرهم وأعيادهم وجماعتهم» .
قلت: وأمَّا ما يشترط بعد ذلك عليهم من تغيير الزِّيِّ والملبس، والهيئة في المركب، والمنع من التشبه بالمسلمين في مثل ذلك، فقد يكون هذا من المُستحبِّ غير الواجب؛ لأن ذلك كلَّه ليس فيه قدحٌ في الدين، ولا تَنَقُّصٌ على المسلمين، لكن في أخذهم بذلك زيادة الإعظامِ، والحرمة لأهل الإسلام.
فمما روي من هذا النوع عن عمر -﵁-، أنه كان في شروط كتابه في صُلح نصارى الشام، وكتب به إلى أمراء الأجناد، يأمرهم أن يختموا في
_________________
(١) في كتابه «الأم» (٤/٢١٨-ط. دار الفكر، أو ٥/٤٩٣- ط. دار الوفاء) (باب تحديد الإمام ما يأخذ من أهل الذمة في الأمصار)، ونقله عنه برمّته: ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٨-٢٠) .
[ ٥٦٩ ]
رقاب أهل الجزية بالرصاص، ويصلحوا مناطقهم، ويجزُّوا نواصيهم، ويركبوا على الأُكُفِ عَرْضًا، ولا يدعوهم يتشبهوا بالمسلمين في ركوبهم (١) .
قال أبو عبيد (٢) في قوله: «مناطقهم»، يعني: الزنانير.
قلت: وإنما يريد: أن يُظهروها، ويَشُدُّوا أوساطهم بها؛ ليتبيَّن الذِّمِّي من غيره. وكذلك وقع مفسرًا في الكتاب الذي كتبه عبد الرحمن بن غَنم: وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم (٣) .
وأما قوله: «ويركبوا على الأُكُفِ عَرْضًا»، والأكُف جمع إكاف، ويقال: وِكافٌ -أيضًا-: وهو الأداة التي يركب عليها غيرُ السَّرج (٤) .
ومعنى قوله: «عَرضًْا»: هو أن يردَّ وجهه في ركوبِه إلى جانب الدَّابَّة، ولا
_________________
(١) رواه أبو عبيد في «الأموال» (ص ٦٦-٦٧ رقم ١٣٧) -وعنه ابن زنجويه في «الأموال» (رقم ٢١٤) - عن عبد الرحمن، والخلال في «جامعه» (رقم ٩٩٢- «أحكام أهل الملل») من طريق يحيى بن السّكن؛ كلاهما عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن أسلم -مولى عمر-، عن عمر -﵁-، وسقط من مطبوع «الأموال» لأبي عبيد ذكر (عبد الرحمن) . وأخرجه عبد الرزاق -بأطول منه- في «المصنف» (٦/٨٥ رقم ١٠٠٩٠ و١٠/٣٣١ رقم ١٩٢٧٣) عن عبد الله بن عمر، به. وأخرجه البيهقي (٩/١٩٥) من طريق عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر (وفي نسخة: عبد الله بن عمر) به، نحوه. وأخرجه (٩/١٩٨) من طريق عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، به، نحوه. ولعلَّ (عبيد الله) تصحيف من (عبد الله)، لأن من أخرج أصل الحديث بهذا اللفظ نصَّص على (عبد الله)، وعبد الله ضعيف. انظر: «التقريب» . وأخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٦-١٧) لكن من طريق عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمرو، عن عمر، نحوه.
(٢) في «الأموال» (ص ٦٧)؛ ونقله عنه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٧) .
(٣) كما عند ابن حزم في «المحلّى» (٧/٣٤٦)، وقد مضى تخريجه قريبًا.
(٤) انظر: «القاموس المحيط» (٣/١٧٤- ط. دار إحياء التراث العربي)، «لسان العرب» (٩/٨) .
[ ٥٧٠ ]
يستقبلها في جلوسه عليها، فتكون رجلاه كلاهما في شِقٍّ، والله أعلم.
وقد روي عن جماعة من أهل العلم (١) نحو ما رُوي عن عمر -رضي الله تعالى عنه-، في أخذهم بما يتميزون به عن المسلمين في الهيئات والأحوال (٢) .
_________________
(١) روي -أيضًا- عن عمر بن عبد العزيز. انظر: «الأوسط» (١١/١٧)، «الأموال» لأبي عبيد (ص ٦٧) .
(٢) ذكر ابن القيم في «إعلام الموقعين»: (٦/٩٧-٩٨ - بتحقيقي) (فيما يجب على المفتي عند الجواب) تحت (الفائدة الثامنة عشرة) من عدم إطلاق الجواب إذا كان في المسألة تفصيل، ومثّل على ذلك بما وقع في زمانهم. وذكر هذه المسألة، قال -رحمه الله تعالى-: «فلا إله إلا الله، كم هاهنا من مزلة أقدام، ومحل أوهام، وما دعا محقٌّ إلى حق إلا أخرجه الشيطان على لسان أخيه ووليه من الإنس في قالب تنفر عنه خفافيش البصائر وضعفاء العقول، وهم أكثر الناس، وما حذر أحد من باطل إلا أخرجه الشيطان على لسان وليه من الإنس في قالب مزيّف مزخرف يستخفُّ به عقولَ ذلك الضرب من الناس فيستجيبون له، وأكثر الناس نظرهم قاصر على الصور، لا يتجاوزها إلى الحقائق، فهم محبوسون في سجن الألفاظ، مقيّدون بقيود العبارات، كما قال -تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ. وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢-١١٣] . وأذكر لك من هذا مثالًا وقع في زماننا، وهو أن السلطان أمر أن يلزم أهل الذمة بتغيير عمائمهم، وأن تكون خلاف ألوان عمائم المسلمين فقامت لذلك قيامتهم وَعَظُمَ عليهم، وكان في ذلك من المصالح وإعزاز الإسلام وإذلال الكفرة ما قرّت به عيون المسلمين، فألقى الشيطان على ألسنة أوليائه وإخوانه أن صوّروا فتيا يتوصلون بها إلى إزالة هذا الغيار، وهي: ما تقول السادة العلماء في قوم من أهل الذمة أُلزموا بلباس غير لباسهم المعتاد، وزي غير زيهم المألوف، فحصل لهم بذلك ضرر عظيم في الطرقات والفلوات، وتجرأ عليهم بسببه السفهاء والرعاع، وآذوهم غاية الأذى، فطمع بذلك في إهانتهم والتعدي عليهم؟ فهل يسوغ للإمام ردهم إلى زيهم الأول، وإعادتهم إلى ما كانوا عليه مع حصول التميز بعلامة يُعرفون بها؟ وهل في ذلك مخالفة للشرع أم لا؟ فأجابهم من مُنِع التوفيق، وصُدّ عن الطريق بجواز ذلك، وأن للإمام إعادتهم إلى ما كانوا عليه، قال شيخنا: فجاءتني الفتوى، فقلت: لا تجوز إعادتهم إلى ما كانوا عليه، ويجب إبقاؤهم على الزي الذي يتميزون به عن المسلمين، فذهبوا، ثم غيّروا الفتوى، ثم جاءوا بها في قالب آخر، فقلت: لا تجوز إعادتهم، فذهبوا، ثم أتوا بها في قالب آخر، فقلت: هي المسألة المَعْنِيَّة، إن خرجت في عدة قوالب، ثم ذهب إلى السلطان وتكلّم عنده بكلامٍ عجب منه الحاضرون، فأطبق القوم على إبقائهم ولله الحمد. =
[ ٥٧١ ]
مسألة
اختلف أهل العلم في الجزية كيف تُجبى؟ لقوله تعالى: ﴿ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فروي عن ابن عباس أنه قال: يمشون بها مُلَبَّبين (١)، وقال قتادة: عن يدٍ: عَن قَهْرٍ، وعنه
-أيضًا-: يعطونها نقدًا، يقول: عن ظهر يدٍ،
_________________
(١) = ونظائر هذه الحادثة أكثر من أن تحصى، فقد ألقى الشيطان على ألسنة أوليائه أن صوّروا فتوى فيما يحدث ليلة النصف في الجامع، وأخرجوها في قالب حسن، حتى استخفوا عقل بعض المفتين فأفتاهم بجوازه، وسبحان الله! كم تُوصِّل بهذه الطريق إلى إبطال حق وإثبات باطل! وأكثر الناس إنما هم أهل ظواهر في الكلام واللباس والأفعال، وأهل النقد منهم الذين يعبرون من الظاهر إلى حقيقته وباطنه لا يبلغون عشر معشار غيرهم، ولا قريبًا من ذلك، فالله المستعان» . ا. هـ كلامه -رحمه الله تعالى-. وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (١٤/١٦) أحداث سنة (٧٠٠ هـ) ما نصه: «وفي يوم الإثنين قرئت شروط الذمة على أهل الذمة، وألزموا بها، واتفقت الكلمة على عزلهم عن الجهات، وأخذوا بالصغار، ونودي بذلك في البلد، وألزم النصارى بالعمائم الزرق، واليهود بالصّفر، والسامرة بالحمر، فحصل بذلك خير كثير، وتميّزوا عن المسلمين»، وانظر: «أحكام أهل الذمة» (٣/١٢٩٥- ١٢٩٩- ط. الرمادي)، و«تشبيه الخسيس» للذهبي (ص ١٩١- ضمن مجلة «الحكمة» العدد الرابع- بتحقيقي) .
(٢) ذكره ابن الجوزي في «تفسيره» (٣/٢٨٦) . وقال: رواه أبو صالح، عن ابن عباس. قلت: أخرج روايته: ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٥) قال: حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: حدثنا مروان بن معاوية، عن أبي بكر، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وهذا إسناد ضعيف. فأبو صالح اسمه: باذام، أو: باذان. مولى أم هانئ، ضعَّفه جماهير أهل العلم، وقال الحافظ في «التقريب» (٦٣٤): ضعيف يرسل. ومروان بن معاوية، مع أنه ثقة حافظ، إلاّ أنه كان يدلِّس أسماء الشيوخ. كما في «التقريب» (٦٥٧٥) . ولم يتبيّن لي اسم شيخه. ويحيى بن عبد الحميد بن عبد الرحمن، الحِمَّاني -بكسر المهملة، وتشديد الميم- قال الحافظ في «التقريب» (٧٥٩١): حافظ. إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث. أما شيخ ابن المنذر، فهو موسى بن هارون بن عبد الله الحمَّال، أبو عمران البزَّاز: ثقة، حافظ كبير، بغدادي. كما في «التقريب» (٧٠٢٢) . فالأثر ضعيف. وأشار إلى ذلك الطبري عند تفسير الآية، قال: «أي: عن أنفسهم بأيديهم، يمشون بها، وهم كارهون»، ثم قال: «وذلك قول روي عن ابن عباس من وجهٍ فيه نَظَر» .
[ ٥٧٢ ]
ليس بنسيئة (١) . وقال أبو عبيدة (٢): كل من انطاع لمن قد قهره، فأعطاه عن غير طيب نفس؛ فقد أعطاه عن يدٍ.
