في النفل والسلب، وأحكام الفيء والخُمس، ووجوه مصارفهما،
وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار
قال الله -﷿-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنفَالُ للَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، وقال -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، وقال
-تعالى-: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، وقال -تعالى-: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] .
فاختلف أهل العلم في تأويل هذه الآي وأحكامها، وما عسى أن يكون فيها من نسخٍ أو حمل بعضها على بعض اختلافًا كثيرًا، نُشير منه -إن شاء الله- إلى ما هو الأظهر في حمل الخطاب عليه، والأرجح في شهادة الأدلة له، مما يكون فيه غُنيةٌ، ثم نعقِّب ذلك بالكلام على كلِّ فصلٍ من فصول هذا الباب وأحكامه، وما للعلماء في ذلك من المذاهب بحول الله.
ولنُبيِّن أولًا معنى (النَفلِ) و(الفَيءِ) على القول الأظهر الأكثر، وإن كان لهم فيه اختلافٌ يُتَعَرَّفُ عند تفصيل اختلافهم في معاني الآي وأحكامها، وبالله تعالى نستعين.
فأمّا النَّفل (١): فهو ما يُنَفِّلُهُ الإمامُ الجيشَ، أو
بعضَهم، إن رأى لذلك وجهًا،
_________________
(١) انظر: «الزاهر في غريب ألفاظ الإمام الشافعي» للأزهري (ص ١٦٨)، «تحرير ألفاظ التنبيه» (ص ٤٣)، «شرح حدود ابن عرفة» (٢٣٣)، «القاموس الفقهي» (٣٥٨)، «حلية الفقهاء» (١٦٠)، «الكليات» (٦٦٩)، «طلبة الطلبة» (١٩٦)، «المُغرب في ترتيب المُعرب» (٢/٣١٩) . والنَّفَل: بفتح الفاء.
[ ٤٥٥ ]
أي: يزيدهم إيَّاه فوق سهامهم التي أوجب لهم القسم من الغنيمة، بحسب اجتهاد الإمام لمصلحةٍ تكون للمسلمين.
واختلف: هل تكون تلك الزيادة من أصل الغنيمة قبل أن تخمس، أو مِنْ سائرها بعد إخراج الخمس وقبل القسم، أو: إنما يكون ذلك من الخمس، وتبقى أربعة الأخماس موفورةً للجيش؟
وكذلك اختلف في السَّلَب -وهو ما يوجد على المقتول أو معه (١) -: هل حكمه حكم الغنيمة؟ وأمره راجعٌ إلى الإمام، فينفِّله القاتل إن رأى لذلك وجهًا، كما يفعل في النَّفل من غيره، ويمنعه -أيضًا- إن رأى على حسب ما يؤديه إليه اجتهاده في مصالح المسلمين، أو: هو شيءٌ يختص به القاتل حُكمًا من الله
-تعالى-، فلا يدخل من حكم الغنيمة في شيء؟
وأمَّا الفيءُ: فهو ما أفاءه الله -تعالى- على المسلمين، أي: رجعه إليهم من أموال الكفار عَفوًا، من غير قتالٍ ولا معالجةٍ، بإيجاف خيلٍ ولا ركابٍ (٢) .
وحُكم هذا: أن لا يُقسم في الجيش كما تُقسم الغنائمُ؛ لأنهم لم يستحقوه بشيءٍ من العمل، وإنما يكون في مصالح المسلمين عمومًا.
واختُلِف: هل يخرج منه الخُمس لمن سمَّى الله -تعالى-، أو هو كلُّه في مصالح المسلمين؟
وكذلك اختلف في حكم مصارف الخمس، على ما سنوضح في جميع ذلك -إن شاء الله تعالى-.
القول في تأويل الآي وأحكامها
اختلف أهل العلم في معنى قوله -تعالى-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ
_________________
(١) «الزاهر» (١٦٩)، «شرح حدود ابن عرفة» (٢٣٤) .
(٢) «الزاهر» (ص ١٦٨)، «طلبة الطلبة» (١٨٨)، «شرح حدود ابن عرفة» (٢٣٠) .
[ ٤٥٦ ]
الأَنفَالُ للَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، فقال أكثرهم: هي منسوخة بقوله -﷿-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ
خُمُسَهُ ﴾ الآية [الأنفال: ٤١] . وقائل هذا القول يجعل الأنفال في الآية هي الغنائم نفسها، وإنما أخذ النَّفل من النافلة؛ وهي الزيادة، قالوا: والغنائم أنفال؛ لأن الله -تعالى- نفلها أمة محمدٍ - ﷺ -، أي: زادهم ذلك وخصَّهم به دون الأمم بفضله.
قال - ﷺ -: « وأحلت لي الغنائم، ولم تحلَّ لأحدٍ قبلي» (١) .
وروى أهل اللغة: أن النفل: المغنم. والجمع: أنفال (٢) . قالوا: فكانت آية الأنفال من أول ما نزل بالمدينة، ولم يكن أمرٌ بتخميس الغنائم وقسمها، بل كان الأمر في الغنائم كلها إلى النبي - ﷺ -، فنسخ الله ذلك بآية الخمس ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، فاستقرَّ أمر الغنائم على التخميس، وقسم سائرها في الغانمين على السهمان المعلومة. ورُوي في سبب نزول الآية ما يدلُّ على هذا المذهب.
_________________
(١) أخرج البخاري في «صحيحه» في كتاب التيمم (الطهارة) (باب التيمم) (رقم ٣٣٥)؛ من حديث جابر بن عبد الله، أن النبي - ﷺ - قال: «أعطيت خمسًا، لم يعطهنَّ أحدٌ قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأحلت لي المغانمُ، ولم تُحلَّ لأحدٍ قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثت إلى الناس عامة» . وأخرجه في كتاب الصلاة (باب قول النبي - ﷺ -: «جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا») (رقم ٤٣٨)، وفي كتاب فرض الخمس (باب قول النبي - ﷺ -: «أحلت لكم الغنائم») (رقم ٣١٢٢-مختصرًا مقتصرًا على لفظ الباب) . وأخرجه مسلم في أول كتاب المساجد (رقم ٥٢١) .
(٢) انظر: «النهاية في غريب الحديث» (٥/٩٩) . وهو قول ابن عباس؛ أخرجه الطبري في «التفسير» (١٣/٣٦٢) بسنده إلى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وعلٌّقه البخاري في «صحيحه» في كتاب التفسير (رقم ٤٦٤٥) . وأورده ابن كثير في «التفسير» (٣/٥٤٥)؛ وعزاه إلى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس بلفظ: «الغنائم كانت لرسول الله - ﷺ - خالصة ليس لأحدٍ منها شيءٍ» . وهو قول غير واحدٍ من التابعين أنها الغنائم، كما ذكر ذلك ابن كثير -أيضًا-.
[ ٤٥٧ ]
خرَّج إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن» عن عبادة بن الصامت أنه قال: أنا أعلم الناس بالنَّفل؛ كنا مع رسول الله - ﷺ - يوم بدر ثلاثة أثلاث، ثلثٌ بإزاء العدو، وثلث يحرس النبي - ﷺ -، وثلث في العسكر يأخذون ما في العسكر، وكان رسول الله - ﷺ - نفل كلَّ امرئٍ ما أصاب، فقال الذين بإزاء العدو: إنا كنّا بإزاء العدو، وخشينا كرَّة العدو عليكم، وقد رأينا أن نأخذ مثل ما أخذتم، وقال الذين حرسوا النبي - ﷺ -: قد رأينا أن نأخذ مثل ما أخذتم، ولكن خشينا كرَّة العدوَّ عليكم،
فتنازعوا في ذلك؛ فأنزل الله -تعالى-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنفَالُ للَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ الآية [الأنفال: ١]، وكان فيه تقوى، وصلاح ذات بينٍ، وطاعة الله، وطاعة رسوله - ﷺ -. وفي روايةٍ عنه قال: فينا معشر أصحاب رسول الله - ﷺ - نزلت حين اختلفنا، وساءت فيه أخلاقُنا، فانتزعه الله -﵎- من بين أيدينا، فجعله إلى رسوله - ﷺ -، فقسمه بالسَّواء، فكان في ذلك طاعة الله، وطاعة رسوله - ﷺ -، وصلاح ذات البين (١) .
_________________
(١) أخرجه بطوله ابن حبان في «صحيحه» (١١/١٩٣-١٩٤ رقم ٤٨٥٥ - مع «الإحسان»)؛ من طريق إسماعيل بن جعفر، حدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، عن سليمان بن موسى، عن مكحول الدمشقي، عن أبي سلاَّم، عن أبي أمامة الباهلي، عن عبادة بن الصامت، به. وأخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (٣/٢٢٨، و٢٤٠، و٢٤١، و٢٧٧-٢٧٨)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٤٦-١٤٧)، والشاشي في «المسند» (١١٧٦) من طريق ابن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، به. وهذا إسناد حسن؛ عبد الرحمن بن الحارث بن عياش: صدوق، له أوهام، كما قال الحافظ في «التقريب» . وسليمان بن موسى -وهو الأشدق-: صدوق، فقيه، في حديثه بعض لين، وخلّط قبل موته بقليل. وحديثهما لا ينزل عن مرتبة الصحة. وباقي رجال السند ثقات. وأخرجه بأخصر مما هنا: الحاكم (٢/١٣٥) -وعنه البيهقي (٦/٢٩٢) -؛ عن دعلج بن أحمد السجستاني، حدثنا عبد العزيز بن معاوية البصري، حدثنا محمد بن جهضم، حدثنا إسماعيل بن جعفر، بهذا الإسناد، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. =
[ ٤٥٨ ]
وممَّن رُوي عنه القول بنسخ الآية على ما وُصِف: ابن عباس، ومجاهد،
_________________
(١) = وأخرجه مختصرًا: أحمد (٥/٣١٨، و٣١٩، و٣١٩-٣٢٠، و٣٢٢، و٣٢٤)، والترمذي في كتاب السير (باب في النفل) (١٥٦١) وحسَّنه، والنسائي في كتاب الفيء (٧/١٣١)، وابن ماجه في كتاب الجهاد (باب النفل) (٢٨٥٢)، والطبري في «جامع البيان» (١٥٦٥٤)، والحاكم (٣/٤٩)، والبيهقي (٩/٢٠-٢١، و٥٧)؛ من طرق عن عبد الرحمن بن الحارث، به. وأخرجه عبد الرزاق (٩٣٣٤)، وأحمد (٥/٣١٩، و٣٢٢-٣٢٣)، والدارمي (٢/٢٢٩ و٢٣٠)، والطبري (١٥٦٥٥)، وأبوعبيد في «الأموال» (ص ٣٩٦ رقم ٨٠٢)، والحاكم (٢/١٣٦ و٣٢٦)، والبيهقي (٦/٢٩٢) من طرق عن عبد الرحمن بن الحارث، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي أمامة، عن عبادة. ولم يذكر أبا سلام الباهلي. ومكحول، لم يسمع أبا أمامة ولا رآه. فحديثه هنا مرسل، لكن قد عرفت الواسطة بينهما، كما في الطرق الآنفة الذكر، وهو: أبو سلام الباهلي. وأخرجه أحمد (٥/٣١٤، ٣١٦، ٣٣٠)، وابن ماجه (رقم ٢٨٥٠)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٣/٤٣١-٤٣٢ رقم ١٨٦٥) من طرق أخرى عن عبادة بن الصامت، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٤/٥) إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه. وانظر: «تفسير ابن كثير» (٧/٩- ط. مكتبة أولاد الشيخ) . وللحديث شاهد من حديث ابن عباس -﵄-، أن رسول الله - ﷺ - قال يوم بدر: «من قتل قتيلًا فله كذا وكذا، أما المشيخة فثبتوا تحت الرايات، وأما الشبان فتسارعوا إلى الغنائم، فقالت المشيخة للشبان: أشركونا معكم، فإنا كنَّا ردءًا لكم، ولو كان شيءٌ لجئتم إلينا، فأبوا، فاختصموا إلى رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله -﷿-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾» . أخرجه الحاكم (٢/١٣٢، ٢٢١، ٣٢٦)، وصححه، وأقره الذهبي. وأخرجه أبو داود (٣/٢٩)، والطحاوي في «شرح المعاني» (٣/٢٣٢)، وابن حبان (ص ٤٣١- كما في «الموارد»)، وذكره ابن كثير في «التفسير» (٢/٢٨٤)؛ وزاد نسبته إلى النسائي، وابن مردويه، من حديث ابن عباس. وفيه سبب ثالث أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص -﵁-، أخرجه مسلم (٣٤) (١٧٤٨)، والترمذي (رقم ٤٠٧٩)؛ وقال: حسن صحيح. وانظر: «أسباب النزول» للواحدي (ص ١٩٠)، «لباب النقول في أسباب النزول» للسيوطي (ص ١٠٦)، «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/٨٣٤)، «الصحيح المسند من أسباب النزول» للشيخ مقبل بن هادي -﵀- (ص ٦٨)، «المصنف الحديث في أسباب النزول» لعبد الله إسماعيل عمار (ص ١٧٣)، «جامع النقول في أسباب النزول» لابن خليفة عليوي (ص ٥٨) .
[ ٤٥٩ ]
وعكرمة، والضحاك، والشعبي، والسدِّي (١)، وعليه يجيء مذهب أكثر الفقهاء؛ لأن جمهورهم يقولون: لا يجوز للإمام أن يُنفِّل أحدًا من الغنمية شيئًا إلا من سَهْمِ النبي - ﷺ -؛ لأن الأربعة الأخماس قد صارت لمن شهد الحرب من الجيش.
وفي الآية قولٌ ثانٍ: أنها محكمة وليست بمنسوخة، ذهب من رأى ذلك إلى أن الأنفال شيءٌ يُزادُه بعض الجيش على سهمه، وأن للإمام أن يُنفِّل من شاء من الغنيمة إذا كان في ذلك مصلحةٌ، وربما كان مِنْ حجَّة من ذهب إلى هذا، إلى أن التَّنفيل في اللغة: الزيادةُ.
قالوا: فهذا هو الذي يُسمَّى نفلًا على الحقيقة؛ لأنها زياداتٌ يُزادها الرجل فوق سهمه من الغنيمة، وممن رُوي عنه هذ القول -أيضًا-: ابن عباس؛ سُئل عن الأنفال فقال: «الفرس من النفل، والسَّلبُ من النَّفَل» (٢)، وإليه ذهب محمد بن جُبير (٣) . ويتأيد هذا القول بحديث مالكٍ عن نافعٍ، عن عبد الله بن
_________________
(١) انظر: «الناسخ والمنسوخ» لأبي عبيد (ص ٢١٧ رقم ٣٩٩، ٤٠٠)، و«الأموال» له (ص ٤٣١)، «نواسخ القرآن» لابن الجوزي (٢/٤٣٩- تحقيق محمد أشرف علي) أو (ص ١٦٤-ط. دار الكتب العلمية)، «الناسخ والمنسوخ» لابن العربي (٢/٢٢٤)، «الناسخ والمنسوخ» لابن النحاس (ص
(٢) تحقيق شعبان محمد إسماعيل)، «تفسير الطبري» (٩/١١٤)، «تفسير ابن عباس» (ص ٢٤٥)، «تفسير ابن عطية» (٦/٢٠٢)، «تفسير الضحاك» (١/٣٨١) .
(٣) رواه مالك في «الموطأ» (٢/٣٦٣) ومن طريقه ابن جرير في «التفسير» (١٣/٣٦٤ رقم ١٥٦٤٦)، أو (٩/١٧٠- ط. دار الفكر)، عن ابن شهاب الزهري، عن القاسم بن محمد، قال: سمعت رجلًا يسأل ابن عباس عن الأنفال، فقال: وذكر الأثر. ورواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/٣٧٤ رقم ١٤٠٤٢)، عن الضحاك بن مخلد، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/١١٠ رقم ٦٤٩٥)؛ والبيهقي في «الكبرى» (٦/٣١٢) من طريق سفيان، كلاهما؛ عن الأوزاعي، عن الزهري، عن القاسم بن محمد، عن ابن عباس قال: «السلب من النفل، والنفل فيه الخمس» . وليس فيه ذكر الواسطة المبهمة بين القاسم وابن عباس. وانظر: «الأموال» لأبي عبيد (٣٠٤)، «المحلّى» (٧/٢٣٧)، «شرح السير الكبير» (٢/٦٠٢، ٦٠٣)، «المغني» (٨/٣٩١) .
(٤) وبه قال ابن زيد: «ليست منسوخة، بل هي محكمة» . كما في «تفسير ابن كثير» (٧/١١)، ومال إليه ابن الجوزي في «نواسخ القرآن» (ص ١٦٥)، وقبله ابن جرير في «التفسير» (٩/١١٨-١١٩) .
[ ٤٦٠ ]
عمر، أن رسول الله - ﷺ - بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قِبَلَ نجدٍ، فغنموا إبلًا كثيرة، فكان سهمانهم اثني عشر بعيرًا -أو: أحد عشر بعيرًا-، ونفلوا بعيرًا بعيرًا (١) .
فوجهُ الدليلِ منه أنه ذكر فيه التنفيل زيادةً على القسم، فكان النفل شيئًا زائدًا على السهم من جملة الغنمية.
وخرَّج مسلم (٢) عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - كان يُنفِّلُ بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصَّة، سوى قَسْمِ عامَّةِ الجيش.
وفيه قول ثالث: أن الأنفال هو الخُمس خاصَّة؛ كان المهاجرون
سألوا لمن هو؟ فأنزل الله -﷿- في ذلك: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]، رُوي هذا القول عن مجاهدٍ -أيضًا- (٣) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب المغازي (باب في السرية التي قبل نجد) (رقم ٤٣٣٨)، وفي كتاب فرض الخمس (باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين) (رقم ٣١٣٤)، ومسلم في «صحيحه» في كتاب الجهاد (باب الأنفال) (١٧٤٩) (٣٧)، ومالك في «الموطأ» في كتاب الجهاد (باب جامع النفل في الغزو) (٢/٤٥٠)، وغيرهم.
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب الأنفال) (١٧٤٩) (٤٠) . وأخرجه البخاري (رقم ٣١٣٥) .
(٣) أخرجه عنه ابن جرير في «التفسير» (٩/١٧٠) . ثم قال بعد ذكره أقوال العلماء: «قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في معنى الأنفال قول من قال: هي زيادات يزيدها الإمام بعض الجيش أو جميعهم؛ إما من سلبه على حقوقهم من القسمة، وإما مما وصل إليه بالنفل، أو ببعض أسبابه، ترغيبًا له، وتحريضًا لمن معه من جيشه، على ما فيه صلاحهم وصلاح المسلمين، أو صلاح أحد الفريقين، وقد يدخل في ذلك ما قاله ابن عباس من أنه الفرس، والدرع، ونحوذ لك، ويدخل فيه ما قاله عطاء من أن ذلك ما عاد من المشركين إلى المسلمين من عبد أو فرس؛ لأن ذلك أمره إلى الإمام إذا لم يكن ما وصلوا إليه لغلبة وقهر، يفعل ما فيه صلاح أهل الإسلام، وقد يدخل فيه ما غلب عليه الجيش بقهر. وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال بالصواب؛ لأن النَّفل في كلام العرب، إنما هو الزيادة على الشيء، يقال منه: نفلتك كذا، وأنفلتك: إذا زدتك، والأنفال: جمع نفل؛ ومنه قول لبيد بن ربيعة: =
[ ٤٦١ ]
والآية على هذا مُحكمةٌ ومُتَّفقة المعنى مع قوله -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، لكن في دعوى تسمية الخمس نفلًا؛ نظرٌ،
والله أعلم.
فصلٌ
وأما قوله -تعالى-: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ﴾ الآية [الحشر: ٧]، فكذلك اختلف أهل العلم فيها؛ فمنهم من ذهب إلى أن الآية منسوخةٌ بقوله -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، وزعم أن الفيء ها هنا هو الغنيمة -أيضًا-، وأنه كان الأمر في صدر الإسلام: أن تُقسم الغنائم على هذه الأصناف المسمَّاة في الآية، ولا يكون لمن قاتل عليها شيءٌ منها، إلا أن يكون من أحد هذه الأصناف، ثم نسخ الله -تعالى- ذلك بآية الخمس، فقصر هؤلاء الأصناف عليه، وقسم سائر الغنيمة في الجيش، روي هذا القول عن قتادة (١)، وغيره، وهو بعيد
_________________
(١) = إنَّ تقوى ربِّنا خيرُ نَفَلْ وبإِذنِ اللهِ رَيْثى وعَجَلْ فإذا كان معناه ما ذكرنا، فكلّ من زيد من مقاتلة الجيش على سهمه من الغنيمة، إن كان ذلك لبلاء أبلاه، أو لغناء كان منه عن المسلمين، بتنفيل الوالي ذلك إياه، فيصير حكم ذلك له كالسلب الذي يسلبه القاتل، فهو منفل ما زيد من ذلك؛ لأن الزيادة وإن كانت مستوجبة في بعض الأحوال بحقّ، فليست من الغنيمة التي تقع فيها القسمة، وكذلك كل ما رضخ لمن لا سهم له في الغنيمة فهو نفل؛ لأنه وإن كان مغلوبًا عليه، فليس مما وقعت عليه القسمة، فالفصل إذ كان الأمر على ما وصفنا بين الغنيمة والنفل؛ أن الغنيمة: هي ما أفاء الله على المسلمين من أموال المشركين بغلبة وقهر نفل منه منفل، أو لم ينفل؛ والنفَل: هو ما أعطيه الرجل على البلاء والغناء عن الجيش على غير قسمة. وإذ كان ذلك معنى النفل، فتأويل الكلام: يسألك أصحابك يا محمد عن الفضل من المال الذي تقع فيه القسمة من غنيمة كفار قريش؛ الذين قتلوا ببدر لمن هو؟ قل لهم يا محمد: هو لله ولرسوله دونكم، يجعله حيث شاء» .
(٢) رواه عنه: ابن جرير في «التفسير» (٢٨/٣٧-٣٨)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٨/١٠١)؛ وعزاه إلى عبد بن حميد.
[ ٤٦٢ ]
من حيث ادِّعاء حُكمٍ ونَسْخه، من غير دليلٍ على ذلك، وإلا فمعروفٌ في اللغة أن يُقال للغنيمة: فيءٌ.
وقال قوم: بل الفيءُ والغنيمةُ شيئان مختلفان، ولكلِّ واحدٍ حكمٌ يختصُّ به، والآية على ذلك مُحكمةٌ. والغنيمة: ما أُخذ على وجه الحرب والمغالبة، وهو الذي أنزل الله -تعالى- في حكمه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، فهو يكون خمسه في الأصناف التي سمَّى الله -تعالى-، وأربعة أخماسه للجيش الذين قاتلوا عليه.
وأما الفيء: فهو ما صُولح عليه أهل الحرب، ولم يؤخذ عنوة (١)، فهذا يكون مَصْرفُ جميعه في الأصناف التي سمَّى الله -تعالى- في هذه الآية من سورة الحشر، ولا يُخمَّس، وهو قول سفيان
الثوري (٢)، وكذلك قال جمهور الفقهاء: إن الفيء غير الغنيمة، إلا أنهم لم يقصروا الفيء على هؤلاء الأصناف، بل رأوه عامًا في جميع مصالح المسلمين، وهو قول مالكٍ، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأهل الظاهر، وغيرهم (٣)؛ إلا أن الشافعي رأى أن يُخمس الفيء كما
_________________
(١) وهو: المأخوذ من مال الكافر مما سوى الغنيمة، وسوى المختص بأخذه المحدودين. انظر: «شرح حدود ابن عرفة» (ص ١٤٨) .
(٢) رواه عنه عبد الرزاق في «المصنف» (٥/٣١٠ رقم ٩٧١٥)؛ قال: «الفيء والغنمية مختلفان، أما الغنيمة فما أخذ المسلمون فصار في أيديهم من الكفار » . وانظر: «أحكام القرآن» للجصاص (٣/٧٤)، «مختصر اختلاف العلماء» له -أيضًا- (٣/٥١١)، «الخراج» ليحيى بن آدم (ص ١٩-ط. دار المعرفة)، «موسوعة فقه سفيان الثوري» (ص ٦٨٠) .
(٣) انظر: «المدونة» (١/٣٨٦)، «الذخيرة» (٣/٤٣٢)، «المعونة» (ص ٦١٨)، «عيون المجالس» (٢/٧٤٤)، «مختصر الطحاوي» (ص ١٦٥)، «الخراج» لأبي يوسف (ص ٢٧)، «فتح القدير» (٥/ ٥٠٣)، «مختصر اختلاف العلماء» للجصَّاص (٣/٥١١)، «أحكام القرآن» له -أيضًا- (٣/ ٦٢)، «الأم» (٤/١٣٩-١٤٠)، «مختصر المزني» (ص ٢٧٠)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٨٢)، «المهذب» (٢/٢٤٧)، «المقنع» (١/٥١٤-٥١٥)، «الإنصاف» (٤/١٩٩)، «كتاب التمام» (٢/٢٢٤-٢٢٥)، «الإقناع» (ص ١٧٩)، «المغني» (١٣/٥٣-ط. هجر) .
[ ٤٦٣ ]
تُخمَّس الغنيمة، فيكون الخمس في الأصناف المذكورين في هذه الآية؛ كأنه رأى ذلك عائدًا على خُمس الفيء خاصة، لما بيَّنت السنَّة أنَّ أربعة أخماسه في مصالح المسلمين عامَّة (١) .
وقول الجمهور حيث فرقوا بين الفيء والغنيمة في الآيتين، ولم يروا بينهما تعارضًا ولا نَسْخًا، بل كلتاهما محكمتان؛ هو الأظهر الأشهر.
