في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة الرفقاء، وما جاء في آداب الحرب، والأمر بالدعوة قبل القتال
فصلٌ: في صحة الجهاد، وما لا يتم العمل إلا به
قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّين. أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢-٣]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البيّنة: ٥] .
وقال رسول الله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيّة، وإنما لامرئٍ (١) ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» . خرجه مسلم (٢)، وغيره.
قال الترمذي (٣): قال عبد الرحمن بن مهدي: «ينبغي أن نضع هذا الحديث في كلِّ بابٍ» . وإنما يعني بذلك: أنه أصلٌ في صحة كلِّ عبادة، وما يتقرب به إلى الله -تعالى- من قولٍ وعمل، فَمِن شرط الجهاد وفرضه وصحة كونه عملًا لله، وجهادًا في سبيل الله، أن يُقصد به وجه الله -تعالى-، وإعلاء كلمته، يجاهد
_________________
(١) وضع الناسخ علامة إلحاق، ولم يثبت شيئًا في الهامش، وهي كذلك دون «كل» عند مسلم، وعند البخاري: «وإنما لكل امرئٍ » .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب قوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنية»، وإنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال) (١٩٠٧) (١٥٥) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» (رقم ١ و٥٤ و٢٥٢٩ و٣٨٩٨ و٥٠٧٠ و٦٦٨٩ و٦٩٥٣) .
(٣) في «جامعه» في أبواب فضائل الجهاد (باب ما جاء فيمن يقاتل رياءً وللدنيا) (تحت رقم ١٦٤٧) .
[ ١٣٣ ]
الرجل غضبًا في الله، وانتصارًا لدينه -تعالى-: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ
مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤] .
خرَّج البخاري (١) عن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ -، فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذِّكْر، والرجل يقاتل ليُرَى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» .
النسائي (٢)، عن أبي أمامة الباهلي قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: «أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذِّكر، ما لَهُ؟ فقال له رسول الله - ﷺ -: «لا شيء له»، فأعادها ثلاث مرّات، يقول له رسول الله - ﷺ -: «لا شيء له»، ثم قال: «إن الله لا يقبل من العمل؛ إلا ما كان خالصًا له، وابتغي به وجهه» .
مسلم (٣)، عن أبي هريرة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن أوَّل الناس يُقضى يوم القيامة عليه: رجلٌ استُشهد، فأُتي به، فَعرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استُشْهِدْتُ، قال: كَذبْتَ، ولكنك قاتلت لأن يقال: جَريءٌ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به، فسُحِبَ على وجهه، فألقي في النار » الحديث.
أبو داود (٤)، عن معاذ بن جبل، عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: «الغزو غزوان،
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا) (رقم ٢٨١٠)، ورواه بالأرقام (١٢٣ و٣١٢٦ و٧٤٥٨) . وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة (باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا) (رقم ١٩٠٤) .
(٢) في «المجتبى» في كتاب الجهاد (باب من غزا يلتمس الأجر والذكر) (٦/٢٥رقم ٣١٤٠) . وقال شيخنا الألباني -﵀-: «حسن صحيح» . وانظر: «أحكام الجنائز» (٦٣)، و«الصحيحة» (٥٢)، و«صحيح الترغيب» (١/٦/٦) .
(٣) في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب من قاتل للرياء والسمعة) (١٩٠٥) (١٥٢) .
(٤) في «سننه» في كتاب الجهاد (بابٌ فيمن يغزو ويلتمس الدنيا) (رقم ٢٥١٥) من طريق بقية ابن الوليد، حدثني بَحِير (بن سعد)، عن خالد بن معدان، عن أبي بحرية، عن معاذ بن جبلٍ؛ مرفوعًا. وأخرجه النسائي في «المجتبى» (٦/٤٩ و٧/١٥٥)، وفي «الكبرى» (٨٧٣٠)، والدارمي (٢٤٢٢)، وأحمد (٥/٢٣٤)، والحاكم (٢/٨٥)، والطبراني في «الكبير» (٢٠رقم ١٧٦)، وفي «مسند =
[ ١٣٤ ]
فأمَّا من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفقَ الكريمة، وياسَرَ الشَّريك، واجْتَنبَ الفساد، فإنَّ نومه ونُبْهَهُ؛ أجرٌ كلُّه، وأما من غزا فخرًا، ورياءً، وسمعةً، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف» .
فصلٌ: في طاعة الإمام، والغزو مع كلِّ أمير، برًّا أو فاجرًا
قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، قيل: هم أمراء السَّرايا، وقيل: أهل الفقه والدِّين (١) .
_________________
(١) = الشاميين» (١١٥٩)، وابن أبي عاصم في «الجهاد» (١٣٣ و١٣٤)، والشاشي في «مسنده» (١٣٩٤)، وابن عدي في «الكامل» (٢/٥١١)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/١٦٨)، وفي «الشعب» (٤٢٦٥)، وأبو نعيم في «الحلية» (٥/٢٢٠)، وأبو العباس الأصم في «حديثه» (ج٣ رقم ٩٧)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٧/٤٣ و٤٤)، من طرقٍ عن بقية بن الوليد، به. ورجاله ثقات. وبقية بن الوليد مدلس تدليس التسوية. ولكنه صرّح بالتحديث في بعض الروايات، كما في رواية أبي داود، والشاشي، وأبي العباس الأصم، وابن عساكر، وغيرهم. فالحديث حسن إن شاء الله. وانظر: «الصحيحة» (١٩٩٠) .
(٢) القول أنهم أهل الفقه والدين هو قول جَمْعٍ من الأئمة، وعلى رأسهم جابر بن عبد الله، وابن عباس، ثم من بعدهما مجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وأبو العالية، ومالك، والضحَّاك، وغيرهم. والقول بأنهم أمراء السرايا؛ هو قول أبي هريرة، أخرجه عنه ابن جرير (٨/٤٩٧ رقم ٩٨٥٦)، وسعيد بن منصور (٦٥٢)، وابن المنذر (١٩٢٥، ١٩٢٦)، وابن أبي حاتم (٣/٩٨٨ رقم ٥٥٣٠) في «تفاسيرهم»، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٢/٢١٢-٢١٣، ٢١٤-٢١٥ رقم ١٢٥٧٧، ١٢٥٨٥)، بسند صحيح، وأخرج عن ميمون بن مهران، وغيره؛ نحوه. وهو ظاهر الأحاديث التي ذكرها المصنف في الباب، وهو ظاهر اختيار البخاري، حيث بوَّب عليه في «صحيحه» في كتاب التفسير، قال: (باب ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ﴾، ذوي الأمر) . وأسند البخاري برقم (٤٥٨٤)، ومسلم (١٨٣٤)، وابن المنذر (١٩٢٤) وغيرهم، إلى ابن عباس في الآية، قال: «رنزلت في عبد الله بن حذافة السهمي»، ورجَّح الإمام الشافعي القول بأن المراد بهم الأمراء، واحتجَّ له بأن قريشًا كانوا لا يعرفون الإمارة، ولا ينقادون إلى أمير، فأمروا بالطاعة لمن وَلِي الأمر. وتبويب البخاري بأنهم أولي الأمر، هو تفسير أبي عبيدة معمر بن المثنى في «مجاز القرآن» (١/١٣٠) هذه الآية، وزاد: والدليل على ذلك أن واحدها (ذو)، أي: (واحد أولي)؛ لأنها لا واحد لها من لفظها. =
[ ١٣٥ ]
وفي «الموطأ» (١) عن عبادة بن الصامت قال: «بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة، في العسر؛ واليسر، والمَنْشَطِ؛ والمَكْرَهِ، وألاَّ ننازعَ الأمرَ أهلَه، وأن نقول -أو: نقوم- بالحَقِّ حيثُ ما كُنَّا، لا نخاف في الله لومةَ لائمٍ» .
البخاري (٢)، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: «السمع والطاعة حقٌّ ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية؛ فلا سمع ولا طاعة» .
وفيه (٣)، عن أبي هريرة قال: عن رسول الله - ﷺ -: «من أطاعني؛ فقد أطاع
الله، ومن عصاني؛ فقد عصى الله، ومن يطع الأمير؛ فقد أطاعني، ومن يَعصِ الأمير؛ فقد عصاني، وإنما الإمام جُنَّة، يُقاتَل من ورائه، ويُتَّقى به، فإن أمرَ بتقوى الله وعَدل؛ فإنَّ له بذلك أجرًا، وإن قال بغيره، فإنَّ عليه مِنْهُ» .
مسلم (٤)، عن أم الحُصين [قالت]: حَجَجْتُ مع رسول الله - ﷺ - حجَّة
_________________
(١) = والظاهر أن الآية عامة في كلِّ أولي الأمر من الأمراء والعلماء، واختاره ابن جرير. وانظر: «تفسير الطبري» (٥/٢٦٠)، «مصنف ابن أبي شيبة» (١٢/٢١٢-٢١٣)، «تفسير ابن المنذر» (٢/٧٦٤-٧٦٧)، «تفسير ابن كثير» (١/٦٨٩-ط. جمعية إحياء التراث)، «فتح الباري» (٨/ ١٠٢- ط. دار الريان) .
(٢) (رقم ٤٤٩- ط. دار إحياء التراث) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» (رقم ١٨ و٢٨٩٢ و٢٨٩٣ و٣٩٩٩ و٤٨٩٤ و٦٧٨٤ و٦٨٠١ و٦٨٧٣ و٧٠٥٥ و٧١٩٩ و٧٢١٣ و٧٤٦٨)، ومسلم في «صحيحه» (١٧٠٩)، وابن ماجه (٢٨٦٦)، والنسائي (٧/١٣٨ و١٣٩)، وأحمد (٣/٤٤١ و٥/٣١٨)، من طرقٍ عن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه عبادة، به.
(٣) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب السمع والطاعة للإمام) (رقم ٢٩٥٥) . وفي كتاب الأحكام (باب السمع والطاعة للإمام مالم تكن معصية) (رقم ٧١٤٤) .
(٤) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب يقاتل من وراء الإمام ويُتّقى به) (رقم ٢٩٥٧) . وفي كتاب الأحكام (باب قول الله -تعالى -: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (رقم ٧١٣٧- مختصرًا) .
(٥) في «صحيحه» في كتاب الحج (باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا. وبيان قوله - ﷺ -: «لتأخذوا مناسككم») (١٢٩٨) (٣١١) . وفي كتاب الإمارة (باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية) (١٨٣٨) .
[ ١٣٦ ]
الوداع، وسمعته يقول: «إن أُمِّرَ عليكم عبدٌ مُجَدَّعٌ، يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا» .
أبو داود (١)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الجهاد واجب عليكم، مع كلِّ أمير، برًّا كان أو فاجرًا» .
في المياسرة والمرافقة في الغزو
قوله -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، [وقوله -تعالى-]: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] .
وفي حديث معاذ، عن رسول الله - ﷺ -: «.. فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد؛ فإن نومه ونُبْهَهُ؛ أجرٌ كُلُّه» (٢) .
قيل في قوله: «وأنفق الكريمة»، يعني: النفيس من المال، الذي له قَدْرٌ يكرم على أهله. وقيل: يعني الحلال الطَّيِّب.
مسلم (٣)، عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ الأشعريِّين إذا أرْمَلُوا
_________________
(١) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في الغزو مع أئمة الجَور) (رقم ٢٥٣٣)، من طريق مكحول، عن أبي هريرة. وتمامه: «والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم، برًّا كان أو فاجرًا، وإن عمل الكبائر، والصلاة واجبة على كل مسلم برًّا كان أو فاجرًا، وإن عمل الكبائر» . والقسم الأخير -وهو: «الصلاة واجبة خلف كل مسلم » - أخرجه في كتاب الصلاة (باب: إمامة البر والفاجر) (رقم ٥٩٤) بنفس الإسناد. وهذا إسناد ضعيفٌ؛ لانقطاعه. فمكحول لم يسمع من أبي هريرة. انظر: «جامع التحصيل» (٢٨٥)، و«تحفة التحصيل» (ص ٣١٤)، و«المراسيل» لابن أبي حاتم (٢١١)، و«تاريخ ابن معين» -رواية الدوري- (٢/٥٨٤) .
(٢) مَضَى تخريجه؛ رواه أبو داود (رقم ٢٥١٥)، وغيره. وهو في «الصحيحة» (١٩٩٠) .
(٣) في «صحيحه» في كتاب فضائل الصحابة (باب من فضائل الأشعريين) (٢٥٠٠) (١٦٧) . =
[ ١٣٧ ]
في الغزو، أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوبٍ واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناءٍ واحدٍ بالسَّويِّة، فهُم مِنِّي وأنا منهم» .
قوله: «أرملوا» . قال في «مختصر العين» (١): أَرْملَ القوم: فَنِي زادهم.
وخرَّج أبو داود (٢)، عن جابر بن عبد الله، حدَّث عن رسول الله - ﷺ - أنه أراد أن يغزو، قال: «يا معشرَ المهاجرين والأنصار، إن من إخوانكم قومًا ليس لهم مال، ولا عشيرة، فليَضُمَّ أحدكم إليه الرَّجلين -أو: الثلاثة-» . فما لأحدنا من ظهرٍ يَحْمِلُهُ، إلا عقبةٌ كعُقبة -يعني: أحدهم-، قال: فضممتُ إليَّ اثنين -أو: ثلاثةً- وما لي إلا عُقبة، كعقبةِ أحدهم من جملي.
آداب السفر والجهاد
* ما يحق على الإمام في مراعاة أحوال من معه، ومعاونتهم، والرفق بهم.
قوله -تعالى-: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .
مسلم (٣)، عن عائشة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في بيتي هذا: «اللهم من
_________________
(١) = وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الشركة (باب الشركة في الطعام والنَّهد والعروض) (رقم ٢٤٨٦) .
(٢) لم أرَ من «مختصر العين» للزُّبيدي إلا المجلد الأول، طبع بالعراق، وليس فيه هذه المادة، ونحوه المذكور في «الصحاح» (٤/١٧١٣)، «معجم مقاييس اللغة» (٢/٤٤٢)، «لسان العرب» (١١/٢٩٦) .
(٣) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب الرجل يتحمَّل بمالِ غيره يغزو) (رقم ٢٥٣٤) . وأخرجه أحمد في «المسند» (٣/٣٥٨)، والحاكم في «المستدرك» (٢/٩٠)، والبيهقي (٩/١٧٢) . والحديث صحيح. وانظر: «صحيح سنن أبي داود» لشيخنا الألباني -﵀-. وفي الباب عن أبي موسى الأشعري عند البخاري (٤١٢٨)، ومسلم (١٨١٦)، وأبي سعيد الخدري -﵄-.
(٤) في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر) (رقم ١٨٢٨) .
[ ١٣٨ ]
وَلِيَ مِن أمْرِ أمتي شيئًا؛ فشَقَّ عليهم؛ فاشقُق عليه، ومَنْ ولي من أمرِ أمَّتي شيئًا؛ فرفِقَ بهم؛ فارفق به» .
وفيه -أيضًا- (١)، عن أنس، أن رسول الله - ﷺ - شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان الحديث.
وقال في الترمذي (٢)، عن أبي هريرة: مارأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب غزوة بدر) (١٧٧٩) (٨٣) .