وقال الشافعي (٣): سمعتُ عددًا من أهل العلم يقولون: الصَّغار:
أن يُجْرَى عليهم حكم الإسلام. وروي عن سعيد بن المسيب أنه كان يعجبه أن يَتْعَبَ أهل
_________________
(١) تفسير قتادة لمعنى ﴿عَن يَدٍ﴾، أي: قهر. أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٦/١٧٨٠ رقم ١٠٠٣٦) من طريق معمر، عن قتادة. وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٤/١٦٨) إلى أبي الشيخ في «تفسيره»، وقال به السُّدِّي. وقال الزجاج: عن قهر وذل. وذكر ابن الجوزي في «تفسيره» (٣/٢٨٦) القول بأنهم يعطونها نقدًا عاجلًا، ونسب هذا القول إلى شريك، وعثمان بن مقسم، وذكر أبو عبيد هذا القول، ولم ينسبه. وانظر: «معالم التنزيل» للبغوي (٣/٣٢)، «تفسير السمعاني» (٢/٣٠١)، «الأموال» (٦٧-٦٨) .
(٢) في كتابه «مجاز القرآن» (١/٢٥٦)، ونقله عنه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٥) . وانظر: «المعيار المعرب» (٢/٢٥٠) فقد ذكر أن المصنف ذكره عن الشافعي -﵀-.
(٣) في كتابه «الأم» (٤/٢١٩) (باب ما يعطيهم الإمام من المنع من العدو)، ونقله عنه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٥) . وذهب إليه ابن حزم في «المحلّى» (٧/٣٤٦ المسألة رقم ٩٥٩) . ولذا، لما ذكر ابن القيم -﵀- في «أحكام أهل الذمة» (١/١٢٠-١٢١) الاختلاف في معنى الصَّغار الذي يكونون عليه وقت أداء الجزية، وقال عن عكرمة: يدفعها وهو قائم، ويكون الآخذ جالسًا، وذكر عن غيره: أنه يأتي بها بنفسه ماشيًا لا راكبًا، ويطال وقوفه عند إتيانه بها، ويُجَرُّ إلى الموضع الذي تؤخذ منه بالعنف، ثم تُجَرُّ يده ويُمْتَهن. قال بعد هذا كله: «وهذا كله مما لا دليل عليه، ولا هو مقتضى الآية، ولا نقل عن رسول الله - ﷺ -، ولا عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك» . ثم قال: «والصواب في الآية أن الصَّغار: هو التزامهم بجريان أحكام الملَّة عليهم، وإعطاء الجزية، فإن التزام ذلك هو الصغار» . قلت: وقد بوّب أبو عبيد في كتابه «الأموال» (ص ٥٣) لهذه المسألة بابًا خاصًا، سمّاه (باب اجتباء الجزية والخراج، وما يؤمر به من الرفق بأهلها، وينهى عنه من العنف عليهم فيها) . ثم ساق أحد عشر حديثًا؛ مدلِّلًا على قوله هذا. انظر الأحاديث (١١٠-١٢٠) .
[ ٥٧٣ ]
الجزية إذا أخذت منهم (١)، قال أبو عبيد (٢): «لم يُرِدْ سعيدٌ فيما نرى بالإتعاب تَعْذيبَهم، ولا تَحْميلَهم فوق طاقتهم، ولكنه أراد أن لا يعاملوا عند طلبها منهم بالإكرام لهم، ولكن بالاستخفاف بهم»، قال: «وأحسبه تأوَّل قول الله -تعالى-: ﴿ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]» .
واتفق أهل العلم على أنه لا ينبغي إرهاقهم وجهدهم، وأنَّ الرِّفق بهم -إذا وفَّوا بشروط الجزية- أَوْلَى. قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] .
وخرَّج مسلم (٣)، عن عائشة: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله رفيق يحبُّ الرِّفق، ويعطي على الرِّفقِ ما لا يُعطي على العُنْف، وما لا يعطي على [ما] سواه» .
وخرَّج أبو داود (٤) عن عائشة: قال لي رسول الله - ﷺ -: «يا عائشة، ارفقي! فإن الرِّفقَ لم يكن قطُّ في شيءٍ إلا زانَه، ولا نُزِعَ من شيءٍ قطُّ إلا شانَه» .
وفي البخاري ومسلم (٥)، عن سعيد بن أبي بُردة، عن أبيه، عن جده، أن
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في «كتاب الأموال» (ص ٦٧ رقم ١٤٠) عن علي بن معبد، عن عبيد الله ابن عمرو الرَّقي، عن عبد الكريم الجزري، عن سعيد، به، ورجاله ثقات.
(٢) في كتابه «الأموال» (ص ٦٧) .
(٣) في «صحيحه» في كتاب البر والصلة والآداب (باب فضل الرِّفق) (٢٥٩٣) (٧٧) .
(٤) في «سننه» في كتاب الأدب (باب في الرفق) (رقم ٤٨٠٨)، وفي أوله: أن شريحًا سأل عائشة -﵂- عن البداوة؟ فقالت: كان رسول الله - ﷺ - يبدو إلى هذه التلاع، وإنه أراد البداوة مرَّةً، فأرسل إليَّ ناقةً محرَّمةً من إبل الصدقة، فقال لي: يا عائشة، الحديث. وأخرج الشقَّ الثاني منه: مسلم في «صحيحه» (٢٥٩٤) (٧٨) . قال أبو داود: قال ابن الصبَّاح [وهو أحد رواة الحديث] في حديثه: مُحرَّمة: يعني: لم تُرْكَبْ.
(٥) أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب ما يكره من التنازع، والاختلاف في الحرب، وعقوبة من عصى إمامه) (رقم ٣٠٣٨) . وأخرج نحوه في عدة مواطن (رقم ٤٣٤١، ٤٣٤٤، ٤٣٤٥، ٦١٢٤، ٧١٧٢) . وأخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير) (١٧٣٣) (٧) .
[ ٥٧٤ ]
النَّبي - ﷺ - بعث معاذًا وأبا موسى إلى اليمن، فقال: «يَسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تُنفِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا» .
مسألة
بوَّب الترمذي (باب: ما يحل من أموال أهل الذمة)، وأسند إلى عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله، إنّا نَمُرُّ بقومٍ، فلا هم مضيفوننا، ولا هُم يؤدّون ما لنا عليهم من الحق، ولا نأخذ منهم؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «إنْ أبوا إلا أن تأخذوا كرهًا فخذوا» (١) . قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن.
قال: «وإنَّما معنى هذا الحديث: أنهم كانوا يخرجون في الغزو، فيمرُّون بقومٍ، ولا يجدون من الطعام ما يشترون بالثمن، فقال النبي - ﷺ -: «إن أبوا أن يبيعوا، إلاَّ أن تأخذوا كرهًا فخذوا» . قال: «وهكذا رُوي في بعض الحديث مُفسَّرًا (٢)، وروي عن عمر بن الخطاب، أنه كان يأمر نحو هذا» (٣) .
_________________
(١) أخرجه الترمذي في «جامعه» (رقم ١٥٨٩) من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، به، بهذا اللفظ. قلت: في هذا الإسناد ابن لهيعة، وهو سيء الحفظ. خَلَّطَ بعد احتراق كتبه -كما قال الحافظ في «التقريب» -. فحديثه ضعيف، لا سيما وقد خالف في سياقه الليث بن سعد -وهو ثقة حافظ-. فقد أخرج حديثه البخاري في «صحيحه» في كتاب المظالم والغصب (باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه) رقم (٢٤٦١)، وفي كتاب الأدب (باب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه) (رقم ٦١٣٧)، ومسلم في «صحيحه» في كتاب اللقطة (باب الضيافة ونحوها) (١٧٢٧) (١٧)، وغيرهما. وفيه قوله - ﷺ -: «إن نزلتم بقومٍ، فَأُمِرَ لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا، فخذوا منهم حقَّ الضيف» . فأصل الحديث صحيح. انظر: «الإرواء» (رقم ٢٥٢٤) .
(٢) ذكر الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٥/١٠٨) كلام الترمذي هذا، وحمله على من طلب الشراء محتاجًا، فامتنع صاحب الطعام، فله أن يأخذه منه كرهًا. ولم يتعقبه. ولم يذكر من أخرج الرواية التي فيها الامتناع عن البيع.
(٣) أخرجه ابن زنجويه في كتاب «الأموال» (١/٣٧٠ رقم ٥٩٧) من طريق موسى بن عقبة، =
[ ٥٧٥ ]
وفي كتاب «الأموال» (١) لأبي عبيدٍ، مسندًا إلى صعصَعة، قال: سألت ابن عباسٍ فقلت: إنّا نسير في أرض أهل الذِّمَّة، فنُصيب منهم؟ قال: بغير ثمن؟ قلت: نعم، بغير ثمن، قال: فما تقولون؟ قال: قلت: حلالٌ لا بأس به، فقال: أنتم تقولون كما قال أهل الكتاب: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ !! [آل عمران: ٧٥] .
ففي قول ابن عباسٍ هذا بيانٌ أنه لم يُرد النبي - ﷺ - أن يأخذوه بغير ثمن، لكن إذا منعوهم البيع، وبالناس حاجة إليه، أخذوا ذلك كَرْهًا بقيمته، والله أعلم.
فصل
والواجب لأهلِ الذِّمَّة إذا التزموا ما وجب عليهم من ذلك: الوفاءُ بالأمان، والحمايةُ ممن أرادهم بِعُدوان، ولهم بذلك على المسلمين عهدُ الله وذمَّتُه؛ لا تَحِلُّ دماؤهم، ولا أموالهم، ولا أبشارهم، ولابغيٌ عليهم في وجه من الوجوه، ما لم يُحْدِثوا حَدَثًا، ويحملون في مالهم، وعليهم من الحقوق على القسط والعدل الذي كتبه الله -تعالى- على المسلمين. قال الله -تعالى-: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]، وقال -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن
_________________
(١) = عن نافع قال: سمعت أسلم يحدث ابن عمر: أن أهل الذمة من أهل السواد أتوا عمر، فقالوا: إن المسلمين يكلّفونا في ضيافتهم؛ إذا نزلوا ذبح الغنم والدجاج! فقال عمر: أطعموهم من طعامكم الذي تأكلون أنتم، لا تزيدوهم عليه. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات. وأخرجه -أيضًا- (رقم ١٥٥) من طريق أيوب، عن نافع به، مطولًا. وأخرجه عبد الرزاق (٦/٨٨ و١٠/٣٢٩- مطولًا)، وأبو عبيد (رقم ٤٥- مختصرًا)؛ كلاهما من طريق أيوب، به. وانظر: «أنساب الأشراف» (ص ٢٦٥- ترجمة الشيخين) .
(٢) «الأموال» (ص ١٩٧ رقم ٤١٥) .
[ ٥٧٦ ]
تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا
بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، وقال -تعالى-: ﴿وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، وقال
-تعالى-: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] .
القاسط: الجائر. وقد قَسَطَ يُقْسِطُ: إذا جار. والمُقْسِطَ: العادل. وقد أقسط، يُقْسِطُ: إذا عَدَل.
وأسند أبو بكر بن المنذر (١) إلى عمر بن الخطاب أنه قال (٢) في وصيته عند موته: «أوصي الخليفة من بعدي بكذا وكذا، وأوصيه بذمة الله -﷿-، وذمة رسوله - ﷺ - خيرًا: أن يُقاتل من ورائهم، وأن لا يُكَلَّفُوا فوق طاقتهم» .
وذكره البخاري (٣) بنحو ذلك، وزاد: أن يوفى لهم بعهدهم.