وأمَّا حملُ آية الفيء على معنى أنها الغنيمة؛ كان الحكم فيها أن يقسم على الأصناف المسمَّين فيها، ثم نسخت؛ فأمرٌ لا دليل عليه، ولا اضطرار إليه.
وأيضًا؛ فإن الآية في الغنائم من سورة الأنفال نزلت إثر بدر، وذلك قبل أمر القُرى التي أنزل الله -تعالى- فيها: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] .
وقد ذهب قومٌ إلى أن هذه الآية مُبيِّنةٌ لحكم الآية التي
قبلها: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، وأبى ذلك أكثر أهل العلم، ورأوا أن الآية الأولى من سورة الحشر خاصَّةٌ في حكم أموال بني النضير حين جَلَوا عن بلادهم بغير حرب، وفيهم نزلت سورة الحشر (٢): ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢]، فجعل الله -﷿- أموالهم للنبي - ﷺ -، فلم يستأثر بها، بل أخذ منها قدر ما يكفيه
_________________
(١) هذا قوله في الجديد. حكاه عنه أبو بكر القفَّال الشاشي في «حلية العلماء» (٧/٦٩٠-٦٩١) .
(٢) أخرج البخاري في «صحيحه» في كتاب التفسير (بابٌ منه) (رقم ٤٨٨٢)؛ عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: سورة التوبة، قال: التوبة هي الفاضحة، ما زالت: ومنهم ومنهم، حتّى ظنَّوا أنها لم تُبقِ أحدًا منهم إلا ذكر فيها. قال: قلت: سورة الأنفال، قال: نزلت في بَدرٍ، قال: قلت: سورة الحشر، قال: نزلت في بني النضير. وأخرجه في عدة مواطن مختصرًا (رقم ٤٠٢٩، ٤٦٤٥، ٤٨٨٣) . وأخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب التفسير (باب في سورة براءة والأنفال والحشر) (رقم ٣٠٣١) .
[ ٤٦٤ ]
وأهله، وفرَّقها في المهاجرين - ﷺ -؛ هذا قول جمهور العلماء، وهو مرويٌّ عن عمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم.
وفي «الصحيحين»: البخاري ومسلم، عن عمر قال: «كانت أموال بني النَّضير مما أفاء الله على رسوله - ﷺ -، مما لم يوجِف عليه المسلمون بخيلٍ ولا ركاب، فكانت للنبي - ﷺ - خاصَّة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي جعله في الكراع والسلاح، عُدَّةً في سبيل الله -﷿-» (١) .
قالوا: وأما آية الفيء الثانية، فنزلت في قُرىً من قُرى العرب، عَلِمَ الله-تعالى- حكم الفيء منهم، فحكمها مخالفٌ للآية التي قبلها في بني النَّضير؛ تلك خاصَّة برسول الله - ﷺ - (٢) .
فصلٌ: في النَّفل والسَّلَب وأحكامهما
* القولُ في النَّفل *
النفل في المغانم: الزيادة على السهم، وهو جائزٌ فعله، وقضاء الإمام به إذا رآه مصلحة في الجيش وللمسلمين، وليس ذلك بواجبٍ عليه أن يفعله، ولا حقَّ لأحدٍ في ذلك، إلا أنْ يجعله الإمام، أو أمير الجيش، وهو يكون على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يَخُصَّ الإمام بعض الجيش؛ لِغَنَاءٍ كان منه، أو مكروهٍ تحمَّله
_________________
(١) أخرج البخاري في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب المِجَنّ ومن يتترس بتُرس صاحبه) (رقم ٢٩٠٤)؛ عن عمر بن الخطاب -﵁-، قال: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله - ﷺ -، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله - ﷺ - خاصة، وكان يُنفِق على أهله نفقة سَنَتهِ، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكُراع، عُدَّة في سبيل الله» . وأخرجه في عدة مواطن (رقم ٣٠٩٤، ٤٠٣٣، ٤٨٨٥، ٥٣٥٧، ٥٣٥٨، ٦٧٢٨، ٧٣٠٥) . وأخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب حكم الفيء) (رقم ١٧٥٧) .
(٢) فكانت أموال بني النضير خاصة لرسول الله - ﷺ - يتصرف فيها حيث شاء، والمصارف المذكورة في الآية هي المصارف المذكورة في خمس الغنيمة. انظر: «تفسير ابن كثير» (٨/٨٤- ط. دار الفتح) .
[ ٤٦٥ ]
دون (١) الجيش، فيزيده شيئًا يُنفِّله إياه.
والثاني: أن يبعث سرية من جُملة الجيش، فيخُصَّها بشيءٍ يزيدها إيَّاه مما غنمت دون العسكر.
والثالث: أن يُحرِّض الإمامُ الجيشَ على القتال قبل لقاء العدو؛ فيُنفِّلهم، أو من شاء منهم مما يرجوه من الغنيمة شيئًا قبل القسم؛ تحريضًا لهم على الاجتهاد، وكره مالكٌ هذا الوجه؛ خشية أن يكون قتالهم للدنيا (٢)، وأجازه جماعة من أهل العلم (٣) .
_________________
(١) أثبتها الناسخ: «دور» وهو خطأ، وكتب الناسخ في الهامش: «لعلها: دون» .
(٢) قال سحنون: «سمعت مالكًا يكره هذا كراهية شديدة، أن يقال لهم: قاتلوا ولكم كذا وكذا. ويقول: أكره أحدًا على أن يُجعل له جُعل » . انظر: «المدونة» (١/٥١٨-ط. دار الكتب العلمية)، «الذخيرة» (٣/٤٢٢)، «عقد الجواهر» (١/٥٠٤)، «النوادر والزيادات» (٣/٢٢٢-٢٢٣)، «الاستذكار» (١٤/١٠٢)، «البيان والتحصيل» (٣/٧٨-٧٩) . وجوَّزه ابن عبد البر في «الكافي» (١/٤٧٦)، وقال: «ولا نفل عند مالكٍ إلا السلب للقاتل وما جرى مجراه» . وظاهر مذهب الشافعي -أيضًا-: أنه لا يصح، ويجب ردُّ ما أخذه إلى المغنم، لظاهر قوله -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ﴾، ولأن ذلك يؤدي إلى اشتغالهم عن القتال بتحصيل ما يختصّ بهم. انظر: «الأم» (٤/١٥١)، «المهذب» (٢/٢٤٤) . وأجازه أحمد في رواية، والمشهور عند الحنابلة عدم الجواز، كما سيأتي. وقال بدر الدين بن جماعة في «تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام» (ص ٢١٣): «فإن قال أمير الجيش ذلك بعد الفتح والظفر، فلا يصح، ولا أثر له باتفاق» .
(٣) كأبي حنيفة، وأحمد -في رواية-، وبعض أصحاب الشافعي. وانظر: «الهداية» (٢/٤٤٠)، «المغني» (١٠/٤٦٢)، «اختلاف الفقهاء» (١٢٧، ١٢٨)، «الإفصاح» (٢/٢٨١)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٧٣٧ رقم ١٩٨٧) . قلت: ذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» (٧/١٥١): «أن عثمان بن عفان -﵁- أمر عبد الله بن أبي السرح، أن يغزو بلاد إفريقية، فإذا افتتحها الله عليه، فله خمس الخمس من الغنيمة نفلًا؛ ففتح الله -تعالى- إفريقية عليه، فأخذ عبد الله خمس الخمس، وبعث بأربعة أخماس الخمس إلى عثمان، وقسم أربعة أخماس الغنائم بين الجيش» . =
[ ٤٦٦ ]
واختلف أهل العلم في أحكام النَّفل في ثلاثة مواضع:
أحدها: فِيمَ يُفرضُ النَّفل. والثاني: مقدار ما يفرض منه. والثالث: الوقت الذي يجوز أن يُفرض فيه.
فأما اختلافهم في الموضع الأول -وهو فيم يفرض- ففي ذلك ثلاثة أقوال:
قول: إنه لا يكون النَّفل إلا من الخُمس، وهو قول مالكٍ، والشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهم (١)، وقاله سعيد بن المسيّب (٢)،
ومستند هؤلاء: أن أربعة أخماس
_________________
(١) = فمما تقدّم يتبين أن عثمان -﵁- كان ينفل من الغنيمة قبل القسمة، تشجيعًا لأهل البلاء على بلائهم في القتال، لكنه كان لا يجيز التنفيل بأكثر من خمس الخمس -كما سيأتي بعد قليل-.
(٢) انظر في مذهب الحنفية: «الهداية» (٢/٤٤١)، «اللباب» (٤/١٣٠)، «بدائع الصنائع» (٧/ ١٢١)، «فتح القدير» (٤/٢٠٩)، «تبيين الحقائق» (٣/٢٥٨)، «البحر الرائق» (٥/١٠١- مع «حاشية ابن عابدين»)، لكنهم قالوا: لا ينفِّل الإمام إلا المحتاج، أما الغني فلا. وفي مذهب المالكية: «الموطأ» (١/٢٩٠-ط. دار إحياء التراث)، «المدونة» (١/٥١٧-ط. دار الكتب العلمية)، «التلقين» (٧٢- ط. مطبعة فضالة. وزارة أوقاف المغرب)، «المعونة» (١/٦٠٧)، «شرح الدردير» (١/٢٦٩)، «التفريع» (١/٣٥٨)، «تفسير القرطبي» (٧/٣٦٢)، «الكافي» (١/٤٧٦)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٥٠٣)، «رؤوس المسائل» لابن القصَّار (٥١، ٥٥)، «تهذيب المسالك في نصرة مذهب الإمام مالك» (٣/٥٩٣)، «الذخيرة» (٣/٤٢٢)، «النوادر والزيادات» (٣/٢٢١)، «التمهيد» (١٤/ ٥١، ٦٩)، «الاستذكار» لابن عبد البر (١٤/١٦٣-١٦٤) . وفي مذهب الشافعية: «الأم» (٤/١٥٠)،، «المهذب» (٢/٢٤١)، «المجموع» (٢١/٢٢٣)، «مغني المحتاج» (٣/ ١٠٢)، «التنبيه في الفقه الشافعي» (ص ٢٤٣) . وانظر: «اللباب في الجمع بين السنة والكتاب» لأبي محمد علي بن زكريا المنبجي (ت ٦٨٦) (٢/٧٧٢) . وهناك قول آخر للشافعي أنه من خمس الخمس -كما سيأتي-، وقول آخر: أنه من أصل الغنيمة. كما في «مغني المحتاج» . وانظر: «آثار الحرب في الفقه الإسلامي» (٥٥٣)، «الفقه الإسلامي وأدلته» (٦/٤٦٠) .
(٣) نقل ذلك عنه البغوي في «تفسيره» (٣/٢٩- مع تفسير الخازن) . وذكر ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١١٣) عن محمد بن إسحاق، أنه خطّأ قول ابن المسيب. وانظر: «الرحمة في اختلاف الأئمة» (باب السلب والتنفيل)، «شرح صحيح مسلم» (١٢/٥٥)، «عون المعبود» (٣/ ١١٤)، «طرح التثريب» (٧/٢٥٧)، «تفسير القرطبي» (٧/٣٦٢)، «الأوسط» (١١/١١٣) . =
[ ٤٦٧ ]
الغنيمة يُعيَّنُ مُستحقُّوها -وهم الغانمون-، فلم يَجُز إخراج شيءٍ من ذلك عنهم، والخمس مصروفٌ إلى اجتهاد الإمام في التعيين، فكان ذلك منه.
وقولٌ ثانٍ: إنه لا يكون في الخُمس نفلٌ، وإنما يكون في أربعة الأخماس بعد إخراج الخمس، ثم يقسم ما بقي على الجيش، وهو قول أحمد بن حنبل،
_________________
(١) = ورواه مالك في «الموطأ» (١/٢٩٠ رقم ٥٢٣-ط. دار إحياء التراث العربي)، -وسقط من مطبوعه: الأعرج-، وعنه الشافعي في «الأم» (٤/١٥٠) . وذكره ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/ ١٦٣-١٦٤)؛ عن مالك عن أبي الزناد، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: «كان الناس يعطون من الخمس» . وقال: قال مالك: «وذلك أحسن ما سمعت في ذلك» . ثم قال: يدل على أنه قد سمع غير ذلك. وأخرجه من طريق مالك: البيهقي في «الكبرى» (٦/٣١٤) . وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٥/١٩٢ رقم ٩٣٤٢)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٣/٣٠٨ رقم ٢٧٠٦)؛ كلاهما عن سفيان الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: «ما كانوا ينفّلون إلا من الخمس» . ورجاله ثقات. وأخرجه عبد الرزاق (٥/١٩٢ رقم ٩٣٤٤) عن خالد بن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، به. وقد حمل الشافعي وغيره: الخمس الوارد في هذه الرواية على أن المراد به: خمس الخمس. قال في «الأم» (٤/١٥٠): «قول ابن المسيب: يعطون النفل من الخمس، كما قال إن شاء الله، وذلك من خمس النبي - ﷺ -» . قلت: روى عبد الرزاق في «المصنف» (٥/١٩١-١٩٢ رقم ٩٣٤١)؛ عن إبراهيم بن يزيد، عن داود بن أبي عاصم، عن سعيد بن المسيب، قال: «لا نفل في غنائم المسلمين، إلا في خمس الخمس» . وشيخ عبد الرزاق: إبراهيم بن يزيد: هو القرشي الأموي، يُعرف بالخُوزِيِّ: متروك. كما قال الحافظ في «التقريب» (٣٠٣) -وسيأتي قريبًا-. وانظر: «شرح الزرقاني على موطأ مالك» (٣/٢٦)، «الحاوي» (٩/ باب النفل)، «فقه سعيد بن المسيب» (٤/١٧٤) . ولسعيد بن المسيب رواية ثانية تخالف الأولى، وهي أن النفل كان من خصائص النبي - ﷺ -، وليس لأحد بعده أن يعطي أحدًا من الغنيمة أكثر من سهمه. روى الطبري في «تفسيره» (٩/١١٩) بسنده إلى سعيد: أنه أرسل غلامه إلى قومٍ سألوه عن شيءٍ، فقال: «إنكم أرسلتم إليَّ تسألوني عن الأنفال، فلا نفل بعد رسول الله - ﷺ -» . وروي نحو ذلك عن عمرو بن شعيب. انظر: «المغني» (١٠/٤٠٩) .
[ ٤٦٨ ]
وإسحاق، وقاله أبو محمد بن حزم (١)، وإليه ذهب جماعة
فقهاء الشام، منهم: رجاء بن حَيْوة، ومكحول، والقاسم بن عبد الرحمن، وسليمان بن موسى، والأوزاعي، وغيرهم (٢) .
ودليلهم: ما خرَّجه أبو داود (٣)، عن حبيب بن مسلمة، أن رسول
الله - ﷺ -
_________________
(١) انظر: «المقنع» لابن البنا (٣/١١٦٥)، «المغني» (١٣/٥٣)، «الواضح» (٢/٢٥٨)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٥٤٨)، «شرح الزركشي» (٦/٤٧٠)، «مسائل الإمام أحمد» (١/٢٠٠-٢٠١- رواية الكوسج، ١/٣١٥-٣١٦- رواية صالح، ٣/٨٤٧-٨٤٨- رواية عبد الله)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٧٧٩ رقم ٢٠٢٢) . وانظر كلام ابن حزم في: «المحلّى» (٧/٣٤٠ المسألة رقم ٩٥٦) .
(٢) روى ذلك عنهم جميعًا: سعيد بن منصور في «سننه» (٢/٣٠٧ و٣١١ رقم ٢٧٠٥ و٢٧١٦ و٢٧١٧) . وانظر: «الاستذكار» (١٤/١٠٧-١٠٨) . ونقل ذلك ابن قدامة عن بعضهم في: «المغني» (١٣/٦٠-ط. دار هجر) . وانظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/٢٨٧ رقم ٢٧١٦)، و«مصنف عبد الرزاق» (٥/١٩٢ رقم ٩٣٤٥، ٩٣٤٧)، «الأوسط» (١١/١١١)، «فقه الإمام مكحول» (ص ١٨٣)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤٦٤) . وهو قول للشافعي -أيضًا-، وقول الأوزاعي: أن النفل من أصل الغنيمة. نقله عنه النووي. وانظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/١١١)، «شرح صحيح مسلم» (١٢/٥٥)، «طرح التثريب» (٧/٢٥)، «عمدة القاري» (١٥/٥٩)، «فتح الباري» (٦/١٤٩)، «نيل الأوطار» (٧/٢٢٩)، «عون المعبود» (٣/٣١) . وقال أبو عبيد في كتاب «الأموال» (باب النفل من جميع الغنيمة قبل أن تخمس) (ص ٤٠٤ رقم ٨٢٦): «والناس اليوم في المغنم على هذا، أنه لا نفل من جملة الغنيمة حتى تخمس، وإنما جاز أن يُعطى الأدلاّء والرعاء من صلب الغنيمة قبل الخمس، لحاجة أهل العسكر لهذين الصنفين، فصار نفلهما عامًّا عليهم؛ لأنه لا غناء بهم عنهما، فهو من جميع المال، وأما ما سوى ذلك فما نعلم أحدًا نفل من نفس الغنيمة قبل الخمس إلاّ ما خصَّ الله به نبيّه - ﷺ -، فإنه قد رُوي عنه في ذلك شيء لا يجوز لأحد بعده» .
(٣) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في مَنْ قال: الخمس قبل النفل) (رقم ٢٧٤٩) . وأخرجه ابن ماجه (٢٨٥٢)، وابن أبي شيبة (١٤/٤٥٦)، والدارمي (٢/٢٢٩)، وأحمد (٤/ ١٥٩، ١٦٠)، وعبد الرزاق (٥/١٩٠ رقم ٩٣٣٤)، والحاكم (٢/١٤٥)، وسعيد بن منصور (٢/٣٠٧ =
[ ٤٦٩ ]
كان ينفِّل الرُّبع بعد الخمس، والثلث بعد الخمس إذا قَفَلَ.
وخرَّج مسلم (١)، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - كان يُنفِّل بعض من يبعث من السَّرايا لأنفسهم خاصَّة، سوى قسم عامَّة الجيش، والخمس في ذلك واجبٌ كله.
وقول ثالث: إن الأمير مُخيَّرٌ، فإن شاء نفل مِن رأس الغنيمة قبل الخمس، وإن شاء بعد الخمس، وهو قول النَّخعي (٢) . ويُروى عن أبي ثورٍ: أن النَّفل قبل الخمس (٣) .
_________________
(١) = رقم ٢٧٠٢)، وابن الجارود في «المنتقى» (ص ٢٧١)، وأبو عبيد في «الأموال» (ص ٣٢٥ رقم ٨٠٠)، وابن زنجويه في «الأموال» (١١٧٦ و١١٧٧)، والطحاوي في «شرح المعاني» (٣/٢٤٠)، والطبراني في «الكبير» (٣٥٢٢، ٣٥٢٣، ٣٥٢٤، ٣٥٢٥، ٣٥٢٧، ٣٥٣١، ٣٥٣٢)، وفي «مسند الشاميين» (١٥١٨ و١٣٦٥ و٣٥٤٩ و٣٥٥٠ و٣٥٥١ و٣٥٥٢)، وابن قانع في «معجم الصحابة» (١/١٩٠)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٣٥ رقم ٦٥٢٣)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/٣١٤) من طرقٍ كثيرة عن حبيب بن مسلمة، به. وفَصَّلْتُها في تعليقي على «تالي تلخيص المتشابه» (١/٤٧-٤٩ رقم ٣) للخطيب البغدادي. وانظر: «صحيح سنن أبي داود» . وأخرجه أبو داود (٢٧٤٨)، وأحمد (٤/١٥٩)، وابن أبي شيبة (١٤/٤٥٧)، وعبد الرزاق (٥/ ١٩٠ رقم ٩٣٣٣)، والطبراني في «الكبير» (٣٥١٩)، وفي «الشاميين» (٦٢٨)، وابن ماجه (٢٨٥١)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٨٥٢)، وأبو عبيد في «الأموال» (٧٩٨)، والدارمي (٢٤٨٣)، والطحاوي في «شرح المعاني» (٣/٢٤٠)، والحاكم في «المستدرك» (٢/١٣٣)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/٣١٤)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٣٥-١٣٦)، نحوه.
(٢) في «صحيحه» . في كتاب الجهاد والسير (باب الأنفال) (رقم ١٧٤٩) (٤٠) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب فرض الخمس (باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين) (رقم ٣١٣٥) .
(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (٥/١٩١ رقم ٩٣٣٩)، عن سفيان الثوري، عن منصور، عنه. ورواه سعيد بن منصور في «سننه» (٣ رقم ٢٦٦٩ و٢٦٧١)، عن سفيان وأبي عوانة، عن منصور، عنه. وانظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/١١٣)، «المغني» (١٣/٦٠ -ط. هجر)، «موسوعة فقه إبراهيم النخعي» (٢/١٢٧) .
(٤) انظر: «اختلاف الفقهاء» (١٢٨) للطبري، «المغني» (١٣/٦٠- ط. هجر)، «فتح الباري» =
[ ٤٧٠ ]
ثم اختلف أصحاب القول الأوَّل الذين رأوا أن النَّفل لا يكون إلا من الخمس، فقال منهم جماعة: لا يكون إلا في خمس الخمس، وهو سهم النبي - ﷺ -، وهو قول الشافعي (١)، ورُوي كذلك عن سعيد بن المسيب (٢) . ومستندهم أن خمس الخمس -وهو سهم النبي - ﷺ - - هو الذي
يَرْجِعُ النَّظرُ فيه إلى الإمام، وأما سائره فمُعيَّنٌ في الأصناف الموصوفين في الآية، كما عُيِّن سائر الغنيمة للجيش. وقال مالكٌ وأصحابه (٣): بل جميع الخمس يرجع النظر فيه إلى الإمام- على ما سنذكره بعد هذا في مصرف الفيء والخمس.
وأما اختلافهم في الموضع الثاني -وهومقدار ما يُفرضُ في النفل-، ففي ذلك أقوال:
قول: إن ذلك راجعٌ إلى اجتهاد الإمام، ولا حدَّ له؛ قاله الشافعي (٤)،
_________________
(١) = (٦/٢٤٠)، «عمدة القاري» (١٥/٥٩)، «فقه الإمام أبي ثور» (٧٨٦) .
(٢) «الأم» (٤/١٥٠- ط. دار الفكر)، «المهذب» (٢/٢٤١)، «المجموع» (٢١/٢٢٣)، «مغني المحتاج» (٣/١٠٢)، «التنبيه في الفقه الشافعي» (٢٤٣)، «اللباب في الجمع بين السنة والكتاب» (٢/٧٧٢) .
(٣) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (٥/١٩١-١٩٢ رقم ٩٣٤١)؛ عن إبراهيم بن يزيد، عن داود بن أبي عاصم، عنه. وفيه شيخ عبد الرزاق هو إبراهيم بن يزيد، يعرف بالخوري: متروك. كما في «التقريب» . وقد مضى قريبًا. وذكره عن سعيد: الشافعي في «الأم» (٤/١٥٠)، والبغوي في «شرح السنة» (١١/١١٣)، وابن أبي زيد القيرواني في «النوادر والزيادات» (٣/٢٢٢)، وغيرهم.
(٤) «الموطأ» (١/٢٩٠)، «المدونة» (١/١٥٧)، «المعونة» (١/٦٠٧)، «التفريع» (١/٣٥٨)، «الكافي» (١/٤٧٦)، «عقد الجواهر» (١/٥٠٣)، «الذخيرة» (٣/٤٢٢)، «النوادر والزيادات» (٣/٢٢١) .
(٥) في «الأم» (٤/١٥١)، ونقله عنه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٣٧)، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» (١٢/١٢٩٦٣) . وانظر: «الحاوي الكبير» (١٠/٤٤٥)، «المجموع» (٢١/٢٢٣)، «حلية العلماء» (٧/٦٧٥-٦٧٦)، «التنبيه في الفقه الشافعي» (٢٣٤)، «مغني المحتاج» (٣/١٠٢) . =
[ ٤٧١ ]
ومذهبه أن ذلك لا يكون إلا في خمس الخمس -كما تقدم-، إلا أن يكون تحريضًا يتقدم به قبل الغنيمة لمن يفعل فِعْلًا يُفضي إلى الظفر بالعدو، كالتجسس، والدلالة على الطريق، والتقدم بالدخول إلى دار الحرب أو الرجوع إليها بعد انفصال الجيش عنها، فله
عندهم أن يُنفَّل بجزءٍ من جملة الغنيمة المرجوَّة في ذلك؛ لحديث حبيب بن مسلمة المتقدم؛ ولأن الجيش لم يتعلَّق لهم بها حقٌ، إلاَّ على هذا الوصف، وهو في مصالحهم، كالإجارة والجُعْل.
وقولٌ: إنه لا يُزاد في النفل على الثلث -وهو قول جمهور العلماء- (١)، ودليل هذا القول حديث حبيب بن مسلمة -المتقدم-، أن رسول الله - ﷺ - كان يُنفِّلُ الرُّبع بعد الخمس، والثلث بعد الخمس إذا قَفَلَ. فكان ذلك أقصى ما رُوي في التَّنفيل.