(٢) في كتاب الجهاد (باب ما جاء في المشورة) (تحت رقم ١٧١٤) قال: ويروى -هكذا بصيغة التضعيف- عن أبي هريرة قال: وذكره. وأخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٣/٨٠١رقم ٤٤١٣) من طريق معمر، عن ابن شهاب الزهري، عن أبي هريرة.. فذكره. وإسناده ضعيف؛ لانقطاعه. قال العلائي في «جامع التحصيل» (ص ٢٦٩ رقم ٧١٢) -في ترجمة الزهري-: «وروَىَ عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، ورافع بن خديج، وذلك مرسل» . ونقله عنه أبو زرعة العراقي في «تحفة التحصيل» (ص ٢٨٩) . وقال الحافظ المنذري: «روى عن أبي هريرة، ولم يسمع منه» . وانظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (١٨٩)، و«تهذيب الكمال» (٢٦/٤١٩) . وللحديث شاهد من حديث عائشة -﵂- قالت: «ما رأيت رجلًا أكثر استشارةً للرجال من رسول الله - ﷺ -» . أخرجه أبو الشيخ في «أخلاق النبي - ﷺ -» (رقم ٧٦٣)، ومن طريقه أبو محمد البغوي في «تفسيره» المسمى «معالم التنزيل» (١/٥٧٢-٥٧٣)، حدثنا علي بن العباس المُقانعي، عن أحمد بن محمد بن ماهان، عن أبيه، عن طلحة بن زيد، عن عُقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. ففي هذا السَّند: أحمد بن محمد بن ماهان. قال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/٧٣): «مجهول» . ووالده: محمد بن ماهان، أبوحنيفة الواسطي، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ولا سَنَة وفاة -أيضًا-، وقال: «هو مجهول» . انظر: «الثقات» للعجلي (ص ٤١٢ رقم ١٤٩٧)، «الثقات» لابن حبان (٩/١٥٠)، «الجرح والتعديل» (٨/١٠٥)، «سؤالات الحاكم» للدارقطني (١٣٥)، «الميزان» (٤/٢٣)، «لسان الميزان» (٤/٤٨٤)، وغيرها. =
[ ١٣٩ ]
من رسول الله - ﷺ -.
أبو داود (١)، عن جابر بن عبد الله قال: «كان رسول الله - ﷺ - يتخلَّف في المسير، فيُزجِي الضعيفَ ويُردفُ، ويدعو لهم» .
قوله: «يُزجي» أي: يسوق برفق، والإزجاء: دفعُ الشيء وسَوْقُه. قال الله -تعالى-: ﴿يُزْجِي سَحَابًا﴾ (٢) [النور: ٤٣] .
قال مالك (٣): «ينبغي لإمام الجيش ألاَّ يعجل على أصحابه، وأن يكون في وسطهم، ويبعث سراياه؛ لئلاَّ يقطع بالناس، وهو يستحب أن يكون في آخرهم، ويقدِّم الناس، وقد كان عمر بن الخطاب إذا كان في السَّفر، كان في آخر الناس، حتى يقدِّم المعتلّ بعيره والضعيف» .
_________________
(١) = وطلحة بن زيد القرشي، أبو مسكين. قال أحمد: «ليس بذاك، قد حدَّث بأحاديث مناكير، وقال: ليس بشيء، كان يضع الحديث»، وقال أبو حاتم: «منكر الحديث، ضعيف الحديث، لا يعجبني حديثه» . وقال البخاري، والنسائي: «منكر الحديث»، وقال النسائي -أيضًا-: «ليس بثقة» . وقال الحافظ ابن حجر: «متروك» . وانظر: «التهذيب» (٥/١٥)، و«التقريب» (٢٨٢)، و«المجروحين» (١/٣٨٣)، و«الجرح والتعديل» (٤/٤٧٩)، وغيرها. قلت: فهذا إسناد مسلسل بالضعفاء؛ من مجاهيل، ومتروكين، فهو ضعيف جدًا، لا يصلح شاهدًا، ولا يُفرح به. ولكن ثبت من هديه - ﷺ - أنه كان يشاور أصحابه، كما في غزوة أحد، والأحزاب. تصديقًا منه لقول الله -تعالى- ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ . وانظر: «الدر المنثور» (٢/٣٥٨-٣٥٩) .
(٢) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في لزوم السّاقة) (رقم ٢٦٣٩) من طريق أبي الزبير، أن جابر بن عبد الله حدثهم به. وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢/١١٥) . وهو صحيح. انظر: «صحيح سنن أبي داود» لشيخنا الألباني -﵀-.
(٣) انظر: «المفردات» للراغب (٢١٢)، «عمدة الحفاظ» للسّمين (ق ٢١٨)، «غريب الحديث» (١/١٦٨) للحربي.
(٤) انظر: «البيان والتحصيل» لابن رشد (٢/٥٥٢-٥٥٣)، «النوادر والزيادات» (٣/٣٢) .
[ ١٤٠ ]
* ما يحق على أمير الجيش من طاعة الله -تعالى- والتحفظ بمن معه، والحزم.
مسلم (١)، عن بريدة قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سَرِيَّة، أوصاه في خاصَّته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا.
وبعث رسول الله - ﷺ - عام الحديبية بين يديه عينًا له من خزاعة، يخبره عن فَرَس (٢) .
وقال يوم الأحزاب: «من يأتيني بخبر القوم؟» قال الزبير: أنا (٣) .
وأوصى بعض السَّلَف (٤) أمير جيشه، فقال له: «كنْ كالتاجر الكيِّس، الذي
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها) (رقم ١٧٣١) مطولًا.
(٢) أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب المغازي (باب غزوة الحديبية) (رقم ٤١٧٨ و٤١٧٩)، والعين الذي بعثه رسول الله - ﷺ - هو بُسْر بن سفيان الكعبي الخزاعي، كما صرَّح به ابن إسحاق في «السيرة» وغيره. وهو بضم الموحدة وسكون المهملة على الصحيح. وذكر الحديث -ضمن قصة طويلة- الصالحي في «سبل الهدى والرشاد» (٥/٣٦-٣٧) وعزاه إلى الخرائطي في «الهواتف» . قلت: أخرجه الخرائطي في «هواتف الجنان» (رقم ٥- ضمن رسالة «نوادر الرسائل» لإبراهيم صالح) . دون ذكر الشاهد من القصة. ولكن في إسناده شيخه عبد الله بن محمد البَلَوي. قال الدارقطني: يضع الحديث. والحديث عنده من طريق الزهري، عن عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب عن أبيه، عن ابن عباس، به. وانظر: «سيرة ابن هشام» (٤/٣٠٩- ط. مؤسسة علوم القرآن)، و«فتح الباري» (٥/٣٣٤) و(٧/٤٥٤)، و«شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية» للعلامة القسطلاني (٣/١٧٤) و«السيرة الحلبية» (٢/٦٩٠) .
(٣) أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب المغازي (باب غزوة الخندق، وهي الأحزاب) (رقم ٤١١٣) . وفي كتاب الجهاد والسير (باب فضل الطليعة) (رقم ٢٨٤٦) . وانظر الأرقام (٢٨٤٧ و٢٩٩٧ و٤١١٣ و٧٢٦١) . وأخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب فضائل الصحابة (باب من فضائل طلحة والزبير -﵄-) (رقم ٢٤١٥) .
(٤) هو عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس (ت ١٩٩هـ)، له بلاغة وفصاحة، =
[ ١٤١ ]
لا يطلب رِبْحًا؛ إلا بعد إحراز رأس ماله» .
وكتب أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- إلى عمرو بن العاص: «أما بعد، فقد جاءني كتابك، يذكر ما جَمَعت الروم من الجموع، وإنَّ الله -﷿- لم ينصرنا مع نبينا - ﷺ - بكثرة عددٍ، ولا بكثرة خيلٍ، ولا سلاح، ولقد كُنّا ببدر، وما معنَا إلا فرسَان، وإنْ نحن إلا نتعاقب الإبل، وكنا يوم أحدٍ، وما معنا إلا فرسٌ واحد، وكان رسول الله - ﷺ - يركبه، ولقد كان الله -﷿- يُظْهِرُنا، ويُعِينُنَا على من خالَفَنا، فاعلم يا عمرو، أنَّ أطوعَ الناسِ لله -﷿- أشدُّهم بغضًا للمعصية، ومن خاف الله -﷿- ورَّعه خوفه عن كل ما فيه معصية، فأطِع الله -تعالى-، وأْمُرْ أصحابك بطاعته؛ فإن المغبون من حُرِمَ طاعة الله -تعالى-، واحذر على أصحابك البياتَ، وإذا نزلت منزلًا فاستعمل على أصحابك أهل الجَلَدِ والقوة؛ ليكونوا هم الذين يحرسونهم ويحفظونهم، وقدِّم أمامك الطلائع، حتى يأتوا بالخبر، وشاور أهل الرأي والتجربة، ولا تستبدَّ برأيك دونهم، فإن في ذلك احتقارًا للناس، ومَغْضَبَةً لهم، فقد رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يشاور أصحابه في الحرب، وإيّاك والاستهانة بأهل الفضل من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وقد عرفتَ وصية رسول الله - ﷺ - بالأنصار عند موته حين قال: «أحسنوا إلى محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» (١)، فقرِّبهم منك وأَدْنِهِمْ، واستشرهم، وأَشْرِكْهم في أمرك،
_________________
(١) = ذكر الجاحظ في «البيان والتبيين» (٢/٢٦٨)، وابن قتيبة في «عيون الأخبار» (١/١٨٨)، والقلعي في «تهذيب الرياسة» (ص ٢٤٠)، أنه قال في وصية له لقائدٍ في مُقدّم جيش مضى إلى بلاد الروم: «إنك تاجر الله لعباده. فكن كالمضارب الكيّس، إن رأيت ربحًا لا يُشكّ فيه اتّجرت، وإلا احتفظت برأس المال، لا تطلبْ الغنيمة حتى تحرز السلامة» .
(٢) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار (باب قول النبي - ﷺ -: «اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم») (رقم ٣٧٩٩ و٣٨٠٠ و٣٨٠١) بأطول من هذا. وأخرجه في كتاب الجمعة (باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أمَّا بعد) (رقم ٩٢٧) . وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة (باب من فضائل الأنصار -﵃-) (رقم ٢٥١٠) .
[ ١٤٢ ]
ولا يَغِبْ عنِّي خبرك كل يوم بما فيه إن قدرتَ على ذلك، وأشبع الناس
في بيوتهم، ولا تشبعهم عندك، وتعاهد أهل الدعارة والأحداث بالعقوبة، من غير تعدٍّ عليهم، وليكن تقدّمك إليهم فيما تنهى عنه قبل العقوبة، وتبرأ إلى أهل الذمة من معرتهم، واعلم أنك مسؤول عمّا أنت فيه، فالله الله يا عمرو فيما أوصيك به، جعلنا الله وإياك من رفقاء محمد - ﷺ - في دار المقامة، وقد كتبتُ إلى خالد بن الوليد يُمِدّك بنفسه ومن معهُ، فله يُمْنٌ في الحروب، وهو ممن يعرفُ اللهَ
-تعالى-، فلا تخالفه، وشاوره، والسلام عليك» (١) .
ما يحق من التحفظ بالخيل وتعاهدها، وما يستحب
أو يُكره منها
في «الموطأ» (٢)، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، أن رسول الله - ﷺ - رُئي يمسحُ وجه فرسه بردائه، فسُئل عن ذلك؟ فقال: «إنّي عُوتبتُ الَّليلة في الخيل» .
النسائي (٣)، عن أنس قال: لم يكن شيء أحبَّ إلى رسول الله - ﷺ - بعد النساءِ من الخيل.
وفيه (٤) -أيضًا- عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله: «ما مِنْ فرسٍ عربيٍّ إلاَّ
_________________
(١) ذكر بعض هذه الوصية: البلاذري في «فتوح البلدان» (ص ١٢٩- ط. المنجّد)، و«أنساب الأشراف» (ترجمة الشيخين- ص ١١٠)، وابن الأثير في «الكامل في التاريخ» (٢/٤٠٦-٤٠٧) . وورد نحو هذه الوصية لأبي بكر في وصيته ليزيد بن أبي سفيان؛ خرَّجتها في تعليقي على «المجالسة» (١٥٣٥) .
(٢) (ص ٢٩٨ رقم ٤٧٦-ط. دار إحياء التراث العربي)، وهو مرسل. ولكن وصله ابن عبد البر من طريق عبيد الله الفهري، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن أنس. أخرجه في «التمهيد» (٢٤/١٠٠)، وقال: ولا يصح إلا ما في «الموطأ» . وقد روي الحديث مسندًا من غير طريق أنس. انظر: «التمهيد» (٢٤/١٠١)، و«الاستذكار» (١٤/٣١٥) .
(٣) في «المجتبى» (٦/٢١٧ و٧/٦٢) . من حديث قتادة عن أنس -﵁-.
(٤) في «المجتبى» (٦/٢٢٣)، وفيه: «عند كلِّ سحرٍ» بدل «فَجْرٍ» . =
[ ١٤٣ ]
يؤذنُ له عند كلِّ فجرٍ بدعوتين: اللهم خوَّلتني من خوَّلتني من بني آدم، وجَعلتني له، فاجعلني أحبَّ أهله وماله إليه- أو: مِنْ أحبِّ أهله وماله إليه-» .
أبو داود (١)، عن أبي وهبٍ الجُشمي -وكانت له صُحبةٌ- قال: قال رسول الله
_________________
(١) = وأخرجه أحمد في «المسند» (٥/١٧٠)، والحاكم (٢/١٤٤) -وعنه البيهقي في «السنن الكبرى» (٦/٣٣٠) -، والبزار في «مسنده» (٣٨٩٣)، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/٣٨٧)، وهو صحيح مرفوعًا. وأخرجه أحمد (٥/١٦٢)، وابن عبد الحكم في «فتوح مصر» (ص ١٤٣) عن أبي ذر موقوفًا، لم يرفعه إلى النبي - ﷺ -. قال الدارقطني في «العلل» (٦/٢٦٦-٢٦٧) عن الموقوف: «وهو المحفوظ» . وانظر: «صحيح النسائي» (٢/٥٣١)، و«التعليق الرغيب» (٢/١٦١-١٦٢)، كلاهما لشيخنا الألباني -﵀-. قوله: «بدعوتين»، قال السندي: أي: بمرَّتين من الدعاء، إحداهما: اجعلني أحبَّ أهله، والثاني: أحبَّ ماله. أما قوله: «اللهم خوَّلتني»: فتمهيدٌ لذلك، وهو من التخويل بمعنى: التمليك. و«خولتني» بالتشديد، أي: أعطيتني.
(٢) أخرجه أبو داود في «سننه» في كتاب الجهاد (باب فيما يستحبُّ من ألوان الخيل) (رقم ٢٥٤٣) من طريق محمد بن المهاجر الأنصاري، عن عَقِيل بن شبيب، عن أبي وهب الجُشَمي، به. وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة عقيل بن شبيب هذا، وقد تفرد محمد بن المهاجر بالرواية عنه، ولم يوثقه غير ابن حبان، وهو معروف بتساهله في التوثيق، فهو يوثق المجاهيل -كما هو معلوم عند علماء هذا الفن-، وقال الذهبي في ترجمته في «الميزان» (٣/٨٨): «لا يعرف هو ولا الصحابي إلا بهذا الحديث، تفرد به محمد بن مهاجرٍ عنه» . قلت: الحديث الذي ذكره الذهبي هو حديث: «تَسَمُّوا بأسماء الأنبياء» . وحديث الباب مرويٌّ بلفظ أطول من هذا؛ أخرجه أحمد (٤/٣٤٥)، والنسائي في «المجتبى» (٦/ ٢١٨-٢١٩)، وفي «الكبرى» (٤٤٠٦)، وأبو داود (٢٥٥٣ و٤٩٥٠) مُقطَّعًا، والبخاري في «الأدب المفرد» (٨١٤) مختصرًا، وفي «التاريخ الكبير» (٩/٧٨)، والطبراني في «الكبير» (٢٢ رقم ٩٤٩)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/٣٣٠ و٩/٣٠٦)، وفي «الآداب» (٤٦٩)، والدولابي في «الكُنَى والأسماء» (١/٥٩)، وابن عبد البر في «التمهيد» (١٤/١٠٢) . وقوله: «بكل كُميت» -بضم الكاف مصغَّر-: هو الذي لونه بين السَّواد والحُمْرة، يستوي فيه المذكر والمؤنث. انظر: «الخيل» (ص ٥١، ٥٩) لابن جُزَيّ، «معجم أسماء خيل العرب» (٢٤٩) لحمد الجاسر. =
[ ١٤٤ ]
- ﷺ -: «عليكم بكل كُميتٍ أغَرَّ مُحَجَّلٍ، أو: أَشْقَرَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أو: أدهَمَ أغرّ مُحَجَّلٍ» .