وخرَّج أبو داود (٤) عن صفوان بن سُليم، أخبرَ عن عِدَّةٍ من
أبناء أصحاب
_________________
(١) في «الأوسط» (باب ذكر ما يجب من حياطة أهل الذمة، ومنعهم مما يجب منه منع المسلمين (١١/٢٤٠ رقم الأثر ٦٦٤٢)، وأخرجه أبو عبيد في «الأموال» (١٦٨ رقم ٣٣٤)؛ كلاهما من طريق عمرو بن ميمون، عن عمر. وقوله: «أوصي الخليفة بكذا وكذا»، قد جاء مفسرًا في بعض الروايات: فقد أخرج البلاذري في «أنساب الأشراف» (٢٦٤- «أخبار الشيخين») من طريق أخرى، عن عمرو بن ميمون، به، قال: «أوصي الخليفة من بعدي بأهل الأمصار، فإنهم جباة المال، وغيظ العدو، وردء المسلمين، أن يقسم فيهم بالعدل، ولا يحمل من عندهم فضل، إلا أن تطيب به أنفسهم » . وانظر: «الخراج» ليحيى بن آدم (رقم ٢٣٢، ٢٣٦)، «الخراج» لأبي يوسف (٢١، ٧٢- ط. بولاق، أو ٤٤، ١٠٥- ط. سلفية)، «طبقات ابن سعد» (٣/٣٣٦، ٣٣٩)، «تاريخ المدينة» لابن شبَّة (٣/٩٣٧)، مناقب عمر (٢٢٠) .
(٢) في الأصل: كان، وكتب الناسخ فوقها: كذا.
(٣) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب يقاتل عن أهل الذمة ولا يُسترَقُّون) (رقم ٣٠٥٢) . وأخرجه في عدة مواطن (رقم ١٣٩٢، ٣٧٠٠، ٤٨٨٨) من حديث عمرو بن ميمون، عن عمر.
(٤) في «سننه» في كتاب الخراج (باب في الذمي يسلم في بعض السَّنة، هل عليه جزية؟) (رقم ٣٠٥٢) من طريق ابن وهب: حدثني أبو صخر المديني، عن صفوان بن سليم، به. قلت: أبو صخر المديني، وهو: حُميد بن زياد، وهو من رجال مسلم، تكلِّم فيه، ولا ينزل =
[ ٥٧٧ ]
رسول الله - ﷺ -، عن آبائهم -دِنْيَةً- (١)، عن رسول الله - ﷺ - قال: «ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصهُ، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذَ منه شيئًا بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة» .
مسألة
إذا أحدث أهل الذمة حدثًا يخالف شيئًا مما أخذ عليهم في عهدهم من كافة ما ذكرنا، أنهم يؤخذون به، ويُشترط عليهم في العقد؛ فذلك على ضربين:
منه ما يُعَدُّ نقضًا لعهدهم، ومنه ما يستوجبون به عقوبة دون نقض العهد. فالذي يُنتقضُ به عهدُهم على وجهين:
منه ما يستباحون به في النفوس والأموال، من غير تقدمٍ في ذلك إليهم، إلا مواثبةً واغتيالًا، وذلك مثل أن يبتدئوا بقتال، هذا ما لا خلاف فيه، ومنه ما فيه خلاف: هل يغتالون؟ أو يُنبَذُ إليهم عهدهم، ويلحقون بمَأْمنهم، ثم يحاربون؟ وذلك بعد (٢) أن يمنعوا الجزية، أو يتمردوا عن الأحكام، ويمتنعوا من الإجابة إليها، لا خلاف في هذه الثلاثة: أن لكلِّ واحد منها حكم النقض؛ لأنها تنافي عقد الذمة، فلا يصح مع واحدٍ منها.
_________________
(١) = حديثه عن مرتبة الحسن. وقال شخينا الألباني -﵀-: «وهذا إسناد حسن، رجاله موثوقون، غير أبناء الصحابة -﵃- فإنهم لم يُسَمَّوا، ولكنهم جمع تنجبر به جهالتهم. كما قال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (ص ٣٩٢ رقم ١٠٤٤) . ولذلك قال: «لا بأس بسنده» . وسبقه إلى ذلك الحافظ العراقي، فقال: «وإسناده جيد، وإن كان فيهم من لم يُسمَّ، فإنهم عدَّة من أبناء الصحابة، يبلغون حدّ التواتر الذي لا يشترط فيه العدالة» . نقله ابن عرَّاق في «تنزيه الشريعة»؛ وأقره» . ا. هـ كلام الشيخ -﵀-. وأخرجه البيهقي في «الكبرى» (٩/٢٠٥) من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن ابن وهب، به. وفيه: عن ثلاثين من أبناء أصحاب رسول الله - ﷺ - وقال السخاوي: «وله شواهد أفردتها في «جزء»» .
(٢) دِنيَةً، قال السيوطي: «بكسر الدال المهملة، وسكون النون، وفتح الياء المثناة التحتية» . والمعنى: لاصقي النَّسَب. وانظر: «عون المعبود» (٨/٣٠٤) .
(٣) كتب الناسخ في الهامش: «بالأصل غير واضحة، فلعلها كذلك، أو: دون أن » .
[ ٥٧٨ ]
واخْتُلِفَ إنْ ذكروا الله -﷿- أو كتابه، أو رسوله، أو دينَه بما لا ينبغي؛ فقيل: حكم ذلك في انتقاض العهد به حكم الثلاثة المتقدمة؛ لأنه طعن في الدين، وقيل: حكمه حكم ما فيه ضرر على المسلمين، كما لو زنى بمسلمة، أو أصابها باسم نكاح، أو فتَنَ مسلمًا عن دينه، أو قطع عليه الطريق، أو دَلَّ على عورات
المسلمين، أو آوى عينًا لأهل الحرب، أو قتل مسلمًا؛ هذه سبعةٌ في كلها خلاف: هل يُنتقضُ به العهدُ أو لا يُنتقض؟ فقيل فيمن زنى بمسلمة، أو دلَّ على عورات المسلمين، أو فتن مسلمًا عن دينه ودعاه إلى كفره: أنَّ كل واحدٍ من هذه الثلاثة انتقاض عهد؛ لأنه إضرار بالمسلمين، وقيل: لا يُعَدُّ انتقاضًا؛ لأنه لا ينافي عقد الذِّمَّة، ولا يتَضمَّنُ طعنًا في الدِّين، وهو من الحدث الذي يعاقبون عليه.
وفرَّق قوم بين أن يكون شرطَ عليهم في العقد الانتقاض بفعل هذا ونحوه، أو أن لا يكون اشترط وقوعه نقضًا، فلا يلزم، ويُعاقبُ فاعله. وفرَّق بعضهم في الزِّنى بين أن يغْتَصِبَ المسلمة، فيُعدُّ ذلك نَقْضًا، أو يكون طوعًا منها، فَيُضرب ضربًا موجعًا.
وروي عن عمر بن الخطاب، أن نصرانيًا نَخَس بغلًا عليه امرأةٌ مسلمةٌ، فوقعت، فانكشفت عورتها، فكتَبَ: أن يُصلب في ذلك الموضع، وقال: إنما عاهدناهم على إعطاء الجزية عن يدٍ وهم صاغرون (١) . وإنما فعل ذلك عمر؛ لأنَّ الذِّمِّيَّ كان
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٦/١١٤ رقم ١٠١٦٧ و١٠/٣١٤ رقم ١٩٢١٦، و٣٦٣ رقم ١٩٣٧٨)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/٢٠١)، وأبو يوسف في «كتاب الخراج» (١٧٨)، وأبو عبيد في «الأموال» (٢٣٥ -٢٣٦ رقم ٤٨٦ و٤٨٧)، وابن زنجويه في «كتاب الأموال» (١/٤٣٥ رقم ٧٠٨)، والخلال في «أحكام أهل الملل» (٢٦٧ رقم ٧٦٤)، من طرقٍ عن مجالد عن الشعبي، عن عوف بن مالك الأشجعي، أن رجلًا يهوديًا أو نصرانيًا، نخس بامرأة مسلمة وفيه قصَّة. وفي بعض طرقه ذكر سويد بن غفلة بين الشعبي وعوف بن مالك، وقال البيهقي -وقد أخرجه من طريق مجالدٍ عن الشعبي- قال: تابعه ابن أشوع عن الشعبي، عن عوف بن مالك. قلت: ومجالد وهو ابن سعيد بن عمير الهَمداني، أبو عمرو الكوفي. قال الحافظ في «التقريب» (٦٤٧٨): ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره. =
[ ٥٧٩ ]
تعمَّد إيقاعها والتكشف عليها؛ رُوي ذلك مفسرًا في بعض القصة. وكذلك قال قومٌ في قطع الطريق، وفي القتل الموجب
مثله للقصاص بين المسلمين: أنَّ كل ذلك يُعَدُّ نقضًا من فاعله. وقال قوم (١): لا يُعدُّ نَقْضًا، وإنما فيه إجراء حكم المسلمين عليه في حَدِّ الحرابة والقتل.
وقال الأوزاعيُّ (٢) فيمن آوى عيون أهل الحرب، أو خبَّر بعورة المسلمين: ذلك نقضٌ، فإن شاء الوالي قتَلَهُ، وإن شاءَ صلبَه. ونحوه يُروى عن بعض المالكية (٣)، ولم يره الشافعي وأبو حنيفة (٤) نقضًا، وقال الشافعي (٥): يُعَزَّرُ ويُحبسُ عقوبة.
_________________
(١) = وابن أشوع، اسمه: سعيد بن عمرو بن أشْوعَ الهَمداني. قال الحافظ ابن حجر في «التقريب» (٢٣٦٨): ثقة، رمي بالتشيع. ومتابعة ابن أشوع -هذه - من طريق إسماعيل ابن علية، عن خالد الحذاء، عنه، ذكرها الخلال في «أحكام أهل الملل» (رقم ٧٦٣) عن أحمد. وأخرجه ابن زنجويه في «الأموال» (١/٤٣٤ رقم ٧٠٧) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عمر. وهذا إسناد ضعيف. فالشعبي لم يدرك عمر، فهو منقطع. وانظر: «أحكام أهل الذمة» (٣/١٣٥١، ١٣٦٧)
(٢) وهم الحنفية. انظر: «الهداية» (٢/٤٥٦)، «اللباب» (٤/١٤٨)، «البناية» (٥/٨٤٢) . قالوا: لأن الغاية التي ينتهي بها القتال: التزام الجزية، لا أداؤها، والالتزام باق.
(٣) نقل مذهبه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٨٣، ٢٨٥، ٣٢٨) .
(٤) انظر: «البيان والتحصيل» (٢/٥٣٦-٥٣٧)، «النوادر والزيادات» (٣/٣٥٢- ٣٥٣)، «أحكام أهل الذمة» (٣/١٣٧٤) .
(٥) وذلك على أصول مذهب الحنفية -كما مضى- أن غاية عدم قتالهم إلتزامهم الجزية، والالتزام باقٍ. انظر: «الهداية» (٢/٤٥٦)، «اللباب» (٤/١٤٨)، «البناية» (٥/٨٤٢) . وانظر: «الأوسط» (١١/٢٨٦) .