وقولٌ: إنه لا يبلغُ بالنَّفلِ سهمَ راجلٍ إلا أن يكون التَّنفيل لسريَّةٍ، أو أحدٍ ممن ساق غنيمة إلى الجيش، فللأمير أن يُنفِّل من أتى بالغنيمة رُبعَ ما ساقَ بعد
_________________
(١) = واستدل الشافعي -﵀- بحديث ابن عمر -وقد مضى قريبًا-، أن النبي - ﷺ - نفلهم بعيرًا بعيرًا، بعد ما أخذ كل واحد من السرية التي خرجت اثني عشر بعيرًا. وقال: «وفي رواية ابن عمر ما يدل على أنه نفل نصف السدس» . قال: «فهذا يدل على أنه ليس للنفل حدٌّ لا يتجاوز ما للإمام» . وقول الشافعي هذا قال به الحنفية والمالكية خلافًا للحنابلة -كما في الهامش الآتي-. انظر في مذهب الحنفية: «الهداية» (٢/٤٤١)، «اللباب» (٤/١٣٠)، «فتح القدير» (٥/٥١١)، «إعلاء السنن» (١٢/٢٩٠) . وفي مذهب المالكية: «المدونة» (١/٥١٧)، «المعونة» (١/٦٠٧)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٥٠٣)، «الذخيرة» (٣/٤٢١) .
(٢) هو مذهب الحنابلة فقط. انظر: «المقنع» لابن البنا (٣/١١٦٥-١١٦٦)، «المغني» (١٣/ ٥٣-٥٧)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٥٤٨)، «الواضح» (٢/٢٥٨)، «مسائل أحمد» (١/٢٠٠- ٢٠١- رواية الكوسج، ١/٣١٥-٣١٦- رواية صالح، ٣/٨٤٧-٨٤٨- رواية عبد الله)، «شرح الزركشي» (٦/٤٧٠)، «رؤوس المسائل الخلافية» للعكبري (٥/٧٧٨ المسألة رقم ٢٠٢١) . ونقله ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/١٠٧)؛ عن مكحول، والأوزاعي. وقال: «وهو قول جمهور العلماء» . فلعلَّ المصنف ذكر أنه قول الجمهور متابعةً له!
[ ٤٧٢ ]
الخمس في الدخول إلى أرض الحرب، وثلث ما ساق بعد الخمس في الخروج منها، لا زائد على ذلك. وإليه ذهب أهل الظاهر (١)، ودليلهم حديث حبيب بن مسلمة -المتقدم- في تنفيل الربع والثلث لمن ساق غنيمةً إلى الجيش، وإن ما عدا ذلك لم يثبت في شيءٍ منه أن رسول الله - ﷺ - نفَّل أحدًا ما يبلغ سهم راجل.
وقولٌ: إن للإمام أن يُنفِّل السَّرية جميع ما غنمت من غير تخميس، روي ذلك عن مكحول، وعطاء، وإبراهيم (٢) . وعامَّة الفقهاء
على خلافه. وروي عن
_________________
(١) انظر: «المحلى» (٧/٣٤٠-٣٤١ المسألة رقم ٩٥٦) .
(٢) ذكر ذلك عنهم: ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/١٠٢)؛ قال: ذكر أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، عن عمران القطان، عن علي بن ثابت، قال: سألت مكحولًا، وعطاء؛ عن الإمام ينفِّل قومًا ما أصابوا؟ قال: ذلك لهم. وقال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، قال: سألت إبراهيم -أي: النخعي- عن الإمام يبعث السرية، فتغنم؟ قال: إن شاء نفلهم إياه كله، وإن شاء خمَّسه. ومذهب إبراهيم النحعي أنه لا يزاد على الثلث، كما نقله عنه ابن قدامة في «المغني» (١٣/ ٥٤- ط. دار هجر) . وانظر: «موسوعة فقه إبراهيم النخعي» (ص ١٢٧) . وهو مذهب مكحول -كما سبق النقل عنه-، والأوزاعي. وانظر: «الآثار» لأبي يوسف (١٩٤) . ودافع عن هذا الرأي تاج الدين ابن الفركاح في جزء مطبوع بمصر قديمًا، وعنوانه: «الرخصة العميمة في أحكام الغنيمة»، وظفرتُ برد عليه للإمام النووي، منه نسخة وحيدة -فيما أعلم- في مكتبة تشستربتي بإيرلندة، وهو بعنوان: «مسألة وجوب تخميس الغنيمة وقسمة باقيها» وقد فرغت منذ سنوات من نسخه. وسيرى النور -إن شاء الله تعالى- قريبًا بتحقيقي. ثم وجدت مقولة للإمام السيوطي في قاعدة: «الأصل في الأبضاع التحريم»، في كتابه: «الأشباه والنظائر» (ص ٦٢) يقول فيها -وهو يتكلم على قسمة الغنائم-: «أن يأخذها جيش من جيوش المسلمين بإيجاف خيل أو ركاب، فهي غنيمة أربعة أخماسها للغانمين، وخمسها لأهل الخمس، وهذا لا خلاف فيه، وغلط الشيخ تاج الدين الفزاري، فقال: إن حكم الفيء والغنيمة راجع إلى رأي الإمام يفعل فيه ما يراه مصلحةً، وصنّف في ذلك كراسةً سماها: «الرّخصة العميمة في أحكام الغنيمة» وانتدب له الشيخ محيي الدين النووي، فرد عليه في كراسة، أجاد فيها، والصواب معه قطعًا» انتهى. وانظر -لزومًا-: «الاعتصام» للشاطبي (٢/٩، ١٠) وتعليقي عليه، فقد زيّف هذا القول، وجعله غنيمة على طريقة (مَنْ عَزَّ بَزّ) لا طريقة الشرع.
[ ٤٧٣ ]
الثوري أنه قال في أميرٍ أغار فقال: من أخذ شيئًا فهو له: هو كما قال (١) . وليس لشيءٍ من ذلك دليلٌ يُعتَدُّ به.
وأظهر الأدلة رجوحًا ما ذهب إليه أهل الظاهر (٢)، والله أعلم.
وأما اختلافهم في الموضع الثالث -وهو الوقت الذي يكون فيه فرضُ التَّنفيل- ففي ذلك قولان:
أحدهما: إن ذلك لا يكون إلا بعد إحراز الغنيمة، لا قبل ذلك، وإليه ذهب مالك (٣)، وكره أن يُنفَّل قبل ذلك يُحرِّضهم؛ خشية أن
يكون قتالهم لغير الله، وعنده: أن السَّلبَ من النَّفل، قال: ولم يَقُل رسول الله - ﷺ -: «من قتل قتيلًا فله سَلَبُه» (٤)، إلا بعد أن برد القِتال. وبنحو ما ذهب إليه مالك؛ يقول أبو حنيفة (٥) .
_________________
(١) انظر: «المغني» (١٣/٥٦- ط. هجر)، «شرح السنة» (١١/١١٣)، «موسوعة فقه سفيان الثوري» (٢٦٤) . ويروى هذا القول عن الأوزاعي -أيضًا-. انظر: «الاستذكار» (١٤/١٠٧)، «فقد الإمام الأوزاعي» (٢/٤٦٤) .
(٢) ورجَّحه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٣٨) .
(٣) انظر: «المدونة» (١/٥١٨-ط. دار الكتب العلمية)، «الاستذكار» (١٤/١٠٣)، «النوادر والزيادات» (٣/٢٢٢)، «البيان والتحصيل» (٣/٧٨-٧٩)، «الكافي» (١/٤٧٧) -ونقل عن بعض أهل المدينة وغيرهم من الحجازيين من يرى النفل جائزًا بعد الغنيمة وقبلها-، «التمهيد» (١٤/٥٥ وما بعدها)، ونقل فيها عن فقهاء الشام؛ أن لا نفل في أول المغنم.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب فرض الخمس (باب من لم يخمّس من الأسلاب، ومن قتل قتيلًا فله سلبه من غير أن يخمس، وحكم الإمام فيه) (رقم ٣١٤٢) من حديث أبي قتادة، في غزوة حنين، ضمن قصة طويلة، وفيه قوله - ﷺ -: «من قتل قتيلًا له عليه بيّنة؛ فله سَلبه» . وأخرجه في كتاب المغازي (باب: وقول الله -تعالى-: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾) (رقم ٤٣٢١ و٤٣٢٢)، وفي كتاب الأحكام (باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء أو قبل ذلك للخصم) (رقم ٧١٧٠) . وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير (باب استحقاق القاتل سلب القتيل) (رقم ١٧٥١) .
(٥) مذهب الحنفية أن لا نفل بعد إحراز الغنيمة بدار الإسلام، لأن حق الغير قد تأكد فيه بالإحراز، إلا من الخمس؛ لأنه لا حقَّ للغانمين في الخمس. انظر: «الهداية» (٢/٤٤١)، «البناية» (٥/٧٤٦)، «اللباب» (٢/١٣٠)، «فتح القدير» (٥/ ٥١١)، «بدائع الصنائع» (٧/١١٥)، «أحكام القرآن» للجصاص (٣/٥١)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٥٨ المسألة رقم ١٦١٣) .
[ ٤٧٤ ]
والقول الثاني: إن له أن يُنفِّل قبل إحراز الغنيمة وبعده على ما يرى من الاجتهاد، وما فيه المصلحة، وهو قول الشافعي (١) . قال: وقد رُوي أن رسول الله - ﷺ - نفَّل في البدأةِ والرَّجعة. وقال الثوري (٢): لا بأس أن يقول الإمام: من جاء برأسٍ فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا، يُضرِّيهم.
القول في السَّلب
في «الصحيحين»: البخاري ومسلم (٣)، عن أبي قتادة، عن رسول الله - ﷺ - قال: «من قتل قتيلًا له عليه بيِّنة فله سَلبهُ» . وذكره مالكٌ وغيره (٤) .
وخرَّج -أيضًا- أبو داود (٥)، عن عوفِ بن مالكٍ الأشجعي، وخالد بن الوليد،
_________________
(١) في «الأم» (٤/١٤٩، ١٥١) . وانظر: «مختصر المزني» (ص ١٤٩)، «الحاوي الكبير» (١٠/٤٤٥)، «المجموع» (٢١/٢٢٥) .
(٢) انظر: «المغني» (٨/٣٨١)، «شرح السنة» (١١/١١٣)، «موسوعة فقه سفيان الثوري» (٢٦٤) .
(٣) البخاري (٣١٤٢ و٤٣٢١ و٤٣٢٢ و٧١٧٠)، ومسلم (١٧٥١)، وقد مضى قريبًا.
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» في كتاب الجهاد (باب ما جاء في السلب في النَّفل) (رقم ٤٥٧- ط. دار إحياء التراث) .
(٥) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في السلب لا يخمس) (رقم ٢٧٢١) حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي، وخالد بن الوليد، به. وفيه إسماعيل بن عياش، أبو عتبة الحمصي. قال الحافظ في «التقريب» (٤٧٣): «صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلّط في غيرهم» . وصفوان بن عمرو بن هرم السكسكي، أبو عمرو الحمص، ثقة. وهو حمصيٌّ من بلد إسماعيل بن عياش، فرواية إسماعيل عنه مقبولة -إن شاء الله-، وإسناده حسن. =
[ ٤٧٥ ]
أن رسول الله - ﷺ - قضى في السَّلب للقاتل، ولم يخمس السَّلبَ.
واختلف أهل العلم من هذا الفصل في ثلاثة مواضع:
في حكم السلب لمن يكون، وفي حدِّ السلب، وعلى ماذا يقع، وفي صفة القتيل المسلوب.
فأما حكم السلب، فلأهل العلم في ذلك ثلاثة أقوال:
قول: إنه مِلكٌ للقاتل، يختصُّ به، حُكمًا من الله -﷿-، لا يحتاج في ذلك إلى تقدم قول أميرٍ ولا غيره، فهو يُحاز له من جملة الغنيمة، من غير خمس يجب فيه، وإليه ذهب الشافعي،
وأحمد بن حنبل، وأهل الظاهر، وقاله محمد بن جرير الطبري، وغيره (١) .
_________________
(١) = وهو في «سنن سعيد بن منصور» (٢/٣٠٦ رقم ٢٦٩٨)، ومن طريقه أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٠٩ رقم ٦٤٩٢) . وأخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (٣/٢٢٦)، وأبو عبيد في «الأموال» (٧٧٢)، والبيهقي في «السنن» (٦/٣١٠)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (١٩٧٥٣) من طرقٍ عن إسماعيل بن عياش، به. وأخرجه أحمد (٤/٩٠ و٦/٢٦)، وابن الجارود في «المنتقى» (١٠٧٧) من طريق أبي المغيرة، عن صفوان بن عمرو، به. وليس فيه: «قضى بالسَّلَب» . وأخرجه أبو يعلى (٧١٩١ و٧١٩٢)؛ من طريقين عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن خالد بن الوليد، به. وأخرجه أحمد (٦/٢٦)، وغيره، من حديث عوف بن مالك مطولًا، وفيه قصة.
(٢) انظر في مذهب الشافعية: «الأم» (٤/١٥٣-١٥٤)، «الإقناع» (١٧٧)، «الوجيز» (١/٢٩٠)، «حلية العلماء» (٧/ ٦٥٨)، «الحاوي الكبير» (١٤/١٥٥-ط. دار الكتب العلمية)، «مغني المحتاج» (٤/٢٣٤)، «نهاية المحتاج» (٦/١٤٤)، «المجموع» (٢١/١٨٤، ١٨٧)، «مختصر الخلافيات» (٤/١٤٦ رقم ١٧٢)، «تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام» لبدر الدين بن جماعة (٢١٦-٢١٨) . وسيذكر المصنف عنهم أن هذا إذا كان القتيل مقبلًا غير مدبر، والحرب قائمة، وهذا التفريق لا نعلم له دليلًا خاصًّا. وانظر: «رحمة الأمة» (٢/١٦٥- بهامش «الميزان الكبرى» للشعراني -ط. مصطفى البابي الحلبي) . وفي مذهب الحنابلة: «المغني» (١٣/٦٣)، «الإنصاف» (٤/١٤٨)، «تنقيح التحقيق» (٣/ =
[ ٤٧٦ ]
وقولٌ ثانٍ: إنه كذلك للقاتل -أيضًا-، إلا أن للإمام أن يُخمِّسه إذا استكثره، ويكون للقاتل أربعة أخماسه، رُوي ذلك عن عمر بن الخطاب (١)، وهو قول
_________________
(١) = ٣٤٦)، «المحرر» (٢/١٧٤)، «المبدع» (٣/٣٧٠)، «منتهى الإرادات» (١/٦٣٥-٦٣٦)، «كشاف القناع» (٣/٧٠-٧١) . وانظر: «اختلاف الفقهاء» للطبري (١١٢، ١١٧- نشره د. يوسف شخت، مكتبة بريل، ليدن، هولندا) . وبه قال الأوزاعي في رواية، والليث، وأبو عبيد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن حزم، وغيرهم. انظر: «الرد على سير الأوزاعي» (٤٦)، «الأموال» (٤٠٥)، «المحلَّى» (٧/٣٣٥ رقم ٩٥٥)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤٤٧)، «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٢/٥٨)، «أحكام القرآن» للجصاص (٣/٦٦)، «المهذب» (٢/٢٣٨)، «فتح الباري» (٦/٢٤٩)، «نيل الأوطار» (٩/١٨٠)، واختار هذا القول ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٠٩) .
(٢) ذكره ابن حزم في «المحلّى» (٧/٣٣٦)، قال: ومن طريق ابن أبي شيبة، نا عبد الرحيم بن سليمان، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك، قال: كان السلب لا يخمس، وكان أول سلب خمس في الإسلام سلب البراء بن مالك، وكان قَتَلَ مرزبان الزارة، وقطع منطقته وسواريه، فلما قدمنا المدينة صلى عمر الصبح، ثم أتانا فقال: السلام عليكم، أثمَّ أبو طلحة؟ -أي: البراء- فقالوا: نعم، فخرج إليه، فقال عمر: إنا كنا لا نخمس السلب، وأن سلب البراء مال، وإني خامسه، فدعا المقوِّمين، فقوَّموا ثلاثين ألفًا، فأخذ منهم ستة آلاف. وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٥/٢٣٣ رقم ٩٤٦٨)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢/١٣٢)، والبيهقي (٦/٣١١)؛ من طريق أيوب، وأبو عبيد في «الأموال» (٣٨٩-٣٩٠ رقم ٧٨١)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٣/٣٠٨ رقم ٢٧٠٨)؛ من طريق ابن عون، ويونس، وهشام، والبيهقي (٦/٣١٠)؛ من طريق ابن المبارك عن هشام، جميعهم عن محمد بن سيرين، عن البراء، به. وأخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٠٩-١١٠، ١٢٦-١٢٧)؛ من طريق عبد الله بن الوليد، عن سفيان، عن هشام، به. ورواه الطحاوي (٢/١٣٣) من طريق مكحول، عن أنس، به. قال ابن حزم: «ولا يظن بعمر تعمد خلاف رسول الله - ﷺ -، فصحَّ أنه استطاب نفس البراء، وهذا صحيح حسن لا ننكره، وهو قول الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وأبي عبيد، وأبي سليمان، وجميع أصحاب الحديث، إلا أن الشافعي، وأحمد، قالا: إن قتله غير ممتنع، فلا يكون له سلبه» ا. هـ. وخطَّأ هذا الاستثناء؛ لحديث سلمة بن الأكوع، فإنه قتل مشركًا غير ممتنع، وفي غير قتال، وأخذ =
[ ٤٧٧ ]
إسحاق (١) .
وقول ثالث: إن السَّلب وسائر الغنيمة واحدٌ في الحكم، لا يختصُّ القاتل بذلك، إلا أن يُنفِّله إياه الإمام إن رأى لذلك وجهًا كسائر الأنفال، ولا فَرْقَ، وإليه ذهب مالكٌ، وأبو حنيفة، والثوريُّ، وغيرهم (٢) .
_________________
(١) = سلبه، بأمر رسول الله - ﷺ -. وانظر: «الاستذكار» (١٤/١٤٢)، «موسوعة فقه عمر بن الخطاب» (١٧٥) . وتخميس السَّلَب مطلقًا هو قول ابن عباس. أخرجه عنه مالك في «الموطأ» (ص ٢٩٠ رقم ٥٢٢- ط. إحياء التراث)، وأبو عبيد في «الأموال» (٣٩٢ رقم ٧٩٠)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٢/ ٣٧٤ رقم ١٤٠٤٢، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/١١٠)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/٣١٢) . وانظر: «المغني» (١٣/٦٩)، «شرح السير الكبير» (٢/٦٠٢، ٦٠٣)، «موسوعة فقه عبد الله بن عباس» (١/٢٩٧ و٢/٧٣-٧٤) . وهو قول مكحول، والأوزاعي. انظر: «سنن سعيد بن منصور» (٢/٣١٠ رقم ٢٧١٢)، «الأوسط» (١١/١١٠)، «المغني» (١٣/٦٩)، «الاستذكار» (١٤/١٤٠ رقم ١٩٧٤٩) .
(٢) ذكره عنه ابن قدامة في «المغني» (١٣/٦٩)، وقبله ابن حزم في «المحلَّى» (٧/٣٣٧)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/١١٠)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/١٤٢ رقم ١٩٧٦١) . وقد مضى قريبًا أن له قولًا موافقًا لأصحاب القول الأول.
(٣) مذهب المالكية أن السلب يكون للقاتل بشرط الإمام، ولا يكون ذلك إلا بعد انقضاء الحرب، لا قَبْلُ، ويكون مُحْتَسَبًا من خمس الخمس. انظر: «الموطأ» (٢/٤٥٥)، «القبس» (٢/٦٠١)، «المدونة» (١/٣٨٦، ٣٩٠)، «التفريع» (١/ ٣٥٨)، «الرسالة» (١٩٠)، «الكافي» (١/٤٠٩- ط. دار الهدى -القاهرة)، «المعونة» (١/٦٠٦)، «التلقين» (٧٢- ط. مكتبة فضالة. وزارة أوقاف المغرب)، «المقدمات الممهدات» (١/٣٥٦)، «أسهل المدارك» (٢/١١)، «قوانين الأحكام» (١٦٧)، «بداية المجتهد» (١/٣٩٧)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/ ٥٠٤)، «رؤوس المسائل» لابن القصّار (٥١، ٥٥)، «التمهيد» (١٤/٥١، ٦٩، و٢٣/٢٤٢-٢٤٥، ٢٥٨)، «بداية المجتهد» (١/٣٨٠، ٦٨٧-ط. دار الجيل)، «الذخيرة» (٣/٤٢١)، «الشرح الكبير» (٢/١٩٠-١٩١)، «الخرشي» (٣/١٣٠)، «الإشراف» (٤/٤٣١- بتحقيقي)، «القوانين الفقهية» (١٢٩، ١٣١-١٣٢)، «الرد على الشافعي» (ص ٥٢-٥٣) لابن اللباد. وفي مذهب الحنفية، انظر: «الآثار» (١٩٠)، «مختصر الطحاوي» (٢٨٤)، «تحفة الفقهاء» (٣/٥٠٨-٥٠٩)، «فتح القدير» (٥/٥١٢-٥١٤)، «حاشية ابن عابدين» (٤/١٥٣-١٥٤)، «الهداية شرح بداية المبتدي» (٢/١٤٦)، «المبسوط» (١٠/٤٧)، «بدائع الصنائع» (٧/١٥) . =
[ ٤٧٨ ]
وسبب الاختلاف: تعارضُ ظاهر آية الغنائم في وجوه القسم على جماعة الغانمين، وظاهر قوله - ﷺ -: «من قتل قتيلًا له عليه بينةٌ، فله سلبه» (١) .
فمن حمل ذلك من قوله - ﷺ - على أنه إنزالُ شرعٍ، وحكمٌ عامٌّ في المسلمين، وكان من مذهبه تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد؛ جعل الآية مخصَّصة في غير السَّلب، وكان عنده: السَّلب جميعًا للقاتل.
ومن حمل ذلك من قوله - ﷺ - على وجه التنفيل منه في ذلك الجيش، وما يرجع إلى حكم الاجتهاد من الإمام بحسب الأحوال، كان السَّلبُ وغيره سواءً عنده في حكم الغنيمة، واستحقاق القسم على جماعة الغانمين، إلا أن يرى الإمام تنفيله للقاتل على حسب ما فعلَ رسول الله - ﷺ - في ذلك الجيش (٢) .
وأما من رأى تخميس السَّلب إذا كثر؛ فلا أعرف فيه دليلًا، إلا ما يخرج مخرج الاستحسان. فإن قيل: دليله عموم آية الخمس (٣)؛ لزم عليه أن يكون ذلك يجري في القليل كما يجري في الكثير، والله أعلم.
وأمَّا حدُّ السلب، وعلى ماذا يقع، إذا قيل بوجوب ذلك للقاتل؟ فلأهل العلم
_________________
(١) = وهو رواية عن أحمد، اختارها الخلال. انظر: «المحرر» (٢/١٧٩)، «الإفصاح» لابن هبيرة (٢/٢٨٠)، «المغني» (١٣/٦٣) . وروي عن الأوزاعي، وهو قول سفيان الثوري -كما ذكر ذلك المصنف-. انظر: «الرد على سير الأوزاعي» (٤٦-٤٧)، «عمدة القاري» (١٥/٦٩- ط. عيسى البابي الحلبي)، «تفسير القرطبي» (٨/٥)، «بداية المجتهد» (١/٦٨٠)، «شرح السنة» (١١/ ١٠٨)، «الأموال» لأبي عبيد (٣٩١ رقم ٧٨٨)، «فقه الأوزاعي» (٢/٤٤٨)، «موسوعة فقه سفيان الثوري» (٢٦٤ و٥١٢) .
(٢) أخرجه البخاري (٣١٤٢)، ومسلم (١٧٥١)، وقد مضى قريبًا.
(٣) في حديث أبي قتادة مرفوعًا: «من قتل قتيلًا فله سلبه»، أبلغ دلالة على أن إذن الإمام لا يشترط؛ فقد قال - ﷺ - مقولته تلك يوم حُنين بعدما قتل أبو قتادة الرجل، وإذا ثبت عن النبي - ﷺ - شيء لم يجز تركه، والله أعلم.
(٤) كذا في الأصل، وكتب الناسخ في هامش نسخته: «لعله سقط من هنا: قلت. أو: قلنا. أو نحو هذا» . قلت: أي تصبح العبارة هكذا: فإن قيل: دليله عموم آية الخمس، قلنا: لزم عليه .
[ ٤٧٩ ]
في ذلك اختلاف، سببه: مفهوم إطلاق لفظ السَّلب في الحديث:
هل يختصُّ ذلك بما كان على المقتول ومعه مما يَستعِدُّ من آلات القتال، وما لا بدَّ منه في اللباس، والمعتاد في الحرب، دون ما سواه، مما عسى أن يكون معه من غير ذلك؟ أو يعم جميع ما اشتملت عليه حال القتيل من ذلك، ومن غيره من أنواع الحُليِّ والجواهر والذهب والفضة، وما شأنه الزينة ونحوها، وإن لم يكن من معتاد الحرب؟
رُوي عن مكحولٍ أنه قال: للمبارز القاتل سَلَبُ المقتول: فرسه بسرجه، ولجامه، وسيفه، ومنطقته، ودرعه، وبَيْضَته، وساعداه، وساقاه، ورايته (١)، بما في ذلك كلِّه: من ذهبٍ وفضةٍ، أو جوهرٍ، وما كان عليه من طوقِه، وسِواريْه إن كانا عليه، بما فيهما من جوهر (٢) .
وقال الأوزاعيُّ نحو ذلك، إلا أنه قال: ولا يكون له الهِمْيان (٣) فيه المال؛ قال: ليس مما يتزيَّن به للحرب (٤) .
ولم يرَ مالكٌ أن يكون من السَّلَب ذهبٌ ولا فضة؛ لأنه ليس من آلات المقاتل المعهودة (٥) .
_________________
(١) وفي «المغني» (١٣/٧٢): رَأن. وهو كالخف، إلا أنه لا قدَم له، وهو أطول من الخف. ولعلَّ صوابها: ورَأْناه.