وفيه (١) عن ابن عباسٍ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يُمْنُ الخَيْلِ في شُقْرِهَا» .
الترمذي (٢)، عن أبي قتادة، عن النبي - ﷺ - قال: «خيرُ الخيل: الأدهمُ،
_________________
(١) = و«الأغر»: أي الذي في وجهه غُرَّة. أي: بياض، وقال ابن جزي في كتابه «الخيل» (ص ٧٢): «البياض الذي في جبهة الفرس لا يسمّى غُرَّة عند طائفة من أهل اللغة حتى يكون فوق الدرهم» . وانظر: «معجم أسماء خيل العرب» (ص ٥١) لحمد الجاسر. و«المُحجَّل»: اسم مفعول من التحجيل، بتقديم المهملة على الجيم، وهو الذي في قوائمه بياض. انظر: «الخيل» (ص ٧٢) لابن جزي، «معجم أسماء خيل العرب» (ص ٦٨) . و«الأشقر»: الشُّقرة في الخيل: هي الحُمرة الصَّافية، يحمَرُّ معها العُرْفُ والذَّنب. انظر: «الخيل» (ص ٥٠، ٥٦) لابن جزي، «معجم أسماء خيل العرب» (ص ٤٢) . و«الأدهم»: الأسود الخالص، انظر: «الخيل» (ص ٥٨) لابن جزي، «معجم أسماء خيل العرب» (ص ٣٩) .
(٢) «سنن أبي داود» في كتاب الجهاد (باب فيما يستحب من ألوان الخيل) (رقم ٢٥٤٥) . وأخرجه الترمذي (١٦٩٥)، وأحمد (١/٢٧٢)، والطيالسي في «المسند» (٢٥٩٩)، والخطيب في «التاريخ» (١١/١٤٨)، من طريق عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده عبد الله ابن عباس، به. وإسناد الحديث حسن؛ عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس، قال ابن معين: «لم يكن به بأس» . وقال ابن حجر: «صدوق، مُقلّ» . وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٣/٩٥٨) من طريق شريك النخعي، عن داود بن علي بن عبد الله بن عباس، عن ابن عباس. وهذا إسناد ضعيف، شريك سيء الحفظ، وداود بن علي لم يدرك جدَّه ابن عباس. وقال فيه الحافظ في «التقريب»: «مقبول» . وقوله: «يُمْنُ الخيل»، قال السندي: «اليُمن: البركة. والشُّقر -بضم فسكون-: جمع أشقر» .
(٣) في «جامعه» في كتاب الجهاد (باب ما جاء فيما يُستحب من الخيل) (رقم ١٦٩٦ و١٦٩٧)، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيح» . وأخرجه ابن ماجه (رقم ٢٧٨٩)، والدارمي (رقم ٢٤٣٣)، وأحمد (٥/٣٠٠) من طريق عُلَيّ ابن رباح اللخمي، عن أبي قتادة. وهو صحيح. وانظر: «صحيح الترمذي»، و«صحيح ابن ماجه» كليهما لشيخنا الألباني -﵀-. =
[ ١٤٥ ]
الأقرحُ، الأرْثمُ، ثم الأقرحُ، المُحجَّل، طَلْق اليمين، فإنْ لم يكن أدهمَ، فكُميتٌ، على هذه الشِّيةِ» . قال فيه: «حسن غريب صحيح» .
مسلم، وأبو داود، كلاهما عن أبي هريرة، قال: «كان رسول الله - ﷺ - يكره الشِّكال من الخيل» (١) .
والشِّكالُ: أن يكون الفرسُ في رجله اليمنى بياضٌ، وفي يده اليسرى، أو: يده اليمنى وبرجله اليسرى. قال أبو داود: «أي: مخالف» .
قال النسائي: الشِّكال: أن تكون ثلاث قوائم منه محجَّلةً، وواحدةٌ مُطلقةً، أو: تكون الثلاث مطلقةً، والرِّجلُ مُحجَّلةً، وليس يكون الشِّكالُ إلا في الرِّجلِ، ولا يكون في اليد (٢) .
ما يجبُ من القيام على الدَّوابِّ والبهائم واعتمالها
قوله -تعالى-: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ. وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ. وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ
_________________
(١) = و(الأرثم): الفرس الذي في شفته العليا بياض. قاله ابن جزي في «الخيل» (ص ٥١)، وقال صاحب كتاب «الجواد العربي في الفروسية وتربية الخيل وبيطرتها» (ص ٦١): «الرَّثم: كل بياض أصاب الجحفلة العليا قلّ أم كثر فهي رُثمة، إلى أن تبلغ المرسنَ ودونه، وربما دُعي بالرُّثمة إذا مالت إلى أحد المَنْخِرَيْن الأيمن أو الأيسر» ثم ذكر أنواع الرُّثمة. و(الأقرح): ما في جبهته قرحة، وهي بياض يسير في وسط الجبهة، وانظر: «الخيل» (ص ٧٣) لابن جزي. و(طلق اليمين): إذا لم تكن مُحَجَّلة. و(الشِّيَة): كل لون يخالف معظم لون الفرس، انظر: «الخيل» (ص ٧١) لابن جزي، «الجواد العربي» (ص ٦٠) .
(٢) أخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب ما يكره من صفات الخيل) (١٨٧٥) (١٠١)، وأبو داود في «سننه» في كتاب الجهاد (باب ما يكره من الخيل) (رقم ٢٥٤٧) . وأخرجه ابن ماجه (٢٧٩٠)، والترمذي (١٦٩٨)، والنسائي في «المجتبى» (٦/٢١٩)، وأحمد (٢/٢٥٠ و٤٣٦ و٤٥٧ و٤٦٠) .
(٣) ذكر ابن جزي في كتابه «الخيل» (ص ٧٤-٧٥) اختلاف العلماء في معنى (الشِّكال) وقال: «والقول المعتمد هو ما قدمناه أولًا أنه البياض الذي يكون بيدٍ ورجلٍ من خلافٍ، قلَّ أو كثر» . وانظر: «تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام» لابن جماعة (ص ١٣٧)، «الجواد العربي» (ص ٦٣) .
[ ١٤٦ ]
تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ. وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨-١١] .
خرَّج أبو داود (١) عن سهل ابن الحنظلية قال: مرَّ رسول الله - ﷺ - ببعيرٍ قد لَحِق ظهره ببطنه، فقال: «اتقوا الله في هذه البهائم المُعْجَمةِ، اركبوها صالحةً، وكلوها صالحة» .
وفيه (٢)، عن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله - ﷺ - ذات يوم، فَأسرَّ إليَّ حديثًا، لا أحدِّث به أحدًا من الناس، وكان أحبُّ ما استَتَرَ به رسول الله - ﷺ - لحاجته هَدَفًا، أو حائِشَ نَخْلٍ، قال: فَدَخَلَ حائطًا لرجلٍ من الأنصار، فإذا جَمَلٌ، فلما رأى رسولَ الله - ﷺ - حَنَّ، وذَرَفَتْ عيناه، فأتاه النبي - ﷺ - فَمسَح ذِفْراهُ، فسَكَتَ، فقال: «من ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل»؟! فجاء فتىً من الأنصار
_________________
(١) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم) (رقم ٢٥٤٨) وهو صحيح. وانظر: «صحيح أبي داود»، «السلسلة الصحيحة» (٢٣) . وأخرجه ضمن حديث طويل: أبو داود -أيضًا- (١٦٢٩)، وأحمد (٤/١٨٠-١٨١)، وابن خزيمة (٢٥٤٥)، وابن حبان (٥٤٥، ٣٣٩٤)، والطبراني (٥٦٢٠) . وبوّب عليه ابن خزيمة (استحباب الإحسان إلى الدّواب المركوبة في العلف والسقي، وكراهية إجاعتها وإعطاشها وركوبها والسير عليها جياعًا وعطاشًا) .
(٢) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم) (رقم ٢٥٤٩) . وهو صحيح. انظر: «صحيح أبي داود» . وأخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الحيض (باب ما يُستتر به لقضاء الحاجة) (٣٤٢) (٧٩) -مختصرًا. دون ذ كر دخوله - ﷺ - الحائط ولا الجمل. وأخرجه مسلم -أيضًا-، في كتاب فضائل الصحابة (باب فضائل عبد الله بن جعفر) (٢٤٢٩) (٦٨) - مختصرًا مقتصرًا على قوله: أردفني رسول الله - ﷺ - ذات يومٍ خلفه، فأسرَّ إليَّ حديثًا، لا أحدث به أحدًا من الناس. وأخرجه تامًّا بنحوه: ابن أبي شيبة (١١٨٠٥)، وأحمد (١/٢٠٤، ٢٠٥)، وأبو عوانة (١/ ١٩٧)، وأبو يعلى (٦٧٨٧، ٦٧٨٨)، والحاكم (٢/٩٩، ١٠٠)، والبيهقي (١/٩٤ و٨/١٣)، وفي «الدلائل» (٦/٢٦-٢٧)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٢٠) .
[ ١٤٧ ]
فقال: لي يا رسول الله، قال: «أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي مَلَّكَكَ اللهُ إيَّاها؟! فإنه شَكا إليَّ أنَّك تُجيِعُه وتُدْئِبُه» .
قوله: «حائش نخل» . الحائش: جماعة النخل، و«الذّفرى من البعير»: مؤخّر رسَنِه، ومعنى «تُدْئبه»: تُكِدُّه وتُتْعِبُه.
وفيه (١)، عن أنس بن مالكٍ قال: «كُنّا إذا نزلنا مَنْزِلًا، لا نُسبِّح حتى تُحَلَّ (٢) الرِّحال» .
قوله: «لا نُسبِّح»، يُريد: لا نُصَلِّي سُبحَة الضحى حتى تحطَّ الرِّحالُ، وتُراحَ المطيّ، وكان بعض العلماء يستحبُّ أن لا يتَطَعَّمَ الراكبُ إذا نَزَلَ المنزل، حَتَّى تُعلفَ الدَّابة (٣) .
أبو داود (٤)، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «إياي أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله إنما سخَّرها لكم؛ لِتُبلِّغكم إلى منزلٍ لم تكونوا بالغيه إلاَّ بشقِّ الأنْفس، وجعل لكم الأرض، فعليها فاقضوا حاجاتكم» .
_________________
(١) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في نزول المنازل) (رقم ٢٥٥١) . وهو صحيح. انظر: «صحيح أبي داود»، «مشكاة المصابيح» (٣٩١٧) .
(٢) كذا في الأصل، وكذا وقعت في بعض نسخ «سنن أبي داود»، وفي جل النسخ: «نَحُلّ» بنون أوله، وفي بعضها «تُحَطَّ» . انظر: «السنن» (٣/٢٣٩-ط. عوامة) .
(٣) ذكره السخاوي في «تحرير الجواب» (ص ١٤٥- بتحقيقي)، وزاد عليه: «ولا يقصّر في سقيها» .
(٤) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في الوقوف على الدابة) (رقم ٢٥٦٧) من طريق إسماعيل ابن عياش، عن يحيى بن أبي عمر السيباني -بالمهملة-، عن أبي مريم الشامي، عن أبي هريرة. وأخرجه الطحاوي في «المشكل» (٣٨-٣٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٥/٢٥٥)، و«الآداب» (٩٣٤)، والبغوي في «شرح السنة» (٢٦٨٣)، وأبو القاسم السمرقندي في المجلس (١٢٨) من «أماليه»، وعنه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٦٧/٢١٢)؛ من طريق إسماعيل بن عياش، به. وإسماعيل بن عياش. قال الحافظ في «التقريب» (٤٧٣): «صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلِّطٌ في غيرهم» . وروايته هنا عن يحيى -وهو بَلَدِيُّه- فحديثه صحيح. وقد صححه شيخنا الألباني -﵀- في: «صحيح أبي داود»، و«السلسلة الصحيحة» (رقم ٢٢) .
[ ١٤٨ ]
مسلم (١)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا سافرتم في الخَصْب فأَعطوا الإبل حَظَّها من الأرضِ، وإذا سافرتم في السَّنةِ، فأسرعوا عليها السَّيْر، وإذا عرَّستُم بالليل فاجتنبوا الطَّريق، فإنَّها مأوى الهوامِّ باللَّيْل» .
قوله: «سافرتم في السَّنة»: يعني الجَدب، وكذلك وقع عند أبي داود (٢):
و«إذا سافرتم في الجَدْبِ فأسرعوا السَّيْر» .
ويقال: أصابت الناسَ سَنَةٌ، أي: قحطٌ وشدَّة. قال الله -﷿-: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠] .
ما يُستحبُّ من الأوقات في السَّفَر والغَزو (٣)
خرَّج البخاري (٤)، عن كعب بن مالك، كان يقول: لقلَّما كان رسول الله - ﷺ - يخرج إذا خرج في سفرٍ إلا يوم الخميس.
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب مراعاة مصلحة الدواب في السَّيْر، والنهي عن التعريس في الطريق) (١٩٢٦) (١٧٨) .
(٢) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في سرعة السَّيْر، والنهي عن التعريس في الطريق) (رقم ٢٥٦٩) . وأخرجه -أيضًا-: الترمذي (٢٨٥٨) -وقال: «هذا حديث حسن صحيح» -، والنسائي في «السنن الكبرى» -كما في «تحفة الإشراف» (٩/٣٩٦) -، وأحمد (٢/٣٣٧، ٣٧٨)، وابن حبان (٢٧٠٣، ٢٧٠٥)، وابن خزيمة (٢٥٥٠)، والطحاوي في «المشكل» (١١٥، ١١٦)، والبيهقي (٥/ ٢٥٦)، والبغوي (٢٦٨٤) . وفي الباب عن جماعة. وهو صحيح. وورد في حديث أنس ما يدل على هذا المعنى -أيضًا-، وقد خرّجته في تعليقي على «تحرير الجواب عن ضرب الدواب» للسخاوي، وهو في «السلسلة الصحيحة» (٦٨٢) .
(٣) انظر: «الغرر السوافر عمّا يحتاج إليه المسافر» (ص ٥٤) للزركشي، «توشيح الأسفار في مديح الأسفار» (ص ١٦-١٨) للمرادي، «آداب السفر وأحكامه» (ص ٣٨)، «أنيس المسافر» (ص ٨١)، «السفر وأحكامه» (ص ١٥-١٦) .
(٤) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسِّير (باب من أراد غزوةً فورَّى بغيرها، ومن أحبَّ الخروج يوم الخميس) (رقم ٢٩٤٩) .
[ ١٤٩ ]
وفيه (١): وكان يحب أن يخرج يوم الخميس.
أبو داود (٢)، عن صخر الغامدي، عن النبي - ﷺ - قال: «اللهم بارك لأمتي في
_________________
(١) (رقم ٢٩٥٠) .