(٦) في «الأم» في كتاب الحكم في قتال المشركين، ومسألة مال الحربي (باب المسلم يدل المشركين على عورة المسلمين) (٤/٢٦٥-ط. دار الفكر) . ونقله عنه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٨٣، ٢٨٥) . =
[ ٥٨٠ ]
وكلُّ ما ذكرنا مما فيه الخلافُ، هل يُعَدّ نقضًا أو لا؟ فالخلاف فيه إذا عُدُّ نقضًا: هل يُغتالُ، أو يُرَدُّ إلى مأمنه؟
والأرجح -إن شاء الله- في كل ما كان فيه طعنٌ في الدِّين، وكان مما لا يَدينون به في مِلَّتهم؛ أن يُعَدَّ ذلك نقضًا يُستباح فاعله، قال الله تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢] .
فأمَّا إن كان مما يدينون باعتقاده، كقولهم في المسيح
وعزيرٍ ونحو ذلك، فلم يجرِ مَجرى قصد الطّعن؛ فلا يدخل في ذلك، والله أعلم.
وكذلك الأرجح فيمن فعلَ ما يُعدُّ نَقضًا أن يُغتال، ولا يجب رَدُّهُ إلى مأمنه؛ لأنه بعد نقضه العهد لمْ تَبقَ له حُرمةٌ فيه، ولا شُبْهَةُ حُرمةٍ يتعلَّقُ بها أمان، بخلاف من يتوقع منه خيانة وهو لم يفعل بعد، فذلك هو الذي يُنبذُ إليه، ويردُّ إلى مأمنِه، أوما كان في معناه، وكذلك فِعلُ عُمَرَ حين أمر بصَلبِ العلْج الذي تعمَّد كشف المرأة المسلمة، ورُوي مِثلهُ عن أبي عبيدة بن الجراح، أنّه قتل نصرانيًا استكره مسلمة على الزِّنى، ولم يَردَّه إلى مأمنه (١) . ورُوي عن رسول الله - ﷺ - في صلح أهل خيبر على أموالهم، وأن لا يكتموا منها شيئًا: أن الربيع وكنانة ابني أبي الحُقيق (٢) كتماه بعضَ ذلك، قال ابن عباس: فقدمهما رسول الله - ﷺ -، فضرب أعناقهما، قال:
_________________
(١) = وعدَّه العمراني -من الشافعية- في «البيان» (١٢/٣٢٤) نقضًا للعهد. وذكر في موطن آخر (١٢/٣٨٧) الاشتراطَ في ذلك، فإن لم يُشْترط على أهل الذمة ذلك، فلا ينتقض. وانظر: «المجموع» (٢١/٤١٢، ٤١٣) .
(٢) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٦/١١٥-١١٦ رقم ١٠١٧٠ و١٠/٣٦٤ رقم ١٩٣٨١) عن ابن جريج، قال: أخبرت أنّ أبا عبيدة بن الجراح، قتل كذلك رجلًا أراد امرأةً عن نفسها. والإسناد فيه مجهول، وهو الذي أخبر ابن جريج بهذه الحادثة. فهو ضعيف. وأخرج مثله عن أبي هريرة. ويغني عنه أثر عمر، وهو صحيح بطرقه. وانظر: «أحكام أهل الملل» (٢٦٦ رقم ٧٦٣)، و«أحكام أهل الذمة» (٣/١٣٤٩) .
(٣) سقطت كلمة (أبي) من منسوخ أبي خبزة.
[ ٥٨١ ]
ثم بعث إلى ذريتهما، وأُتِيَ بصفيّة، ذكره ابن المنذر (١) .
ورواه أبو عبيد في كتابه «الأموال» (٢)، عن علي بن مَعبد، عن
أبي المليح،
_________________
(١) في «الأوسط» (١١/٣٢٩ رقم ٦٦٩٤) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مِقسم، عن ابن عباس، به، مطولًا، وفيه قصة. وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٢/١٠٦-ط. مكتبة الخانجي) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، به. وذكره الهيثمي في «المجمع» (٦/١٥٢- ١٥٣)، ثم قال: رواه الطبراني. وفيه محمد بن أبي ليلى، وهو سيء الحفظ، وبقية رجاله ثقات. وللحديث أصل صحيح، أخرجه البخاري في عدة مواطن من «صحيحه» (رقم ٤٢١٣) وغيرها، مطولًا، ومختصرًا من حديث أنس -﵁-، وليس فيه ذكر قتل ابني أبي الحُقَيْق. ووقع ذكر قتلهما عند أبي داود (رقم ٣٠٠٦)، والبيهقي (٩/١٣٧) بإسناد حسن، من حديث ابن عمر -﵄-. وانظر: «دلائل النبوة» للبيهقي (٤/٢٢٩)، «سيرة ابن هشام» (٣/٣٣٦- مؤسسة علوم القرآن)، «مغازي الواقدي» (٢/٦٨٣، ٤/٢٠٨)، «السيرة النبوية» لابن كثير (٣/٣٧٧)، «شرح المواهب اللدنية» (٢/١٣٩)، «زاد المعاد» (٣/٣٢٥-٣٢٦) .
(٢) في «الأموال» (ص ٢١٦ رقم ٤٥٨) . وأخرجه عنه: ابن زنجويه في «كتاب الأموال» (١/٤١٠ رقم ٦٧٦)، والبلاذري في «فتوح البلدان» (ص ٤٠) . وأخرجه البلاذري (ص ٣٩) عن أبي عبيد به، مختصرًا، مقتصرًا على الخبر إلى قوله: «ثلاثين ليلة» . وهذا إسناد ضعيف؛ لإرساله. فميمون بن مهران مات سنة (١١٧هـ) كما في «التقريب» (٢/٢٩٢) . وأخرجه أبو عبيد (ص ٢١٧ رقم ٢٥٩) -وعنه ابن زنجويه (١/٤١١ رقم ٦٧٩) -، عن حجاج بن محمد، والبلاذري (ص ٤٠)، عن إسحاق بن أبي إسرائيل؛ كلاهما عن ابن جريج، عن رجل من أهل المدينة، أن رسول الله - ﷺ - صالح ابني أبي الحقيق على أن لا يكتموه كنزًا، فكتموه، فاستحلّ بذلك دماءهم. قلت: وهذا إسناد ضعيف، ففيه مجهول، ويستبعد كونه صحابيًا؛ لأن ابن جريج من أتباع التابعين، ثم إنه مدلس، وقد عنعن هنا. وأخرجه ابن زنجويه (١/٤١١ رقم ٦٧٨) من طريق عبيد الله بن أبي زياد، عن مجاهد، أن النبي - ﷺ - قال: «اللهم أمكني من بني أبي الحقيق في غير عهد ولا عقد » وفيه قصّة. وهو مرسل ضعيف. وعبيد الله بن أبي زياد -وهو القداح-، قال الحافظ في «التقريب» =
[ ٥٨٢ ]
عن ميمون بن مهران، قال: حاصر رسول الله - ﷺ - أهل خيبر، ما بين عشرين ليلة إلى ثلاثين ليلةً، وإنَّ أهل الحصن أخذوا الأمان على أنفسهم، وعَلى ذراريهم، وعلى أن لرسول الله - ﷺ - كل شيءٍ في الحصن، قال: وكان في الحصن أهلُ بيتٍ، فيهم شدّةٌ على رسول الله - ﷺ - وفُحشٌ، فقال رسول الله - ﷺ -: «يا بني الحُقيق (١)، قَد عرفتم (٢) عداوتكم لله ولرسوله، ثم لم يمنعني ذلك من أن أعطيكم ما أعطيت أصحابكم، وقد أعطيتموني أنكم إن كتمتم شيئًا، حَلَّت لنا دماؤكم. ما فَعَلت آنيتكم: فلان وفلان؟» . قالوا:
استهلكناها في حربنا. قال: فأمر أصحابه، فأتوا المكان الذي فيه الآنية، فاستثاروها. قال: ثم ضُرِبت أعناقهم.
فهذا كلُّه ليس في شيءٍ منه الرَّدُّ إلى المأمن، فلا يجب ذلك، والله سبحانه أعلم.
وأما الضرب الثاني: وهو ما لا يُعدُّ من أفعال أهل الذِّمَّة نقضًا، وإنما يستوجبون به التعزير والعقوبة، فمثل: إظهار الخمر والناقوس، والإعلان بمعتقدهم في المسيح، وغير ذلك مما لا يباح لهم، وليس من أقسام الضرب الأول، التي هي مُنحصرة في ثلاثة معانٍ: ما يرجع إلى منافاةِ العقد، والطَّعنِ في الدِّين، والإضرارِ بالمسلمين.
وزعمت الشافعية: أنّ هذا الضرب الثاني لا يُعدُّ نقضًا، وسواءٌ شُرِطَ عليهم الانتقاضُ بفِعله أو لم يُشترط، قالوا: وإنما يُحملُ اشتراطُ النَّقْضِ بمثل هذا على
_________________
(١) = (٤٢٩٢): ليس بالقوي. وأصل القصة صحيحة، ثابتة في «صحيح البخاري» (٢٣٢٨، ٢٣٢٩، ٢٣٣١)، ومسلم (١٥٥١) مختصرة، وهي مطولة عند ابن حبان (٥١٩٩)، والبيهقي (٦/١١٤)، وفي «الدلائل» (٤/ ٢٢٩-٢٣١) بإسنادٍ رجاله ثقات، وقاله ابن حجر في «الفتح» (٧/٤٧٩)، وصححه شيخنا الألباني في «تخريج أحاديث فقه السيرة» (٢٧٣) .
(٢) كذا في الأصل، وفوقها علامة (صح)، وفي هامش المنسوخ: «كذا قال الراوي، وإنما هم: بنو أبي الحُقيق» . وهو الموافق لما عند أبي عبيد في «الأموال» .
(٣) كذا في الأصل والمنسوخ، وفي مطبوع «الأموال»: عَرَفْتُ.
[ ٥٨٣ ]
الإرهاب والتخويف، فلا يجب في ذلك على كلِّ حالٍ إلا التعزير (١) .
فأقول: أما إذا لم يشترط عليهم الانتقاض به فهو ظاهر، وأما إن كان اشترط عليهم في عهدهم أنهم إن أظهروا شيئًا من ذلك؛ فلا ذِمَّة لهم، وقد عادوا بذلك حربًا، فالوجه: أنَّ ذلك على ما شُرِطَ، وهو ظاهر ما في كتاب عُمَر -رضي الله تعالى عنه- في عَقْدِهِ الذِّمة لنصارى الشام؛ لأنه قال في آخره، بعد أن ذكر فيه هذه الشروطَ المعدودةَ في الضَّربِ الثَّاني وغيرها: «فإن خالفوا شيئًا ممَّا شرطوه، فلا ذِمَّة لهم، وقد حلَّ للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشِّقاق» (٢) .
ومما يدل على صحة هذا المذهب: ما فعله رسول الله - ﷺ - من قتل ابني أبي الحُقيق، وسَبي ذريتهما، حين شرط عليهما استباحة ذلك منهما إن كتماه (٣) .
وأيضًا؛ فإنَّ العهد الذي به حرم ذلك منهم، لم يتناول إلا ما وافق صفته وشَرْطَه، فإذا خالفوا شيئًا من ذلك، وقد كان اشترط عليهم
أنْ لا عهدَ لهم إذا خالفوا شيئًا من ذلك؛ فلم يبقَ لهم عهدٌ كالحربي، والله أعلم.