(٢) نقله عنه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٢٨)، وابن قدامة في «المغني» (١٣/٧٢)، وابن أبي زيد القيرواني في «النوادر والزيادات» (٣/٢٢٦) .
(٣) الهِميان: بكسر الهاء: هميانُ الدراهم، وهو الذي تجعل فيه النفقة. والهميان: شداد السّراويل. قال ابن دُريد: أحسبه فارسيًا مُعرَّبًا. انظر: «لسان العرب» (١٥/٣٦٤) .
(٤) نقله عنه ابن المنذر «الأوسط» (١١/١٢٨)، وابن قدامة في «المغني» (١٣/٧٢)، وابن أبي زيد القيراوني في «النوادر والزيادات» (٣/٢٢٧) .
(٥) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» (١/٥٠٤)، «النوادر والزيادات» (٣/٢٢٦-٢٢٧)؛ ونقل عن سحنون قوله: قال أصحابنا، وأهل الشام: ولا نفل في العين، وإنما هو في العروض: السلب، والفرس، والسلاح، ونحوها. وقال: وقال أهل العراق: إذا نادى الإمام بنفل السلب؛ فإنه يكون له ما على المقتول من =
[ ٤٨٠ ]
وقال الشافعي (١): «السَّلَبُ الذي يكون للقاتل: كلُّ ثوبٍ على المقتول، وكلُّ سلاحٍ عليه، ومنطقتهُ وفرسه إن كان راكِبَهُ أو مُمْسِكَهُ، فإن كان مع غيره، أو مُنفلتًا منه فليس له، وإنما سَلبه ما أخذ من يديه، أو ما على بَدنه، أو تحتَ بدنه، فإن كانَ في سَلَبِه سوارُ ذهبٍ، أو خاتمٌ، أو تاجٌ، أو مِنطقةٌ فيها نَفقةٌ، فلو ذهبَ ذاهبٌ إلى أنَّ هذا من سَلَبِه كان مَذهبًا، ولو قال قائلٌ: ليس هذا من عُدَّة الحرب كان وجهًا» .
قلت: قد أشار الشافعيُّ -﵀- إلى هذا السَّببِ الذي نَبَّهنا عليه.
وأما صفة القتيل المسلوب: فمن ذلك: أن يكون رجلًا كافرًا حربيًا مُخلًّى غير مأسور، لا أعرف أن موجبي السَّلب للقاتل اختلفوا أنَّ مثل هذا يستحقُّ قاتله سَلَبه، واختلفوا في حال القتل، وفي قتل المرأة والغلام.
فقال الشافعي (٢): «إنما يكون السَّلَب لمن قتل والحربُ قائمة، والمشركُ مُقبلٌ»، وقال أحمد بن حنبل: «إنما ذلك للقاتل في المبارزة (٣)، لا يكون في
_________________
(١) = سِوارين، وطوق ذهب، ودنانير، ودراهم، وحلية سيفٍ، ومنطقة. قلت: ويدخل فيه: إذا كان مع المقتول دراهم، أو دنانير. فعند الحنفية، ورواية عند الحنابلة، وأحد القولين للشافعية: أن الدراهم والدنانير من السلب، فهي للقاتل. انظر: «تحفة الفقهاء» (٣/٢٩٧)، «المغني» (١٣/٧٢-٧٣)، «المجموع» (١٩/٣١٨) . ورواية أخرى عند الحنابلة: أنها لا تدخل في جملة السلب، وهي غنيمة. انظر: «المقنع» لابن البنا (٣/١١٦٧-١١٦٨)، «المغني» (١٣/٧٢-٧٤)، «شرح الزركشي» (٦/٤٨١)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٧٣٦ رقم ١٩٨٦) .
(٢) في «الأم»، في كتاب قسم الفيء والغنيمة (باب الأنفال) (٥/٣٠٩- ط. دار الوفاء) . وانظر: «الوجيز» (١/٢٩٠) .
(٣) في «الأم» (٥/٣٠٨، ٣٠٩- ط. دار الوفاء) . وانظر: «مختصر المزني» (ص ٢٧٠)، «الأوسط» (١١/١٢٠)، «المجموع» (١٩/٣١٧) . وهو مذهب الحنابلة -كما سيأتي-.
(٤) كذا هي في الأصل. وأثبتها الناسخ: «المباراة» . وكتب في الهامش: كذا في الأصل، ولعلها: «المبارزة» . قلت: وهو الصواب. وكذا هي في مطبوع «المغني» (١٣/٦٨- ط. هجر) نقلًا عن أحمد -﵀-.
[ ٤٨١ ]
الهزيمة» (١)، وقال الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز: «السَّلَب للقاتل، ما لم تشتد (٢) الصفوف بعضها ببعض، فإذا كان
كذلك، فلا سلبَ لأحدٍ» (٣) . ونحو ذلك يُروى عن نافعٍ مولى ابن عمر؛ كان يقول: إذا قتل رجلٌ من المسلمين رجلًا من الكُفَّار؛ فإنَّ له سَلَبه، إلا أن يكون في معمعةِ القتال، أو في زحفٍ، فإنه لا يدري أحدٌ قتلَ أحدًا (٤) .
قوله: معمعة القِتال: يريد التحامه واخْتِلاطه. والمَعمعةُ: أصوات الشجعان في الحرب. والمعمعةُ -أيضًا-: صوت الحريق. قال امرؤ القيس -يصف فرسًا وعَدْوَها-:
سَبوحًا جَموحًا وإحْضارُها كمعمَعِةِ السَّعف المُوقَدِ (٥)
_________________
(١) انظر: «المغني» (١٣/٦٣، ٦٨)، «المحرر» (٢/١٧٤)، «شرح الزركشي» (٦/٤٧٢-٤٧٧)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٧٣٥ رقم ١٩٨٥) .
(٢) كذا في الأصل والمنسوخ. وكتب الناسخ أبو خبزة في الهامش: «كذا، ولعلها: تشتبك» . قلت: وفي «المغني» (١٣/٦٥): (تَمتَدُّ) .
(٣) نقله عنهما ابن قدامة في «المغني» (١٣/٦٥)، وقبله ابن المنذر في «الأوسط» (١١/ ١٢٣)، وزاد مع الأوزاعي وسعيد: أبا بكر بن أبي مريم، وذكر ابن قدامة قبله أنَّ مذهب مسروق: «إذا التقى الزحفان، فلا سلب له، إنما النفل قبل وبعد» . ونقله عن الأوزاعي وسعيد -أيضًا-: ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/١٣٨-١٣٩) وزاد معهما: سعيد بن عبد الرحمن، وسليمان بن موسى، وفقهاء أهل الشام. وانظر: «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٢/٥٩)، «فتح الباري» (٦/٢٤٦)، «عمدة القاري» (١٥/٦٥)، «المحلى» (٧/٣٣٦)، «بداية المجتهد» (١/٤٢٩)، «نيل الأوطار» (٧/٢٢٤)، «سبل السلام» (٤/٢٥٢)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤٤٧) .
(٤) رواه عبد الرزاق (٥/٢٣٤ رقم ٩٤٧١)، وابن أبي شيبة (١٢/٣٧٤ رقم ١٤٠٤١) في «مصنفيهما»؛ عن ابن جريج، عن نافع، به. وليس فيه قوله: «فإنه لا يدري أَحَدٌ قتل أحدًا» . وذكره من طريق ابن جريج: ابن حزم في «المحلى» (٧/٣٣٦) . وانظر: «المغني» (١٣/٦٥)، «معجم فقه السلف» (٥/١٣٨)، والمراجع في الهامش السابق.
(٥) انظر: «شرح ديوان امرئ القيس» (ص ١٦١- تعليق: د. عمر الفجاوي) . ومعنى: سبوح: تسبّح في سيرها. =
[ ٤٨٢ ]
وقالت طائفة من أهل الحديث: يجب للقاتل سلبُ كلِّ قتيلٍ قتله من الكُفَّار، في الحرب وغير الحرب، مُقبلًا أو مُدبرًا، على كلِّ وجهٍ، لا يخصُّ (١) من ذلك شيئًا، وبه يقول أبو ثورٍ، وداود، وأبو
بكرٍ بن المنذر، وغيرهم (٢) .
وحجة هؤلاء ظاهر الخبر (٣) في تمليكه سلب القتيل عمومًا. وحديث سلمة ابن الأكوع (٤) في ذلك يزيده وضوحًا. قال ابن المنذر (٥): «هو خبرٌ، ليس لمتأولٍ معه تأويل؛ وذلك أن سلمة بن الأكوع قتل القتيل، وهو مُولٍّ هاربٌ»، قال غيره: وفي غير مبارزةٍ ولا قتال.
خرَّج مسلم (٦)، عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله - ﷺ - هوازن، فبينا نحن نتضحَّى مع رسول الله - ﷺ -، إذ جاء رجل على جمل أحمرَ، فأناخه، ثم انتزع طَلقًا من حَقِبهِ، فقيَّد به الجَمل، ثم تقدَّم يتغدى مع القوم، وجَعَل ينظر، وفِينا ضَعْفةٌ ورِقَّةٌ في الظهر، وبعضُنا مُشاةٌ، إذ خرجَ يَشْتدُّ، فأتى جمله فأطلق قيده، ثم أناخه، وقعدَ عليه، فأثاره، فاشتدَّ به الجمل، فاتَّبعه رجلٌ على ناقةٍ وَرْقاء.
_________________
(١) = جموح: أي: تجمح، تغلبك على رأسها، لا تستطيع ردَّها من حدَّتها. والمعمعة: حَفيف الحريق إذا احترق، قَصَبٌ أو غيره، يقول: إحضارها كأنَّه نار.
(٢) كتب الناسخ في الهامش: لعلَّها: نَخُصُّ.
(٣) انظر: «الأوسط» (١١/١٢٠)، «المغني» (١٣/٦٥- ط. هجر)، «اختلاف الفقهاء» (لوحة ١١٧)، «المهذب» (٢/٢٣٨)، «عمدة القاري» (١٥/٦٩)، «فتح الباري» (٦/٢٤٩)، «نيل الأوطار» (٩/٧١٠)، وإلى هذا الرأي ذهب ابن حزم -كما في «المحلّى» (٧/٣٣٦) -، والليث بن سعد. وانظر: «فقه الإمام أبي ثور» (٧٨٤-٧٨٥) .
(٤) وهو قوله - ﷺ -: «من قتل قتيلًا له عليه بيّنة، فله سلبه» . وهو في «الصحيحين»، وقد مضى.
(٥) سيأتي.
(٦) في «الأوسط» (١١/١١٩) .
(٧) في «صحيحه» في كتاب الجهاد (باب استحقاق القاتل سلب القتيل) (٤٥) (١٧٥٤) . وأخرجه مختصرًا جدًا: البخاري في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان) (رقم ٣٠٥١) .
[ ٤٨٣ ]
قال سلمة: وخرجت أشتدُّ، فكُنتُ عند وَرْكِ الناقة، ثم تقدَّمتُ حتى كنتُ عند وَرْك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنختهُ، فلما وضع ركبتيه في الأرض اخترطتُ سيفي، فضربت رأس الرجل، فندَرَ، ثم جِئتُ بالجَمَل أقوده، عليه رَحْله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله - ﷺ - والناس معه، فقال: «من قتلَ الرجل؟» قالوا: ابن الأكوع، قال: «له سَلَبه أجمع» .
قال ابن المنذر (١): «فهو حجَّةٌ على من قال: إنَّ السَّلب لا يكون إلا لمن قتل مُشركًا مقبلًا، وعلى من قال: والحربُ قائمة؛ لأن سلمة قتل صاحبه مُدبرًا، والحرب ليست بقائمة» . قال: «ولم أرَ عند الشافعي حديث سلمة، ولو عَلِمَه لقال به فيما ظهر لنا في مذهبه» .
قوله في الحديث: «نَتَضَحَّى» (٢): هو من وقت الضُّحَى -بالمَدِّ- عند ارتفاع النهار. وإنما يريد أنهم كانوا يتغدون في ذلك الوقت.
وقوله: «انتزع طَلَقًا من حَقِبه»؛ فالطَّلقُ: القَيدُ من الجِلْدِ، والحَقِبُ: حَبلٌ يُشدُّ على حَقْو البعير.
وقوله: «ضَرَب رأس الرجل فَنَدرَ»، يريد: سَقَط.
قال عنترة (٣):
والهامُ تندرُ بالصَّعيدِ كأنَّما تَلْقى السُّيوفُ بها رؤوسَ الحَنْظَلِ
وقال أبو محمد بن حزم (٤): «للقاتل سلب المشرك الذي قَتَلَ كيفما قتله،
_________________
(١) في «الأوسط» (١١/١٢٠) .
(٢) في الأصل: «يتضحَّى»، بالمثناة من تحت.
(٣) ديوان عنترة (ص ٢٥٧- تحقيق: محمد سعيد مولوي) . وقوله: والهام تندر بالصعيد: أي تتساقط. يقال: أًنْدَرْتُهُ فَنَدَرَ: إذا قَطَعْتُهُ، وأَبَنْتُهُ من غيره. والصعيد: وجه الأرض. وقوله: رؤوس الحنظل؛ شبَّه الهامَ في سرعة قطع السيوف لها وتساقطها برؤوس الحنظل.
(٤) في «المحلَّى» (٧/٣٣٥ المسألة رقم ٩٥٥) .
[ ٤٨٤ ]
صَبْرًا، أو في القتال» . يعني: مقبلًا أو مدبرًا، وكيفما كان. ودليله: عمومُ الخَبرِ في إيجابِ السَّلبِ للقاتل من غير تفصيل، وما دلَّ عليه في إيضاح ذلك وتقريره خبر سلمة المذكور آنفًا.
وقال الثوري في العَلج يحمل عليه الرجل فَيَسْتَأسِرُ له، ثم يقتله: «له سَلَبه إذا كان قد بارزه» (١) . وأظنُّه يعني: إذا قال الإمام في ذلك الجيش: من قتل قتيلًا فله سَلَبه؛ لأن مذهب الثوري: ألاَّ (٢) يستحقَّ القاتل السَّلَبَ، إلاَّ أن يُنفِّله
الإمام، كما يقول مالكٌ، وأبو حنيفة (٣) .
وقال الأوزاعي (٤) في الذي يَستأسر فيقتله: «ليس له سَلَبُه إذا لم يكن حَرَد إليه بسلاح» . قيل له: فرجلٌ حمل على فارسٍ فقتله فإذا هو امرأةٌ؟ قال: «فإن كانت حَردت له بسلاح، فإنَّ له سَلَبها، والغلام كذلك: إذا قاتل فَقُتِل كان سلبه لمن قتله» .
قوله: حَردَ إليه، يعني: إذا جَدَّ، وقَصَد قصده (٥) . وأنشدوا (٦):
_________________
(١) نقله عنه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٣٠) .
(٢) كتب الناسخ في هامش نسخته عند (ألاّ): «كذا ولعلَّها »، ثم بياضٌ في الهامش.
(٣) مضى قريبًا ذكر مذهبيهما في ذلك. وانظر: «موسوعة فقه سفيان الثوري» (ص ٢٦٤) .
(٤) نقله عنه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٣٠) وفيه: «وإنْ أَسَرهُ ثم قتله؛ لم يكن له سَلبُه» .
(٥) وقال في «القاموس المحيط» (١/٥٦٠): حَرَدَهُ، يَحْرِدُه: قَصَده ومَنَعهُ. وانظر: «تهذيب اللغة» (٤/٤١٢)، «لسان العرب» (٣/١٤٤) .
(٦) قال الفراء في «معاني القرآن» (٣/١٧٦): «وأنشدني بعضهم » وذكره، وأوله عنده: «وجاء سيل كان من أمرِ الله» . وأورده هكذا عن الفراء: الأزهري في «تهذيب اللغة» (٤/٤١٤)، وابن منظور في «لسان العرب» (٣/١٤٥)، ووجدته كما عند المصنف في «الكشاف» للزمخشري (٤/٥٩١)، وفيه (أمر) بدل (عند)، ومعناه -كما قال الشيخ محمد عليان المرزوقي في «مشاهد الإنصاف على شواهد الكشاف» -: «يصف سيلًا بالكثرة. ولذلك قال: من عند الله. ويروى: من أمر الله، وحذف الألف قبل الهاء من لفظ الجلالة؛ لأنه جائز في الوقف. وحرد يحرد من باب ضرب، بمعنى قصد وأسرع، أي: يسرع إسراع الجنة، أي البستان المغلة كثير الغلة والخير. ومعنى إسراع الجنة: ظهور خيرها قبل غيرها في زمن يسير، واختارها لأنها تنشأ عن السَّيْل» .
[ ٤٨٥ ]
أقبل سَيلٌ جاءَ من عند اللهْ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ
قال ابن عبد البر (١): «إجماع (٢) العُلماء على أنْ لا سلَبَ لمن قتلَ طفلًا، أو شيخًا هرمًا، أو أجهز على جريحٍ مُثخنٍ، أو ذفَّفَ على من قُطِعَ في الحرب من أعضائه، ما لا يقدر معه على الدَّفع عن نفسه» .
قلت: لعلَّ ذلك إنما هو فيمن لم يقاتل من هؤلاء الأصناف، وهو على حالته تلك، فأما إذا كان يقاتل حتى قُتِل، فقد رُوي عن
الأوزاعي وغيره في الصَّبيِّ والمرأة والمصبور ما ذكرناه، ومنه (٣) هذا الحديث: «من قتلَ قتيلًا فله سَلَبه» (٤)، يتضمَّن بعمومه من حيث اللغة هؤلاء الأصناف كلَّهم، قاتلوا، أو لم يقاتلوا.
وللنَّظر في تخصيصه علىمذاهب أهل العلم طريقان: الشرع والمفهوم.
فأما من جهة الشرع: فهو مخصَّص بمن أبيح قتله من الكفار، فلا يدخل في ذلك الذِّميُّ والمعاهدُ، ولا المرأة، ولا الغلام إذا لم يقاتلا، هذا بلا خلاف، وكذلك العُسَفاء (٥)، ونحوهم على مذهب من رأى النَّهي فيهم -أيضًا-، فأما إذا قاتل الغلام والمرأة، أو غيرهم؛ ممن يُلْحِقُهُ بهم مُلْحِقٌ في النهي عن القتل؛ فقد استبيح قتله بالشرع، وخرج أن يكون ممن اسْتُثْنِيَ من العموم، فوجب أن يكون الحكم في السَّلَب لقاتلهم؛ هذه طريقة ظاهرة.
وأما التخصيص من جهة المفهوم: فهو أن يُدّعى أن الذي فُهِم في تسويغ القاتل سَلَبَ المقتول وتخصيصه به دون الجيش: إنما هو لمكان الغَناء والجرأة في قتله،
_________________
(١) في «الاستذكار» (١٤/١٣٨ رقم ١٩٧٤٤) . وفوق كلمة «أجمع» في منسوخ أبي خبزة علامة إلحاق. وكتب في الهامش: «في الأصل » وبعدها بياض.
(٢) أثبتها الناسخ في نسخته: «أجمع»، وكأنه أصلحها من كيسه لأنه كتب في الهامش: «في الأصل » وبعدها كلام بُتِر أثناء تصوير النسخة.
(٣) كتب الناسخ في هامش نسخته: «كلمة غير واضحة بالأصل» .
(٤) مضى قريبًا.
(٥) كتب أبو خبزة في الهامش: «جمع عسيف، أي: أجير» .
[ ٤٨٦ ]
فهنالك لا يدخلُ فيه هؤلاء الأصناف الذين ذكر ابن عبد البر؛ لضعفهم؛ وقلَّة المؤنة في قتلهم، فلا يكون السَّلَبُ لقاتلهم على هذا الوجه عند من رآه، والله أعلم.
* مسألة:
اعترض من لم يَرَ السَّلَبَ يجب للقاتل حُكْمًا مشروعًا ومِلْكًا مختصًا، بأن قالوا: لو كان ذلك كذلك للقاتل؛ لكانت الأسلاب في الغنائم -إذا لم يُعرف قاتلوا أهلها- مُوقَفَةً كاللقطَة، ولم يكن فيها حقٌّ للغانمين في القسم، وهذا لا يلزم؛ لوجهين:
أحدهما: ما ذكره أبو محمد بن حزم (١)، قال: «إنَّ كلَّ مال لا يُعرف صاحبه؛ فهو في مصالح المسلمين، وكلَّ سلَبٍ لا (٢) تقوم
لقاتِلهِ بيِّنةٌ؛ فهو في جملة الغنيمة، بحكم رسول الله - ﷺ -» .
قلت: والوجه الثاني: إنَّ مستحقَّ السَّلَبِ وإن لم يُعرف بعينهِ، فهو من جملة الجيش بيقين، فلو وقف ذلك، أو صُرِف في مصالح المسلمين غيرهم، لكان قد صُرف حقُّ القاتل إلى غيره بيقين، مع إمكان التوصُّلِ إليه، وليس وجه القضاء في ذلك إلاَّ قسمه في سائر الجيش؛ لأنه مُنحصرٌ فيهم، وغيرُ متميزٍ عنهم، كالشيء يكون في أيدي المتداعين من غير بيِّنةٍ (٣)، ولا يخلوا هذا الوجه من اعتراض عليه، والأول أصح؛ ولأنه -أيضًا- إجماع.
_________________
(١) في «المحلَّى» (٧/٣٤٠)، وقد نقل الاعتراض السابق في مَعْرِض كلامه في هذه المسألة.
(٢) «لا» سقطت من المنسوخ، ومطموسه في الأصل والسياق يقتضي وجودها، وهي في «المحلَّى» .
(٣) ذكر العز بن عبد السلام في كتابه «قواعد الأحكام» (٢/١٧١) أن قتل الكفار يقترن به استحقاق الأسلاب، فتعقّبه السِّراج البلقيني في كتابه «الفوائد الجسام» (رقم ٤٩٤- بترقيمي)، فقال: «يقال عليه: لا يكفي في استحقاق الأسلاب مجرد القتل، بل لا بدّ مع ذلك من كون القاتل له بينة، لقول النبي - ﷺ -: «من قتل قتيلًا له عليه بينة؛ فله سلبه»، لا يقال البينة كاشفة أنه استحق بالقتل؛ لأنها لو كانت كاشفة هنا؛ لأدّى ذلك إلى تحريم الغنيمة التي هي من أحل الحلال إذا لم تكن بيّنة، قال شيخنا أدام الله النفع بفوائده: وإلى هذا أشار ابن أصبغ من المالكية في كتابه: «الإنجاد في الجهاد»» .
[ ٤٨٧ ]
فصلٌ: في حكم الفيء، والخمس، ووجوه مصرفهما
والنظر في هذا الفصل في شيئين:
الأول: في تفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفّار؛ ما يكون من ذلك فيه الخمس، أو يكون جميعه فيئًا، أو يكون بجملته لمن استولى عليه من غيرِ خمسٍ يلزم فيه، بحسب اختلاف أحوال الاستيلاء على ذلك.
والثاني: في وجوه مصارف الفيء والخمس، والاختلاف في ذلك.
* النظر الأول: في تفصيل أحكام الأموال بحسب أحوال الاستيلاء.
وأحوال الاستيلاء على أموال الكفار ثلاثة: إما أن يكون بمغالبةٍ وقهر، وإما بحيلةٍ وتَسَتُّرٍ، وإما عفوًا لم يتقدم في تحصيله بشيءٍ من ذلك.
* فأما ما كان بطريقة المغالبة، فلا خلاف فيه أن له حكم الغنائم في إيجاب الخمس من جملته، وقسم سائره على الذين حاولوه وغلبوا عليه، إلا في أشياء مخصوصة من جملة ذلك، تقدَّم التنبيه عليها،
وذلك كالنَّفل والسَّلَب فيمن تبدل (١) ذلك لا يُخمَّس، وكالطعام يحتاج إليه الجيش في دار الحرب، والأرض تُقرُّ وقفًا على غير قسم -على مذهب من رأى ذلك- ونحو هذا ممَّا مضى الكلام عليه، وذُكِر الخلاف فيه مُفصلًا.
** وأما ما استولي عليه بحيلةٍ وتستُّر: كالسرقة من دار الحرب، والتَّلصُّص، ونحو ذلك، فلأهل العلم في ذلك قولان (٢):
أحدهما: أن ذلك كلَّه خاصُّ مِلْكِ المستولي عليه، وليس من أحكام الغنائم في شيء، ونحو ذلك يُروى عن أبي حنيفة -في الواحد أو الجماعة يدخلون دار الحرب بغير إذن الإمام ويغنمون-: أنه لا يخمس ما أصابوا، وهو لهم كلُّه، وقال:
_________________
(١) غير واضحة في الأصل، وأثبتها الناسخ: «فيمن تبدل زل ذلك، » !
(٢) مضى ذكر أقوال أهل العلم فيمن دخل دار الحرب مُتلصِّصًا، واختلافهم في ذلك.
[ ٤٨٨ ]
لا خمس إلا فيما أصابته جماعة. قال أبو يوسف: تسعةٌ فأكثر.
والقول الآخر: فيما سُرِق، واختلس، ونحوه: أنه معدودٌ في جملة الغنائم، فيكون فيه الخمس، وسائره لمن استولى عليه إن كان وحده، وله ولسائر الجيش، أو السريَّة إن كان دخوله في جيشٍ أو سريَّةٍ، كالحكم فيما قوتل عليه.
وفرَّق قومٌ بين أن يكون دخوله إلى أرض الحرب برسم السرقة والتلصُّص، ونحوه من قصد النَّيل فيه، فهذا الذي يُخمَّس، وما لم يدخل لأجله، ثم عرضَ له: إن أصاب فيهم شيئًا فجميعه له، ولا يُخمس.