(٢) في «سننه» في كتاب الجهاد (بابٌ في الابتكار في السَّفر) (رقم ٢٦٠٦)؛ من طريق يعلى ابن عطاء، عن عمارة بن حديد، عن صخر بن وداعة الغامدي، به. وأخرجه ابن ماجه (٢٢٣٦)، والترمذي (١٢١٢)، وأحمد (٣/٤١٦ و٤١٧ و٤٣١ و٤٣٢ و٤/٣٨٤ و٣٩٠ و٣٩١)، والدارمي (رقم ٢٤٤٠)، والنسائي في «الكبرى» -كما في «تحفة الإشراف» (٤٨٥٢) -، وعبد بن حميد (٤٣٢)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٢/٥١٦)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٤/٣٦٣ رقم ٢٤٠٢)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٤/٣١٠)، وسعيد بن منصور في «سننه» (رقم ٢٣٨٢- ط. الأعظمي)، وابن حبان (٧/١٢٢-١٢٣ - ط. الحوت؛ أو رقم ٤٧٥٥- ط. الرسالة)، والبغوي (رقم ٢٦٧٣)، والبيهقي (٩/١٥١-١٥٢)، وأبو القاسم البغوي في «مسند ابن الجعد» (رقم ٢٥٥٧) -ومن طريقه المزي في «تهذيب الكمال» (١٣/١٢٥-١٢٦) -، والطبراني في «الكبير» (٨/٢٨، ٢٩ رقم ٧٢٧٥، ٧٢٧٧)، و«الأوسط» (رقم ٦٨٨٣)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٦/٣٨٧ و٥٤/ ١٥)، والسِّلفي في «المجالس الخمسة» (رقم ٣٩- بتحقيقي)، و«الأمالي» (رقم ٣٣١)، وابن رُشَيْد في «ملء العَيْبة» (٣/٢٨-٢٩)، كلهم من طريق يعلى بن عطاء، به. وإسناده ضعيف؛ لجهالة عمارة بن حديد. قال أبو زرعة -كما في «الجرح والتعديل» (٦/٣٦٤ رقم ٢٠٠٨) -: «لا يُعرف» . وقال أبو حاتم: «مجهول» . وكذا قال ابن السكن، وقال ابن المديني: «لا أعلم أحدًا روى عنه غير يَعلى بن عطاء» . وقال الحافظ ابن حجر: «مجهول» . ووثقه ابن حبان، والعجلي، وجنح ابن رشيد -أيضًا- إلى توثيقه، بناءً على توثيق ابن خلفون له. وقال السِّلفي: «حديث صخر هذا حديث حسن» . انظر: «تهذيب التهذيب» (٧/٤١٤)، و«التقريب» (٤٨٤١) . لكن للحديث شواهد، من حديث ابن عمر، أخرجه عبد بن حميد (٧٥٧)، وابن ماجه (٢٢٣٨)، والطبراني في «الكبير» (١٢ رقم ١٣٣٩٠) و«الأوسط» (رقم ٣٣١٢)، بإسناد فيه ضعف. ومن حديث أبي هريرة، أخرجه ابن ماجه (٢٢٣٧) وزاد: «يوم الخميس»، والمزي في «تهذيب الكمال» (٢٦/٥٤٤)، بإسناد ضعيف. ومن حديث علي بن أبي طالب، أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (١/١٥٣، ١٥٤، ١٥٥، ١٥٦)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٦٤/٢٣١)، والبزار (رقم ١٢٤٨- «كشف =
[ ١٥٠ ]
بكورها» . وكان إذا بعثَ سريَّةً -أو: جيشًا- بعثهم من أول النهار، وكان صخرٌ
_________________
(١) = الأستار»)، بأسانيد ضعيفة. ومن حديث ابن عباس، أخرجه البزار (١٢٥٠، ١٢٥١- «كشف»)، والطبراني في «الكبير» (١٠ رقم ١٠٦٧٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٦٩/١٧٠)، بإسناد ضعيف؛ بالزيادة المذكورة، والطبراني (١٠ رقم ١٠٩٦٦)؛ بدون الزيادة. ومن حديث أنس بن مالك، أخرجه ابن عساكر في «التاريخ» (٥٥/٦٣)، والبزار (١٢٤٩- «كشف»)؛ بإسناد ضعيف جدًا. ومن حديث عبد الله بن سلام، أخرجه أبو يعلى (٧٥٠٠)، والطبراني في «الكبير» (رقم ٣٦٧- القطعة المفقودة)، وابن عساكر في «التاريخ» (٢٩/٩٨)؛ بإسناد ضعيف جدًا. ومن حديث عائشة، أخرجه الطبراني في «الأوسط» (رقم ٤٨٢٩) بالزيادة المذكورة، بإسناد ضعيف. ومن حديث عمران بن الحصين، أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٨/٢١٦/ رقم ٥٤٠)، وفي «الأوسط» (رقم ٥٧٥١) بإسناد ضعيف جدًا. ومن حديث أبي بكرة، أخرجه -أيضًا- الطبراني في «الأوسط» (رقم ٢٩٧٥)، وفي «الصغير» (١/٩٥-٩٦)، وفي إسناده رجلٌ اسمه: الخليل بن زكريا. وهو كذاب. ومن حديث نُبَيْط بن شريط، أخرجه الطبراني في «الصغير» (١/٣٠)، بالزيادة المذكورة، بإسناد مظلم. ومن حديث جابر، أخرجه الطبراني في «الأوسط» (رقم ٩٩٦)؛ بإسناد رجاله ثقات. كما قال الهيثمي في «المجمع» (٤/٦٢)، وقال: «إلا أن شيخ الطبراني أحمد بن مسعود المقدسي لم أجد من ترجمه» . قلت: هو من شيوخ الطحاوي، وأخرج عنه أبو عوانة في «صحيحه» . وهو صدوق. انظر: «بلغة القاصي والداني» (١/٨٣-٨٤) . ومن حديث كعب بن مالك، والنواس بن سمعان؛ بأسانيد ضعيفة جدًا. ومن حديث عبد الله بن مسعود؛ بإسناد ضعيف. فالحديث صحيح بهذه الشواهد، قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٤/٦١-٦٢): «وقد اعتنى بعض الحفاظ بجمع طرقه، فبلغ عدد ما جاء عنه من الصحابة نحو العشرين نفسًا» . وقد صححه شيخنا الألباني -﵀- في «صحيح أبي داود»، بل عده السيوطي في «قطف الأزهار» (رقم ٧٢)، والزَّبيدي في «لقط اللآلئ» (رقم ٣٨)، والكتاني في «نظم المتناثر» (رقم ٢١٨) متواترًا.
[ ١٥١ ]
رجُلًا تاجرًا، وكان يبعث تجارته من أول النهار؛ فأَثْرَى وكَثُرَ مالُه.
الترمذي (١)، عن النعمان بن مُقَرِّنٍ قال: «شهدتُ مع رسول الله - ﷺ -، فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس، وَتَهُبَّ الرِّياحُ، ويَنْزلَ النَّصْر» . قال فيه: «حسن صحيح» .
وفيه (٢)، عن النعمان -أيضًا- قال: «غزوت مع النبي - ﷺ -، فكان إذا طلَعَ الفجرُ أمسكَ حتى تطلع الشمس، فإذا طَلَعتْ قاتل، فإذا انتصف النهار أمسك
_________________
(١) في «جامعه» في كتاب السِّير (باب ما جاء في الساعة التي يُستحبُّ فيها القتال) (رقم ١٦١٣) من حديث علقمة بن عبد الله المزني، عن معقل بن يسار، أن عمر بن الخطاب بعث النعمان بن مقرن إلى الهرمزان وفيه: فقال النعمان بن مقرن: « الحديث» . وقال فيه: «حسنٌ صحيح، وعلقمة بن عبد الله هو أخو بكر بن عبد الله المزني» . ونقل الآجري عن أبي داود أنه ليس بأخيه -كما في «تهذيب الكمال» (٢٠/٢٩٨) -، وهو ثقة؛ وثقه علي بن المديني، والنسائي. وأخرجه النسائي في «الكبرى» -كما في «تحفة الإشراف» (٩/٣٢/١١٦٤٧) -؛ أو رقم (٨٦٣٧)، وأبو داود (٢٦٥٥)، وأحمد (٥/٤٤٤)، وابن أبي شيبة (١٢/٣٦٨-٣٦٩ و١٣/٨-١٢)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (١٠٨١)، وخليفة في «تاريخه» (ص ١٤٨-١٤٩)، وابن قانع في «معجم الصحابة» (٣/١٤٤)، وابن حبان (٤٧٥٧)، والحاكم (٢/١١٦ و٣/٢٩٣-٢٩٥)، والبيهقي (٩/١٥٣)، وابن الأثير في «أسد الغابة» (٥/٣٤٣)، والذهبي في «السير» (١/٤٠٣) من طرقٍ عن معقل بن يسار، به. وأخرجه بنحوه: البخاري (٣١٥٩ و٣١٦٠)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (١٠٨٢)، والطبري في «تاريخه» (٤/١١٧-١٢٠)، وابن قانع في «معجم الصحابة» (٣/١٤٥)، وابن حبان (٤٧٥٦)؛ من طريق جُبير بن حية، عن عمر، وفيه ذكر النعمان بن مقرن، وذكر قصة نهاوند، والهرمزان. وأخرجه ابن قتيبة في «عيون الأخبار» (١/٢٠٢-٢٠٣) من طريق ابن سيرين أن النعمان قال لأصحابه: به.
(٢) في «جامعه» في كتاب السِّير (باب ما جاء في الساعة التي يُستحب فيها القتال) (رقم ١٦١٢) من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن النعمان بن مُقرِّن، به. قال الترمذي: «وقد رُوي هذا الحديث عن النعمان بن مقرن بإسنادٍ أوصل من هذا، وقتادة لم يدرك النعمان بن مقرِّن، ومات النعمان بن مقرِّن في خلافة عمر بن الخطاب» . قلت: يشير إلى الحديث السابق.
[ ١٥٢ ]
حتى تزولَ الشمسُ، فإذا زالت الشمس قاتل حتى العصر، ثم أمسك حتى يصلي العصر، ثم يقاتل» . قال: «وكان يقال عند ذلك: تهيجُ رياح النصرِ، ويدعو المؤمنون لجيوشهم في صلاتهم» .
في آداب نزول العسكر في المنزل
وفي حديث أبي هريرة، من طريق أبي داود (١): «فإذا أردتم التعريس، فتنكَّبوا عن الطريق» .
أبو داود (٢)، عن أبي ثعلبة الخشني قال: «كان الناس إذا نزلوا منزلًا تفرَّقوا في الشِّعاب والأودية، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنّ تفرُّقكم في هذه الشعاب والأودية، إنما ذلكم من الشيطان» . فلم ينزلوا بعد ذلك منزلًا، إلا انضمَّ بعضهم إلى بعض، حتى يقال: لو بُسط عليهم ثوبٌ لعمَّهم» .
وفيه (٣) -أيضًا-، عن معاذ الجهني قال: غزوت مع رسول الله - ﷺ - غزوة كذا وكذا، فَضَيَّق الناس المنازل، وقطعوا الطريق، فبعث نبي الله - ﷺ - مناديًا ينادي
_________________
(١) «سنن أبي داود» (رقم ٢٥٦٩)، وأصله في «صحيح مسلم»، وقد مضى قريبًا.
(٢) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب ما يؤمر من انضمام العسكر وسعته) (رقم ٢٦٢٨) . وأخرجه النسائي في «الكبرى» -كما في «التحفة» (٩/١٣٣) -، وأحمد (٤/١٩٣)، وابن حبان (رقم ٢٦٩٠- «الإحسان»)، والحاكم (٢/١١٥)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/١٥٢) . والحديث صحيح. وانظر: «صحيح أبي داود» .
(٣) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب ما يؤمر من انضمام العسكر وسعته) (رقم ٢٦٢٩ و٢٦٣٠) من طريق سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه معاذ بن أنس، به. وأخرجه أحمد (٣/٤٤٠)، والطبراني في «الكبير» (٢٠/٤٣٤)، وأبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (٥/٢٨٢ رقم ٢١٠٩)، وابن قانع في «معجم الصحابة» (١٣/٤٦٠٨ رقم ١٧٣٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٩/١٥٢) من طريق سهل بن معاذ، به. وسهل بن معاذ بن أنس، نزيل مصر، قال الحافظ في «التقريب» (٢٦٦٧): «لا بأس به؛ إلا في روايات زَبَّان عنه» . فإسناد هذا الحديث حسن -إن شاء الله-. وانظر: «صحيح أبي داود» لشيخنا الألباني -﵀-.
[ ١٥٣ ]
في الناس: «أنَّ من ضيَّقَ منزلًا، أو قطع طريقًا فلا جهاد له» .
فاجتمع معنى الحديثين على أنَّ التضَامَّ في المنزل، بحيث لا يقطع ذلك حقوق المارَّة وغيرهم مُستحبٌ، والتفرُّق مكروه، وكذلك التضييق المخلُّ بالحقوق؛ لا يجوز (١) .
في تعبئة الصفوف وآداب القتال
قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]، وقال -تعالى-: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] .
خرَّج البخاري (٢)، عن حمزة بن أبي أُسيد، عن أبيه، قال: قال النبي - ﷺ - يوم بدرٍ حين صففْنَا لقريشٍ وصفّوا لنا: «إذا أَكْثَبُوكمْ فَعَليكُمْ بالنَّبْلِ» .
وفي كتاب أبي داود مثله (٣)، وزاد: «إذا أكثبوكم -يعني: غَشَوْكُم- فارموهم بالنَّبل، واسْتبقُوا نَبْلَكُم» .
الكثب: القُرب، يقال: أكْثَب الشيء والصَّيْدُ، وأَكْثَبَكَ: قَرُبَ منكَ.
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في «البناية» (١٠/٢٠٦) للعيني، «الفتاوى الخانية» (٣/٢٢٢)، «تحصيل الطريق إلى تسهيل الطريق» (٩٨-٩٩) لابن الشّحنة، «رياض القاسمين» (ص ٢١٤-٢١٥) للأدَرْنوي الحنفي، «المعيار المعرب» (٣/٣٠٧ و٨/٤٤٨)، «الإعلان بأحكام البنيان» (١/٢٨٨- ط. دار إشبيليا؛ أو ص ٨٨- ط. مركز النشر الجامعي المغربي) لابن الرامي، «البيان والتحصيل» (٩/٤٠٥-٤٠٦)، «الفوائد النفيسة الباهرة في بيان حكم شوارع القاهرة في مذاهب الأئمة الأربعة الزاهرة» (ص ٢٣-٢٦) لأبي حامد المقدسي الشافعي، «روضة الطالبين» (٤/٢٠٤)، «حاشيتا قليوبي وعميرة» (٤/ ٢٠٧)، «المقنع» (٢/١٢٨)، «الإنصاف» (٥/٢٥٥)، «كشاف القناع» (٣/٤٠٦) .
(٢) في كتاب الجهاد والسِّير (باب التحريض على الرَّمي) (رقم ٢٩٠٠) . وفي كتاب المغازي (باب منه) (رقم ٣٩٨٤ و٣٩٨٥) .
(٣) في كتاب الجهاد (باب في الصفوف) (رقم ٢٦٦٣) .
[ ١٥٤ ]
وخرَّج أبو داود (١)، عن قيس بن عُبادٍ، قال: «كان أصحاب النبي - ﷺ -
يكرهون الصوت عند القتال» .