مسألة
إذا نبذَ أهل الذِّمَّة العهد إلى المسلمين، فإنهم لا يغتالون، ويلحقون بالمأمن عند الشافعي قولًا واحدًا (٤)، فإن خرجوا من غير أن يُعلموا بذلك، وهربوا إلى بلاد الحرب، فقد قيل: إن كان ذلك من ظلمٍ أو جورٍ رَكِبَهم مما يُعرفُ عُذْرهم فيه لم يُعدَّ ذلك نقضًا، ولم يُستباحوا في نفسٍ ولا مال، وهو إمّا أن يُخلَّى سبيلُهُم، أو يُعادوا إلى
_________________
(١) انظر: «الأم» (٤/١٩٨-١٩٩)، «مختصر المزني» (ص ٢٨٠)، «روضة الطالبين» (١٠/ ٣٣٠)، «منهاج الطالبين» (٣/٣٠٠)، «الحاوي الكبير» (١٨/٤٤٨)، «البيان» (١٢/٢٨٨)، «المجموع» (٢١/٤١٣) .
(٢) مضى تخريجه.
(٣) مضى تخريجه قريبًا.
(٤) انظر: «الأم» (٤/١٩٦)، «مختصر المزني» (ص ٢٨٠)، «روضة الطالبين» (١٠/٣٣٨)، «منهاج الطالبين» (٣/٣٠٦)، «الحاوي الكبير» (١٨/٤٤٢)، «البيان» (١٢/٣٢٨)، «المجموع» (٢١/٤٠٦) .
[ ٥٨٤ ]
ذمتهم، ويُزال الظلم عنهم، وكذلك لو أُشكِلَ أمرهم، ولم يُعرفْ صدقهم مِنْ كذبهم إذا ادَّعَوا ذلك؛ فلا يُستباحوا، حتى يتبيَّنَ أنهم نَقَضُوا أَشَرًا، على غير شيءٍ من تحت إمام عادل.
رُوِي ذلك عن ابن القاسم وأصبغ (١) . قال أبو الوليد بن رشد (٢): وذلك صحيحٌ على مذهب مالكٍ وأصحابهِ، وقال غيره (٣): بل لا عُذرَ لهم إذا خرجوا إلى بلاد الحرب ونقضوا، وإن كان ذلك من جور أو غيره؛ لأنهم لم يعاهدوا على مثل ذلك، كأنه يعني: أنَّ عليهم أن يرفعوا أمرهم إلى الإمام إن رَجوا عنده زوالَ ذلك، أو ليأذن لهم في التحول. قال اللخمي: لأنهم رَضُوا بِطرح ما عُقِدَ لهم، وإسقاطِ حَقِّهم فيه.
مسألة
إذا نقض أهل الذمة العهد وقاتلوا، فظفر بهم المسلمون، ففي استباحة نسائهم وذراريهم بالسبي خلاف، فعن مالكٍ وجميع أصحابه: أن أهل
الذمة قد صاروا بذلك حربًا: يسبون ويقتلون، إذا لم يكن عذر من ظَلامَةٍ أو جَوْرٍ، وخالفهم أشهب؛ فمنع السِّباء، قال: لا يعود الحرُّ إلى الرِّقِّ أبدًا، قال أبو الوليد بن رشد في «شرح مسائل العتبية» (٤): «ما اتفق عليه مالك وأصحابه أصح في النظر؛ لأن الحرية لم تثبت لهم بعتاقةٍ من رقٍّ متقدم، فلا ينتقض، إنما تركوا على حالهم من الحرية التي كانوا عليها آمنين؛ بما بذلوه من الجزيةِ على شرطها ما بذلوها، فإذا منعوا الجزية، لم يَصِحَّ لهم العوض، وكان للمسلمين الرجوع فيه، وذلك -أيضًا- كالصلح بين المسلمين وأهل الحرب على شروط، فإذا لم يَفُوا بها، انتقض
_________________
(١) انظر: «البيان والتحصيل» (٢/٦٠٩، ٣/١٢)، «النوادر والزيادات» (٣/٣٤٤، ٣٤٧) .
(٢) في «البيان والتحصيل» (٣/١٢) .
(٣) هو أشهب -من أصحاب مالك- كما في «البيان والتحصيل» (٣/١٢) .
(٤) «البيان والتحصيل» (٢/٦١٠) . والكلام السابق منه -أيضًا-.
[ ٥٨٥ ]
الصلح» . وذكر احتجاج ابن الماجشون لذلك بما فعل النبي - ﷺ - في سبي قريظة وغيرهم، فزعم أن لا حجة في ذلك؛ لأن الذي كان بين النبي - ﷺ - وبني قريظة وغيرهم من اليهود، إنما كان مهادنةً وهم في بلادهم، لم يكونوا كأهل الذمة الذين غُلِبوا، فأقِرُّوا تحت ملكة المسلمين على أداء الجزية (١) .
فأقول: أمّا ما احتج به أبو الوليد على أشهب في أول كلامه فصحيح، وأما ردُّه على ابن الماجشون فيما احتج به ابن الماجشون من سبي قريظة، فغير مستقيم، بل هوحجةٌ بيِّنةٌ كما ذكر ابن الماجشون وغيره.
خرَّج مسلم (٢) عن ابن عمر، أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله - ﷺ -، فأجلى رسول الله - ﷺ - بني النضير، وأَقَرَّ قريظة، وَمَنَّ عليهم، حتى حاربته قريظة بعد ذلك، فقتل رجالهم، وقَسَم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين.
وإذا ثبت أن أهل الذمة الذين ضربت عليهم الجزية لم يكونوا عبيدًا أُعتقوا، كما أقرَّ به أبو الوليد (٣)، وجعله حجته في الرَّد على
أشهب؛ فأيُّ فرقٍ بينهم وبين كلِّ من له عهد سواهم في (باب: النقض، وما يستحقه الناقض للعهد من العقوبة والقتل والسبي)، وهم سواء في أصل الكفر ونكث العهد؟! ثم هو -أيضًا- قد سوَّى بينهم في كلامه في (باب: النقض) وقاسهم على أهل الصلح، حيثُ قال (٤): «وذلك
-أيضًا- كالصلح بين المسلمين وأهل الحرب على شروط، فإذا لم يفُوا بها، انتقض
_________________
(١) إلى هنا انتهى الكلام من «البيان والتحصيل» . بتصرف يسير. وانظر: «المدونة» (١/٥١٠)، «جامع الأمهات» (٢٥٤)، «الكافي» (١/٤٨٣)، «النوادر والزيادات» (٣/٣٤٣)، وما فعله - ﷺ - في سبي قريظة يأتي تخريجه -قريبًا-.
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب إجلاء اليهود من الحجاز) (١٧٦٦) (٦٢) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب المغازي (باب حديث بني النضير، ومخرج رسول الله - ﷺ - إليهم في دية الرجلين، وما أرادوا من الغدر برسول الله - ﷺ -) (رقم ٤٠٢٨) .
(٣) في «البيان والتحصيل» (٢/٦١٠-٦١١) .
(٤) نقل كلامه -أيضًا-: ابن رشد في «البيان والتحصيل» (٢/٦١٠) .
[ ٥٨٦ ]
الصُّلح» . فكيف يُفرِّقُ بينهما في الحكم بعد أن ساوى في المعنى وهو النكث؟! هذا ما لا خَفَاءَ باستوائهما فيه؛ لأنه بالنَّكثِ يعود الجميعُ حَرْبًا، وإنما يختلفون في حكم الجزية من الأداء المحدود على الشروط المشروعة، كما أنَّ المهادنة -أيضًا- قد تختلف الشروط فيها -أيضًا-، وأصلُ العهد واحدٌ، وإنما الكلام في حكم النَّقض الذي هو واحدٌ في جميع ذلك؛ فسَبيُ قُريظةَ في هذا الباب أصلٌ، كما ذهبَ إليه ابن الماجشون (١) وغيره (٢) .
وكان أحمد بن حنبل يقول في ذراري أهل العهد إذا نَقَضوا: كلُّ مَنْ وُلِدَ بعد النَّقْضِ يُسْبَوْن، ومن كان قبل ذلك لا يُسْبون (٣) . وهذه التفرقة منه وإن أدَّى إليها نَظرٌ يُستشعرُ صوابه، فالقاضي عليه: ما ثَبتَ من فِعل رسول الله - ﷺ -، وسَبيه جميعَ ذُرِّيةِ النَّاقضين، مِمَّن تقدم منهم على النقضِ أو
تأخر، وكان الذي يظهر من معنى ذلك -والله أعلم-: أنَّ السَّبْيَ من النِّساء والذرية لمَّا لم يكن حُكمهم القَتْل، صاروا في باب عَقْد الأمان تَبَعًا للرجال كالمال، فإذا اسْتُحِقَّ دِماءُ رجالهم فقتلوا، سقط الوجه الذي كان وجبَت به الحرمة لهم، فاسْتبيحَ ما كان تحت أيدي رجالهم من أهلٍ ومال. وقال ابن القاسم في أهل الذمة إذا نقضوا وحاربوا: إنَّ مَنْ عُلِمَ منهم أنه مغلوبٌ على أمره، وأنه لم يُعنْ، مثل الضعيف والشيخ الكبير
_________________
(١) نقل كلام ابن الماجشون -أيضًا-: ابن رشد في «البيان والتحصيل» (٦/٦١١)، وابن أبي زيد القيرواني في «النوادر والزيادات» (٣/٣٤٦) .
(٢) كالأوزاعي، وأصبغ -من أصحاب مالك-؛ نقل ذلك عنهما القيرواني في «النوادر» .
(٣) انظر: «المغني» (١٣/١٥٣)، «المقنع» لابن البنا (٣/١١٨٤)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٥٧٥)، «شرح الزركشي» (٦/٥٣٣)، «الواضح شرح مختصر الخرقي» (٢/٢٧٢)، «الإنصاف» (٦/ ٢٥٦)، «المبدع» (٣/٤٣٤)، «الفروع» (٦/٢٨٨)، «المحرر» (٢/١٨٨)، «مسائل الإمام أحمد» (١/ ٢٥٥- رواية الكوسج، ١/٣١١-٣١٢- رواية ابنه صالح، ٣/٨٤٦-٨٤٧- رواية ابنه عبد الله) . وقد نقل المصنف مذهب الإمام أحمد عن ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٣٣٠) . وهو مذهب الحسن البصري، فيما نقله عنه ابن قدامة في «المغني» .
[ ٥٨٧ ]
الزمن، فلا أرى أن يستباحوا بقتلٍ ولا استرقاق، وأما الذرية -يعني ذرية الناقضين منهم- فيُسْتَرَقُّون (١) .