*** وأما ما كان عفوًا لم يتقدم فيه بشيءٍ من العلاج: كالشيء يجلو عنه الكفار، ومال الصلح، والجزية، وتعشير تجار أهل الحرب، والذِّمَّة، وما يتركه الكافر إذا مات، ولا وارث له؛ فهذا هو الفيء الذي لا يختصُّ به أحدٌ معيَّن، وإنما يكون جميعه في مصالح المسلمين.
واختلف مع ذلك: هل يكون في الفيء خمسٌ أو لا؟ هذه قاعدة جُمْلية، ونعقب ذلك -إن شاء الله تعالى- بأقوال منقولة في ذلك عن أهل العلم، تقع لهذه الجملة موقع التفسير، ونشير إلى مسائل تختلف في أيٍّ قسمٍ من هذه الأقسام الثلاثة تلحق.
فمن ذلك ما روي عن أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه: أنَّ الغنيمة: ما غُلِب عليه بالسَّيف. والفيء: ما صولحوا عليه. والجزية: جزية الرؤوس، وخراج الأرضين (١) .
وعن الثوري (٢): «الغنيمة والفيء مختلفان: فالغنيمة ما أخذ قسرًا، ففيه
_________________
(١) انظر: «الإقناع» للحجاوي (٢/٩٥، ١١٣، ١٢٧)، «المطلع» (ص ٢١٦، ٢١٨، ٢١٩)، «معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية» (٣/٢٤، ٥٧) .
(٢) رواه عنه عبد الرزاق في «المصنف» (٥/٣١٠ رقم ٩٧١٥) . وانظر: «أحكام القرآن» للجصاص (٣/٧٤)، «تفسير القرطبي» (١٤/٥٥)، «موسوعة فقه سفيان الثوري» (ص ٦٧١، ٦٨٠) .
[ ٤٨٩ ]
الخمس، يضعه الإمام حيث أمره الله، والباقي للغانمين، والفيء: ما وقع من صلحٍ بين الإمام والكفار، في أعناقهم، وأرضهم، وزرعهم، وفيما صولحوا عليه مما لم يؤخذ عنوةً، فذلك إلى الإمام يضعه حيث أمره الله -تعالى-» . كأنه ذهب في الفيء إلى أنه مقصورٌ على الأصناف الذين سمَّى الله -تعالى- في سورة الحشر، كما تقدم من مذهبه في تفسيرالآية.
وقال الشافعي (١): «أصل قسم ما يقوم به الولاة من جُمَلِ المال؛ ثلاثة وجوه:
أحدها: ما جعله الله طهورًا لأهل دينه. قال -تعالى-: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] .
والوجه الثاني: الفيء، وهو مقسومٌ في كتاب الله -تعالى-، في سورة (٢) الحشر. قال الله -﷿-: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، فهذان المالان اللذان خَوَّلهما الله من جعلهُما له من أهل دينه، والغنيمة والفيء يجتمعان في أنَّ فيهما معًا الخمس من جميعهما لمن سمَّاه الله -تعالى- في الآيتين سواء، مُجتمعين غير مفترقين، ثم يتفرق الحكم في الأربعة الأخماس، بما بيَّن الله -تعالى- على لسان رسوله - ﷺ - وفعله؛ فإنه قسم أربعة أخماس الغنيمة، والغنيمة: هي
المُوجَف عليها بالخيل والركاب لمن حضر من غنيٍّ وفقير. والفيء: وهو ما لم يوجف عليه بخيلٍ ولا ركابٍ.
فكانت سُنة رسول الله - ﷺ - في قُرى عَرَبيَّةٍ (٣)، التي أفاءها الله -تعالى- عليه: أنَّ أربعة أخماسها لرسول الله - ﷺ -، خاصَّة دون المسلمين، يضعه رسول الله
_________________
(١) في «الأم» في كتاب قسم الفيء والغنيمة (٥/٢٩٧- ط. دار الوفاء) .
(٢) كذا في الأصل. وأثبتها الناسخ (كتاب)، وكتب في الهامش: «كذا، ولعلها: سورة» . قلت: وفي مطبوع «الأم»: «في كتاب الله عزَّ ذكره في سورة الحشر» . وفي «الأوسط» لابن المنذر: «سورة» كما هو المثبت هنا.
(٣) كذا في الأصل و«الأم» للشافعي، وفي نسخة خطية أخرى من «الأم»: «عُرَيْنَة»، وكذلك هي مثبتة في مطبوع «الأوسط»، حيث نقل المصنف الخلاف في هذه المسألة عن ابن المنذر.
[ ٤٩٠ ]
- ﷺ - حيث أراه الله» .
قال (١): «والجزية من الفيء، وسبيلها سبيل ما أُخِذ من مال مشركٍ أن يخمس، وكذلك كلُّ ما أُخذ من مشرك بغير إيجاف، مثل ما أُخذ منه إذا اختلف في بلاد المسلمين، ومثل ما أخذ منه إذا مات ولا وارث له، وغير ذلك مما أخذ من ماله» (٢)، حكى جميع ذلك عنه أبو بكر بن المنذر (٣) .
قلت: فالشافعي أوجب أن يخرج من الفيء الخمس، كما يكون ذلك في الغنيمة، ويكون مصرفه ومصرف خمس الغنيمة واحدًا، يجتمعان في ذلك، ويفترقان في مصرف أربعة الأخماس، وإنما استند الشافعي في ذلك إلى أن آية مصرف الخمس تُوافقها بظاهرها (٤) آية الفيء؛ قال الله -تعالى-: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]، كما قال -تعالى- في مصرف الخمس في هؤلاء الأصناف بأعيانهم، فكأنَّ الشافعي رأى في الفيء خمسًا هو الذي يُصرفُ في هؤلاء، وأما سائره فالسنَّة قَرَّرَتْ في مصرفه غير ذلك.
فقد تحصَّل في حكم الفيء ثلاثة مذاهب:
قول الشافعي هذا في إيجاب الخمس فيه، وصَرفِ سائره في مصالح المسلمين عامة.
وظاهر قول الثوري: أن جميع الفيء مصروفٌ في هؤلاء الأصناف خاصَّة.
وقول سائر أهل العلم -وهو المشهور المعلوم-: أن لا خمس في الفيء،
_________________
(١) «الأم» (٥/٣٠١- ط. دار الوفاء) .
(٢) في النسخة: (وسبيلها وسبيل ) ! بزيادة واو العطف. وهو خطأ. وفيها: «وكذلك كل ما أُخذ » ! والمثبت من مطبوع «الأم» (طبعة دار الوفاء) .
(٣) في «الأوسط» (١٢/٧٧-٧٨، ٧٩) .
(٤) كذا في الأصل والمنسوخ، ويمكن أن تكتب: «توافق بظاهرها» .
[ ٤٩١ ]
وأنَّ جميعه في مصالح المسلمين كافة.
وقد خولف الشافعي في إثبات الخمس (١) في الفيء؛ قال ابن المنذر (٢): «ووافق بعض أصحابنا الشافعيَّ في عامَّة ما حكيناه عنه، وخالفه في إيجاب الخمس من الفيء، قال: ولعمري! لا يُحفظ عن أحدٍ قبل الشافعي أنه أوجب في الفيء خمسًا، كخمس الغنيمة» .
قلت: وأما المحفوظ على مذهب مالكٍ وأصحابه في هذا الباب، فتحصيله يرجع إلى ثلاثة أقسام:
فالأول: ما لم يُوجَف عليه، وذلك نحو ما كان من الجزية على الرؤوس، وخراج الأرضين، ومال الصلح، وعشور أهل الذمَّة وأهل الحرب إذا اختلفوا في تجارة، وما جَلاَ عنه أهل الحرب خوفًا من المسلمين قبل خروج جيشٍ إليهم، فذلك كلُّه حكمه عندهم حكم الفيء، لا خمس فيه، ولا حقَّ مُعيَّنًا لأحد.
واختلفوا إن جلا الكفار عن شيءٍ بعد نزول الجيش عليهم، فقال بعضهم: هو كالأول على حكم الفيء؛ لأنه أخِذَ بغير قتال، وقال بعضهم: بل هو للجيش على حكم الغنائم؛ لأنهم أوجفوا عليه.
والإيجاف: قيل: هو المعروف في اللغة: وجَفَ الفرسُ والناقة وجيِفًا، وأوجفهما راكبهما إيجافًا، وهو سرعة السَّيْر والاجتهاد فيه (٣)، فيكون معنى قوله -تعالى-: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، أي: ما قصدتم نحوه، وحَثَثْتُم إليه الخيل والرِّكاب، وهي الإبل -يعني: عند الغزو-، فإذا لم يغزوا فلم يوجفوا عليها. وقال قتادة في قوله -تعالى-: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]: «ما قطعتم إليها ودايًا، ولا سيّرتُم إليها دابّةً ولا
_________________
(١) أثبتها الناسخ في نسخته: (خمس) . وصحَّحها في الهامش: (الخمس) .
(٢) في «الأوسط» (١٢/٨٠)، وليس في مطبوعه كلمة: «ولَعَمْري» .
(٣) انظر: «الصحاح» (٤/١٤٣٧)، «لسان العرب» (٩/٣٥٢) .
[ ٤٩٢ ]
بعيرًا، إنما كانت حوائط لبني النضير، أطعمها الله رسوله - ﷺ -» (١) .
والثاني عندهم: ما أُوجِفَ عليه، وتلك هي الغنائم، وحكمها: أن تُخمَّس، ثم تُقسم على الغانمين. والسرقة والتلصص عندهم إذا هو خرج بِرسمِ ذلك، فما أوجفَ عليه، فحكمه -أيضًا- عندهم حكم الغنائم؛ يخرج خمسها، ويقسم سائر ذلك لمن أخذه.
واختلفوا في العبد، والمرأة، والصبي؛ يسرقون، أو يتلصَّصون، أو ينفردون بمغالبة بعض الحربيين وأخذ غنيمتهم: هل يخمس ما أصابوا من ذلك، أو يكون لهم ذلك كله من غير تخميس؟ وقد ذكرناه فيما تقدم (٢) .
والركاز عندهم في إيجاب الخمس فيه إذا كان عَيْنًا، لاحِقٌ بأحكام الغنائم، ويكون سائره لأهل الجيش إن كانوا، أوْ لمن وجده، إن لم يكن هنالك جيش.
واختلفوا في الركاز إذا كان متاعًا أو جوهرًا: هل يخمس أو لا (٣)؟
والثالث عندهم: ما تناول أخذه رجلٌ أو قومٌ بأعيانهم من دار الحرب، من غير إيجاف يكون لأجله، مثل الرجل يدخل تاجرًا، أو يكون عندهم أسيرًا فيهرب بالمال، أو العبد يأبق إليهم، ثم يهرب من عندهم بمالٍ أو عبيدٍ وقد استألفهم، أو يهرب عبد لهم بمالٍ، فذلك كله لمن أخذه، ولا خمس في شيء من ذلك عندهم، سواء كان متاعًا أو عينًا (٤) .
فأقول: قولهم ذلك في الرجل يدخل تاجرًا، ثم يهرب بالمال فيه نظرٌ، من حيث إنه لا يجوز له عندهم، ولا في النظر الصحيح -حسبما قدَّمنا من الأدلة على ذلك- أن يخونهم في شيءٍ (٥)؛ لأنه على حكم الأمان، فكان الواجب في مثل ذلك
_________________
(١) أخرجه عنه الطبري في «تفسيره» (٢٨/٣٥) .
(٢) وانظر -أيضًا-: «النوادر والزيادات» (٣/٢٠١، ٢٠٢) .
(٣) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٩٩)، «الذخيرة» (٣/٤٣٢) .
(٤) انظر: «الذخيرة» (٣/٤٤١)، «النوادر والزيادات» (٣/٣٢٥) .
(٥) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٣٢٤) .
[ ٤٩٣ ]
إن فعله أن يرُدَّ على أهل الحرب ما أتى به من ذلك كلِّه، وإنما يجيز له هذا
أبو حنيفة، كما تقدَّم من ذكر مذهبه، ووجه الردِّ عليه.
قالوا: فإن كان الأسير قد خرج إلى بلاد الحرب في الجهاد أو تلصُّصًا عليهم، وما أشبه ذلك من طَلَبِ النَّيلِ فيهم فأُسِرَ هناك،
ثم هربَ بشيءٍ، فإنه يُخَمَّس؛ لأنه قد أوجف في أوَّل دخوله، قاله محمد بن المواز (١)، فالخروج برسم الجهاد، أو التَّلصُّص، والسرقة، وقصد النَّيْل منهم، يُعدُّ إيجافًا عندهم، فيكون فيه خمس ما أصيب منهم، ولا يكون كذلك إذا لم يُقْصد مِن أول الأمر إليه.
وفي كتاب ابن الموَّاز عن مالك: «إن طرح العدو شيئًا خوفًا من الغرق، أو انكسرت مراكبهم، فوجد إنسانٌ متاعًا أو ثيابًا، ولا أحد معه من الحربيين، ولا هو بِقُربْ قُراهم؛ كان لمن أخذه، ولا خمس فيه. كأنه يريد: لأنه لُقَطَةٌ، لم يُوجفْ عليه» .
قال: «إلا أن يكون ذهبًا أو فضة فيُخمَّس، كأنه شبَّهه بالرِّكاز» . قال: «وإن كانت الأمتعة أُلقيت -أو: العَيْنُ- بقرب قراهم ففيه الخمس، إلا أن يكون يسيرًا» . هذا لا أعلم لتفريقه فيه وجهًا؛ إلا الاستحسان.
قال: «وإن كان معه الحربيون، كان سبيله سبيل الحربيين، أمرُ ذلك كُلِّه إلى الوالي» (٢) .
قال ابن عبد البر (٣) في قول مالك: «مَن وُجِد من العدوِّ على ساحل البحر بأرض المسلمين: أرى ذلك إلى الإمام، ولا أرى لمن أخذهم فيهم خُمسًا»؛ قال (٤): «لأنه لم يوجف عليهم بخيلٍ ولا ركاب» .
قال: «وقد قيل: إنهم لمن أخذهم، وقدر عليهم، وصاروا بيده، وفيهم
_________________
(١) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٣١٩) .
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/١٣١) .
(٣) في «الاستذكار» (١٤/١١٧) .
(٤) أي: ابن عبد البر.
[ ٤٩٤ ]
الخُمس، قياسًا على الركاز؛ لأنه يخمس بالسّنة، أُجري مجرى الغنيمة، وإن لم يوجف عليه» . قال: «وإن لم يصيروا بيد أحدٍ حتى ارتفع أمرهم إلى الإمام، فلا خمس فيهم بإجماع، وهم في بيت مال المسلمين مع سائر الفيء» .
قول ابن عبد البر: «لا خُمس فيهم بإجماع»: لعله أراد اتفاق أقوال المالكية، وإلاّ: فالشافعي -كما تقدم من مذهبه- يُوجب الخُمسَ في الفيء كلِّه.
* النظر الثاني: في وجوه مصارف الفيء والخمس.
وللعلماء في مصرف الفيء والخمس، وهل هما في ذلك واحد، أو أمرهما مفترق؟ اختلاف.
قال مالك (١): «الفيء والخمس سواء، يجعلان في بيت المال،
ويُعطي الإمام أقارب رسول الله - ﷺ - بحسب اجتهاده»، ولا يُعطون من
الزكاة؛ لقول رسول الله - ﷺ -: «لا تحلُّ الصدقة لآل محمد» (٢)، وهم
بنو
_________________
(١) كما في «المدونة» (١/٥١٤- ط. الكتب العلمية)، ونقله عنه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٠٣) . وانظر: «المعونة» (١/٦١٨)، «الكافي» (١/٤٧٨)، «جامع الأمهات» (٢٤٩)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٩٩-٥٠٠)، «الذخيرة» (٣/٤٣١) . ومذهب أبي حنيفة، أن أربعة أخماس الفيء للغانمين، والخمس في مصالح المسلمين، وحكى الطحاوي في «المختصر» (ص ١٦٥) عنه مثل قول المالكية؛ أنه لا يخمَّس. ومذهب الشافعي أن الفيء يخمس مثل خمس الغنيمة، لله وللرسول، ولذي القربى، وأربعة أخماسه للنبي - ﷺ -، يصرفه حيث شاء. وقد مضى ذكر مذاهب العلماء بالتفصيل، فارجع إليه.
(٢) أخرج أحمد (١/٢٠٠)، وابن أبي شيبة (٣/٢١٤)، وابن خزيمة (٢٣٤٩)، والطحاوي (٢/٧ و٣/٢٩٧)، والطبراني (٢٧١٤ و٢٧٤١)؛ من طريق ثابت بن عمارة، عن ربيعة بن شيبان، أنه قال للحسن بن علي -﵁-: ما تذكر من رسول الله - ﷺ -؟ قال: أدخلني غرفة الصدقة، فأخذت منها تمرة، فألقيتها في فمي، فقال رسول الله - ﷺ -: «ألقها، فإنها لا تحل لرسول الله - ﷺ -، ولا لأحدٍ من أهل بيته» . =
[ ٤٩٥ ]
هاشم (١) .
_________________
(١) = وهذا إسناد صحيح؛ ثابت بن عماره: وثقه ابن معين، والدارقطني، وابن حبان، وشعبة، وقال أحمد، والنسائي: «ليس به بأس»، وقال البزار: «مشهور»، وقال الذهبي: «صدوق»، وانفرد أبو حاتم، فقال: «ليس عندي بالمتين» . وأخرجه الطيالسي (١١٧٧)، والدارمي (١٥٩١)، وابن خزيمة (٢٣٤٧)، والطحاوي (٢/٦ و٣/٢٩٧)، والطبراني (٢٧١٠)؛ من طريق شعبة، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء السعدي، عن الحسن بن علي، به. وأخرجه أحمد (١/٢٠٠)؛ من طريق أبي أحمد الزبيري، عن العلاء بن صالح، عن بُريد بن أبي مريم، به. وفيه زيادة: «وعقلْتُ منه الصلوات الخمس» . وأخرجه أحمد (١/٢٠٠)، وعبد الرزاق (٤٩٨٤)، والطبراني (٢٧٠٨ و٢٧١١)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٤١٦)، وأبو يعلى (٦٧٦٢)، وابن حبان (٧٢٢)؛ من طريق الحسن بن عمارة، عن بُريدٍ، به. بأطول من هذا؛ ففيه: قال -أي: الحسن-: وكان يقول: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة» . قال: وكان يعلمنا هذا الدعاء: «اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرَّ ما قضيت، إنه لا يذل من واليت» . وربما قال: «تباركت ربنا وتعاليت» . وأخرج ابن حبان (٩٤٥)، القسم الأول والثالث من الحديث، وابن خزيمة (١٠٩٦) القسم الأول، و(٢٣٤٨) القسم الأول والثاني، والترمذي (٢٥١٨) القسم الثاني.
(٢) وهم بنو هاشم وبنو المطلب، وهم المعنيون بقوله -تعالى-: ﴿ وَلِذِي الْقُرْبَى ﴾، فلهم من خمس الغنيمة، ولا يعطون من الزكاة. أخرج البخاري في «صحيحه» في كتاب فرض الخمس (باب ومن الدليل على أن الخمس للإمام) (رقم ٣١٤٠)، بسنده إلى جبير بن مطعم، قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله - ﷺ -، فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني عبد المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدةٍ، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنما بنو المطلب، وبنو هاشم؛ شيءٌ واحد» . وفيه: قال جُبير: ولم يقسم النبي - ﷺ - لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل. وقال ابن إسحاق: عبد شمس، وهاشم، والمطلب؛ إخوة لأم، وأمهم عاتكة بنت مُرَّة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم. وأخرجه -أيضًا- برقم (٤٢٢٩، ٣٥٠٢- مختصرًا) . قلت: تخصيص بعض ذوي القربى دون بعض؛ سببه -والله أعلم- أن بني المطلب نصروا بني هاشم في الجاهلية، والإسلام، دون غيرهم. فخصُّوا بسهم ذوي القربى لهذا السبب، وهو معنى قوله - ﷺ -: «إنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام» . وسيأتي مزيد بَسطٍ لهذه المسألة، والله الهادي.
[ ٤٩٦ ]
قال (١): «وفي الخمس والفيء، هو حلال للأغنياء، ويوقف منه في بيت المال، بخلاف الزكاة» .
قال ابن الموَّاز: «وقد قال الله -تعالى- في قسمة الفيء: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]، وقال في آية الخمس: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، فالآيتان متفقتان» .
وقال عبد الملك بن حبيب: «المال الذي آسى الله فيه بين الأغنياء والفقراء: مال الفيء، وما ضارع الفيء من ذلك أخماس الغنائم،
وجزية أهل العنوة وأهل الصلح، وخراج الأرض، وما صولح عليه أهل الشرك في الهُدْنة، وما أخذ من تجار أهل الحرب إذا خرجوا لتجاراتهم إلى دار الإسلام، وما أُخِذَ من أهل ذمتنا إذا تَجَروا من بلد، وخمس الركاز حيثما وُجد، ويبدأ عندهم -في تفريق ذلك- بالفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل، ثم يساوي بين الناس فيما بقي: شريفهم ووضيعهم، ومنه يُرزق والي المسلمين وقاضيهم، ويُعطى غارمهم، وتُسدُّ ثغورهم، وتُبنى مساجدهم وقناطرهم، ويُفكُّ أسيرهم، وما كان من كافة المصالح التي لا توضع فيها الصدقات، فهذا أعمُّ في المصرف من الصدقات؛ لأنه يجري في الأغنياء والفقراء، وفيما يكون منه مصرف الصدقة، وما لا يكون. هذا قول مالك وأصحابه، ومن ذهبَ مذهبهم: أن الخمس والفيء مصرفهما واحد» (٢) .
واحتجَّ بعضهم على ذلك بما اتفقت عليه آية الفيء وآية الخمس، وأن أَمرهما في ذلك واحدٌ، وفي هذا الاستدلال نظرٌ؛ لأنه كان يلزم عليه بهذا المسلك أن يقتصر
_________________
(١) انظر: «المدونة» (١/٥١٦) .
(٢) انظر: «المدونة» (١/٥١٦)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٩٩-٥٠٠)، «المعونة» (١/ ٦١٨)، «الكافي» (١/٤٧٨)، «جامع الأمهات» (٢٤٩)، «الذخيرة» (٣/٤٣١-٤٣٢)، «عيون المجالس» (٢/ ٧٤٤ المسألة رقم ٨٤٢) .
[ ٤٩٧ ]
بالفيء والخمس على الأصناف المذكورين في الآيتين المذكورتين، ولا يكون في ذلك حقٌّ لمن سواهم، وهم لا يرون ذلك، بل يجيزون أن يُعطى غير الأصناف، ويترك الأصناف في الآيتين، أو يترك بعضهم بحسب المصلحة عندهم، فقد ادَّعوا مساواتهما في الحكمِ بظاهر الآيتين، ثم نكفوا بهما كليهما عن ذلك الحكم والمصرف المعيَّن إلى مصرفٍ غيره، يدَّعون المساواة فيه استدلالًا بما تركوه، إلا أنهم زعموا أن محمل تعيين الأصناف بالذكر في ذلك إنما هو على التأكيد في أمرهم، لا أنه مقصورٌ عليهم حتى لا يجري ذلك إلا فيهم، وربما كان مِن قول مَن احتجَّ لذلك: أَنْ ذكر قول الله -تعالى-: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥]، فكان للمنفق بإجماع أن يضعَ نَفَقتهُ في غير هؤلاء الأصناف إن رأى ذلك.
وذهب الشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهما، والأوزاعي، وأبو ثورٍ، وإسحاق، وداود، والنسائي، وعامَّة أهل الحديث والفقه، إلى التفريق
بين مصرف الفيء والخمس، فقالوا: الخمس موضوع فيما عيَّنه الله -تعالى- فيه من الأصناف المُسمّين في آية الخمس من سورة الأنفال، لا يتعدَّى به إلى غيرهم (١)، ولهم مع ذلك في توجيه قَسَمِهِ عليهم بعد وفاة رسول الله - ﷺ - خلافٌ نذكره في قسم الخمس بعد هذا -إن شاء الله تعالى-.
وأما الفيء: فهو الذي يرجع النَّظر في مصرفه إلى الإمام بحسب المصلحة والاجتهاد، والدليل على ذلك: أن آية الخمس في الأنفال عَيَّنتْ مصرف الخمس في الأصناف، وآية الفيء في الحشر هي عامَّة في وجوه المصالح. قال الله
-تعالى-: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ إلى قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ ثم إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ثم إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ٧-١٠]، كلُّ ذلك عند
_________________
(١) مضى ذكر مذاهب العلماء في التفريق بين مصرف الخمس ومصرف الفيء.
[ ٤٩٨ ]
بعض أهل العلم معطوفٌ بعضه على بعض في مصرف الفيء.
وأيضًا، فالذي يرفع الإشكال هو ما بيَّنه رسول الله - ﷺ - في قسم الفيء من التَّعميم.
وأيضًا، فلا خلاف بينهم في الفيء: أنه يتعدى هؤلاء الأصناف إلى غيرهم، وإنما الخلاف في الخمس.
والأرجح: ما ذهب إليه الجمهور (١) من قصر الخمس فيما سماه الله -تعالى-، فإنه لا دليل مرضيٌّ على دعوى غير ذلك، وقد ذكرنا مذهب الشافعي الذي انفرد به في تخميس الفيء، وأنَّ مصرفَ خمسِ الفيء وخمسِ الغنيمة واحدٌ؛ إنما يفترق ذلك عنده في أربعة أخماس الفيء. قال أبو بكر بن المنذر (٢): «يعطى من مال الفيء أعطية المقاتلين، وأرزاق الذُّرية، وما يجري على الولاة، والحُكَّام، وعلماء المسلمين، وقرائهم، وما ينفق في النوائب التي تنوب المسلمين، كإصلاح الطرق، والجسور، والحصون، والقناطر، وغير ذلك» .