وخرَّج مسلم (٢)، عن أبي هريرة، قال: «كنا مع رسول الله - ﷺ - يوم الفتح، فجعل خالد بن الوليد على المُجَنِّبَةِ اليمنى، وجعل الزبير على المُجَنِّبَةِ اليسرى،
_________________
(١) في كتاب الجهاد (باب فيما يؤمر به من الصَّمت عند اللّقاء) (رقم ٢٦٥٦)؛ وهو صحيح موقوف. وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٨٣ رقم ٢٤٧)، وأبو عوانة في «مسنده» (٤/٨٨) والحاكم (٢/١١٦) من طريق هشام، عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عباد. ورواه -أيضًا- عن هشام به مع زيادة على لفظه، وفيه: «يكرهون رفع الصوت عند الجنائز وعند القتال وعند الذكر»: وكيع في «الزهد» (رقم ٢١١)، وعنه ابن أبي شيبة (٤/٩٩) -ومن طريقه: البيهقي (٤/٧٤)، والخطيب (٨/٩١) -، وأبو نعيم (٩/٥٨) . ورواه عن هشام بالزيادة المذكورة: أبو نعيم الفضل بن دُكين -ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (٥/٣٨٩ رقم ٣٠٥٦) . وأخرجه أبو داود -أيضًا- (رقم ٢٦٥٧)، وعنه أبو عوانة (٤/٨٨)؛ عن عبيد الله بن عمر القواريري، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن همام، عن مطر، عن قتادة، عن أبي بردة، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - بمثل ذلك. وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢/١١٦)؛ من طريق القواريري، به. وقال: «صحيح على شرطهما» . قال الحافظ ابن حجر في «إتحاف المهرة» (١٠/١٠٢): «إلا أنه معلول بطريق هشام المذكورة» . قلت: وقتادة. قال فيه يحيى بن معين: «ولا أعلمه سمع من أبي بردة» . انظر: «جامع التحصيل» (٢٥٤-٢٥٦)، «تحفة التحصيل» (٢٦٢-٢٦٥) . ومطر: هو ابن طهمان الورَّاق، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم متابعةً؛ وذلك لأنه كثير الخطأ، كما في «التقريب» (٦٦٩٩) . وقد خالف هشامًا -وهو ثقة ثبت- في روايته عن قتادة. فالحديث ضعيف مرفوعًا، صحيح موقوفًا. انظر: «ضعيف أبي داود»، و«السلسلة الضعيفة» (٤٢٨٩) كلاهما لشيخنا الألباني -﵀-. وأخرج نحوه ابن أبي شيبة، عن الحسن. مرسلًا. وانظر: «الدر المنثور» (٤/٧٦) .
(٢) في كتاب الجهاد والسير (باب فتح مكة) (١٧٨٠) (٨٦) .
[ ١٥٥ ]
وجعل أبا عبيدة على البياذِقَةِ. وفي بعض طرقه (١): على الحُسَّر (٢) » الحديث.
قال بعض رواته (٣) -في غير كتاب مسلم-: البياذقة (٤): هم الحُسَّر، وهم الذين ليس عليهم سلاح.
البخاري (٥)، عن البراء بن عازبٍ، قال: «جعل النبي - ﷺ - على الرَّجَّالة يوم أحدٍ -وكانوا خمسين رجلًا- عبد الله بن جُبير، فقال: «إن رأيتمونا تَخْطَفُنا الطيرُ،
_________________
(١) كما عند مسلم (١٧٨٠) (٨٤)، وأحمد (٢/٥٣٨)، وأبي عوانة (٤/٢٣٠)، والطيالسي (٢٥٦٤- ط. تركي)، وابن حبان (٤٧٦٠)، والبيهقي (٩/١١٧)، وفي «الدلائل» (٥/٥٥) .
(٢) بضم الحاء وتشديد السين المهملتين، أي: الذين لا دروع عليهم، قاله النووي في «شرح صحيح مسلم» (١٢/١٧٧- ط. قرطبة) .
(٣) هو عفان بن مسلم، وصرَّح بذلك ابن المنذر في «الأوسط» (١٢/٣٦-٣٨ رقم ٦٧٢١) .
(٤) قال القاضي عياض في «المشارق» (١/١٠٨): «كذا هو بباء بواحدة مفتوحة بعدها ياء بائنتين تحتها مخَفَّفة ودال معجمة مكسورة وقاف، كذا ضبطناه عن شيوخنا، وعند بعضهم: «الساقة» أي: آخر الجيش. وقال بعضهم: «على الشارفة»، يعني: الذين يشرفون على مكة، والصواب: الأول، والبياذقة الرجالة، وهم أيضًا أصحاب ركائب الملك والمتصرفون له، والذي في السير: أن أبا عبيدة جاء بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله - ﷺ -، فهذا يردّ رواية من روى: «الساقة»، وفي الأم -أيضًا- في الحديث الآخر: «وأبو عبيدة على الحُسَّر»» . وقال النووي في «شرح صحيح مسلم» (١٢/١٨٤): «البياذقة: بباء موحدة ثم مثناة تحت وبذال معجمة وقاف، وهم الرجالة، قالوا: وهو فارسي معرب وأصله بالفارسية أصحاب ركاب الملك ومن يتصرف في أموره، قيل: سموا بذلك لخفتهم وسرعة حركتهم، هكذا الرواية في هذا الحرف هنا وفي غير مسلم -أيضًا-، قال القاضي: هكذا روايتنا فيه، قال: ووقع في بعض الروايات (الساقة) وهم الذين يكونون آخر العسكر، وقد يجمع بينه وبين البياذقة بأنهم رجالة وساقة، ورواه بعضهم (الشارفة) وفسروه بالذين يشرفون على مكة، قال القاضي: وهذا ليس بشيء لأنهم أخذوا في بطن الوادي، والبياذقة هنا هم الحسر في الرواية السابقة، وهم رجالة لا دروع عليهم» . وانظر: «غريب الحديث» لابن الجوزي (١/ ٩٦)، «النهاية» (١/١٧١) . قلت: ورواية (الساقة) عند الدارقطني في «سننه» (٣/٦٠) .
(٥) في كتاب الجهاد والسير (باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب، وعقوبة من عصى إمامه) (رقم ٣٠٣٩) .
[ ١٥٦ ]
فلا تبرحوا مكانكم هذا، حتَّى أُرسلَ إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأَوْطَأناهُم، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، فهزموهم » الحديث بطوله.
وكان يقال: لا تهمل التَّعبئَةَ (١) عند المناوشة؛ فإنَّ فساد التَّعبئة من أعظم الخلل (٢)، وقيل: لا تجعل النهر وراءك عند الزَّحف. يعني: لما يتقى من كَرَّة العدو، ومضايقة الزَّحف، فيكون في ذلك الهلاك، وكذلك كل شيء يُتقى منه ما يُتَّقى من كَرَّةٍ عند المضايقة والحاجة إلى التوسع، ومجال التَّحَيُّز، وما يُخشى من النُّكوصِ، وشبه ذلك، فالحزم بالإعداد لذلك كلِّه هو الأوْلى (٣) .
في كراهة الاستعانة بالمشركين
قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧]، وقال -تعالى-: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٨٩] .
وخرَّج مسلم (٤)، عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: خرج رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) التعبئة المقصودة هنا، هي: صف الجند في مواقفهم بين الميمنة والميسرة، وغيرهما من أجزاء الجيش؛ ليكون مستعدًا للإشتراك فورًا في أي قتال إذا ألجأته الضرورة إليه، انظر تسمية أصول أجزائها في (الباب الحادي عشر) من «مختصر سياسة الحروب» للهرثمي صاحب المأمون (ص ٢٦-٢٧) .
(٢) قال الهرثمي في «مختصر سياسة الحروب» (ص ٢٥-٢٦): «قالوا: إذا كان العدو منك على خمس مراحل أو نحوها، فلا يكونن مسيرك ونزولك إلا على تعبئة. كان أهل الحزم والتجربة يرون لصاحب الحرب، أن يكون نزوله ومسيره بالتعبئة في الأمن كما يرونه في الخوف، إلا أن يدع ذلك عن ضرورة، ويرون ألا يخلو مما تيسر من التعبئة في الأمن على كل حال. ذكروا عن بعض أهل الحزم والتجربة، أنه توجّه من الشام إلى الهند يريد المحاربة بها، فخندق في أول منزلةٍ بالشام، ثم لم يزل يسيرُ وينزل بالتعبئة والخنادق، إلى أن أظفره الله بعدوه» .
(٣) انظر: «مختصر سياسة الحروب» (ص ٦٥) .
(٤) في كتاب الجهاد والسير (باب كراهة الاستعانة في الغزو بكافر) (١٨١٧) (١٥٠) .
[ ١٥٧ ]
قِبَلَ بدر، فلما كان بِحَرَّة الوَبرَة (١)؛ أدركه رجل قد كان يذكر منه جُرْأةٌ ونَجْدةٌ، فَفَرِح
أصحاب رسول الله - ﷺ - حين رأوه، فلما أدركه، قال لرسول الله - ﷺ -: جئتُ لأتبعك وأُصيبَ معكَ، قال له رسول الله - ﷺ -: «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: لا، قال: «ارجع، فلن أستعين بمشرك»، قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي - ﷺ - كما قال أول مرة، قال: لا، قال: «فارجع، فلن أستعين بمشرك»، قالت: ثم رجع فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة: «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: نعم، فقال له رسول الله - ﷺ -: «فانطلق» .
وفي الترمذي (٢)، عن الزهري، أن النبي - ﷺ - أسهم لقومٍ من اليهود قاتلوا معه.
واختلف أهل العلم في ذلك: فالجمهورُ على كراهة الاستعانة بهم في شيء من الغزو، وهو الصحيح (٣)؛ لما دل عليه القرآن والسنة الثابتة. وأما ما رواه
_________________
(١) حَرَّة الوَبَرَة -مُحَرَّكة، وبعضهم جوّز التسكين- وهي حَرَّة على ثلاثة أميال من (المدينة) . قاله الفيروز آبادي في «المغانم المطابة» (٢/٧٥٦) .
(٢) في كتاب السير (باب ما جاء في أهل الذمة يغزون مع المسلمين، هل يسهم لهم؟) (رقم ١٥٥٨م) . وأخرجه أبو داود في «المراسيل» (باب ما جاء في الجهاد) (رقم ٢٨٢) -ومن طريقه ابن الجوزي في «التحقيق» (١٠/١٤٧) -، وابن أبي شيبة (١٢/٣٩٥) -ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» (٩/٥٣) -، وعبد الرزاق (٥/١٨٨ رقم ٩٣٢٨) في «مصنفيهما» . والحديث -كما قال المصنّف -﵀-: ضعيف الإسناد. وانظر: «ضعيف سنن الترمذي» لشيخنا الألباني -﵀-.
(٣) واشترط بعضهم في الاستعانة بهم إحسانهم الرأي في المسلمين، وأن يأمن المسلمون خيانتهم، وأن يكون المسلمون قادرين عليهم؛ لو اتفقو مع العدو. فإذا وجدت هذه الشروط الثلاثة، جازت الاستعانة بهم. وقيل: لا يجوز استصحابهم في الجيش، مع موافقتهم العدو في المعتقد، فعلى هذا تكون الشروط أربعة. انظر في مذهب الشافعية: «الأم» (٤/٢٧٦)، «مختصر المزني» (ص ٢٧٠)، «الحاوي الكبير» (١٨/١٤٤-١٤٥)، «حلية العلماء» (٧/٦٤٧)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٣٩)، «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٢/٢٧٣)، «مغني المحتاج» (٤/٢٢١)، «الوجيز» (٢/١١٤)، «البيان» للعمراني =
[ ١٥٨ ]
الزهري في كتاب الترمذي؛ فمقطوع، لا يثبت بمثله دليل.
وروي عن مالكٍ أنه أجاز أن يُستعان بهم في خدمةٍ أو صنعةٍ (١) . وعن ابن
_________________
(١) = (١٢/١١٦)، «تحرير الأحكام» (ص ١٥٨-١٥٩) لابن جماعة، «التنبيه في الفقه الشافعي» (ص٢٣٢)، «فتح الوهاب شرح منهج الطلاب» (٢/١٧٢) . وانظر: «نيل الأوطار» (٨/٤٢)، «سبل السلام» (٤/١٠٣) . وقد نقل ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٧٦-١٧٧) عن الإمام الشافعي، في استعانة النبي - ﷺ - بيهود بني قينقاع -وهو في «الأم» للشافعي في كتاب سير الواقدي (٤/٢٦١) -. ثم قال: «لا يستعان بهم وما ذكره الشافعي من خبر يهود بني قينقاع؛ فليس مما يقوم به حجة؛ لأنا لا نعلمه ثابتًا، ولعله أخذ ذلك من أخبار المغازي، وعامة أخبار المغازي: لا تثبت من جهة الإسناد» . ومذهب الحنفية: جواز الاستعانة بهم، إذا كان حكم الإسلام هو الغالب. انظر: «مختصر الطحاوي» (ص ٢٩٢)، «الهداية» (٢/٤٣٩)، «الرد على سير الأوزاعي» لأبي يوسف (٣٩)، «فتح القدير» (٥/٥٠٢)، «بدائع الصنائع» (٧/١٠١)، «شرح السير الكبير» (٤/١٩١)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٢٨)، «إعلاء السنن» (١٢/٥١) . ولا يستعان بهم عند الحنابلة إلا للحاجة. انظر: «المغني» (١٣/٩٨-ط. دار هجر)، «الاقناع» (٢/١٥)، «منتهى الإرادات» (١/٣١٠-ط. عالم الكتب)، «شرح الزركشي» (٦/٤٩٨)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٧٥٧ المسألة رقم ٢٠٠١)، «كتاب التمام» (٢/٢٢٠)، «التحقيق» لابن الجوزي (١٠/١٤٣) . وجوازه للحاجة نقله ابن قدامة عن أحمد. قال: وكلام الخرقي يدل عليه -أيضًا- عند الحاجة. وقال: ويشترط أن يكون من يستعان به حَسَنَ الرأي في المسلمين. وجمهور الحنابلة يمنعون الاستعانة بهم، ونقل ذلك ابن قدامة عن ابن المنذر والجوزجاني، وقال ابن القاضي أبي يعلى في «كتاب التمام» (٢/٢٢٠): «لاتختلف الرواية أنه لا يستعان بالمشركين على قتال العدو، ولا يعاونون على قتالهم» . انظر: «المغني» (٨/٤١٤- ط. مكتبة الرياض الحديثة) . وجواز الاستعانة هومذهب الأوزاعي، فيما نقله عنه القرطبي في «التفسير» (٨/٩٩-١٠٠) . وانظر: «التاج والإكليل» (٣/٣٥٢- هامش «المواهب»)، «فقه الأوزاعي» (٢/٤٧٦)، وهو مذهب سفيان الثوري، والزهري، وإسحاق. كما في «المغني» .
(٢) هذا قول ابن القاسم، وتكون الاستعانة بالخدمة دون القتال. انظر: «المدونة» (١/٥٢٤)، -ونقله عنه الجصاص في «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٢٨) -، «جامع الأمهات» (ص ٢٤٤)، «الذخيرة» (٣/٤٠٥)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٦٨)، «المنتقى» =
[ ١٥٩ ]
حبيب: أن يُستعانَ بهم في هدم الحصون ورَمْي المَنْجَنيق، وأنْ يُستعان بهم في القتال إذا كانوا ناحيةً، قال: ولا بأس أن يقوم بمن سالَمه من الحَرْبيِّينَ على من لم يُسالِمه (١) . وكلُّ هذا لا مُستندَ له، بل يَرُدُّه ظاهرُ القرآن والسنةِ، كما تقدم (٢) .
* مسألة:
اختلف أهل العلم في الأسارى من المسلمين يقاتلون مع العدو عدوًّا غيرهم، فَرَخَّصَ الأوزاعي في ذلك إذا شَرطوا لهم أنْ يُخلُّوا سَبيلهم إذا فتح لهم، فإن لم يشترطوا لهم ذلك، لم يكن لهم أن يقاتلوا إلا أن يخافوا على دمائهم (٣)،
_________________
(١) = للباجي (٣/١٧٩)، «عيون المجالس» (٢/٦٩٣ المسألة رقم ٤٥٢)، «شرح الدردير» (٢/١٧٨)، «شرح الزرقاني على مختصر خليل» (٣/١١٤)، «التاج والإكليل» (٣/٣٥٢)، «تفسير القرطبي» (٨/٩٩) .