ففرَّق ابن القاسم بين الذُّرِّيَّة، وإن كانوا لا يوجد منهم قتال، ولا إعانة في نقض، وبين من علم أنه مغلوب من الرجال، إنما أرى (٢) ذلك -والله أعلم- لأنَّ الذريةَ تَبَعٌ في الحكم لرجالهم الذين نقضوا كما تقدم، وليس كذلك من له حكم نفسه من الرجال، فإنَّ أحدًا لا يؤخذ بجريرة أحد، وكذلك يجب أن يكون الحكم في ذراري هؤلاء المستضعفين من رجالهم، الذين عُلِمَ أنهم لم يكن منهم في ذلك النقض عملٌ ولا رِضىً، فلا يباح سَبْيُ ذراريهم؛ لأنهم تَبعٌ في الحكم لهم، وإنما تكلَّم ابن القاسم على ذراري الناقضين دونهم، وقال غيره من أصحاب مالك، منهم ابن الماجشون (٣) وغيره (٤): «إنَّ نَقْضَ كبارهم يُعَدُّ نقضًا عليهم، كما أن صُلحَهم صُلحٌ عليهم»، فلم يفرقوا بين المستضعفين وغيرهم، وحملوهم في ذلك محمل الذرية. قال أبو الوليد بن رشد (٥): لا ينبغي أن يختلف فيهم إذا عُلم أنهم مغلوبون ومُكْرَهون غير راضين؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤، الإسراء: ١٥، فاطر: ١٨، الزمر: ٧]، ويحمل الخلاف على من
جُهِل أمره، وادَّعى الإكراه.
وقال الأوزاعي (٦): أهل العهد لا تؤخذ العامة منهم بنقض الخاصة، وقاله
_________________
(١) نقله عنه ابن رشد في «البيان والتحصيل» (٦/٦٠٩)، وابن أبي زيد القيرواني في «النوادر والزيادات» (٣/٣٤٦) .
(٢) كذا في الأصل والمنسوخ، وفي هامش المنسوخ: «كذا. ولعلها: رأى» .
(٣) انظر: «البيان والتحصيل» (٢/٦١١) .
(٤) مثل أصبغ، وابن حبيب. كما في «البيان والتحصيل» .
(٥) المصدر السابق. وانظر: «النوادر والزيادات» (٣/٣٤٦) .
(٦) مقالة الأوزاعي هذه ضمن رسالة طويلة كتبها إلى صالح بن علي، أورد أبو عبيد في كتابه «الأموال» (ص ٢٢٢- ٢٢٣ رقم ٤٦٧) قطعةً منها، فيها هذه العبارة.
[ ٥٨٨ ]
أبو عبيد (١)، وجماعةٌ من أهل العلم (٢)، قال أبوعبيد: «إلاَّ أن يكون ذلك بممالأةٍ منهم، ورضىً بما صنعت الخاصة؛ فهناك تحل دماؤهم» . وقال سفيان بن عيينة (٣): «الذي انتهى إلينا من العلم أنَّ من نقض شيئًا مما عوهدوا عليه، ثم أجمع القوم على نقضه، فلا ذمة لهم» . وَذَكَر أهلَ مكةَ ونَقْضَهم، وقال: «لا نعلم رسول الله - ﷺ - عاهد قومًا فنقضوا العهد إلا استحل قتلهم، غير أهل مكة: فإنه مَنَّ عليهم، وإنما كان نَقضُهم الذي استحلَّ به غزوهم: أن قاتلت حلفاؤهم مِنْ بني بكر، حلفاءَ رسول الله - ﷺ - من خزاعة، فنَصَر أهلُ مكةَ بني بكر علىحلفائه؛ فاستحلَّ بذلك غَزوهم» (٤) .
_________________
(١) في كتابه «الأموال» (ص ٢٢٨) .
(٢) وعلى رأسهم علي -﵁-. أخرج أبو عبيد في كتاب «الأموال» (ص ٢٢٨-٢٢٩ رقم ٤٧٦) -واللفظ له-، وابن زنجويه في «الأموال» (رقم ٦٩٢)، والدارقطني في «السنن» (٣/١٣١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/١٨٤): حدثنا سليمان التيمي، عن أبي مجلز: أن عليًّا نهى أصحابه أن يبسطوا على الخوارج حتى يحدثوا حدثًا. قال: فأخذوا عبد الله بن خباب فانطلقوا به، فمروا على تمرة ساقطة من نخلة فأخذها بعضهم، فألقاها في فيه، فقال له بعضهم: تمرة معاهد، فبم استحللتها؟ فألقاها من فيه، ثم مروا بخنزير، فنفحه أحدهم بسيفه، فقال له بعضهم: خنزير معاهد، فبم استحللته؟ فقال لهم عبد الله بن خباب: ألا أدلكم على ما هو أعظم حرمة من هذا؟ قالوا: بلى. قال: فقتلوه. فبلغ ذلك عليًّا، فأرسل إليهم: أن أقيدونا بعبد الله بن خباب. فقالوا: كيف نقيدك بعبد الله، وكلنا قتله؟ فقال علي: أَوَكُلُّكُم قتله؟ قالوا: نعم. قال: الله أكبر. ثم أمر أن يبسطوا عليهم. وإسناده صحيح. قال أبو عبيد: أفلا ترى أن عليًا -﵇- لم يستجز قتال عوامهم بما أحدثت الخاصة، حتى انتحلوه جميعًا، وتواطؤوا عليه؟ فكذلك أمر النكث، وكذلك لو أن بلادًا افتتحت فكان بعضها عنوة؛ وبعضها صلحًا، لا يُعرف هذا من هذا؛ أُمْضِي كله على الصلح، مخافة التقدم على الشبهة.
(٣) نقله عنه أبو عبيد في «الأموال» (ص ٢٢٤ رقم ٤٧٠) .
(٤) انظر قصة غزوة فتح مكة وسببها بالتفصيل في: «طبقات ابن سعد» (٢/١٣٤)، «سيرة ابن هشام» (٤/٣)، «مغازي الواقدي» (٢/٧٨٠)، «أنساب الأشراف» (١/١٧٠)، «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٢/١٢٦)، «تاريخ الطبري» (٣/ ٤٢)، «عيون الأثر» (٢/٢١٢)، «البداية والنهاية» (٤/٢٧٨)، «نهاية الأرب» (١٧/٢٨٧)، «شرح المواهب اللدنية» للزرقاني (٢/٢٨٨)، «السيرة الحلبية» (٣/٨١)، «السيرة الشامية» (٥/٣٠٤)، «سبل الهدى والرشاد» (٥/٢٠٠) .
[ ٥٨٩ ]
فإذا تقرر ذلك، فالناقضون على ثلاثة أحوال: إمّا أن يُعلم تمالؤهم ورضاهم به، فهؤلاء يستباح جميعهم بلا خلاف، وإما أن يُعلمَ من نَقَضَ بعينه، وأنَّ من سواه -أو قومًا بأعيانهم- لم يعاون، ولم يَرْضَ بفعل من نقض؛ فلا ينبغي أن يُستباح من لم يرض منهم بحال. قال الله -تعالى-: ﴿كُلُّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ [الطور: ٢١] . وقال -تعالى-: ﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقال -تعالى-: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤، الإسراء: ١٥، فاطر: ١٨، الزمر: ٧] .
والثالث: أن يُشكل الأمر: فلا يُعرف من نَقَضَ منهم مِمَّن لم يَنْقُضْ، فهذا موضع النظر ومحلُّ الخلاف، والله أعلم.
مسألة
اختلف أهل العلم في الواجب في حكم من قتل ذميًا ظلمًا،
فذهب أبو حنيفة وأصحابه وابنُ أبي ليلى وعثمانُ البَتِّيُّ إلى أن
المسلم يُقتلُ بالذِّمِّي (١)، وهو قول الشعبي وإبراهيم النخعي (٢) . وذهب
_________________
(١) وهو أحد قولي أبي يوسف في المشهور عنه. انظر: «المحلى» (١٠/٣٤٨)، «حلية العلماء» (٧/٤٤٩) . وانظر في مذهب الحنفية: «شرح معاني الآثار» (٣/١٩٢-١٩٦)، «مختصر الطحاوي» (٢٣٠)، «القدوري» (٨٩)، «اللباب» (٣/١٤٤)، «الجوهر النقي» (٨/٣٤)، «الهداية» (٤/٥٠٤)، «عمدة القاري» (٢٤/٤٠)، «مختصر اختلاف العلماء» (٥/١٥٧ رقم ٢٢٧١)، «الاختيار» (٥/٢٧)، «رد المحتار» (٦/ ٥٣٤)، «البناية» (١٠/٢٣، ٢٧)، «فتح القدير» (١٠/٢١٧)، «تبيين الحقائق» (٦/١٠٣)، «المبسوط» (٢٦/ ١٣١)، «رؤوس المسائل» (٤٥٤)، «تحفة الفقهاء» (٣/١٤٥)، «مجمع الأنهر» (٢/٦١٩)، «حاشية ابن عابدين» (٦/٥٢٧)، «البحر الرائق» (٨/٣٣٧)، «أحكام القرآن» للجصاص (١/١٧٣)، «ملتقى الأبحر» (٢/٢٨٦) .
(٢) قالا: المسلم الحر يقتل باليهودي والنصراني. وروي عنهما أنه يقتل باليهودي والنصراني دون المجوسي. انظر: «المحلَّى» (١٠/٣٤٧-٣٤٨)، «المجموع» (١٧/١٩٧)، «المغني» (١١/٤٦٦)، «عون =
[ ٥٩٠ ]
الأوزاعي (١)، ومالك (٢)، والشافعي (٣)، والليث، والثوري، وأحمد (٤)، وإسحاق،
_________________
(١) = المعبود» (٤/٣٠٤)، «نيل الأوطار» (٧/١١-١٢) . واعتمد أصحاب هذا القول على أحاديث لم تصح. انظر ذلك بتفصيل في: «بيان الوهم والإيهام» (٢/٣٣٠-٣٣١)، «تهذيب سنن أبي داود» لابن القيم (٦/٣٣٠)، «تنقيح التحقيق» (٣/ ٢٥٤-٢٥٧)، تعليقي على «سنن الدارقطني» (رقم ٣٢١٣-٣٢١٦)، «نصب الراية» (٣/٣٣٥-٣٣٦)، «معالم السنن» (٤/٣٧-٣٨)، «فتح الباري» (١٢/٢٦٢)، «الدراية» (٢/٢٦٢)، «نيل الأوطار» (٧/١١)، «سبل السلام» (٣/٢٨٥)، «أحكام الجناية» (١٦٠-١٦٥) . وانظر -أيضًا-: «الإشراف» لابن المنذر (رقم ١٢٥٧)، «المغني» (١١/٤٦٩- وما بعدها)، «المحلَّى» (١٠/٣٤٧- وما بعدها)، «نوادر الفقهاء» (ص ٢٠٧)، «الإفصاح» (٢/١٩٠) .
(٢) نقل ذلك عن الأوزاعي والثوري: الجصاص في «مختصر اختلاف العلماء» (٥/١٥٧ رقم ٢٢٧١) . وانظر: «المغني» (١١/٤٦٦)، «المحلّى» (١٠/٣٥٠)، «الاعتبار» (١٩٠)، «شرح السنة» (١٠/ ١٧٥)، «تحفة الأحوذي» (٢/٣١٢)، «فقه الأوزاعي» (٢/٢٧١)، «موسوعة فقه سفيان الثوري» (٢٩٥) . وحكى القرطبي في «تفسيره» (٢/٢٤٦) عن الكوفيين وسفيان الثوري: أن المسلم يقتل بالكافر.