فصلٌ
خرَّج مسلم (٣) عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من تَركَ مالًا فللورثة، ومن ترك كلًاّ فإلينا» . وفيه (٤) في رواية: «أنا أولى الناس بالمؤمنين في كتاب الله، فأيكم ما ترك دَيْنًا أو ضيعةً فأنا وليُّه، وأيكم ما ترك مالًا فليؤثر بماله عصبته من كان» .
وخرَّج أبو داود (٥)؛ عن عوف بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أتاه
_________________
(١) وهو الصواب -إن شاء الله تعالى-.
(٢) في «الأوسط» (١٢/٨٢) .
(٣) في «صحيحه» في كتاب الفرائض (باب من ترك مالًا فلورثته) (١٦١٩) (١٧) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الاستقراض (باب الصلاة على من تركَ دَيْنًا) (رقم ٢٣٩٨)، وفي كتاب الفرائض (باب ميراث الأسير) (رقم ٦٧٦٣)؛ بنفس اللفظ. وأخرجه -بألفاظ مختلفة- بالأرقام (٢٢٩٨، ٢٣٩٩، ٤٧٨١، ٥٣٧١، ٦٧٣١، ٦٧٤٥) .
(٤) (١٦١٩) (١٦) . وأخرجه بهذا اللفظ البخاري. انظر الأرقام في الهامش السابق.
(٥) في «سننه» في كتاب الخراج والإمارة والفيء (باب في قسم الفيء) (رقم ٢٩٥٣)؛ من =
[ ٤٩٩ ]
الفَيءُ قسمه في يومه، فأعطى الآهل حَظَّين، وأعطى الأعزب حظًّا.
وروى أبو عبيد في كتاب «الأموال» (١)، وذكره ابن المنذر -أيضًا-
، عن عمر ابن الخطاب، في قسمة الفيء أنه قال: «إني بادٍ بأزواج النبي - ﷺ -، ثم المهاجرين الأولين، ثم بالأنصار: الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم. ثم قال: فمن أسرع إلى الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ عن الهجرة أبطأ عنه العطاء، فلا يلومنَّ
_________________
(١) = حديث عوف بن مالك. وفيه قال: فدُعينا، وكنت أُدْعَى قبل عمار، فدُعيت، فأعطاني حَظَّين، وكان لي أهل، ثم دُعي بعدي عمار بن ياسر، فأعطى له حظًّا واحدًا. والحديث صحيح. وورد الحديث بألفاظ أطول من هذا، وفيه قصة. خرجت طرقها في تعليقي على «الحنائيات» (رقم ٦٥)، وفي تعليقي على «إعلام الموقعين» (٣/٦٥ و٦/٨٦) .
(٢) أخرجه أبو عبيد في كتاب «الأموال» (ص ٢٨٥-٢٨٦ رقم ٥٤٨) -ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (١٢/٨٦) -، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا موسى بن عُلي بن رباح، عن أبيه، عن عمر. وفيه زيادة في أوله، وهي قول عمر -لما خطب الناس بالجابية-: «من أراد أن يسأل عن القرآن، فليأت أبيَّ بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني له خازنًا وقاسمًا، إني بادٍ بأزواج النبي - ﷺ - » . وفيه بعد قول عمر: «ثم بالمهاجرين الأولين»، قال: «ثم أنا بادٍ بأصحابي، أُخرجنا من مكة من ديارنا وأموالنا»، قبل قوله: «ثم بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم» . وأخرجه ابن زنجويه في كتاب «الأموال» (ص ٤٩٩ رقم ٧٩٦)؛ عن عبد الله بن صالح، به. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢/٢ ق٢١٠/أ)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٢/١٣٢)؛ عن وكيعٍ، وعبدِالله بن يزيد، عن عُلَيّ بن رباح، به، نحوه. وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٢/٣٤٨، ٣٥٩)، وابن الجوزي في «مناقب عمر» (١٠٠) عن الواقدي، عن موسى بن علي، به. مقتصرًا على ذكر ما يتعلق بمعاذ وزيد بن ثابت. وأخرجه الحاكم (٣/٢٧٢-٢٧٣) من طريق أبي عاصم، عن موسى بن عُليّ. وموسى بن علي. قال الحافظ في «التقريب» (٦٩٩٤): «صدوق، ربما أخطأ» . وشيخ أبي عبيد هو: عبد الله بن صالح، أبو صالح المصري. قال ابن حجر (٣٣٨٨): «كاتب الليث، صدوق، كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة» . ثم هناك انقطاع بين علي بن رباح، وبين عمر. ولد علي سنة (١٠هـ) . كما في «تهذيب التهذيب» . وقال ابن يونس: «ولد عام (١٥هـ) عام اليرموك» . وكانت خطبة عمر سنة (١٧هـ) أو (١٨هـ) .
[ ٥٠٠ ]
رجلٌ إلا مُناخ راحلته» .
ورويا (١) عنه -أيضًا-؛ أنه أول من دوَّن الدواوين في فرضِ الأُعطية؛ فَرَضَ لأهل بدرٍ من المهاجرين والأنصار ستة آلاف ستة آلاف، وفرض لنساء النبي - ﷺ -، ففضَّلهنَّ على الناس أجمعين، وفضَّل عليهن عائشة؛ فرضَ لها اثني عشر ألفًا، ولسائرهن عشرة آلاف، غير جويرية وصفية، فرض لهما ستة آلاف ستة آلاف (٢)، وللمهاجرات الأول ألفًا ألفًا.
قوله: «ففضَّلهن على الناس أجمعين» من غير كتابي أبي عبيد وابن المنذر.
ورويا (٣) عنه-أيضًا-؛ أنه لمَّا دون الدواوين قال: بمن ترون أن أبدأ؟ فقيل
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في «الأموال» (ص ٢٨٧-٢٨٨ رقم ٥٥٤)، وابن المنذر في «الأوسط» (١٢/٨٧) عن علي بن عبد العزيز، كلاهما عن أحمد بن يونس، عن أبي خيثمة: حدثنا أبو إسحاق عن مصعب بن سعد، عن عمر. وفيه بيان المهاجرات الأول اللاتي فرض لهنَّ عمر، وهنَّ: أسماء بنت عُميس، وأسماء بنت أبي بكر، وأم عبد: أم عبد الله بن مسعود. وقوله: «ففضلهنَّ على الناس أجمعين» ليست في كتاب أبي عبيد -كما بيَّن ذلك المصنف رحمه الله تعالى-. وأخرجه البيهقي (٦/٣٤٩)؛ وفيه ذكر خطبة عمر بالجابية في أوله. وصحح ابن حجر في «الفتح» (٧/١٢٦) بعض ما فيه، وخطبته في الجابية ثابتة، صحت منها فقرات، خرجتها في غير هذا الموطن. وانظر: «الأوائل» لأبي عروبة الحراني (رقم ١٠٨) .
(٢) أخرج البيهقي في «الكبرى» (٦/٣٤٩)؛ من طريق علي بن رباح، عن ناشرة بن سُمَيّ اليزني، قال: سمعت عمر بن الخطاب -﵁- يوم الجابية -وهو يخطب الناس-..، وفيه: ففرض لأزواج النبي - ﷺ -؛ إلا جويرية، وصفية، وميمونة -﵅-، فقالت عائشة -﵂-: إن رسول الله - ﷺ - كان يعدل بيننا، فعدل بينهنّ عمر -﵁-.
(٣) رواه أبو عبيد في كتاب «الأموال» (ص ٢٨٦ رقم ٥٤٩) -ومن طريقه: ابن زنجويه في كتاب «الأموال» (ص ٥٠٠ رقم ٧٩٧)، والبلاذري في «فتوح البلدان» (٤٤٠) - عن أبي النَّضر، وعبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن عمر، به. ومحمد بن عجلان، من طبقة صغار التابعين، توفي سنة (١٤٨هـ)، فهو لم يدرك عمر. وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٣/٣٠١)، والبلاذري في «فتوح البلدان» (٤٤٠-٤٤١)؛ =
[ ٥٠١ ]
له: ابدأ بالأقرب فالأقرب بِكَ، قال: بل أبدأ بالأقرب فالأقرب برسول الله - ﷺ -.
قال ابن المنذر (١): «وبهذا قال الشافعي» . وقال الشافعي (٢): «ينبغي للإمام أن يحصي جميع من في البلدان من المقاتلة: وهم من قد احتلَم واستكمل (٣) خمس عشرة سنة من الرجال، ويحصي الذرية: وهم من دون المحتلم، ودون البالغ خمس عشرة، والنساء: صغيرتهن وكبيرتهن، ويعرف قدر نفقاتهم، وما يحتاجون إليه في مؤناتهم بقدر معاش مثلهم في بلدانهم، ثم يعطي المقاتلة في كل عامٍ عَطاءهم، والذرية والنساء ما يكفيهم لسَنَتهم في كسوتهم ونفقاتهم طعامًا أو قيمته دراهم أو دنانير، ويعطي المنفوس شيئًا، ثم يزاد كلما كبر على قدر مؤنته، وهذا مستوٍ أنهم يعطون الكفاية، ويختلف في مبلغ العطاء باختلاف أسعار البلدان وحال الناس فيها، فإن المؤنة في بعض البلدان أثقل منها في بعض» .
قال (٤): «وإن فضلَ من المال فضلٌ بعدما وصفتُ من إعطاء العطاء، وضعَه الإمام في إصلاح الحصون، والازدياد في الكُراع (٥)، وكل ما قَوَّى به المسلمين،
_________________
(١) = كلاهما من طريق جعفر بن محمد، والشافعي في «المسند» (٣٢٦)، وفي «الأم» (٤/١٦٦- ط. دار الفكر) أو (٥/٣٥٨- ط. دار الوفاء)؛ -ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (١٢/٨٨)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/٣٦٤)، وفي «المعرفة» (٥/١٦٩) -، من طريق عمرو بن دينار، كلاهما عن أبي جعفر: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن عمر، به. ومحمد بن علي، ولد سنة ستين -على ما رجحه الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (٥/ ٢١٠- ط. دار المعرفة) -، فهو لم يدرك عمر، فالإسناد منقطع. وانظر: «المصنف» لابن أبي شيبة (٧/٦١٣ وما بعدها- ط. دار الفكر) . * تنبيه: في مطبوع «الأم» (ط. دار الفكر): قيل له: ابدأ بالأقرب فالأقرب من رسول الله - ﷺ -. وهو خطأ ظاهر.
(٢) في «الأوسط» (١٢/٣٣) .
(٣) في «الأم» (٤/١٦٢- ط. دار الفكر) أو (٥/٣٤٣- ٣٤٤- ط. دار الوفاء) .
(٤) كذا في الأصل والمنسوخ، وفي مطبوع «الأم»: «أو قد استكمل» . وهو أصوب.
(٥) «الأم» (٤/١٦٤- ط. دار الفكر) أو (٥/٣٥١- ط. دار الوفاء) .
(٦) في مطبوع «الأم»: «والازدياد في السلاح والكراع» .
[ ٥٠٢ ]
فإن استغنى المسلمون، وكملت كلُّ مصلحةٍ لهم، فرَّق ما يبقى منه بينهم كلَّه، على قدر ما يستحقُّون في ذلك المال، وإن ضاق الفيء عن مبلغ العطاء فَرَّقه بينهم، بالغًا ما بلغ، لم يَحْبس عنهم منه شيئًا، ويُعطى من الفيء رزق الحكَّام، وولاة الأحداث، والصلات بأهل الفيء، وكل من قام بأمر الفيء من والٍ، وكاتبٍ، وجنديٍّ، ممن لا غنى لأهل الفيء عنه رزق مثله» .
ذكره كلّه عن الشافعي: ابن المنذر.
واختلف اجتهاد الخلفاء الراشدين -﵃-: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، في قسم الفيء: فيما يرجع إلى التسوية في العطاء أو التفضيل؛ فأما أبو بكر فسوَّى في ذلك بين الشريف والمشروف، ومن كانت له سابقة، أو لم تكن، ورأى أن ثوابهم على الله، وأن الدنيا بلاغ، وعلى ذلك جرى عليٌّ -رضي الله تعالى عنه- من التَّسوية في العطاء (١) .
_________________
(١) أخرج أحمد في «الزهد» (ص ١٣٧)؛ عن عبد الملك بن عمرو، حدثنا عبد الله -يعني: ابن جعفر- عن إسماعيل بن محمد، أن أبا بكر الصديق -﵁-، قسم قسمًا سوَّى فيه بين الناس، فقال له عمر -﵁-: يا خليفة رسول الله، تسوي بين أصحاب (كذا في المطبوع، أي: أصحاب رسول الله - ﷺ -) وسواهم من الناس؟! فقال أبو بكر: إنما الدنيا بلاغ، وخير البلاغ أوسعه، وإنما فضلهم في أجورهم. وأخرج أبو عبيد في كتاب «الأموال» (ص ٣٣٥ رقم ٦٤٩)، قال: قال عبد الله بن صالح: وحدثني الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، وغيره، أن أبا بكر كُلِّم في أن يُفضِّل بين الناس في القسم، فقال: «فضائلهم عند الله، فأما هذا المعاش، فالتسوية فيه خيْر» . وأخرج البيهقي في «الكبرى» (٦/٣٤٨)؛ من طريق عمرو بن عبد الله -مولى غفرة- قال: قسم أبو بكر -﵁- أول ما قسم، فقال له عمر بن الخطاب -﵁-: فضِّل المهاجرين الأولين وأهل السابقة! فقال: أشتري منهم سابقتهم؟! فقسم، فسوَّى. قال البيهقي: قال الشافعي: وسوَّى علي بن أبي طالب -﵁- بين الناس، وهذا الذي أختاره، وأسأل الله التوفيق. ثم أسند -﵀- إلى عاصم بن كليب، عن أبيه، سمعه منه، أن علي بن أبي طالب -﵁- أتاه مالٌ من أصبهان، فقسمه بسبعة أسباع، ففضَل رغيفٌ، فكسره بسبع كسر، فوضع على كل =
[ ٥٠٣ ]
وأما عمر؛ ففضَّل أهل السابقة والغَنَاء عن الإسلام (١)، وأَوْجَبَ لهم بذلك رتبة، وعلى ذلك جرى عثمان في التفضيل بعده.
الاختلاف في قسم الأخماس
تقدم من قول مالكٍ، ومن ذهب مذهبه: أن الأمر في مصرف الخمس راجعٌ إلى نظر الإمام واجتهاده (٢)، وأن تعيين الأصناف المُبيَّن
في آية الخمس
_________________
(١) = جزء كسرة، ثم أقرع بين الناس، أيهم يأخذ أول. وأخرج بسنده (٦/٣٤٩) إلى عليّ -أيضًا-، أن امرأتين -عربية ومولاة لها- جاءتاه تسألانه، فأمر لكل واحدةٍ منهما بكرٍّ من طعام، وأربعين درهمًا، أربعين درهمًا، وأخذت المولاة الذي أُعطيت وذهبت، فقالت العربية: يا أمير المؤمنين، تعطيني مثل الذي أعطيت هذه، وأنا عربية، وهذه مولاة؟! فقال لها: إني نظرت في كتاب الله -﷿-، فلم أرَ فيه فضلًا لولد إسماعيل على ولد إسحاق. وقال عبد الرحمن بن أبي قرة: قسم لي أبو بكر الصديق كما قسم لسيدي. كما عند ابن أبي شيبة، ومن طريقه أخرجه ابن حزم في «المحلَّى» (٧/٣٣٢) . وانظر: «المغني» (٦/٤١٦ و٩/٥٧)، «الأحكام السلطانية» للماوردي (١٧٦، ١٧٧)، «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص ٢٢٢)، «كنز العمال» (٣/٧١٤ و٤/٥٢١، ٥٢٢)، «موسوعة فقه أبي بكر الصديق» (ص ١٩٤-١٩٥)، «موسوعة فقه علي بن أبي طالب» (٤٩٢-٤٩٣) .
(٢) أخرج البخاري في «الصحيح» في كتاب المغازي (بابٌ) (رقم ٤٠٢٢)؛ بسنده إلى قيس (بن أبي حازم)، قال: كان عطاء البدريين خمسة آلاف، خمسة آلاف، وقال عمر: «لأفضلنَّهم على من بعدهم» . وأخرج في كتاب الجهاد والسير (باب حمل النساء القِرَبَ إلى الناس في الغزو) (رقم ٢٨٨١) بسنده إلى ثعلبة بن أبي مالك: إن عمر بن الخطاب -﵁- قسَّم مروطًا بين نساءٍ من نساء المدينة، فبقي مِرطٌ جيّد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين، أعط هذا ابنة رسول الله - ﷺ - التي عندك، يريدون أم كلثوم بنت عليٍّ، فقال عمر: أم سليط أحقّ، وأمُّ سليط من نساء الأنصار، ممن بايع رسول الله - ﷺ -. قال عمر: فإنها كانت تَزْفِرُ لنا القِرَبَ يوم أحد. قال أبو عبد الله -أي: البخاري- تَزْفِرُ: تخيط. وأخرجه في كتاب المغازي (باب ذكر أم سليط) (رقم ٤٠٧١) . وانظر: «سنن البيهقي» (٦/٣٤٩-٣٥١)، «موسوعة فقه عمر بن الخطاب» (ص ٥٤٣-٥٤٤)، «موسوعة فقه عثمان بن عفان» (٢٣٥-٢٣٦)، وفيه بعد أن ذكر صنيع عمر: «ولم يؤثر عن عثمان أنه بدل ذلك، ولو فُعِل لنُقِل إلينا» .
(٣) تقدم ذكر الخلاف، كما قال المصنف -﵀- في قسم الفيء، وأن مالكًا يرى أن =
[ ٥٠٤ ]
بالذِّكر إنما هو لتأكد أمرهم في الجملة، والكلام ها هنا هو على القول الذي ذهب إليه الجمهور مِنْ قصر الخمس على من سمَّاهم الله -تعالى- في الآية حسبما دلَّ عليه القرآن.
ولأهل العلم في قسم الخمس على مقتضى الآية أربعة أقوال:
قول: إنه يقسم على ستة أسهم: لله -تعالى- سهم، ولرسوله - ﷺ - سهم، ولذي القُربى سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم. ويكون السهم الذي سُمِّي لله -تعالى- قَبلُ مردودًا على عباد الله: أهل الحاجة منهم. وقيل: يُصرفُ في عمارة الكعبة، حُكي ذلك عن طاوس، وغيره (١)، قاله القاضي
_________________
(١) = الخمس كالفيء في القسمة، يرجع إلى اجتهاد الإمام. وانظر: «المدونة» (٢/٥١٤-ط. دار الكتب العلمية)، «الكافي» (١/٤١٢)، «الذخيرة» (٣/٤٣١)، «البيان والتحصيل» (٣/٨٠)، «المقدمات والممهدات» (ص ٢٧٠)، «عيون المجالس» (٢/٧٤٤ المسألة رقم ٤٨٢)، «الأموال» للداودي (١٠١)، «فتح الباري» (٦/٢١٦)، ورجح مذهب مالك صاحب كتاب «الفيء والغنيمة» (ص ٧٩) .
(٢) رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير؛ في «تفسيريهما»، وأبو عبيد في «الأموال»؛ عن أبي العالية، من قوله. ونسبه جلّ المفسرين إلى أبي العالية فقط، ولم أَرَ من نسبه إلى طاوس سوى القاضي عبد الوهاب في «المعونة» -كما قال المصنف-، وفي «عيون المجالس» (٢/٧٤٦)، ووقع في مطبوع «تفسير القرطبي» عن أبي العالية، والربيع. وهو خطأ مطبعي، لأن الأثر من رواية الربيع بن أنس، عن أبي العالية. وانظر: «تفسير ابن أبي حاتم» (٥/١٧٠٣ رقم ٩٠٨٦)، و«تفسير ابن جرير» (١٠/٣-٤)، «تفسير القرطبي» (٨/١٠)، «الأموال» لأبي عبيد (ص ٤٠٨ رقم ٨٣٦)، «الأموال» للداودي (١٠٢)، «الأوسط» لابن المنذر (١١/٨٦)، «شرح معاني الآثار» (٣/٢٧٦)، «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/٤٠١)، «المغني» (٧/٣٠٠-٣٠١)، «تفسير ابن كثير» (٢/٣٤٤-٣٤٥)، «أضواء البيان» (٢/٣٥٧) . وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٤/٦٦) إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أبي العالية. ولكنه قال (٤/٦٧): أخرج ابن المنذر -أي: في «تفسيره» - من طريق أبي مالك -﵁-، عن ابن عباس -﵄-، قال: «كان رسول الله - ﷺ - يقسم ما افتتح على خمسة أخماس، فأربعة أخماس لمن شهده، ويأخذ الخمس؛ خمس الله، فيقسمه على ستة أسهم، فسهم لله،، وكان النبي - ﷺ - يجعل سهم الله في السلاح، والكراع، وفي سبيل الله، وفي كسوة الكعبة، وطيبها، وما تحتاج =
[ ٥٠٥ ]
عبد الوهاب في
«المعونة» (١) . فقسم هؤلاء على ظاهر ما عُدِّد في الآية، وجعلوا لِذكْر (٢) الله -تعالى- في ذلك حظًّا في القسم.
وقولٌ ثانٍ: إنه يقسم على خمسة أسهم: لرسول الله - ﷺ - خُمسٌ، ثم لسائر الأصناف خُمسٌ خُمسٌ، وهو مذهب الشافعي، والثوري، وأحمد بن شعيب النسائي، وأهل الظاهر، وغيرهم (٣) . وحملوا قوله -تعالى-:
﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]،
_________________
(١) = إليه الكعبة » . قال القاضي عبد الوهاب في «المعونة» (١/٦١٩): «وأما عمارة الكعبة، فلم ينقل عن النبي - ﷺ -، ولا عن أحدٍ من الأئمة أن لها سهمًا مقدرًا، فكانت كسائر المصالح، إن احتيج إلى عمارتها، أُنفِقَ عليها بقدر الحاجة» .
(٢) (١/٦١٨) . وانظر: «عيون المجالس» (٢/٧٤٦) .
(٣) كذا في الأصل!
(٤) انظر في مذهب الشافعية: «الأم» (٤/١٥٤- ط. دار الفكر)، «مختصر المزني» (ص ٢٧٠)، «الإقناع» (ص ١٧٧) للماوردي، «المهذب» (٢/٢٤٦، ٢٤٧، ٢٤٨)، «الوجيز» (١/٢٩٠)، «روضة الطالبين» (٦/٣٥٥)، «المنهاج» (٩٣)، «أحكام القرآن» للكيا الهراسي (٣/١٥٨، ١٥٩)، «الأوسط» (١١/٨٨)، «المجموع» (١٩/ ٣٥٤) . وانظر في مذهب سفيان الثوري: «الخراج» ليحيى بن آدم (ص ١٩-ط. دار المعرفة)، «مصنف عبد الرزاق» (٥/٣١٠)، «شرح السنة» (١١/١٠١) للبغوي، «أحكام القرآن» (٣/٥٨)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٥١٢)؛ كلاهما للجصاص، «موسوعة فقه سفيان الثوري» (ص ٦٧٥) . وأما مذهب النسائي، فقد صرح هو -رحمه الله تعالى- به، فقال في «السنن الكبرى» (٤/ ٣٣١-٣٣٢- ط. الرسالة) في كتاب قسم الخمس (باب تفريق الخمس وخمس الخمس) بعد كلام يأتي قريبًا عند المصنف: «وقد قيل: بل يُؤخذ من الغنيمة شيء فيجعل للكعبة، وهو السهم الذي لله، وسهم النبي - ﷺ - إلى الإمام، يشتري منه الكراع والسلاح، ويُعطِي منه من رأى ممن فيه غناءٌ ومنفعةٌ لأهل الإسلام من أهل الحرب والعلم والفقه والقرآن، وسهمٌ لذي القربى، وهم بنو هاشم وبنو المطلب، سهم الغني منهم والفقير -وقد قيل: إنه للفقير منهم دون الغنيّ واليتامى وابن السبيل، وهو أشبه القولين في الصواب، والله أعلم- والصغير والكبير والذكر والأنثى سواءٌ؛ لأن الله -جل ثناؤه- جعل ذلك لهم، وقسّمه رسول الله - ﷺ - فيهم، وليس في الحديث أنه فضّل بعضهم على بعض، ولا خلاف نعلمه بين العلماء في رجلٍ لو أوصى بثلثه لبني فلانٍ أنه بينهم، وأن الذكر والأنثى فيه سواءٌ إذا كانوا يُحصون، =
[ ٥٠٦ ]
على استفتاح الكلام بذكر الله -﷿- تفخيمًا وتشريعًا؛ لأن الدنيا والآخرة، وكل شيء كان أو يكون فهو لله -تعالى-؛ قال ذلك غير واحدٍ (١)، وهو مرويٌّ عن الحسن بن محمد بن الحنفية (٢)، وكذلك قال عطاء، والشعبي: خمس الله، وخمس رسوله - ﷺ -؛ واحد (٣) .