(٢) «النوادر والزيادات» (٣/٣٥)، «الذخيرة» (٣/٤٠٦) .
(٣) قلت: فالاستعانة بالمشرك في القتال تجوز عند الحاجة إليه. قال ابن القيم في «الزاد» (٣/٣٠١) في مَعْرِض كلامه على ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية: «ومنها: أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة؛ لأن عَيْنَهُ الخزاعيَّ كان كافرًا إذ ذاك -يشير المصنف إلى ما سبق أن ذكره (ص ٢٨٨) أن النبي - ﷺ - لما كان بذي الحليفة أرسل عينًا له مشركًا من خزاعة يأتيه بخبر قريش- وفيه في المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم» . وقال العلامة صديق خان في «الروضة الندية» (٢/٤٨٢): «ولا يستعان فيه -أي: في الجهاد- بالمشركين إلا لضرورة » ثم ساق -﵀- الأدلة الدالة على تحريم الاستعانة والدالة على جوازها، ثم ذكر الجمع بينهما بقوله: «فيجمع بين الأحاديث بأن الاستعانة بالمشركين لا تجوز إلا لضرورة، لا إذا لم تكن ثمَّ ضرورة» . وانظر: «الفتاوى الإسلامية» (٣/٨١٤ و٤/١٤٢٥) الصادرة عن دار الإفتاء المصرية، «حكم الاستعانة بغير المسلمين في الجهاد» (ص ١١٧- وما بعدها) المطبوع ضمن «ثلاث رسائل فقهية» للشيخ محمد بن عبد الله بن سبيل.
(٤) انظر: «الأوسط» (١٢/٦٩)، «اختلاف الفقهاء» في كتاب الجهاد (١٩٦) للطبري (نشره المستشرق: يوسف شخت- ط. ليدن)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٥٤)، «فقه الأوزاعي» (٢/٤٣٦) . وجوَّزه سفيان الثوري بدون شرط. كما في «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٥٤) .
[ ١٦٠ ]
وقال أحمد بن حنبل بنحوه (١)، وكره مالكٌ أن يقاتلوا على مثل هذا، ولا ينبغي لمسلمٍ أن يُهْريق دمه إلا في حق (٢)، ونحوهُ قال أصحاب الرأي (٣): لا ينبغي للمسلمين المستأمنين أن يقاتلوا معهم إلا أن يخافوا على أنفسهم من قَبْل أنَّ حكم أهل الحرب هو الغالب، وكان الشافعي (٤) يقول في الأسارى: يُشترط لهم أن يخلَّوا إذا قاتلوا معهم، قد قيل: يقاتلونهم. ولو قال قائل: يكره قتالهم، كان مذهبًا.
فأقول: إنَّ الوَجْهَ كراهةُ قتالهم معهم؛ لأن قتال الكفار إنما شُرِعَ لإعلاء كلمة الإسلام والدعاءِ إليه، لا لإعلاءِ كُفرٍ على كُفرٍ، بل لا يجوزُ لمجردِ الغَلبةِ والنَّيل منهم على الإطلاق، ألاَ ترى أنَّ الدعوة تَجِبُ قبلَ ذلك فيمن لم تبلغه باتفاق، فقتالهم معهم لم يكن لذلك، بل هو عونٌ للكفار على الكُفَّار، وذلك غير مشروع، إلا أن يكون عن أهلِ ذمَّةٍ من المسلمين، فيدافعُ عدوّهم عنهم، فذلك من إعلاء حُرمة الإسلام، والقيام بحدوده، وأما من أباح ذلك إذا شرطوا لهم أن يُخَلّوا عنهم، فتغليبٌ لأحد المكروهين على الآخر؛ لأن إقامتهم تحت أسر الكفار لا يحل لهم، متى أمكنهم سبيلٌ إلى التخلص، كبذل المال في الفداء ونحوه.
في النهي عن السفر بالمصحف إلى أرض الحرب
قوله -تعالى-: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ. لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] .
_________________
(١) نقل ابن المنذر في «الأوسط» (١٢/٧٠) عنه قوله: «إن قال لهم: أخلّي عنكم، فلا بأس، رجاء أن ينجون. قيل له: فإن قال: أُعطيكم وأحسن إليكم. قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من قاتل لتكون كلمة الله » لاأدري» . وانظر: «المغني» (١٣/١٨٥- ط. هجر) .
(٢) نقله ابن المنذر في «الأوسط» (١٢/٦٩) عنه.
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٥٤)، «الأوسط» (١٢/٦٩) .
(٤) قال ابن المنذر في «الأوسط» (١٢/٦٩): «وكان الشافعي يقول: قد قيل: يقاتلونهم. وقيل: قد قاتل الزبير وأصحاب له ببلاد الحبشة مشركين عن المشركين، ولو قال قائل: يكره قتالهم، كان مذهبًا» .
[ ١٦١ ]
وفي «الموطأ» (١)، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يُسَافَرَ بالقرآن إلى أرض العدو» . قال مالك: وإنما ذلك مخافة أن يناله العدو. هكذا وقع هذا الحرف في «موطأ يحيى» من قول مالك، وهو في غيره مرفوع صحيح (٢) .
خَرَّج مسلم (٣)، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تسافروا بالقرآن، فإني لا آمن أن يناله العدو» .
واتفق الفقهاء أنه لا يُسافَر بالقرآن إلى أرض العدو في السرايا والعسكر
_________________
(١) في كتاب الجهاد (باب النهي عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) (ص ٢٨٥ رقم ٤٥٠- ط. إحياء التراث العربي) . وأخرجه البخاري (رقم ٢٩٩٠)، ومسلم (١٨٦٩) (٩٢)؛ من طريق مالكٍ؛ به. دون ذكرهم قول مالك، وخرجته بتفصيل في تعليقي على كلٍّ من: «تالي تلخيص المتشابه» (٢/٥٦٩-٥٧٠ رقم ٣٤٦) للخطيب البغدادي، «جزء القاضي الأشناني» (رقم ٢)، «إعلام الموقعين» (٥/٥٢) .
(٢) كان مالك يشك في رفع آخر الحديث، فقال -كما عند أبي داود (٢٦١٠) -: «أُراه: مخافة أن يناله العدو»، وعند مسلم: «قال أيوب: فقد ناله العدو» . ولم يرفعا هذا اللفظ إلى النبي - ﷺ -. قال صاحب «عون المعبود» (٢/٣٤١): «واعلم أن هذا التعليل قد جاء في رواية ابن ماجه [(٢٨٧٩، ٢٨٨٠)، وأبي يعلى في «معجم شيوخه» (٢٥٢)، والخطيب في «تالي التلخيص» (رقم ٣٤٦)، بل هو عند مسلم (١٨٦٩) (٩٣)]، ورواياته مفصلة عند ابن أبي داود في «المصاحف» (ص ٤١١-٤١٧- ط. الفاروق) إذ أورد له خمسة وثلاثين طريقًا، وغيرها مرفوعًا. وقال الحافظ [في «فتح الباري» (٦/ ١٣٤)]: ولعل مالكًا كان يجزم به، ثم صار يشك في رفعه، فجعله في نفسه» . ا. هـ كلام صاحب «العون» . ولكن الحفاظ وغير مالك أثبتوا رفعه، فارتفع الشك، قاله أحمد شاكر في تحقيقه «المسند» (٦ رقم ٤٥٠٧)، وانظر: «التمهيد» (١٠/٤٣- ط. الفاروق) .
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة (باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم) (١٨٦٩) (٩٤) . وأخرجه البخاري في «خلق أفعال العباد» (٤٨)، وأبو داود (رقم ٢٦١٠)، وابن ماجه (رقم ٢٧٨٠ و٢٨٧٩)، والنسائي في «فضائل القرآن» (٨٥)، وأحمد (٢/٦، ٧، ١٠، ٦٣، ٧٦، ١٢٨)، والحميدي (٦٩٩)، وعبد بن حميد (٧٦٦، ٧٦٨)، وأبو إسحاق الفزاري في «السير» (رقم ٥٩٢)، وقال على إثره: «مشهور ثابت من حديث نافع» .
[ ١٦٢ ]
الصغير المخوف عليه، واختلفوا في جواز السَّفر به في العسكر الكبير المأمون عليه، فقال مالك (١): لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، ولم يُفَرِّق (٢) .
قال ابن المنذر (٣): «منع من ذلك مالك (٤)، وأحمد بن حنبل (٥)، وجاء منع ذلك عن عمر بن الخطاب (٦)، وعمر بن عبد العزيز (٧)، وقال أبو حنيفة (٨): لا بأس بذلك في العسكر العظيم. والصواب في ذلك قول مالك، ومَنْ منع مِن ذلك على كل حال، فإنَّ نَهْيَ رسول الله - ﷺ - عن ذلك؛ وَقَعَ مطلقًا» .
وأما قوله - ﷺ -: «فإني لا آمن أن يناله العدو»، فذلك مما يمكن توقعه في
_________________
(١) انظر: «الموطأ» (ص ٢٨٥ رقم ٤٥٠-ط. دار إحياء التراث)، «قدوة الغازي» (ص ١٧٠)، «جامع الأمهات» (٢٤٤)، «النوادر والزيادات» (٣/٣٣-٣٤)، «الذخيرة» (٣/٤٠٥)، «التفريع» (٢/ ٣٥٦)، «منح الجليل» (٣/١٥٣)، «الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة» (ص ٣٣٨) للرجراجي الشوشاوي، «مناهل العرفان» (١/٤٠٣) .
(٢) المذكور بالحرف في «التمهيد» (١٠/٤٣- ط. الفاروق) لابن عبد البر، وعنه ابن حجر في «الفتح» (٦/١٣٤) .
(٣) في «الأوسط» (١١/٢٨٩) .
(٤) كما تقدم.
(٥) انظر: «المغني» (١/١٣٩- مع «الشرح الكبير»)، «المبدع» (١/١٧٦)، «مطالب أولي النهى» (١/١٥٥)، «كشاف القناع» (١/١٣٦) .
(٦) لم أظفر به عنه مسندًا، ولا وجود له في «موسوعة فقه عمر»، ولا في «مسند الفاروق» !
(٧) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٥/٢١٢ رقم ٩٤١١)؛ عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -، أنه نهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو. قال: «وكتب فيه عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار» . وعبد الله بن عمر: هو العمري: ضعيف. قاله الحافظ في «التقريب» (٣٤٨٩) . وأسند ابن أبي داود في «المصاحف» (رقم ٧٢٠) عن الحسن قال: كان يكره أن يسافر بالمصحف إلى أرض الروم.
(٨) انظر: «الهداية» (٢/٤٢٨)، «البناية» (١/٦٤٨، ٥/٦٥٩)، «اللباب» (٢/١١٩)، «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص (٣/٤٣٥ المسألة رقم ١٥٨٣)، «مختصر الطحاوي» (ص ٢٩٢)، «فتح القدير» (٥/٤٥٠)، «بدائع الصنائع» (٧/١٠٢)، «إعلاء السنن» (١٢/ ٢٢-٢٣) .
[ ١٦٣ ]
العسكر الكبير والصغير، وإن كان هو في الصغير أَمْكَن، فلا يقطع على السلامة في الكبير، بل قد يمكن سقوطه وإضاعته حتى يناله العدو، وإن كان عسكر المسلمين غالبًا، فالعلَّة موجودة على كل حال.
في لباس الحرير: هل يباح في الغزو؟
خرَّج الترمذي، وغيره (١) عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله - ﷺ - قال: «حُرِّمَ لباسُ الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأُحِل لإناثهم»، قال فيه: «حسن
صحيح» .
وخرَّج البخاري (٢)، عن أنس، أن النبي - ﷺ - رخَّصَ لعبد الرحمن بن عوف، والزبير، في قميصٍ من حريرٍ؛ من حكَّةٍ كانت بهما. وفي رواية (٣): فأرخص لهما في الحرير، فرأيته عليهما في غزاة.
واختلف أهل العلم في لباس الحرير في الحرب، فأجازته طائفة ومنعته طائفة؛ فمِمَّن أجازه: أنس، يُروى عنه أنه لبس الديباج في فزعةٍ فزعها الناس (٤)،
_________________
(١) أخرجه الترمذي في «جامعه» في كتاب اللباس (باب ما جاء في الحرير والذهب) (رقم ١٧٢٠) . وقال: «هذا حديثٌ حسن صحيح» . وأخرجه النسائي في «المجتبى» (٨/١٦١، ١٩٠)، وأحمد (٤/٣٩٤، ٤٠٧)، وعبد بن حميد (٥٤٦)، والطحاوي في «شرح المعاني» (٤/٢٥١) . من طريق سعيد بن أبي هندٍ عن أبي موسى الأشعري. وأخرجه أحمد (٥/٣٩٢، ٣٩٣) من طريق سعيد، عن رجلٍ من أهل البصرة، عن أبي موسى، نحوه. والحديث صحيح. انظر: «صحيح الترمذي» لشيخنا الألباني -﵀-.
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسِّير (باب الحرير في الحرب) (رقم ٢٩١٩) . وأخرجه مسلم -أيضًا- في كتاب اللباس والزينة (باب إباحة لبس الحرير للرجل، إذا كان به حكة أو نحوها) (رقم ٢٠٧٦) .
(٣) البخاري (رقم ٢٩٢٠)، ونحوه عند مسلم (٢٠٧٦) (٢٦) .
(٤) أخرج عبد الرزاق في «المصنف» (١١/٧١ رقم ١١٩٤٢) بسند صحيح عن ثابت قال: رأيت أنس بن مالك يلبس رايتين من ديباج في فزعة فزعها الناس. =
[ ١٦٤ ]
وقال عطاء: الديباج (١) في الحرب سلاح (٢)، ورُوي إجازته عن عروة (٣)، ومحمد ابن علي (٤)، والحسن البصري (٥)، وهو قول الشافعي، وأبي يوسف (٦)، وقاله ابن
الماجشون (٧)، ورواه -أيضًا- عن مالك. قال ابن الماجشون: وقد أجازه غير واحدٍ من الصحابة والتابعين، قال: وإنما أُجيزَ لما فيه من المباهاة والإرهاب على العدو؛
_________________
(١) = وأخرج الطبراني في «الكبير» (١/٢٤٠ رقم ٦٦٦) عن فضيل بن كثير قال: رأيت على أنس بن مالك خزًّا أصفر. وفيه أبو ساسان، وهو ضعيف، قاله الهيثمي في «المجمع» (٥/١٤٤) . ونحوه عند عبد الرزاق (١١/٧٥، ٧٦ رقم ١٩٩٥٤، ١٩٩٥٩، ١٩٩٦٣) من وجهين آخرين. وانظر: «التمهيد» (١٤/٢٦١- ط. المغربية)، «الاستذكار» (٢٦/٢١١ رقم ٣٩٢٨٧) . وأسند ابن أبي شيبة (٨/١٦٤ رقم ٤٧١٦) -وعنه ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢٦/٢١٢ رقم ٣٩٢٩٣) عن حميد قال: سئل أنس عن الحرير؟ قال: أعوذ بالله من شره، كنا نسمع أنَّ من لبسه في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة.
(٢) الديباج: هو الثياب المتخذة من الأبريسم، فارسي معرَّب، وقد تفتح داله، ويجمع على دياييج، وديابيج بالياء والباء؛ لأن أصله: دبَّاج. انظر: «النهاية» (٢/٩٧) .