(٣) انظر: «الموطأ» (٢/٨٧٢)، «المنتقى» (٧/٩٧)، «المدونة» (٤/٤٤٤)، «التفريع» (٢/ ٢١٦)، «الرسالة» (٢٣٨-٢٣٩)، «الكافي» (٥٨٧)، «مقدمات ابن رشد» (٣/٣٣٧)، «المعونة» (٢/ ١٣٠٢)، «جامع الأمهات» (ص ٤٩١)، «عارضة الأحوذي» (٦/١٨٠-١٨٣)، «بداية المجتهد» (٢/ ٣٩٩)، «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب البغدادي (٤/٨١ المسألة رقم ١٤٢٧- بتحقيقي)، «أسهل المدارك» (٣/١١٥)، «مواهب الجليل» (٦/٢٣٣)، «حاشية ابن شاط على الفروق» (٤/١٩٠)، «عقد الجواهر الثمينة» (٣/٢٣١)، «الموافقات» (١/٣٠٠، ٣٢٤- بتحقيقي)، «شرح الزرقاني على مختصر خليل» (٨/٣)، «أحكام القرآن» لابن العربي (١/٦١) .
(٤) انظر: «الأم» (٦/٤٠)، «المهذب» (٢/١٧٤)، «الوجيز» (٢/١٢٥)، «حلية العلماء» (٧/٤٤٩)، «المنهاج» (ص ١٢٣)، «معرفة السنن والآثار» (١٢/١٩١ رقم ١٦٤٢٩)، «مختصر الخلافيات» (٤/٣٢٣ المسألة رقم ٢٦٣) .
(٥) انظر: «المغني» (١١/٤٦٥- ٤٦٧- ط. هجر)، «شرح الزركشي» (٦/٦٣)، «المقنع» (٣/ ١٠٥١)، «الواضح» (٢/١٦٧)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٣٤١)، «مسائل الإمام أحمد» (٦٨، ٨٠، ٨٩- رواية الكوسج، ١/٤٨٣ و٣/٦٠، ٨١- رواية صالح، ٢٢٧- رواية أبي داود، ٢/٨٧-٨٨- رواية ابن هانئ، ٣/١٢٢٧-١٢٢٨- رواية عبد الله)، «رؤوس المسائل الخلافية» للعكبري (٥/٤١٧ المسألة رقم ١٦٦٩)، «رؤوس المسائل على مذهب الإمام أحمد بن حنبل» لأبي جعفر الهاشمي (٣/١٠٧٩) .
[ ٥٩١ ]
وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود (١)، وغيرهم (٢)، إلى
أنه لا يُقْتَلُ مؤمن بكافر، إلا أن مالكًا والليث قالا (٣): إن قتله قَتْلَ غِيلةٍ قُتِلَ به، وقَتلُ الغيلة عندهم: أن يقتله على ماله، لا يقتله لنائرة (٤)، ولا عداوة؛ كأنهم رأوا فِعله ذلك كفعل المحارب، فرأوا قتله واجبًا كحدٍّ الحرابة، ولهذا لم يرَ مالكٌ (٥) لوليِّ دَمِ مَنْ قُتِلَ غيلةً أن يَعْفُو عنه، وجعل قتله لازمًا على كل حال.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور: أن لا يقتل المؤمن بالكافر؛ لأن دماء
_________________
(١) انظر مذاهب المذكورين في: «المحلّى» (١٠/٣٤٩-٣٥٠)، «حلية العلماء» (٧/٤٤٩)، «المغني» (١١/٤٦٦)، «الإمام داود الظاهري وأثره في الفقه الإسلامي» (ص ٤٦١) .
(٢) روي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، ومعاوية -﵃-. وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعطاء، والحسن، وعكرمة، والزهري، وابن شبرمة، وابن المنذر. فيما نقل ذلك عنهم: ابن قدامة في «المغني» (١١/٤٦٦) . وانظر: «مختصر اختلاف العلماء» (٥/١٥٧ رقم ٢٢٧١)، «معالم السنن» (٦/٣٢٩)، حلية العلماء» (٧/٤٤٩)، «المحلّى» (١٠/٣٤٩-٣٥٠) . وإليه رجع زفر بن الهذيل -من أصحاب أبي حنيفة-؛ قال ابن حزم (١٠/٣٥٠): روينا ذلك من طريق أبي عبيد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عنه. وصحح ابن حزم (١٠/٣٤٩) عن عمر بن عبد العزيز أنه إن شاء قتله، وإن شاء عَفَى عنه. وذكره من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن عمرو بن ميمون، عن عمر، وذكر أيضًا عنه خلافه؛ الذي هو مذهب الجمهور.
(٣) نقله عنهما: الجصاص في «مختصر اختلاف العلماء» (٥/١٥٨) . وانظر: «بداية المجتهد» (٢/٥١٤)، «المهذب» (٢/١٧٣)، «مغني ذوي الأفهام» (٢٠٤) .
(٤) النائرة هي الشحناء والعداوة.
(٥) انظر: «المدونة» (٤/٤٢٨)، «التفريع» (٢/٢٣٣)، «المعونة» (٣/١٣٦٦)، «جامع الأمهات» (ص ٥٢٣)، «عقد الجواهر الثمينة» (٣/٣٤٥)، «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (٤/١٨٨ مسألة ١٥٤٥- بتحقيقي) . وذهب الشافعية -ورواية عند الحنابلة- أن عفو ولي الأمر جائز، انظر: «الأم» (٦/١٦٥)، «المجموع» (١٩/٧٨)، «الأحكام السلطانية» (٦٤) للماوردي، «الأحكام السلطانية» (ص ٥٩) لأبي يعلى، «سقوط العقوبات في الفقه الإسلامي» (٣/١٨٨) .
[ ٥٩٢ ]
المسلمين معصومةٌ بيقين، فلا يُقْدَمُ عليها إلا بيقين، ولم يأذن الله -تعالى- في القَودِ من المسلم إلاّ بمسلم، قال -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلى قوله -
تعالى-: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، فإثبات الأخوة بين القاتل والمقتول، أو القاتل والوليّ -على الخلاف في تأويل عود ذلك- دليل لا يُشْكِلُ أن كليهما من المسلمين، وكذلك ذكر القصاص ظاهر في ذلك؛ لأنه يقتضي المساواةَ في الدِّين، فالقَود من المسلم لا يستباح بغير المسلم، وقد جاء ذلك
-أيضًا- نصًّا.
خرَّج أبو داود (١) عن عمرو بن شعيب؛ عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يدٌ على من سواهم، ويردُّ مُشِدُّهم على مُضعفهم، ومُتسرِّيهم على قاعدهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهدٍ في عهده» .
وفي كتاب البخاري (٢)، عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي: هل عندكم شيءٌ من الوحي إلا ما في كتاب الله -﷿-؟ قال: لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما أعلمه، إلا فهم يعطيه الله -﷿- رجلًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة (٣) . قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر.
_________________
(١) في «سننه» في كتاب الديات (باب إيقاد المسلم بالكافر) (رقم ٤٥٣١) . وقد مضى تخريجه مطولًا.
(٢) في «صحيحه» في كتاب الديات (باب لا يقتل المسلم بكافر) (رقم ٦٩١٥) . وأخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الحج (باب فضل المدينة) (رقم ١٣٧٠) .
(٣) وقد جمع هذه الصحيفة في جزءٍ مفرد، وما فيها، مع تخريج وتوثيق، وشرح: الدكتور: رفعت عبد المطلب -رحمه الله تعالى-، في كتاب مفرد، طبع عن دار السلام بعنوان: «صحيفة علي ابن أبي طالب، عن رسول الله - ﷺ -، دراسة توثيقية فقهية» (انظر منها ص ٨١-٨٩) . وانظر: «نصب الراية» (٤/٣٣٤-٣٣٥)، «التلخيص الحبير» (٤/١٣١)، «نيل الأوطار» (٧/ ١٠-١١) .
[ ٥٩٣ ]
فهذا نصٌّ في ذلك. ولأبي حنيفة وأصحابه في ذلك تأويلات ليس هذا موضع النظر فيها، وربما تعلَّقوا فيما ذهبوا إليه برواية لا تثبت، وأقيسة فاسدة (١) .
قال ابن المنذر: لا يصح عن النبي - ﷺ - خبر يعارض ما ثبت من قوله: «لا يقتل مؤمن بكافر» . وكان مما احتج به الشافعي عليه من طريق النظر: أنه لا خلاف في أن المسلم لا يقتل بالحربي المستأمن، فكذلك الذمي؛ لأنهما في تحريم القتل سواء. وأما قول مالك في أنه يقتل المسلم إذا قتله غِيلَةً؛ فيأتي (٢) عليه عموم قول النبي - ﷺ -: «لا يقتل مؤمن بكافر» .
فالأرجح: أنه لا يقتل؛ للأدلة المتقدمة؛ ولأنه لم يأت في ذلك تخصيصُ غِيلَةٍ ولا غيرها، وليس حمله على حكم المحارب بشيء؛ لأنَّ المحارِبَ له شروط لا يستحق اسمَ الحرابة إلا بوجودها، وهذا لم يوجد ذلك منه، فلم يكن له حكم المحارِب، وقد كان يلزم من جَعَلَ له حكم المحارب -وكان من مذهبه التخيير في عقوبات المحارب- أن يجيز ذلك منه، وهو ما لا يقول به.
فإن قيل: لا يكون التخيير في محارب قتل في حرابته؛ لأنه يُقتل باتفاق؛ فسقط ما عداه! قيل: الساقط بانحتام القتل شيئان: القطع والنَّفي، فيبقى التخيير بين القتل والصلب، وذلك يلزمهم لا محالة (٣) .
_________________
(١) ومن جملة تأويلاتهم: استدلالهم بقول الله ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] قالوا: فهذا من غير تفصيل بين المسلم والذمي. ومنها: استدلالهم بما روي عن النبي - ﷺ - أنه أقاد مسلمًا بذميّ. قالوا: هذا نص. قلت: أما الآية، فإن هذا مما كتبه الله -﷿- في التوراة، ولا يلزمنا شرائع من قبل نبينا - ﷺ -. وأما الحديث فضعيف، لا تقوم به حجة. وانظر: «نصب الراية» (٤/٣٣٥، ٣٣٦) . وقد ذكر ابن حزم -﵀- في «المحلّى» (١٠/٣٥٠- وما بعدها) جميع استدلالات الحنفية النقلية والعقلية، وردّ عليهم بكلام نفيسٍ غايةً. فانظره هناك.
(٢) كذا في الأصل والمنسوخ، وتحتمل: «فيأبى» .
(٣) قال ابن حزم في «المحلى» (١٠/٣٥٠) في قول المالكية، أنهم يقتلون المسلم بالذمي =
[ ٥٩٤ ]
وإذا تقرر أن المسلم لا يقتل بالذمي، فلا خلاف في أن فعله ذلك كبيرة من الكبائر.
خرّج البخاري (١)، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: «من قتل معاهدًا لم يَرَحْ رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا» .
وأوجب العلماء الذين لم يروا قتل المسلم بالذمي على قاتله المسلم دِيَّتَه، واختُلِف في دِيّتِه؛ فقال قوم: دية الكافر المعاهد إذا وجبت كدية المسلم سواء، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه (٢)، وقاله الشعبي والنخعي وسفيان (٣)، وسواء كان
_________________
(١) = للحرابة. قال: «أنتم لا تقولون بالترتيب في حدِّ الحرابة، ولو قلتموه لكنتم متناقضين -أيضًا-؛ لأنه لا خلاف بين أحدٍ ممَّن قال بالترتيب في أنه لا يُقتل المحارب إن قتل في حرابة من لا يُقتل به إن قتله في غير الحرابة، وأنتم لا تقتلون المسلم بالذمي في غير الحرابة، فظهر فساد هذا التقسيم بيقين. وأما المشهور من قول المالكيين أنهم يقولون بتخيير الإمام في قتل المحارب أو صلبه أو قطعه أو نفيه، فمن أين أوجبوا قتل المسلم بالذمي -ولا بُدَّ- في الحرابة، وتركوا قولهم في تخيير الإمام فيه، فوضح فساد قولهم بيقين لا إشكال فيه، وأنه لا حجَّة لهم أصلًا. وبالله تعالى التوفيق» ا. هـ كلامه -﵀-.