قال النسائي (٤): «قوله -جل ثناؤه-: ﴿للَّهِ﴾؛ ابتداء كلام، لأن الأشياء كلها
_________________
(١) = فهكذا كل شيء صُيِّر لقومٍ، فهو بينهم بالسَّويَّة، إلا أن يبين ذلك الآمر به، والله ولي التوفيق. وسهمٌ لليتامى من المسلمين، وسهمٌ للمساكين من المسلمين، وسهمٌ لابن السبيل من المسلمين، ولا يُعطى أحدٌ منهم سهم مسكينٍ ولا سهم ابن السبيل، وقيل له: خذ بأيهما شئت، والأربعة الأخماس يقسمها الإمام بين من حضر القتال من المسلمين البالغين» . وانظر في مذهب أهل الظاهر: «اختلاف الفقهاء» للطبري (١٣٨)، «المحلَّى» (٧/٣٢٧ المسألة رقم ٩٤٩)، «عمدة القاري» (١٥/٣٧)، «فقه الإمام أبي ثور» (٧٧٩) . وهو مذهب الحنابلة. انظر: «المغني» (٦/٤٠٦)، «المقنع» (١/٥٠٣)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٧٨١) .
(٢) كابن عباس -﵁-، وقتادة، وعطاء، وإبراهيم النخعي. نقل ذلك عنهم ابن جرير في «التفسير» (١٠/٣)، وأبو عبيد في «الأموال» (٤٠٨ رقم ٨٣٥)، وهو المذهب الذي اختاره ابن جرير، كما سيأتي. ونقل عن ابن عباس غير ذلك.
(٣) رواه عنه ابن جرير (١٠/٣)، وأبو عبيد في كتاب «الأموال» (٤٠٩ رقم ٨٣٧)، ونقله عنه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٨٥) .
(٤) رواه ابن جرير (١٠/٣)، وأبو عبيد في كتاب «الأموال» (٤٠٩ رقم ٨٣٧)؛ عن عطاء. ونقل مذهب الشعبي: السيوطي في «الدر المنثور» (٤/٦٧، ٧٠)، وعزاه إلى عبد الرزاق في «المصنف» [(٥/٢٣٩-٢٤٠ رقم ٩٤٨٥)]، وابن أبي شيبة، وابن المنذر. وذكر مذهبه -أيضًا-: ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٨٥) . وهو مذهب قتادة. أخرجه عنه عبد الرزاق (٥/٢٣٨ رقم ٩٤٨١)، وابن جرير (١٠/٤) . وذكر ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٨٥-٨٦) أنَّ قوله في الآية: «هو لله، ثم قسم الخمس خمسة أخماس» . وفسَّر ابن المنذر كلامه أن خمس الله ورسوله شيء واحد.
(٥) قوله في «السنن الكبرى» في كتاب الخمس (باب تفريق الخمس وخمس الخمس) (٣/ ٤٨-ط. دار الكتب العلمية، أو ٤/٣٣٢-ط. مؤسسة الرسالة) . =
[ ٥٠٧ ]
لله، ولعلَّه إنما استفتح الكلام في الفيء والخمس بذكر نفسه -تعالى-؛ لأنهما أشرف الكسب، ولم ينسب الصدقة إلى نفسه؛ لأنها أوساخ الناس» .
وقولٌ ثالث: إنه يقسم بعد وفاة النبي - ﷺ - على أربعة أسهم: لذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وممن قاله: الطبري (١)، وقال: يُرَدُّ سهم النبي - ﷺ - على من سُمِّي معه في الآية قياسًا على ما أجمعوا عليه فيمن عُدِمَ من أهل سُهمان
الصدقات.
قال غيره: كما أنَّ صِنفًا من سائر الأصناف الذين معه في الخمس إذا فُقِدوا رُدَّ سهمه على الآخرين، فكذلك في سهمه - ﷺ -.
وقولٌ رابع: إنه يقسم على ثلاثة أسهم: لليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وأسقط هؤلاء سهم النبي - ﷺ -، وسَهم ذي القربى؛ بموت النبي - ﷺ -، وإليه ذهب أبو حنيفة، وأصحابه (٢)، وخالفه أكثر الفقهاء في سقوط سهم ذي القربى، ولا يكاد
_________________
(١) = وهذا قول سفيان الثوري، حكاه عنه أبو عبيد في «الأموال» (ص ٤١٢ رقم ٨٤١) . وانظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/٩٢-٩٣) .
(٢) كما في «تفسيره» (١٠/٨)، ونقله عنه ابن كثير في «التفسير» (٢/٣٤٥)، وهو مروي عن ابن عباس -أيضًا-. انظر: «الدر المنثور» (٤/٦٦) .
(٣) انظر: «الخراج» لأبي يوسف (ص ٢٠-٢١ -ط. دار المعرفة) أو (ص ٣٠-ط. المكتبة الأزهرية)، «اللباب» (٤/١٣٣)، «القدوري» (ص ١١٥)، «مختصر الطحاوي» (١٦٥)، «الهداية» (٢/ ٤٤٠)، «بدائع الصنائع» (٩/٤٣٦٢)، «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠٢-٣٠٣)، «فتح القدير» (٥/٥٠٣)، «رؤوس المسائل» للزمخشري (ص ٣٦٢)، «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص (٣/٥١١، ٥١٤)، «شرح معاني الآثار» (٣/٢٣٦)، «ملتقى الأبحر» (١/٣٦٣) . ونقل الزمخشري في «رؤوس المسائل» (ص ٣٦٣) أن دليل أبي حنيفة، أن النبي - ﷺ - إنما يستحق سهمه، بكونه مؤديًا للإمامة، ولدعوة الناس إلى الحق، وهذا المعنى قد فات بفواته، وسهم ذوي لقربى، إنما يستحقون بنصرة رسول الله - ﷺ -، وهؤلاء كانوا معه في الحَضَر والسَفر والنصرة، وقد فات بفواته، فوجب أن ينقطع هذا الحق. واستدلوا لمذهبهم- أيضًا-، أن الخلفاء الراشدين قسموا الخمس إلى ثلاثة أسهم، بإسقاط سهم رسول الله - ﷺ -، وسهم ذوي القربى، ولم ينكر عليهم ذلك أحدٌ، مع توافر جميع الصحابة، فكان إجماعًا. =
[ ٥٠٨ ]
يوجد لهذا القول مُستندٌ يُرضى.
والأرجح ما ذهب إليه الشافعي، ومن سلكَ مسلكه في القسم على خمسة أسهم، والله أعلم.
ثم يعود النظر بعد هذا في سهم النبي - ﷺ - بعد وفاته، وكذلك في سهم ذي القربى بعده، فنرسم في ذلك فصلين -إن شاء الله تعالى-.
القول في سهم النبي - ﷺ -
اتفق أهل العلم أن النبي - ﷺ - كان ممَّا خصَّه الله -تعالى- به: خمس الخمس من المغنم، وكذلك الصَّفي، كان له -أيضًا- زيادة مع ذلك من جُملة المغنم.
فأما خمس الخمس: ففي كتاب الله -تعالى- (١)، وأما الصَّفي: ففيه آثار صحيحة، منها:
ما خرَّجه أبو داود (٢)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
_________________
(١) = انظر: «فتح القدير» (٥/٥٠٣)، «أحكام القرآن» للجصاص (٣/٦٢- وما بعدها) . وهذا القول مخالف لظاهر الآية. وانظر: «المغني» (٦/٤٤٣) . ونقل ابن جرير مذهب الحنفية، لكنه أشار إليهم بقوله: وذلك قول جماعة من أهل العراق. ولكن قال الطحاوي في «المختصر» -بعد ذكر المشهور من المذهب-: وقد روى أصحاب الإملاء عن أبي حنيفة، وعن أبي يوسف، أنه [أي سهم النبي - ﷺ -] يُقْسَم في ذوي القربى برسول الله - ﷺ -، واليتامى، والمساكين، وأبناء السبيل. قال: وبه نأخذ.
(٢) أي في قوله -تعالى-: ﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾ .
(٣) في «سننه» في كتاب الخراج والإمارة (باب ما جاء في سهم الصَّفي) (رقم ٢٩٩٤) حدثنا نصر بن علي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (١١/١٥٢ رقم ٤٨٢٢- مع «الإحسان»)؛ من طريق نصر بن علي، به. وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣/٣٩)، والطبراني في «الكبير» (٢٤ رقم ١٧٥)؛ من طريق أبي أحمد الزبيري، به. =
[ ٥٠٩ ]
«كانت صفية من الصَّفي» .
وقال أهل العلم: «الصَّفيُّ»: هو كلُّ شيء يصطفيه من رأسة الغنيمة: فرسٌ، أو جارية، أو عبدٌ، أو سيفٌ، أو ما شاء، على حسب حال الغنيمة.
فأمَّا الصَّفي فاتفق العلماء على أنه ليس لأحدٍ بعد النبي - ﷺ -، وشذَّ أبو ثور فقال: هو باقٍ، يجري مجرى سهم النبي - ﷺ - من الخمس (١) .
وأمَّا سهمه - ﷺ - من الخمس، فاختلف في حكمه بعده اختلافًا كثيرًا، يتحصَّل إلى أربعة أقوال:
قول: إنه يُرَدُّ على أهل الجيش الغانمين، فيقسم عليهم أربعة أخماس الغنيمة، وخمس الخمس، وتكون أربعة أخماس الخمس للأربعة الأصناف الباقية من أهل الخمس، كما كان لهم في الأصل (٢) .
وقولٌ ثانٍ: إنه يُردّ على من سُمي في الخمس، فيقسم جميع الخمس على أربعة أسهم، قاله الطبري، وقد مضى توجيه هذا القول، وعليه يجيء قول أبي
_________________
(١) = وأخرجه الحاكم (٢/١٢٨)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/٣٠٤)؛ من طريق سفيان، به. وقال: «صحيح على شرط الشيخين» . ووافقه الذهبي. وانظر: «صحيح سنن أبي داود» لشيخنا الألباني -رحمه الله تعالى-.
(٢) وقال أبو بكر بن المنذر في «الأوسط» (١١/٩٦): «ولا أعلم أحدًا وافق أبا ثورٍ على ما قال» . وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/١٩٢): «وأجمع العلماء على أن الصَّفِي ليس لأحدٍ بعد النبي - ﷺ -»، وانظر في مذهب أبي ثور: «اختلاف الفقهاء» (٢١) للطبري، ولم يحرر صاحب «فقه الإمام أبي ثور» (ص ٧٨١) مذهب أبي ثور، وجعل مذهبه كمذهب أحمد والشافعي والثوري والليث!
(٣) نقله ابن المنذر في كتابه «الأوسط» (١١/٩٤) عن طائفة من العلماء، دون أن يذكر من هم. وذكر مخالفة أبي ثور، وأنه قال: «الآثار في الصَّفِي ثابتة، ولا أعلم شيئًا نسخها» . قال -أي: أبو ثور-: فيؤخذ الصَّفي، ويجري مجرى سهم النبي - ﷺ -. ثم قال ابن المنذر: «قد قسم الخلفاء الراشدون بعد النبي - ﷺ - الغنائم، ولم يبلغنا أنهم اصطفوا من ذلك شيئًا لأنفسهم غير سهامهم، والله أعلم» . انتهى كلامه.
[ ٥١٠ ]
حنيفة في ردِّه على الأصناف الباقين في الخمس، إلا أنه زاد مع ذلك سَهمَ ذي القربى، فردَّه كذلك على من بقي، ورأى أنه انقطع بموت النبي - ﷺ -، فقسم على ثلاثة كما تقدم من مذهبه (١) .
وقولٌ ثالث: إن الإمام يضعه في مصالح الإسلام وأهله، مِن سدِّ الثغور، وإعداد الكراع والسلاح، ويُعطي منه مَن فيه للمسلمين منفعةٌ، ويُنفِّل منه في الحرب وغير الحرب، على ما يرى من المصلحة، وهو قول الشافعي، وإليه ذهب أحمد بن حنبل (٢)،
_________________
(١) تقدم ذكر مذهب الإمام الطبري، وأبي حنيفة -رحمهما الله-. وانظر: «الأوسط» (١١/ ٩٣-٩٤)، «الفيء والغنيمة» (ص ٨٤) .
(٢) انظر في مذهب الشافعية: «الأم» (٤/١٥٥)، «المهذب» (٢/٢٤٧)، «الوجيز» (١/٢٩٠)، «روضة الطالبين» (٦/٣٥٥)، «المنهاج» (٩٣)، «أحكام القرآن» للكيا الهراسي الشافعي (٣/١٥٨، ١٥٩)، «حلية العلماء» (٧/ ٦٨٨)، «الأوسط» (١١/٩٥)، «المجموع» (١٩/٣٥٤)، «تفسير الماوردي» (٢/٣٢٠) . ونقله عن الشافعي: ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/١٩٢) . وفي مذهب الحنابلة: «المغني» (٦/٤٠٦)، «الشرح الكبير» (٥/٥٦٠)، «المقنع» لابن قدامة (١/ ٥٠٣)، «الإنصاف» (٤/١٦٦، ١٦٧)، «كتاب التمام» (٢/٢٢٥)، «الفروع» (٦/٢٢٧)، «المحرر» (٢/ ١٧٥)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٧٨٢) . وهذا القول هو أصح الروايتين عن أحمد، واختاره الخرقي في «مختصره» (ص ١١٩) . والرواية الأخرى عن أحمد، أن سهم النبي - ﷺ - من خمس الغنيمة: مصروف إلى أهل الديوان خاصة، وهم الذين نصبوا أنفسهم للقتال، وانفردوا في الثغور، يقسم على قدر كفايتهم. ووجه هذه الرواية -عندهم-: أنه لما كان هذا السهم في حياة النبي - ﷺ - له؛ لأن الرعب منه، والفزع منه، وجب أن يكون بعده لمن الرعب منه، والفزع منه، والفزع إنما يكون بأهل الديوان. ووجه الرواية الأولى: قوله - ﷺ -: «مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم» . فأخبر أنه مردود على الجماعة، وجعل الخمس عامًّا، سواء فيه خمس الغنيمة، أو خمس الفيء. قلت: والحديث المشار إليه. أخرجه أبو داود (رقم ٢٧٥٥)، وأحمد (٤/١٢٧-١٢٨)، وغيرهم، وهو جزء من حديث العرباض المتقدم. وفيه: «فأدوا الخيط والمخيط »، و«إياكم والغلول، فإنه عار وشنار» . وهو صحيح. وانظر: «صحيح سنن أبي داود» . ومذهب الشافعي، والرواية الأولى عن أحمد: هو مذهب المالكية، بناءً على أصلهم: وهو أن خمس الغنيمة، والخراج، والجزية، لا يخمس شيء منه، بل يأخذ الإمام منه كفايته وعياله بغير تقدير، =
[ ٥١١ ]
ونحوه عن
قتادة (١) .
وقول رابع: إنَّ ذلك للخليفة بعده، يَقومُ في ذلك مقامه، ويصرفه فيما كان النبيّ - ﷺ - يصرفه فيه (٢)؛ ورُبما يستند من ذهب
هذا المذهب إلى حديثٍ مرفوعٍ إلى النبي - ﷺ -.
خَرَّج أبو داود (٣)، عن أبي الطفيل، قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكرٍ
تطلب
_________________
(١) = حتى لو احتاج إليه جميعه أخذه، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين، من بناء القناطر، والمساجد، وعمارة الثغور، وأرزاق القضاة، على حسب ما يؤديه إليه اجتهاده، ويعطي من قرابة النبي - ﷺ - على ما يؤديه اجتهاده -على ما سيأتي في قسم سهم ذوي القربى-. انظر: «المدونة» (١/٥١٤)، «المعونة» (١/٦١٨)، «التلقين» (١/٢٤٠)، «الكافي» (١/٤٧٨)، «عيون المجالس» (٢/٧٤٤)، «الذخيرة» (٣/٤٣١)، «النوادر والزيادات» (٣/١٩٧، ١٩٨) .
(٢) نقل مذهبه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٩٥)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/١٩٢) .
(٣) انظر: «الأوسط» (١١/٩٤) . ونقل عن الحسن بن محمد ابن الحنفية، قال: اختلفوا بعد وفاة النبي - ﷺ - في هذين السهمين، يعني سهم الرسول - ﷺ -، وسهم ذي القربى، فقال قائل: سهم النبي - ﷺ - للخليفة بعده، وقال قائل: سهم ذي القربى لقرابة النبي - ﷺ -، وقال قائل: سهم ذي القربى لقرابة الخليفة، فاجتمع رأيهم على أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكان خلافة أبي بكر، وعمر في الخيل، والعدة في سبيل الله. وذكره عنه ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/١٨٧) . ورواه عنه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة؛ في «مصنفيهما» وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ في «تفاسيرهم»، والحاكم في «المستدرك»؛ من طريق قيس بن مسلم، عنه. وانظر: «الدر المنثور» (٤/ ٦٥-٦٦) .
(٤) في «سننه» في كتاب الخراج والإمارة والفيء (باب في صفايا رسول الله - ﷺ - من الأموال) (رقم ٢٩٧٣)؛ من طريق محمد بن فضيل، عن الوليد بن جُميع، عن أبي الطفيل، قال: جاءت فاطمة -﵂-، إلى أبي بكر -﵁-، تطلب ميراثها من النبي - ﷺ -. قال: فقال أبو بكر -﵁-: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: وذكر الحديث. وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير الوليد بن جميع -وهو الوليد بن عبد الله ابن جميع- فمن رجال مسلم، وفيه كلام يحطه عن رتبة الصحيح، وقال المنذري في «مختصره لسنن أبي داود» (٤/٢١٨): «في إسناده الوليد بن جميع، وقد أخرج له مسلم، وفيه مقال» . =
[ ٥١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأبو الطفيل: هو عامر بن واثلة، من صغار الصحابة، وهو آخرهم موتًا. وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر. وانظر: «صحيح سنن أبي داود» لشيخنا الألباني -﵀-. وأخرجه أحمد (١/٤)، والبزار (٥٤)، وعمر بن شبة في «تاريخ المدينة» (١/١٩٨)، والمروزي (٧٨)، وأبو يعلى (٣٧)؛ من طرقٍ عن محمد بن فضيل، بهذا الإسناد. وفي بعض طرق الحديث: قال أبو بكر بعدها: «فرأيت أن أردَّه على المسلمين» . قالت -أي: فاطمة ﵂-: «فأنت وما سمعت من رسول الله - ﷺ - أعلم» . وله شاهد عند البخاري في «تاريخه الكبير» (٤/٤٦)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٤/ ٤٠٦ رقم ٢٤٥٥)، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/٢٧٩)، والطبراني في «الكبير» (٦ رقم ٥٤٦١)، وابن قانع في «معجم الصحابة» (٥/١٨٦٤ رقم ٥١٤)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٣/١٢٧٩ رقم ٣٢١١)، والسهمي في «تاريخ جرجان» (ص ٤٩٣)، وابن عبد البر في «الاستيعاب» (٢/٥٠) من طرق عن الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر، وغيره، أنهما سمعا بلال بن سعد يحدث عن أبيه سعد بن تميم السكوني -وكان من الصحابة-، قال: قيل: يا رسول الله، ما للخليفة من بعدك؟ قال: «مثل الذي لي، ما عدل في الحكم، وقسط في القسط، ورحم ذا الرحم، فمن فعل غير ذلك فليس مني، ولست منه»، وهذا سند صحيح، وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/٢٣١-٢٣٢)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات. قال الحافظ ابن كثير في «البداية» (٥/٢٨٩) بعد أن أورد هذا الحديث عن «المسند»: «ففي لفظ هذا الحديث غرابة ونكارة، ولعله روي بمعنى ما فهمه بعض الرواة، وفيهم من فيه تشيّع، فليعلم ذلك، وأحسن ما فيه قولُها: «أنت، وما سمعت من رسول الله - ﷺ - أعلم»، وهذا هو الصواب والمظنون بها، واللائق بأمرها، وسيادتها، وعلمها، ودينها -﵂-، ولكنها سألته بعد هذا أن يجعل زوجها ناظرًا على هذه الصدقة، فلم يجبها إلى ذلك، فعتبت عليه بسبب ذلك، وهي امرأة من بنات آدم، تأسف كما يأسفن، وليست بواجبة العصمة مع وجود نص رسول الله - ﷺ -، ومخالفة أبي بكر الصديق لها -﵂-، وقد روينا عن أبي بكر -﵁-: أنه ترضَّى فاطمة وتلايَنَها قبل موتها، فرضيت -﵂-» . وقد ورد الحديث بأطول من هذا، وفيه: أنها والعباس -﵄- أتيا أبا بكر -﵁-، يلتمسان ميراثهما من رسول الله - ﷺ - وفيه قال أبو بكر: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا نُورثُ، ما تركنا صدقةٌ، إنما يأكل آل محمدٍ من هذا المال» . وإني والله لا أدع أمرًا رأيت رسول الله - ﷺ - يَصنعهُ؛ إلا صنعتُهُ. أخرجه البخاري (٣٧١١، ٤٠٣٥، ٤٠٣٦، ٤٢٤٠، ٤٢٤١، ٦٧٢٥، ٦٧٢٦)، ومسلم (١٩٥٧)، وأحمد (١/١٠، ١٣)، وغيرهم، من طرقٍ عديدة، من حديث عائشة -﵂-. =
[ ٥١٣ ]
ميراثها من النبي - ﷺ -، قال: فقال أبو بكر: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله -﷿- إذا أطعم نبيًا طُعمةً، فهي للذي يقوم بعده» . قال ابن عبد البر (١): «إنه ضعيف، لا حجة فيه» .
الاختلاف في سهم ذي القربى
وكذلك اختلف العلماء في سهم ذي القربى بعد النبي - ﷺ - اختلافًا كثيرًا، يتحصل إلى أربعة أقوال:
قول: إنه باقٍ لقرابة النبي - ﷺ - بعده، وهو قول مالكٍ، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وأبي ثور، وأهل الظاهر، وغيرهم، وهو الصحيح (٢)؛ لأن
_________________
(١) = وقوله - ﷺ -: «فهي للذي يقوم من بعده»: أي: بالخلافة، أي: يعمل فيها ما كان النبي - ﷺ - يعمل، لا أنها تكون له ملكًا. انظر: «عون المعبود» (٨/١٩٦) .
(٢) في «الاستذكار» (١٤/١٩٠ رقم ١٩٩٨٢-ط. قلعجي)، والحديث -كما رأيت- صحيح. ولا يخفى أن كل الأقوال في نصيب النبي - ﷺ - بعد وفاته راجعة إلى شيء واحد، وهو صرفه في مصالح المسلمين. وانظر: «فتح الباري» (٦/٢١٦، ٢٣٨)، «أضواء البيان» (٢/٣٦٠)، «الفيء والغنيمة» (ص ٨٥) .
(٣) انظر في مذهب المالكية: «المدونة» (١/٥١٤)، «الكافي» (١/٤٧٨)، «النوادر والزيادات» (٣/١٩٧)، «الذخيرة» (٣/٤٣٢)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٥٠٠) . وفي مذهب الشافعية: «الأم» (٤/١٥٤)، «المهذب» (٢/٢٤٧، ٢٤٨)، «الوجيز» (١/٢٩٠)، «روضة الطالبين» (٦/٣٥٥)، «المنهاج» (ص ٩٣)، «الإقناع» للماوردي (ص ١٧٧)، «الحاوي الكبير» (١٠/٤٨٨) . وذكر النووي في «الروضة» -حكاية عن «الوسيط» للغزالي- وجهًا: أن سهم ذوي القربى يصرف إلى الخلفاء، ونقل قولًا آخر، بأنَّ هذا السهم يُرَدُّ على أهل السهمان الذين ذكرهم الله -تعالى-، ثمَّ ردَّهما، وقال: «هذان النقلان شاذان مردودان» . ورجَّح صرفه بعده - ﷺ - في مصالح المسلمين. وفي مذهب الحنابلة: «المقنع» (٢/٨٦٣-٨٦٤) لابن البنا، «المقنع» (١/٥٠٤) لابن قدامة، «المغني» (٩/٢٩٣)، «الواضح» (٢/٧، ٨، ٩)، «شرح الزركشي» (٦/٢٧٨٨، ٢٧٩٣، ٢٧٩٦، ٢٨٠١، ٢٨٠٣)، «مسائل أحمد» (٢/٢٧٧- ٢٧٨، ٣/١٢٢- رواية صالح، ٢/٥٢- رواية ابن هانئ، ٢/٨٢٠-٨٢١- رواية عبد الله)، «كشاف القناع» (٣/٦٦)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٧٨٣) . =
[ ٥١٤ ]
القرآن يقتضي الإسهام لهم مطلقًا، فهو يجب لهم بذلك
في حياته، وبعد وفاته - ﷺ -.
قال ابن عبد البر (١): الحجة لهم: حديث ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن جبير بن مطعمٍ، قال: قسم رسول الله - ﷺ - سهم ذي القربى لبني هاشم، وبني المطلب من الخمس، وقال: «إنما بنو هاشم، وبنو المطلب؛ شيءٌ واحد» (٢) . قال ابن عبد البر: «ليس في هذا الباب حديث مُسندٌ غيره» .
ثم اختلف هؤلاء في تعيين القرابة:
فذهب الشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وأهل الظاهر، وغيرهم، إلى أنهم بنو هاشم بن عبد مناف، وبنو المطلب بن عبد مناف (٣)،
ودليلهم الحديث المتقدم،
_________________
(١) = وانظر: «الأوسط» (١١/١٠٠- وما بعدها)، «أحكام القرآن» للجصاص (٣/٦٢)، «اختلاف الفقهاء» للطبري (ص ١٣٨)، «المحلَّى» (٧/٣٢٩)، «عمدة القاري» (١٥/٣٧، ٤٤)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤٣٨)، «موسوعة فقه سفيان الثوري» (ص ٦٧٥)، «فقه الإمام أبي ثور» (ص ٧٩٠) . وهو مذهب أبي سليمان الخطابي، وإسحاق بن راهويه، والنسائي، وآخر قولي أبي يوسف، وجمهور أصحاب الحديث، كما نقل ذلك عنهم ابن حزم.