(٣) مذهبه في «الاستذكار» (٢٦/٢٠٧ رقم ٣٩٢٥٨) .
(٤) أسنده عنه عبد الرزاق (١١/٧١، ٧٥-٧٦ رقم ١١٩٤٣، ١٩٩٥٥) وذكر مذهبه: ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢٦/٢٠٧) .
(٥) كذا في الأصل، ولعل صوابه: «الحسين بن علي»، ومذهبه عند الطبراني، ورجاله ثقات، قاله الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/١٤٥) .
(٦) مذهبه المحفوظ عنه المنع، ذكره ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢٦/٢٠٩، ٢١٢ رقم ٣٩٢٧٢، ٣٩٢٧٣، ٣٩٢٩٥)، وأسنده ابن أبي شيبة (٨/١٦٥ رقم ٤٧١٨)، وانظر: «موسوعة فقه الحسن» (١/٣٥٣) .
(٧) انظر في فقه الشافعية: «الأم» (١/٢٥٣)، «مختصر المزني» (ص ٣٠)، «منهاج الطالبين» (١/٢٩٢)، «روضة الطالبين» (٢/٦٥، ٦٨)، «الوسيط» (٢/٣١١)، «الحاوي الكبير» (٣/١٠٠)، «المجموع» (٤/٣٢٤)، «البيان» للعمراني (٢/٥٣٥)، «نهاية المحتاج» (٢/٣٧٧)، «حاشية الجمل» (٣/٣٢-ط. الكتب العلمية) . وفي مذهب أبي يوسف: «تحفة الفقهاء» (٣/٣٤١)، «اللباب» (٤/١٥٧)، «بدائع الصنائع» (٥/١٣١)، «شرح السير الكبير» (٤/١٩٤) .
(٨) انظر: «النوادر والزيادات» (١/٢٢٧)، «الخرشي» (١/٢٥٢)، «مواهب الجليل» (١/٥٠٥) .
[ ١٦٥ ]
لما يقي عند القتال من النَّبل وغيره من السلاح (١) .
ومِمَّن منع من ذلك: عمر بن الخطاب (٢)، ورُوي مثله عن ابن محيريز (٣)، وعكرمة (٤)، وابن سيرين (٥)، وهو قول أبي حنيفة (٦)، والمشهور عن مالك (٧) .
وأمّا اتخاذ الراية من الحرير، فلا خلاف في جواز استعمالها؛ لأن ذلك ليس من اللباس في شيء.
فأما دليل من منع لباس الرجل الحرير على كلِّ حال: فعموم الحديث في تحريم ذلك على الرجال. وحديثُ الرخصة لأجل الحَكَّة، إمَّا أن يكون مختصًا بمن أباح ذلك له رسول الله - ﷺ -، أو يكون ذلك محمولًا على سبب الرخصة لا
_________________
(١) انظر: «النوادر والزيادات» (١/٢٢٧)، «الاستذكار» (٢٦/٢٠٨)، «التمهيد» (١٤/٢٥٨)، «مواهب الجليل» (١/٥٠٥)، «الخرشي» (١/٢٥٢) . والجواز هو مذهب الحنابلة -أيضًا- عند الحاجة إليه. انظر: «المغني» (١٣/٣٠٦-٣٠٧- ط. هجر) .
(٢) يظهر مذهبه في غير ما قصة ثابتة عنه، انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٨/٣٥٦)، «مصنف عبد الرزاق» (١١/٧٨ رقم ١٩٩٧٠، ١٩٩٧٢)، «التمهيد» (١٤/٢٥٧-٢٥٨)، «الموطأ» (٥٧١): كتاب اللباس: (رقم ١٨)، «صحيح البخاري» (٥٨٤١)، «صحيح مسلم» (٢٠٦٨) .
(٣) مذهبه في «التمهيد» (١٤/٢٥٨)، «الاستذكار» (٢٦/٢٠٨) .
(٤) مذهبه في «مصنف ابن أبي شيبة» (٨/٣٥٦)، «التمهيد» (١٤/٢٥٨)، «الاستذكار» (٢٦/٢٠٨) .
(٥) مذهبه في «مصنف ابن أبي شيبة» (٨/٣٥٦)، «التمهيد» (١٤/٢٥٨)، «الاستذكار» (٢٦/ ٢٠٨) .
(٦) انظر في مذهب الحنفية: «مختصر الطحاوي» (٤٣١ و٤٣٨)، «تحفة الفقهاء» (٣/٣٤١)، «بدائع الصنائع» (٥/١٣١)، «اللباب» (٤/١٥٧)، «تبيين الحقائق» (٦/١٤) . وجوَّزوا لباس ما كان لحمته حريرًا، وسداه غير حرير في الحرب.
(٧) ذكر ابن حبيبٍ عن مالكٍ جواز لبس الحرير في الحرب، وتعقبه ابن أبي زيد القيرواني في «النوادر والزيادات» (١/٢٢٧)؛ فقال: «ليس بمذهب مالك» . وانظر: «الاستذكار» (٢٦/٢٠٨، ٢١٠)، «التمهيد» (١٤/٢٥٦، ٢٥٧) .
[ ١٦٦ ]
يُتَعَدّى به عِلَّة الحَكَّة (١)، وليس أمر الحرب في شيءٍ من ذلك (٢)، وهذا هو الأرجح.
ومستند من أباحهُ في الحرب: قياسهم موطنَ الحرب للضرورة إلى المباهاة والإرهاب، ولأن فيه قوةً، ودفعًا (٣) للسهام ونحوها، كما قال عطاء في الديباج: «إنه في الحرب سلاح»، فقاسوا هذا على الرُّخصةِ في حديث أنس، بِعلَّةِ أنه يَدْفَعُ من ضرر الغزو، إما بالإرهاب، وإما بكونه من السِّلاح مما هو أشدُّ من ضرر الحكَّة (٤) .
ما جاء في الأمر بالدعوة قبل القتال
قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]،
وقال -تعالى-: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥-٤٦] .
_________________
(١) الأصح عدم التخصيص، والرخصة إذا ثبتت في حق بعض الأمة لمعنى، تعدّت إلى كل من وجد فيه ذلك المعنى، إذ الحكم يعم بعموم سببه، فلا دليل على التخصيص، وهو على خلاف الأصل، أفاده ابن القيم في «زاد المعاد» (٤/٧٧) .
(٢) تحريم الحرير إنما كان سدًّا للذريعة، لهذا أبيح للنساء، وللحاجة، والمصلحة الراجحة، وهذه قاعدة ما حرم لسد الذرائع، فإنه يباح عند الحاجة والمصلحة الراجحة، أفاده ابن القيم -أيضًا-، ولذا قال النووي في «المجموع» (٤/٣٢٩): «لو خاف المرء على نفسه من حرٍّ أو برد أو غيرهما، ولم يجد إلا ثوب حرير، جاز لبسه بلا خلاف للضرورة، ويلزمه الاستتار به عن عيون الناس إذا لم يجد غيره بلا خلاف» .
(٣) في الأصل: ودَفْعٌ.
(٤) قال القاضي بدر الدين بن جماعة في كتابه «تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام» (ص ١٢٤): «والديباج الثخين الذي لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح، يجوز لبسه في الحرب خاصة، وإذا ادعت إليه ضرورة ولم يجد غيره: كخوف الهلاك؛ من شدّة بردٍ، أو مفاجأة حرب، أو حصول حكة في جسده» . قلت: وإباحته في الحرب إن كان غيره لا يقوم مقامه؛ هو الصواب. ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية. انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٨/٢٧)، «مختصر الفتاوى المصرية» (٣١٨) .
[ ١٦٧ ]
خرَّج البخاري (١)، عن سهلٍ، قال: قال النبي - ﷺ - يوم خيبر: «لأُعطينَّ الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله»، فبات الناس ليلتهم: أيهم يُعطى، فغدوا، كُلُّهم يرجوه، فقال: «أين عليٌّ؟»، فقيل: يشتكي عَيْنَيْهِ، فبصق في عينيه، ودعا له؛ فبرأ، كَأَنْ لم يكن به وَجَعٌ، فأعطاه، فقال: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: «اُنْفُذْ على رِسْلِكَ حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأَنْ يَهْدِيَ الله بك رجلًا، خيرٌ لك من أن تكون لك حُمْرُ النَّعمَ» .
وخرّج مسلم (٢) عن ابن عونٍ قال: كَتبتُ إلى نافعٍ أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتب إليَّ: إنما كان ذلك في أول الإسلام؛ قد أغار رسول الله - ﷺ - على بني المصطلق وهم غارُّون، وأنْعامُهم تُسقى على الماء، فقتلَ مُقَاتَلَتَهُمْ، وسبَى سَبيهم، وأصاب يومئذٍ جُويرية بنت الحارث. حدثني هذا الحديث: عبد الله بن عمر -وكان في ذلك الجيش-.
فتضمَّن ظاهرُ القرآن، ونصُّ حديث سهلٍ الأمْرَ بالدعاء إلى الإسلام قبل القتال، وجاء في حديث ابن عمر مباغَتَتُهم، والإغارةُ عليهم، وهم غارُّون، فوجب أن يرجع ذلك إلى اختلافِ أحوال الكُفّار، فيمن كان قد علِمَ بأمر النبي - ﷺ -، وما يقاتلهم عليه، داعيًا إلى الله -تعالى-، وإلى دين الإسلام، أو كان لم يعلم شيئًا من ذلك، والدليل على ذلك قوله في الحديث: «إنما كان ذلك في أول الإسلام»، يعني: دعاءهم قبل القتال، حيثُ كانوا جاهلين بأمرِ النبيّ - ﷺ -، وأحوالُ الكفار لا
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسِّير (باب فضل من أسلم على يديه رجلٌ) (رقم ٣٠٠٩) . وأخرجه -أيضًا- (رقم ٢٩٤٢، ٣٧٠١، ٤٢١٠)، ومسلم (٢٤٠٦) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام، من غير تقدم الإعلام بالإغارة) (١٧٣٠) . وأخرجه البخاري في كتاب العتق (باب من مَلَكَ من العَربِ رقيقًا، فوهبَ وباعَ وجامعَ وفدَى وسبَى الذرية) (رقم ٢٥٤١) .
[ ١٦٨ ]
تخلو من هذين الوجهين، فأمَّا مَنْ عُلِمَ، وتُحقِّق أنّه لم تبلغه دعوة الإسلام، ولا عُلِمَ ماذا يراد منه بالقتال، فلا خِلافَ (١) يُعرفُ أنه يجبُ أن يُدعَى قبلُ إلى الإسلام،
ويعلم بما يجب في ذلك، فإن امتنعوا قوتلوا حينئذٍ.
وأمّا من عُلِمَ أن الدعوة قد بلغتهم قَبْلُ، وعرفوا مايراد منهم، فهذا موضِعٌ اختلف فيه أهل العلم، فَرُوِيَ عن عمر بن عبد العزيز أنه أمرَ أن يُدعوا قبل أن يقاتلوا (٢)، وكذلك رَوَى ابن القاسم عن مالكٍ (٣) أن يُدْعوا، ورُوي عنه -أيضًا- خلافُ ذلك (٤) .
قال ابن المنذر (٥): «وأباح أكثر أهل العلم قتالهم قبل أن يُدعوا، قالوا: قد
_________________
(١) حكى الإجماع في هذه الحالة غير واحد، انظر: «المبسوط» (١٠/٦)، «بداية المجتهد» (١/ ٣٨٩)، «المعونة» (١/٦٠٤)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٣٩)، «كشاف القناع» (٢/٣٦٩)، «رحمة الأمة» (٢٩٢) . وينبّه هنا على أمرين مهمين: الأول: في حالة معالجة الكفار، فإنهم يقاتلون في هذه الحالة من غير دعوة، لضرورة الدفاع، أفاده غير واحد، انظر: «المدونة» (٢/٢)، «المعونة» (١/٦٠٤)، «الذخيرة» (٣/٤٠٣)، «زاد المعاد» (٢/٣٦٩) . الآخر: ذكر الشوكاني في «النيل» (٧/٢٣١)، والصنعاني في «سبل السلام» (٤/٨٩) أن دعوة الكفار قبل القتال لا تجب مطلقًا، ذكراه على أنه قول، ولم يعزياه لأحد، وقال النووي عنه في «شرح صحيح مسلم» (١١/٢٨٠): «إنه باطل» .
(٢) انظر: «البيان والتحصيل» (٣/٨٣)، «النوادر والزيادات» (٣/٤١) .
(٣) كما في «المدونة» (١/٤٩٦) . وانظر: «البيان والتحصيل» (٣/٨٣)، «النوادر والزيادات» (٣/٤١)، «المعونة» (١/٦٠٤)، «جامع الأمهات» (٢٤٤)، «عقد الجواهر» (١/٤٦٨)، «الذخيرة» (٣/٤٠٢)، «حاشية الدسوقي» (٢/ ١٧٦)، وغيرها.
(٤) يمكن أن يقال: إنهم فرقوا بين من يُطمع في استجابته فتجب دعوته، ومن لا يُطمع في استجابته فلا تجب دعوته، انظر: «أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله» (١/٣٤١) .
(٥) لعله في «الأوسط» في القسم المفقود منه، أو في القطعة المفقودة من كتابه: «الإشراف» .
[ ١٦٩ ]
بلغتهم الدعوة، هذا قول الحسن البصري، وإبراهيم النَّخعيِّ، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والليث بن سعدٍ، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثورٍ، والنعمان؛ وأصحابه (١)» .
قال: «واحتجَّ الليثُ بن سعدٍ، والشافعيُّ بقتل كعب بن الأشرف (٢)، واحتج الشافعيُّ -أيضًا- بقتل ابن أبي الحُقيق (٣)، واحتجَّ الليثُ بقتل الذي قتله عبد الله
_________________
(١) انظر في مذهب الحنفية: «مختصر الطحاوي» (ص ٢٨١)، «شرح السير الكبير» (١/٥٧)، «النتف في الفتاوى» للسِّغدي (ص ٧٠٩)، «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص (٣/٤٢٥ رقم ١٥٧٥)، «المبسوط» (١٠/٦)، «اللباب» (٤/١١٦)، «الهداية» (٢/٤٢٧)، «تحفة الفقهاء» (٣/ ٢٩٤)، «بدائع الصنائع» (٧/١٠٠)، «فتح القدير» (٥/ ١٤٤)، «إعلاء السنن» (١٢/١٥) . وفي مذهب الشافعية: «المهذب» (٢/٢٣١)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٣٩)، «المجموع» (٢١/١٤٤)، «البيان» للعمراني (١٢/١٢٠-١٢١)، «الإقناع» لابن المنذر (٢/٤٥٩)، «اختلاف الفقهاء» للطبري (٣- تحقيق يوسف شخت)، «تحرير الأحكام» لابن جماعة (١٧٢) . وفي مذهب الحنابلة: «المغني» (١٣/٣٠)، «كشاف القناع» (٢/٣٦٩) . ومذهب الحسن البصري: أخرجه عنه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٢/٣٦٢ رقم ١٤٠٠٧، و٣٦٥ رقم ١٤٠١٤)، وابن زنجويه في «الأموال» (رقم ١١٨٠) . ومذهب أبي ثور، نقله الطبري في «اختلاف الفقهاء» (ص ٣)، وانظر: «فقه الإمام أبي ثور» (ص ٧٧١-٧٧٢) . ومذهب النخعي في «مصنف عبد الرزاق» (٥/٢١٧)، «الخراج» (١٩١)، «الآثار» (١٤٤)، وانظر: «موسوعة فقه إبراهيم النخعي» (٢/١٦٩) . ومذهب يحيى بن سعيد في «الذخيرة» (٣/٤٠٢) . وانظر: «الخراج لأبي يوسف» (ص ٢٢٨)، «الاعتبار» (ص ٢١١) .