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجزية والموادعة (باب إثم من قتلَ معاهدًا بغير جُرم) (رقم ٣١٦٦)، وأخرجه في كتاب الديات (باب إثم من قتل ذِميًّا بغير جرم) (رقم ٦٩١٤) .
(٣) انظر: «مختصر الطحاوي» (٢٤٠)، «القدوري» (٩٠)، «اللباب» (٣/١٥٤)، «مختصر اختلاف العلماء» (٥/١٥٥ المسألة رقم ٢٢٧٠)، «الهداية» (٤/١٧٨)، «المبسوط» (٢٦/٨٤)، «بدائع الصنائع» (١٠/٤٦٦٤)، «الدرر الحكام» (٢/١٠٤)، «الجوهر النقي» (٨/١٠٣)، «تحفة الفقهاء» (٣/ ١٥٥)، «روضة القضاة» (٣/١١٧٠)، «النتف في الفتاوى» (٢/٦٧٠-٦٧١)، «أدب القضاء» (ص ٤٢٧)، «رؤوس المسائل» (٤٧٥) .
(٤) وهذا مذهب الزهري - كما سيأتي-، وروي عن عليٍّ وابن مسعود. وذكر ابن قدامة في «المغني» (١٢/٥١-٥٢) أنه مذهب علقمة ومجاهد، وروي عن عمر وعثمان وابن مسعود ومعاوية. قال: وقال ابن عبد البر: هو قول سعيد بن المسيب والزهري. انظر: «مصنف عبد الرزاق» (١٠/٩٤-٩٨)، «سنن الدارقطني» (٣/١٢٩)، «جامع الترمذي» (تحت رقم ١٤١٣/م)، «أحكام القرآن» للجصاص (٢/٢٣٨)، «تفسير القرطبي» (٥/٣٢٧)، «شرح السنة» (١٠/٢٠٤)، «أحكام أهل الذمة» (٢/٦١)، «نيل الأوطار» (٧/٢٢٢) .
[ ٥٩٥ ]
عندهم يهوديًا، أو نصرانيًا، أو مجوسيًا (١) . وقال مالك (٢) وأحمد بن حنبل (٣)، في
اليهودي والنصراني: ديته نصف دية المسلم. وقال الشافعي وأبو ثور وإسحاق (٤): ديته ثلث دية المسلم.
واتفق مالك والشافعي وأحمد وإسحاق على أن دية المجوسي ثمان مئة
_________________
(١) قد ورد بذلك حديث: «دية ذميٍّ دية مسلم» . أخرجه الطبراني في «الأوسط» (١/٤٥-٤٦ رقم ٧٨٠)، والدارقطني (ص ٣٤٣، ٣٤٩- ط. هندية)، والبيهقي (٨/١٠٢) من طريق أبي كرز القرشي، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا. وقال الدارقطني: «لم يرفعه عن نافع، غير أبي كرز، وهو متروك، واسمه عبد الله بن عبد الملك الفهري»، وانظر تمام تخريجه في «السلسلة الضعيفة» (رقم ٤٥٨) .
(٢) انظر: «المدونة» (٤/٤٧٢، ٤٧٩)، «التفريع» (٢/٢١٦)، «بداية المجتهد» (٢/٤١١)، «عقد الجواهر الثمينة» (٣/٢٥٨)، «الرسالة» (٢٣٧)، «الكافي» (٥٩٧)، «جامع الأمهات» (ص ٥٠١)، «المنتقى» (٧/٩٧)، «الشرح الكبير» (٤/٢٦٧-٢٦٨)، «أسهل المدارك» (٣/١٣٢)، «قوانين الأحكام» (٢٩٧)، «الإشراف» (٤/١٢٩ مسألة رقم ١٤٧٥- بتحقيقي)، «جواهر الإكليل» (٢/٢٦٦)، «الخرشي» (٨/٣١) .
(٣) مذهب الحنابلة: أن ديته مثل دية المسلم في العمد، وإن قتله خطأً، ففيه روايتان: الصحيح من المذهب أنها على النصف من دية المسلم. انظر: «المغني» (١٢/٥١، ٥٤)، «الإنصاف» (١٠/٦٤-٦٥)، «الفروع» (٦/١٧)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٣٨٥، ٣٨٧)، «الواضح» (٢/١٨٩)، «المقنع» لابن البنا (٣/١٠٧٣، ١٠٧٤)، «شرح الزركشي» (٦/١٣٨، ١٤٠)، «مسائل الإمام أحمد» (١١٦- رواية الكوسج، ٣/٥٩، ١٧٢- رواية صالح، ٢/١٢٤١- رواية عبد الله)، «الروايتين والوجهين» (٢/١٨٢-١٨٤)، «رؤوس المسائل» لأبي جعفر الهاشمي (٣/١١٠٩)، «رؤوس المسائل الخلافية» للعكبري (٥/٥٠٧-٥٠٨ المسألة رقم ١٧٥١) .
(٤) انظر في مذهب الشافعية: «الأم» (٦/١٠٥)، «الإقناع» للماوردي (١٦٤)، «المجموع» (١٧/ ٢٧٨)، «المهذب» (٢/ ١٩٨)، «روضة الطالبين» (٩/٢٥٧)، «عمدة السالك» (ص ١٧٥)، «التنبيه» (١٣٧)، «حلية العلماء» (٧/٥٤٣)، «مختصر الخلافيات» (٤/٣٨١ رقم ٢٧٩)، «سنن البيهقي» (٨/ ١٠٢-١٠٣)، «الوجيز» (٢/١٤١)، «المنهاج» (١٢٦)، «نهاية المحتاج» (٧/٣٠٣)، «مغني المحتاج» (٤/٥٧) . وقال ابن المنذر في «الإشراف» (٣/٩٣): «وقالت فرقة: دية الكتابي ثلث دية المسلم، روي هذا القول عن عمر وعثمان -﵄-، وبه قال ابن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة، وعمرو بن دينار، والشافعي، وأبو ثور، وإسحاق» . وانظر: «فقه الإمام أبي ثور» (ص ٦٩١) .
[ ٥٩٦ ]
درهم (١) . واحتج الزهري على أن دية المعاهد كدية المسلم بقوله -تعالى-:
﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَة﴾ [النساء: ٩٢] (٢) .
قال الكوفيون: فَذِكْرُهُ بعد ذكر دية المؤمن يجعلهما سواء في الدية والكفارة، واستدلوا على أنه يراد به من كان له عهدٌ من الكفار: أنه لو أريد به المؤمن، لَوَصَفَهُ الله -تعالى- بذلك، كما قال -سبحانه-: ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ ﴾ [النساء: ٩٢] (٣) .
وخرّج الترمذي (٤)، عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - وَدَى العامريين بدية المُسلمين، وكان لهما عهد من رسول الله - ﷺ -. قال فيه: حديث غريب.
ومستند مَنْ رأى أن دية الكافر على النصف من دية المسلم: ما خرجه الترمذي (٥) -أيضًا- من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي - ﷺ -
_________________
(١) انظر: المراجع في الهامشين السابقين.
(٢) أخرجه عنه عبد الرزاق في «المصنف» (١٠/٩٥ رقم ١٨٤٩١)، والطبري في «التفسير» (٥/١٢٢) .
(٣) وذهب ابن حزم في «المحلى» (١٠/٣٤٧- وما بعدها): أن من قتل من المسلمين البالغين ذميًا أو مستأمنًا، عمدًا أو خطأً؛ فلا قود عليه ولا دية، ولا كفارة، ولكن يؤدب في العمد خاصة، ويسجن حتى يتوب؛ كفًّا لضرره.
(٤) في «جامعه» في أبواب الديات (باب (رقم ١٤٠٤» من طريق أبي سعد -هو البقَّال- عن عكرمة، عن ابن عباس. وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٣/١٢٢١) من طريق أبي سعد البقال، سعيد بن المَرْزُبان، به. وأبو سعيد: ضعيف مدلس، وانظر: «ضعيف سنن الترمذي» لشيخنا الألباني -﵀-.
(٥) في «جامعه» في أبواب الديات (باب ما جاء في دية الكفار) (رقم ١٤١٣/م، ١٨٨٥) . وقال: حديث عبد الله بن عمروٍ في هذا الباب حديث حسن. وأخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٥٧٠)، وابن أبي شيبة (٩/٢٩٤)، وأحمد (٢/١٨٠ و٢٠٥ و٢١٥ و٢١٦)، وأبو داود (١٥٩١ و٢٧٥١، ٤٥٣١)، وابن ماجه (٢٦٥٩ و٢٦٨٥)، وابن =
[ ٥٩٧ ]
قال: «دية عقل الكافر نصف دِيةِ (١) عَقلِ المؤمن» (٢) .
*****
_________________
(١) = الجارود (١٠٧٣)، وابن خزيمة (٢٢٨٠)، والبيهقي (٨/٢٨) . وهو جزء من حديث خطبة الفتح. وقد ورد الحديث عن جمعٍ من الصحابة مطولًا. ومنه ما هو في «الصحيحين»، وانظر: «نصب الراية» (٤/٣٤١) . وورد الحديث بلفظ: «دية المعاهد نصف دية المسلم»، وفي لفظ: «أن النبي - ﷺ - قضى بأن عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين»، وانظر: «إرواء الغليل» (٧/٣٠٧ رقم ٢٢٥١) .
(٢) كلمة (دية) سقطت من الأصل والمنسوخ، وهي مثبتة في «جامع الترمذي» .
(٣) قال ابن القيم في «إعلام الموقعين» (٤/٣٦٤): «حديث حسن، يصحح مثله أكثر أهل الحديث»، وقال في «تهذيب السنن» (٦/٣٧٤): «هذا الحديث صحيح إلى عمرو بن شعيب، والجمهور يحتجون به، وقد احتج به الشافعي في غير موضع، واحتج به الأئمة كلهم في الديات» . وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٠/٣٨٥): «وهذا هو أصح الأقوال؛ لأن هذا هو المأثور عن النبي - ﷺ -؛ كما رواه أهل «السنن»: أبو داود وغيره عن النبي - ﷺ -» . وقال الخطابي في «معالم السنن» (٦/٣٧٥- مع «مختصر سنن أبي داود»): «ليس في دية أهل الكتاب شيء أَبْيَن من هذا» . وانظر لرجحان هذا القول: «شرح السنة» (١٠/٢٠٤)، «أحكام أهل الذمة» (٢/٦١)، «تهذيب السنن» (٦/٣٧٤-٣٧٧)، «نيل الأوطار» (٧/٦٨-٧٠) -وفيه: «والراجح العَمَلُ بالحديث الصحيح، وطَرْحُ ما يقابله مما لا أصل له في الصحة» -، «أحكام الجناية على النفس وما دونها» (٢٤٣-٢٤٤) .
[ ٥٩٨ ]