(٢) في «الاستذكار» (١٤/١٨٦) .
(٣) أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب فرض الخمس (باب ومن الدليل على أن الخمس للإمام) (رقم ٣١٤٠)، وفي كتاب المناقب (باب مناقب قريش) (رقم ٣٥٠٢)، وفي كتاب المغازي (باب غزوة خيبر) (رقم ٤٢٢٩)، وقد مَضَى.
(٤) انظر في مذهب الشافعية: «الأم» (٤/١٥٤)، «المجموع» (١٨/١٥١)، «الحاوي الكبير» (١٠/٤٨٨)، «معرفة السنن والآثار» (٩/٢٧٠ رقم ١٣١١٩) . ورد فيه البيهقي على من خالف مذهب الشافعي بكلام قوي، فيه تدقيق وتحرير، وانتصر لهذا القول ابن حجر في «الفتح» (٦/٢٤٥) . وفي مذهب الحنابلة: «المغني» (٩/٢٩٢، ٢٩٣- ط. هجر)، «المقنع» (٢/٨٦٣- ٨٦٤)، «الواضح شرح مختصر الخرقي» (٢/٧، ٨، ٩)، «شرح الزركشي» (٦/٢٧٨٨، ٢٧٩٣، ٢٧٩٦، ٢٨٠١، ٢٨٠٣)، «مسائل الإمام أحمد» (٢/٢٧٧- ٢٧٨، ٣/١٢٢- رواية صالح، ٢/٥٢- رواية ابن هانئ، ٢/ ٨٢٠- ٨٢١- رواية عبد الله)، «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص ١٢١) . وانظر: «الأوسط» (١١/١٠٠- وما بعدها)، «المحلَّى» (٧/٣٢٧)، «الجامع لأحكام القرآن» (٨/١٢)، «أحكام القرآن» للجصاص (٣/٦٣)، «فتح الباري» (٦/٢٤٥)، «أضواء البيان» (٢/٣٦٢)، «الفيء والغنيمة» (٨٧-٨٨) . =
[ ٥١٥ ]
خرَّجه البخاري بالسند المذكور إلى جبير بن مطعمٍ، قال: مشيتُ أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله - ﷺ - فقلنا: يا رسول الله: أعطيتَ بني المطلب، وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟! فقال رسول الله - ﷺ -: «إنما بنو المطلب، وبنو هاشم؛ شيء واحد» . وفيه عن جبير: ولم يقسم النبي - ﷺ - لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل.
قال ابن إسحاق: عبد شمس، وهاشم، والمطلب؛ إخوة لأم، وأمهم عاتكة بنت مرة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم، كذلك ذكره البخاري (١) .
وقال سائر الفقهاء: مالك، والثوري، والأوزاعي: هو خاصٌّ ببني هاشم (٢)،
_________________
(١) = وهذا قول مجاهد، وقتادة، وابن جريج، ومسلم بن خالد. وانظر: «مصنف عبد الرزاق» (٥/ ٢٣٨ رقم ٩٤٨١)، «الأوسط» (١١/١٠١)، «الاستذكار» (١٤/١٨٧) .
(٢) في «صحيحه» (رقم ٣١٤٠) . وقال ابن حجر في «الفتح» (٦/٢٤٥): ولهذا لما كتبت قريش الصحيفة بينهم، وبين بني هاشم، وحصروهم في الشعب، دخل بنو المطلب مع بني هاشم، ولم تدخل بنو نوفل وبنو عبد شمس. وقال الحافظ في «الفتح» (٦/٢٤٦) في شرح هذا الحديث: «والحديث ظاهر في أنه أعطاهم بسبب النصرة، وما أصابهم بسبب الإسلام من بقية قومهم الذين لم يسلموا، والملخص أن الآية نصت على استحقاق قربى النبي - ﷺ -، وهي متحققة في بني عبد شمس لأنه شقيق، وفي بني نوفل إذا لم تعتبر قرابة الأم. واختلف الشافعية في سبب إخراجهم، فقيل: العلة القرابة مع النصرة، فلذلك دخل بنو هاشم وبنو عبد المطلب، ولم يدخل بنو عبد شمس وبنو نوفل لفقدان جزء العلة، أو شرطها، وقيل: الاستحقاق بالقرابة، ووجد ببني عبد شمس ونوفل مانع؛ لكونهم انحازوا عن بني هاشم، وحاربوهم. والثالث: أن القربى عام مخصوص وبَيَّنَته السنة» . وانظر: «أضواء البيان» (٢/٣٦٢، ٣٦٣)، «الفيء والغنيمة» (ص ٨٩) .
(٣) على اعتبار أن الخمس إلى الإمام، فيعطي أقرباء رسول الله - ﷺ - على ما يرى ويجتهد، وقد مضى أن هذا مذهب مالك، وهو مذهب سفيان الثوري، والأوزاعي، كما نقل ذلك عنهم ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٠٣) . وانظر: «المدونة» (١/٥١٤-ط. دار الكتب العلمية)، «التلقين» (١/٢٤٦)، «المعونة» (١/ ٦١٨)، «المحلَّى» (٧/٩٢٩)، «المغني» (٦/٤٠٦)، «أحكام القرآن» للجصاص (٣/٦٢)، «موسوعة فقه سفيان الثوري» (ص ٦٧٥)، «الفيء والغنيمة ومصارفهما» (ص ٨٦- وما بعدها) . ومذهب سفيان في الخمس، أخرجه عبد الرزاق (٥/٣١٠)، وقد مضى تخريجه.
[ ٥١٦ ]
وروي ذلك عن ابن عباس، ومحمد ابن الحنفية: قال ابن عباس: وقد
خالفنا في ذلك قومنا -يعني: قريشًا- (١)، وإلى ذلك ذهب عمر بن عبد العزيز (٢): أنهم بنو هاشمٍ خاصَّة.
وقد قيل: إن قريشًا كلها قُربى، رُوي ذلك عن أصبغ بن الفرج (٣) .
_________________
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب النساء الغازيات يُرضخ لهن ولا يُسهم، والنهي عن قتل الصبيان أهل الحرب) . (١٨١٢) (١٣٧)، بسنده إلى يزيد بن هرمز، أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله، عن خمس خلال، فقال ابن عباس: لولا أن أكتم علمًا ما كتبت إليه، كتب إليه نجدة: أما بعد، فأخبرني هل كان رسول الله - ﷺ - يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهنَّ بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتى ينقضي يُتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟ فكتب إليه ابن عباس: كتبت تسألني هل كان رسول الله - ﷺ - يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهنَّ، فيداوينَ الجرحى، ويُحذين من الغنيمة، وأما بسهم، فلم يضرب لهنَّ، وإن رسول الله - ﷺ - لم يكن يقتل الصبيان، فلا تقتُل الصبيان، وكتبت تسألني: متى ينقضي يُتم اليتيم؟ فلعمري إن الرجل لتنْبتُ لحيته، وإنه لضعيف الأخذ لنفسه، ضعيف العطاء منها، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس، فقد ذهب عنهُ اليُتمُ، وكتبت تسألني، عن الخُمس لمن هو؟ وإنا كنا نقول: هو لنا، فأبى علينا قومنا ذاك. وأخرجه أبو داود في الجهاد (٢٧٢٧ و٢٧٢٨)، وفي الخراج (٢٩٨٢) . والترمذي في السِّير (١٥٥٦)، والنسائي في السِّير (٨٦١٧)، وفي قسم الفيء (٤٤٣٥، ٤٤٣٦)، وفي التفسير (١١٥٧٧) -أو كتاب التفسير (٥٩٧) -، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٠١)، وعبد الرزاق (٥/٢٣٨)، والبيهقي (٦/ ٣٤٥)، وأبو عبيد في «الأموال» (٣٣٥)، وابن حزم في «المحلَّى» (٧/٣٢٩)، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه؛ في «تفاسيرهم»، وغيرهم. وانظر: «الدر المنثور» (٤/٦٨) . وانظر -أيضًا-: «المغني» (٦/٤٠٧، ٤١٠)، «معرفة السنن والآثار» (٩/١٣١٤٢)، «كشف الغمة» (٢/١٦٨) .
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٢/٤٧٢ رقم ١٥٢٩٩)؛ من طريق عطاء بن السائب، عنه. وانظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/١٠١)، «الاستذكار» (١٤/١٨٧) . وبه قال زيد بن أرقم، وطائفة من الكوفيين. انظر: «الفتح» (٦/٢٤٥) .
(٣) قال ابن حجر في «الفتح» (٦/٢٤٦) -عند الحديث المذكور-: وقيل: هم قريش كلها، لكن يعطي الإمام منهم من يراه، وبهذا قال أصبغ، وهذا الحديث حجة عليه.
[ ٥١٧ ]
وقولٌ ثان: سهم ذي القربى، هو بعد النبي - ﷺ - لقرابة الإمام، رُوي ذلك عن الحسن البصري، وقتادة (١)، ولا مستند لهذا القول إلا ما
لعلَّه أن يُتوهَّم في قوله -تعالى-: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١]، أنَّ ذلك يجري في كلِّ من له الأمر على المسلمين، لا يختصُّ بقرابة النبي - ﷺ -، وذلك بعيد.
وذكر ابن عبد البر (٢) في هذا الموضع الحديث المتقدم: أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا أطعم الله نبيًا طُعمةً، فهي للذي يقوم من بعده» (٣) . قال: «إنهم استدلوا به على ذلك»، وضعَّف الحديث، وهو مع ذلك لو لم يكن كذلك، فليس فيه من مَعنى ما ذَهبوا إليه من القرابة شيءٌ. بلى! إنما كان يدل إذا كان صحيحًا على مذهب من رأى سهم النبي - ﷺ - للإمام بعده، وأما (٤) في هذا؛ فبعيد.
وقولٌ ثالث: إن سهم ذي القربى، وسهم النبي - ﷺ -؛ كلاهما يجعل في الخيل، والسلاح، والعدَّة في سبيل الله، ذهبت إلى ذلك طائفة، وزعموا أنه كذلك كان الأمر فيهما في خلافة أبي بكر، وعمر، لما اختلفوا فيهما بعد موت النبي - ﷺ -، اجتمع رأيهم على ذلك (٥) .
وقولٌ رابع -وهو ما قد ذكر من مذهب أبي حنيفة-: أن يُردَّ سهمُ النبي - ﷺ -،
_________________
(١) ذكر ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/١٨٩)، أن هذا قول الحسن البصري. وذكر أن مذهب قتادة كمذهب الشافعي أنه لبني هاشم وبني المطلب خاصة، دون سائر قرابة النبي - ﷺ -. وقد مضى ذكره.
(٢) في «الاستذكار» (١٤/١٨٩-١٩٠) . وقد نقل عنه المصنف جميع أقوال العلماء المتقدمة، واختلافهم في ذلك.
(٣) مضى تخريجه، وهو صحيح، لا كما قال ابن عبد البر -رحمه الله تعالى-. وذكرنا هناك أن سهم النبي - ﷺ - للإمام بعده، من حيث التصرف به، فينفقه كما كان النبي - ﷺ - ينفقه في مصالح المسلمين، ولا يدخل فيه سهم ذوي القربى.
(٤) كتب الناسخ في هامش نسخته: «في الأصل: ورأما» .
(٥) وقد مضى ذكر من ذهب إلى هذا القول في قسم سهم النبي - ﷺ - بعد وفاته، وأن مذهب المالكية أن ذلك إلى الإمام، يصرفه إلى المصالح، ويعطي القرابة بحسب اجتهاده.
[ ٥١٨ ]
وسهمُ ذي القربى على الأصناف الثلاثة الباقين، فيُقسم الخمس على ثلاثة، وهو بعيدٌ لا دليل عليه (١) .
_________________
(١) قال أبو بكر بن المنذر في «الأوسط» (١١/١٠٣-١٠٤): «أعلى ما يحتج به أصحاب الرأي، في دفعهم ما قد ثبت بكتاب الله، وسنة رسوله: دعوى ادعوها على أبي بكر، وعمر، وعثمان: أنهم قسموا الخمس على ثلاثة أسهم، وهذا لا يثبت عنهم، وغير جائز أن يتوهم على مثلهم أنهم خالفوا كتاب الله وسنة رسوله، وقد بلغني أنهم احتجوا في ذلك بشيء: رواه محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. ومحمد بن مروان عندهم ضعيف، والكلبي، قال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال الكلبي: قال لي أبو صالح: كل شيء حدثتك فهو كذب. وقال معتمر بن سليمان: بالكوفة كذّابان: السدي، والكلبي، ولا يجوز أن يثبت على الخلفاء الراشدين المهديين بقول كذاب، أو كذابين: أنهم خالفوا بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، ولو روى عنهم من يصدق في الحديث ما ذكروه، لم يجز ترك ما ثبت بكتاب الله وسنة رسوله، بقول أحد من الخلق، فكيف وذلك بحمد الله غير ثابت عنهم، وكل ما رويناه عنهم في هذا الباب أخبارٌ: منقطعةٌ غير ثابتة، وليس تقوم الحجج بشيء منها، وقد ذكرت تلك الأخبار في الكتاب الذي اختصرت منه هذا الكتاب، وقد ذكر الشافعي كلامًا طويلًا جرى بينه وبين بعض الناس في هذا الباب، وقد أثبتُّ ذلك الكلام في الكتاب الذي اختصرت منه هذا الكتاب» اهـ كلامه -﵀-. قلت: ورد في كتاب «الهداية» (٢/٤٤٠): «ولَنَا أن الخلفاء الأربعة الراشدين -﵃- قسموه [أي: الخمس] على ثلاثة أسهم على نحو ما قلناه، [أي: سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل] وكفى بهم قدوة» . اهـ. وقال الزيلعي في «نصب الراية» (٣/ ٤٢٤) في تخريجه: «روى أبو سفيان عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أن الخمس الذي كان يقسم على عهده -﵇- على خمسة أسهم: لله والرسول سهم، ولذي القربى واليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم، ثم قسم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، على ثلاثة أسهم: سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل» اهـ. ومحمد بن مروان السدي: تركوه، واتهمه بعضهم بالكذب، وهو صاحب الكلبي. انظر: «ميزان الاعتدال» (٤/٣٢-٣٣ رقم ٨١٥٤)، و«تهذيب الكمال» (٢٦/٣٩٢-٣٩٣ رقم ٥٥٩٧) . والكلبي: هومحمد بن السائب الكلبي، قال الجوزجاني، وغيره: كذاب، انظر: «ميزان الاعتدال» (٣/٥٥٦-٥٥٩ رقم ٧٥٧٤)، و«تهذيب الكمال» (٢٥/٢٤٦-٢٥٣ رقم ٥٢٣٤) .
[ ٥١٩ ]
* مسألة:
اختلف المُثبتون لسهم ذي القربى في قَسمه فيهم على الذكر والأنثى؛ فقال الشافعي (١): يُعطى الرجل سهمين، والمرأة سهمًا،
وخالفه في التفضيل بين الذكر والأنثى أصحابه: أبو ثورٍ، والمزني، وغيرهما (٢)، فقالوا: الذكر والأنثى في ذلك
_________________
(١) انظر: «الأم» (٤/١٥٤)، «روضة الطالبين» (٦/٣٥٦)، «الحاوي الكبير» (١٠/٤٩٠- ٤٩١)، «المهذب» (٢/٢٤٨)، «المجموع» (٢١/٢٥٤)، «حلية العلماء» (٧/٦٨٨) . وهو مذهب الحنابلة، انظر: «المغني» (٩/٢٩٤- ط. هجر)، «الإنصاف» (٤/١٦٧)، «المقنع» لابن قدامة (١/٥٠٤- مع حاشيته)، «المقنع» لابن البنا (٢/٨٦٤)، «الواضح» (٢/٧، ٨، ٩)، «شرح الزركشي» (٦/٢٧٨٨، ٢٧٩٣، ٢٧٩٦، ٢٨٠١، ٢٨٠٣)، «مسائل أحمد» (٢/٢٧٧-٢٧٨، ٣/١٢٢- رواية صالح، ٢/٥٢- رواية ابن هانئ، ٢/٨٢٠-٨٢١- رواية عبد الله)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٧٨٤) . وقالوا: لأنه مستحقٌّ بالقرابة شرعًا، فوجب تفضيل الذكر فيه على الأنثى، كميراث الإخوة والأخوات، ولا يلزم عليهم سهم اليتامى؛ لأنه غير مستحق بالقرابة، ولا يلزم عليه إذا أوصى لقرابة فلان بثلثه أنها سواء؛ لأن ذلك استحقاق بغير الشرع، وإنما هو بالرحم.
(٢) انظر: «مختصر المزني» (١٥٠)، «المهذب» (٢/٢٤٨)، «المجموع» (٢١/٢٥٤)، «المغني» (٩/٢٩٤- ط. هجر)، «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (١٢١)، «عيون المجالس» (٢/ ٧٤٧)، «حلية العلماء» (٧/٦٨٨)، «أضواء البيان» (٢/٣٦٤)، «الفيء والغنيمة» (ص ٩١) . وقالا -أي: المزني وأبو ثور-: يسوى بين الذكور والإناث، كالوصايا للقرابة، يسوى فيها بين الذكور والإناث. ونقله -أيضًا- عنهما: الماوردي في «الحاوي الكبير» (١٠/٤٨٩)، وردَّه بقوله: «وهذا خطأ؛ لأن اعتبار سهمهم بالميراث أولى من اعتباره بالوصايا، من وجهين: أحدهما: أن الميراث، وسهم ذي القربى، عطيتان من الله -تعالى-، والوصايا عطية من آدمي، تقف على خياره. والثاني: أن ذي القربى نصرة، هي بالذكور أخصُّ، فجاز أن يكونوا بها أفضل، وليس كذلك في الوصايا. ثم لاحظَّ لأولاد الإناث فيه. إذا لم يكن آباؤهم من ذوي القربى؛ لأنهم يرجعون في النسب إلى الآباء الذين ليسوا من ذوي القربى» . ونقل مذهب الشافعي، ومذهب المزني، وأبي ثور: ابن قدامة في «المغني» (٩/٢٩٤- ط. هجر)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٠٥)، ورجح مذهب المزني، وأبي ثور. فقال: وكذلك كل =
[ ٥٢٠ ]
سواء؛ لأنهم أُعطوا باسم
القرابة، فهو يدخل في ذلك الأب مع ابنه والجد، فليس ذلك من باب المواريث في شيء.
وكذلك اختلفوا في إعطاء الغَنيِّ منهم، فكان الشافعيُّ يقول: لا يُفضَّل مُقترٌ على غنيٍّ؛ لأنهم أُعطوا باسم القرابة، وبه قال أبو ثورٍ، وغيره (١) . ورُوي عن
_________________
(١) = شيء صُيّر لقوم فهم فيه سواء، وقال: لأنه إذا جاز أن يسوى بين الذكر والأنثى، لأنهم أعطوا باسم المسكنة، فذلك جاز أن يسوى بين ذكران القرابة وإناثهم؛ لأنهم أعطوا باسم القرابة. وهو الذي رجَّحه المصنف، وهو الصواب، والله الموفق وإليه المآب. وخالف أبو حنيفة ومالك في ذلك، فالأصل عند أبي حنيفة أن سهم النبي - ﷺ -، وسهم ذوي القربى سَقطا بموت النبي - ﷺ -، وترد سهمانهما على باقي المذكورين في آية الخمس، أما في حياته - ﷺ -، فيعطى فقراء القرابة دون أغنيائهم، وقال بعضهم: إلى الفقراء والأغنياء. وانظر: «تحفة الفقهاء» (٢/٣٠٣)، «حاشية ابن عابدين» (٣/٣٢٧) . وأما الأصل عند مالك، أن ذلك موكول إلى الإمام، يصرفه إلى القرابة، وإلى غيرهم بالاجتهاد، ولا يَخُصَّ المذكورين بالآية، فيعطي حسب المصلحة العامة. وقد تقدم شيء من التفصيل في هذه المسألة.
(٢) انظر: «الأم» (٤/١٥٤)، «المجموع» (٢١/٢٥٨)، «حلية العلماء» (٧/٦٨٨)، «الأوسط» (١١/١٠٥) . وهو مذهب الحنابلة -أيضًا-، انظر: «المقنع» (١/٥٠٤) لابن قدامة، «المغني» (٩/٢٩٥- ط. هجر)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٨٧٣) . قلت: وقد ردَّ ابن بطال، كما في «فتح الباري» (٦/٢٤٦)؛ مذهب الشافعي في قسم الخمس بين ذوي القربى، ولا يفضل غني على فقير، وأنه يقسم بينهم للذكر مثل حظِّ الأنثيين، وقد ردَّ عليه الحافظ بقوله: «قلت: ولا حجة فيه لما ذكر، لا إثباتًا، ولا نفيًا، أما الأول: فليس في الحديث إلا أنه قسم الخمس بين بني هاشم والمطلب، ولم يتعرض لتفضيل ولا عدمه، وإذا لم يتعرض فالأصل في القسمة إذا أُطلِقت: التسوية والتعميم، فالحديث إذًا حجة للشافعي لا عليه. ويمكن التوصل إلى التعميم بأن يأمر الإمام نائبه في كل إقليم بضبط من فيه، ويجوز النقل من مكان إلى مكان للحاجة، وقيل: لا، بل يختص كل ناحية بمن فيها. وأما الثاني: فليس فيه تعرض لكيفية القسم، لكن ظاهره التسوية، وبها قال المزني وطائفة، فيحتاج من جعل سبيله سبيل الميراث إلى دليل، والله أعلم. وذهب الأكثر إلى تعميم ذوي =
[ ٥٢١ ]
مكحول أنه قال: الخمس بمنزلة الفيء، يُعطى منه الفقير والغني (١) . وقال بعض أصحاب الشافعي (٢): لا
حظَّ فيه لغنيٍّ.
_________________
(١) = القربى في قسمة سهمهم عليهم، بخلاف اليتامى، فيخص الفقراء منهم عند الشافعي، وأحمد، وعن مالك: يعمهم في الإعطاء، وعن أبي حنيفة: يخص الفقراء من الصنفين، وحجة الشافعي: أنهم لما مُنِعُوا الزكاة، عُمُّوا بالسهم، ولأنهم أعطوا بجهة القرابة إكرامًا لهم، بخلاف اليتامى؛ فإنهم أُعطوا لسدّ الخُلَّة» .
(٢) رواه أبو عبيد في «الأموال» (٤٠٢ رقم ٨١٧)؛ من طريق محمد بن راشد، عنه. ونقله عنه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٠٦) . وانظر: «أحكام القرآن» للجصاص (٣/٦٤)، «الفيء والغنيمة» (ص ٩٣) .
(٣) وهم العراقيون من أصحاب الشافعي -﵀- نقل ذلك ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٠٦)، ونص عبارته: «وقال بعض أصحابه من أهل العراق: الفيء لمن سَمَّى الله في كتابه لرسوله، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، ولم يجعل فيه حظًا لغني لقوله: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، ولقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿الصَّادِقُونَ﴾ الآية [الحشر: ٨]، فكان بنو هاشم، وبنو المطلب قرابة رسول الله - ﷺ -، الذين نصروا رسول الله - ﷺ -: جعل لهم هذا الفيء الذي خصهم به مطعمًا، ومنعهم الصدقة التي هي أوساخ الناس، فجعل لهم الفيء الذي رضيه لنبيه وأكرمه به، ومنعه الصدقة التي هي ذلة ومسكنة، يضرع لها السائل، ويعلو بها المعطي» . قال: «وقال الشافعي: سهم ذي القربى: الغني منهم والفقير، ولم يزعم ذلك إلى الأصناف الباقية من اليتامى، وابن السبيل، فزعم أبو عبد الله أن القرآن على ظاهره يحكم لقربى رسول الله - ﷺ -، لغنيهم، ولفقيرهم بخمس الخمس، وقال: ولهم بظاهر الآية، ثم قال: ليس لليتامى، ولا لابن السبيل فيها حق، إلا أن يكونوا فقراء مساكين، فنقض أصله، وترك مذهبه» . ثم قال ابن المنذر: «وهذا غير لازم للشافعي؛ لأن الشافعي حكم لذي القربى، لغنيهم، وفقيرهم، بظاهر الآية. وبأن العباس بن عبد المطلب أعطي منه وهو كثير المال، ومنع عثمان، وجبير، حيث طلبا أن يعطيا من الخمس، ليس من جهة غناهما، إذ لو كان منعهما من جهة غناهما لأشبه أن يقول: لا يحل لكما ذلك لأنكما غنيان، إذ لا حظ فيها لغني، كما قال للرجلين اللذين سألاه الصدقة، ولو اختلف أهل العلم في اليتيم الغني، وابن السبيل الغني، لأجاب فيما يعطي كل واحد منهما بما أجاب به في سهم ذي القربى، ولكن الإجماع لما منع من إعطاء اليتيم الغني، وابن السبيل الغني، منع أن يعطيان لمنع الإجماع منه. ولم يمنع الإجماع من إعطاء أغنياء القرابة، فمنعهم لعلة الإجماع، ولكنه =
[ ٥٢٢ ]
وقول الشافعي هنا أظهر، فإن الله -تعالى- لم يَخُصَّ بذلك فقيرًا من غنيٍّ، إنما خصَّ القرابة، وقول من خالف الشافعيَّ في التفضيل بين الذكر والأنثى أظهر؛ لأنه لم يأت فيه نصٌّ، وليس ميراثًا، والله أعلم.
*****
_________________
(١) = لما اختلف في الغني من القرابة؛ رد أمره إلى ظاهر الكتاب، ومنع اليتيم الغني، وابن السبيل الغني؛ لأن الإجماع منع أن يعطيا إذا كانا غنيين» .
[ ٥٢٣ ]