(٢) أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب: المغازي (باب قتل كعب بن الأشرف) (رقم ٤٠٣٧- مطولًا، ورقم ٢٥١٠ و٣٠٣١ و٣٠٣٢ - مختصرًا) . وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير (باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود) (١٨٠١) .
(٣) أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب قتل النائم المشرك) (رقم ٣٠٢٢ و٣٠٢٣) . وفي كتاب المغازي (باب قَتْل أبي رافع عبد الله بن أبي الحُقيق) (رقم ٤٠٣٨ - مختصرًا، ٤٠٣٩ و٤٠٤٠- مطولًا) .
[ ١٧٠ ]
ابن أُنيسٍ (١)» .
قال ابن المنذر: هو سفيان بن نُبيح، وقال غيره: خالد بن نُبيح.
قال: وكان الشافعي، وأبو ثورٍ، يقولان: فإن كان قومٌ لم تبلغهم الدعوة، ولا عِلْمَ لهم بالإسلام، لم يقاتلوا حتى يُدعوا إلى الإسلام. قال ابن المنذر: «وكذلك نقول» .
قلت: وهو الذي يشهد له الجمع بين الأحاديث في ذلك، ويعضده (٢) النظر.
قال أبو الحسن اللَّخْمي (٣) في دعاء من قد بلغته الدعوة: ذلك على أربعة أوجه: واجبة، ومستحبة، ومباحة، وممنوعة، فأمًّا الجيوش العظام؛ تنزل بمن يرى أنه لا طاقة لهم بقتالهم، ويغلب على الظن؛ أنهم مَتَى دُعوا إلى الإسلام، أو إلى الجزية؛ أجابوا، وقد يجهلون ويظنون أنهم لا يقبل ذلك منهم الآن؛ لِمَا تقدَّمهم من تأخرهم عن دخولهم في الإسلام، فالدعوة واجبة، وإن كانوا عالمين بقبول ذلك منهم، ولا يغلب على الظنّ إجابتهم، كانت الدعوة مستحبة، وإنْ لم تُرجَ إجابتهم؛ كانت مباحة، وإن كان المسلمون قلَّة، ويخشى أن يكون في ذلك إنذار بالمسلمين، وأخذهم لحذرهم؛ كانت ممنوعةً، وهذا تقسيمٌ حسنٌ، ووجوهه ظاهرة، وعلى حسب هذا الاعتبار ذكر في جواز التَّبييت.
قال: ذلك على ثلاثة أوجه: فمن كان تجب دعوته لا يجوز تَبْييتُهُ، ومن لا تجب وتستحب مع ذلك دعوته؛ كره تبييته، ومن كانت الدعوة مباحةً فيهم؛ كان التبييت جائزًا، إلا أن يُخشى على المسلمين إذا دخلوا ليلًا من جهلٍ بالبلد، وخَوفِ ما عسى أن يؤتى عليهم منه، وكل هذا قول صحيح حسن، وقد أباح رسول الله - ﷺ - التبييت فيمن بلغتهم الدعوة.
_________________
(١) سيأتي تخريجه مطولًا.
(٢) رسمها في الأصل: «ويعظمه» وأثبتها أبو خبزة: «ويعطيه» .
(٣) كلامه في «الذخيرة» (٣/٤٠٣) .
[ ١٧١ ]
خرَّج مسلم (١)، عن الصَّعب بن جثَّامة قال: سئل النبي - ﷺ - عن الدار من المشركين يُبَيَّتون، فيصيبون من نسائهم وذَراريِّهم، فقال: «هُمْ منهم» .
وقد بعث رسول الله - ﷺ - نفرًا من الأنصار إلى ابن أبي الحُقَيْق وإلى كعب ابن الأشرف، فَهجَموا عليهما بالقتل في بيوتهما بخيبر (٢)، وكذلك بعث عبد الله ابن أنيس الجُهني من المدينة إلى ابن نُبيح الهذلي، فاغتاله بالقتل، وهو بِعُرنَة من جبال عرفات (٣) . فدلَّ ذلك كلُّه على جوازه فيمن بلغته الدعوة.
_________________
(١) في كتاب الجهاد والسير (باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد) (١٧٤٥) . وأخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير (باب أهل الدار يبيتون، فيصلب الولدان والذراري) (رقم ٣٠١٢) .
(٢) مضى تخريجه.
(٣) أخرجه أحمد في «المسند» (٣/٤٩٦) قال: حدثنا يعقوب، قال: حدثنا أبي عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن ابن عبد الله بن أُنَيس عن أبيه عبد الله بن أُنيس به مطولًا -وفيه قصَّةٌ-. قلت: ابن عبد الله بن أنيس: هو عبد الله بن عبد الله بن أنيس، كما جاء مبينًا من رواية محمد بن سلمة الحرَّاني، عن محمد بن إسحاق، عند البيهقي -كما سيأتي-. ترجم له البخاري في «التاريخ» (٥/١٢٥)، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٥/٩٠)، وابن حبان في «الثقات» (٥/٣٧)، ولم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا. فهومجهول. فهذا الإسناد ضعيف، وباقي رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين، غير أن محمد بن إسحاق روى له البخاري تعليقًا، ومسلم متابعةً، وقد صرح بالتحديث في رواية أحمد المذكورة. ويعقوب: هو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري. وأخرجه أبو يعلى (٩٠٥)، وابن خزيمة (٩٨٣)، وابن حبان (٧١٦٠)؛ من طريق يعقوب بن إبراهيم، بهذا الإسناد. وأخرجه أبو نعيم في «دلائل النبوة» (٤٤٥)؛ من طريق أحمد بن محمد بن أيوب، عن إبراهيم ابن سعد، به. وأخرجه أبو داود (١٢٤٩) (مختصرًا)، وصححه ابن خزيمة (٩٨٢)؛ من طريق عبد الوارث، عن محمد بن إسحاق، به. وحسّن الحافظ إسناد أبي داود في «الفتح» (٢/٤٣٧) . وضعّفه شيخنا الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» لجهالة ابن عبد الله بن أنيس -كما مضى-. =
[ ١٧٢ ]
وإذا توجه القتال فيمن لا تجب دعوتهم، إما لأنهم عالمون بدعوة الإسلام،
_________________
(١) = وأخرجه البيهقي في «السنن» (٣/٢٥٦)، وفي «الدلائل» (٤/٤٢)؛ من طريق محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله يعني ابن عبد الله بن أنيس، عن أبيه عبد الله بن أنيس، به. وهو في «سيرة ابن هشام» (٢/٦١٩-٦٢٠)؛ عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، -غير أنه سقط من إسناده ابن عبد الله بن أنيس-، به. وأخرجه بنحوه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢٠٣١) عن يعقوب بن حميد، عن عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن كعب قال: قال عبد الله بن أُنيس، قال رسول الله - ﷺ - يومًا: «من لي من خالد »، وهذا إسناد منقطع، محمد بن كعب -وهو القرظي- لم يدرك عبد الله بن أنيس. وأخرجه -مختصرًا جدًا- ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢٠٣٢)، وأبو يعلى في «مسنده» (٢/٢٠٣ رقم ٩٠٦)، والبغوي في «معجم الصحابة» (٤/٦٨ رقم ١٦٠٦)؛ عن صلت بن مسعود الجحدري، عن يحيى بن عبد الله بن يزيد بن عبد الله بن أنيس، حدثني عمي الحسن بن يزيد، عن عبد الله بن أنيس، أن النبي - ﷺ - بعثه سرية وحده. والحسن بن يزيد: مجهول. سئل أبو زرعة عنه فقال: «لا أعرفه» . انظر: «الجرح والتعديل» (١/٢/٤٢ رقم ١٧٨)، «لسان الميزان» (٢/٤٨٠) . ووقع في مطبوع «معجم الصحابة» يحيى بن عبد الله بن يزيد، (عن) عبد الله بن أنيس -بإسقاط الحسن بن يزيد-، والصواب (ابن) عبد الله بن أنيس. وأورده الهيثمي في «المجمع» (٦/٢٠٣) وقال: «رواه أحمد، وأبو يعلى؛ بنحوه، وفيه راو لم يُسمَّ، وهو ابن عبد الله بن أنيس، وبقية رجاله ثقات» . وفي الباب عن عروة -مرسلًا- عند البيهقي في «الدلائل» (٤/٤٠)، قال: بعث رسول الله - ﷺ - عبد الله بن أنيس وعن موسى بن عقبة عند البيهقي في «الدلائل» (٤/٤٠-٤١) - مرسلًا، قال: وبعث رسول الله - ﷺ - عبد الله بن أُنيس السلمي. وأشار إلى رواية موسى بن عقبة: ابن سيد الناس في «عيون الأثر» (٢/٥٥)، وأبو نعيم في «الدلائل» (٤٥١)، وابن كثير في «التاريخ» (٤/١٤١)، والصالحي في «سبل الهدى والرشاد» (٦/٣٦) . وعن موسى بن جُبير، عند الواقدي في «المغازي» (٢/٥٣١) . وانظر: «المواهب اللدنية» (٢/ ٤٧٣) .
[ ١٧٣ ]
أو لأنهم تُقُدِّم إليهم بالدعوة فلم يجيبوا؛ لم يُؤذنوا بحرب، بل تستعمل معهم المكيدة، والمكر، والخديعة الجائزة في الحرب، ولا يعلمون بوقت الهجوم عليهم؛ لأنه أنكى لهم وأبلغُ في عقوبتهم والنَّيلِ منهم، كما فعل النبي - ﷺ - ببني المصطلق على ما في حديث ابن عمر (١) .
وفي كتاب مسلم (٢)، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الحرب خُدعة» .
وفي البخاري (٣)، عن كعب بن مالك، قال: كان رسول الله - ﷺ - قَلَّمَا يريد غزوة يغزوها؛ إلا ورَّى بغيرها.
* مسألة:
صفة الدعوة: أن يَعرِضَ عليهم الإقرارَ لله -تعالى- بالإلهية والوحدانية، إن
_________________
(١) أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب العتق (باب من مَلَك من العرب رقيقًا، فوهب وباع وجامع وفدى وسبى الذرية) (رقم ٢٥٤١)، ومسلم في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام، من غير تقدم الإعلام بالإغارة) (١٧٣٠) . وفي مسألة اشتراط الدعاء قبل القتال خلاف -على ما ذكر المصنف-. قال الحافظ في «الفتح» (٦/١٠٨): «وهي مسألة خلافية: فذهب طائفةٌ منهم: عمر بن عبد العزيز، إلى اشتراط الدعاء إلى الإسلام قبل القتال، وذهب الأكثر إلى أن ذلك كان في بَدْء الأمر قبل انتشار دعوة الإسلام، فإن وُجِد من لم تبلغه الدعوة، لم يقاتل حتى يُدعى، نصَّ عليه الشافعي. وقال مالك: من قربت داره؛ قوتل بغير دعوة؛ لاشتهار الإسلام، ومن بَعدت داره؛ فالدعوة أقطع للشَّك» ا. هـ. قلت: وكلام المصنّف في المسألة قويٌّ متّجهٌ.
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب جواز الخداع في الحرب) (١٧٣٩) . وأخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير (باب الحرب خدعة) (رقم ٣٠٣٠) كلاهما من حديث جابر بن عبد الله -﵁-. وأخرجه البخاري (رقم ٣٠٢٨ و٣٠٢٩)، ومسلم (١٧٤٠) من حديث أبي هريرة -﵁-. وضبطت (خَدْعة) بفتح الخاء المعجمة وبضمها مع سكون المهملة فيهما، وبضم أوله وفتح ثانيه، قال النووي: اتفقوا على أنّ الأولى أفصح، انظر: «فتح الباري» (٦/١٥٨) .
(٣) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب من أراد غزوةً فورَّى بغيرها، ومن أحبَّ الخروج يوم الخميس) (رقم ٢٩٤٨) .
[ ١٧٤ ]
كان كُفْرُهم تعطيلًا أو شركًا، وبإثباتِ النبوة والرسالة لمحمدٍ - ﷺ - على كل أنواع الكفر، من كان منهم يُقرّ لله، أو يُشركُ، أو يُعطِّل، والإيمانَ بجميع ما جاء به - ﷺ -، وإبطالَ كل ما خالفه، فإذا هم أقرُّوا بذلك، صحَّ إيمانهم، ووجب الكَفُّ عنهم، فمن أبى بعد ذلك عن التزامٍ بشيءٍ من فروع الشريعة في حدود الإسلام، فإن كان جَحْدًا؛ فهو ارتدادٌ، يُقتل على كل حال، إلا أن يُراجع الإسلام، وإن كان مقرًّا بثبوته ثم لا يفعله؛ فهو فاسق، وأحكام عقوبته تختلف بحسب الفرع الذي يترك.
وأما إن أبَوْا من قبول الإسلام على ما وصفناه، فمن كان منهم من أهل الكتاب: اليهود، والنصارى، أو المجوس؛ دُعوا إلى أداء الجزية بلا خلاف، فإن أجابوا إلى ذلك -على الشروط التي نذكرها إن شاء الله في (باب الجزية) -، قُبِل منهم، وحَرُمَ قتالهم، وكذلك لو كانوا هم الذين سألوا قبول ذلك منهم، وَجَبَتْ إجابتهم والكفّ عنهم، فإن لم يجيبوا إلى شيءٍ من ذلك، فقد وجب السَّيف.
وأمَّا إن كانوا من غير أهل الكتاب: اليهود، والنصارى، والمجوس، ففي قبول الجزية منهم خلاف؛ فمن رأى أنها تؤخذ منهم عَرَض ذلك -في الدعوة- عليهم، ومن لم يُجز قبول ذلك إلا من أهل الكتاب؛ لم يعرضه عليهم، ولم يجبهم
إليه إن سألوه.
والدليل على صحة ذلك كلِّه: ما خرَّجه مسلم (١)، عن بُريدة، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سريَّة، أوصاه في خاصَّته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: «اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفرَ بالله، اغزوا ولا تَغُلُّوا، ولا تَغْدُروا، ولا تُمثِّلُوا، ولا تَقْتُلوا وَليدًا، وإذا لقيتَ عدوَّك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال -أو: خلال- فأيَّتهنَّ ما أجابوكَ فاقبل منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادْعُهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكُفَّ
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسيّر (باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ووصيته إياهم بأدابِ الغزو وغيرها) (١٧٣١) (٣) .
[ ١٧٥ ]
عنهم، ثم ادعهم إلى التَّحوُّل من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا عنها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أَبَوا؛ فاسألهم (١) الجزية، فإن هم أجابوكَ فاقبل منهم وكُفَّ عنهم، فإن هُم أَبَوا؛ فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرتَ أهل حصنٍ، فأرادوك أن تجعل لهم ذِمَّة الله وذمَّة نبيه، فلا تجعل لهم ذِمَّة الله ولا ذمَّة نبيه، ولكن اجعل لهم ذِمَّتك وذِمَّة أصحابك، فإنكم إن تُخْفِرُوا ذِممكم وذمَّة (٢) أصحابكم، أهون من أن تُخفروا ذمَّة الله وذمَّة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصنٍ، فأرادوك أن تُنْزلهم على حكم الله، فلا تُنزلهم على حكم الله، ولكن على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أو (٣) لا» (٤) .
*****
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي «صحيح مسلم»: فَسَلْهُمْ.
(٢) كذا في الأصل، وفي «صحيح مسلم»: ذِمَمَ.
(٣) كذا في الأصل، وفي «صحيح مسلم»: «أم لا» .
(٤) انظر في مسألة (صفة الدعوة): «الذخيرة» (٣/٤٠٤) .
[ ١٧٦ ]