في فضل الجهاد والرباط والنفقة في سبيل الله، وما جاء في
طلب الشهادة، وأجر الشهداء
[ ٧٧ ]
قال الله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الّجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]، وقال -تعالى-: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة: ٢٠]، وقال -تعالى-: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] .
وخرَّج البخاري (١) عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: دُلَّني على عمل يَعْدِل الجهاد، قال: «لا أجده»، قال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا تَفْتر، وتصوم ولا تُفطر؟»، قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال أبو هريرة: إنَّ فرس المجاهد ليَسْتَنُّ في طِوَلِهِ، فتكتب له حسنات.
معنى «يستنُّ»: يعدو، أي: يجول ويُسْرع في طِوَلِهِ مقبلًا ومدبرًا. والطِّوَلُ
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب فضل الجهاد والسير) (رقم ٢٧٨٥) . وأخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب فضل الشهادة في سبيل الله -تعالى-) (رقم ١٨٧٨) .
[ ٧٩ ]
والطِّيَلُ لغتان، ما أطال فيه من الحَبْل وغيره. قال طرفة (١):
لعمركَ إنَّ الموتَ ما أخطأ الفتى لَكَالطِّوَلِ المُرخَى وثِنْيَاهُ باليدِ
وخرَّج البخاري (٢) -أيضًا- عن أبي سعيدٍ قال: قيل: يا رسول الله؛ أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «مؤمنٌ يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله»، قالوا: ثم من؟ قال: «مؤمنٌ في شِعْبٍ من الشِّعاب، يتقي الله، ويَدعُ الناس من شَرِّه» .
وخرَّج -أيضًا- (٣) عن أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ - قال: «لغدوةٌ في سبيل الله، أو روحة، خيرٌ من الدنيا وما فيها» .
وخرَّج -أيضًا- (٤) عن أبي عَبْسٍ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما اغْبَرَّتْ قدما
_________________
(١) في «معلقته» . البيت رقم (٦٦) . يقول: أقسم بحياتك أن الموت في مدة إخطائه الفتى، أي: مجاوزته إيّاه، بمنزلة حبل طِوَلٍ للدابة ترعى فيه، وطرفاه بيد صاحبه، يريد: أنه لا يَتخلَّص منه، كما أن الدابة لا تفلت مادام صاحبها آخذًا بطرفي طِوَلِها. ولما جعل الموت بمنزلة صاحب الدابة التي أَرْخَى طِوَلَها، قال: متى شاء الموت؛ قاد الفتى لهلاكه، ومن كان في حَبْل الموت؛ انقاد لقوده. وانظر: «شرح المعلَّقات السبع» للزوزني (ص ٩١) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله) (رقم ٢٧٨٦) . وفي كتاب الرقاق (باب العزلة راحةٌ من خلاّط السوء) (رقم ٦٤٩٤) . وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة (باب فضل الجهاد والرباط) (رقم ١٨٨٨) .
(٣) البخاري في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب الغدوة والروحة في سبيل الله، وقاب قوس أحدكم من الجنة) (رقم ٢٧٩٢، ورقم ٢٧٩٦ و٦٥٦٨) بأطول منه. وأخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب فضل الغدوة والروحة في سبيل الله -تعالى-) (رقم ١٨٨٠) .
(٤) في كتاب الجهاد والسير (باب من أغبَرت قدماه في سبيل الله) (رقم ٢٨١١) . -واللفظ فيه: «ما اغبرت » -، وفي كتاب الجمعة (الصلاة) (باب المشي إلى الجمعة) (رقم ٩٠٧) بلفظ: «من اغبرت حرّمه الله على النار» . وصحابي الحديث هو: أبو عَبْس: عبد الرحمن بن جبر بن عمرو بن زيد بن جُشم بن مجدعة بن =
[ ٨٠ ]
عبدٍ في سبيل الله فتمسَّهُ النار» .
وخرَّج النسائي والترمذي عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «لا يلجُ النارَ رجلٌ بكى من خشية الله، حتَّى يعودَ اللَّبَنُ في الضّرع، ولا يجتمع غبارٌ في سبيل الله ودخانُ جهنَّم» (١)، زاد النسائي (٢): «في مِنْخَرَيْ مسلمٍ أَبدًا»، قال فيه الترمذي:
_________________
(١) = حارثة بن الحارث بن الخزرج. وهو معدود في كبار الصحابة من الأنصار. مات سنة أربع وثلاثين، وهو ابن سبعين سنة. وفي منسوخ الأصل: ابن عبس، وصُوِّبت في الهامش إلى: عَنْبَس، والصواب كما أثبتناه.
(٢) أخرجه الترمذي (رقم ١٦٣٣ و٢٣١١)، والنسائي في «المجتبى» (٦/١٢)، والحميدي (١٩٠١)، وأحمد (٢/٥٠٥)، وعبد الله بن المبارك في «كتاب الجهاد» (٣٠)، وهنّاد في «الزهد» (٤٦٥)، والطيالسي في «مسنده» (٢٤٤٣)، والحاكم (٤/٢٦٠)، وابن حبّان (٤٦٠٧)، وأبو القاسم الأصبهاني في «الترغيب والترهيب» (٤٨٨ و٨٢٩)، والبيهقي في «الشعب» (٨٠٠)، والبغوي في «شرح السنّة» (١٤/ ٣٦٤)، وفي «التفسير» (٤/١٨٩)، من طرقٍ عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة -﵁-. وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي» . والصواب أنه حسن فقط؛ فإنه من رواية المسعودي عن محمد عبد الرحمن -مولى آل طلحة- عن عيسى بن طلحة، به. والمسعودي: صدوق، اختلط قبل موته. كما في «التقريب» (٣٩١٩) . لكن جعفر بن عون، ممن سمع منه قبل الاختلاط -كما في إسناد الحاكم-. ذكره ابن الكيَّال في «الكواكب النيِّرات» (ص ٢٩٣) . فالحديث كما قال الترمذي: حسن صحيح. وروي موقوفًا من طريق يونس بن بكير، عن المسعودي، به؛ أخرجه هنّاد في «الزهد» (٤٦٦)؛ ويونس متكلمٌ فيه. وروي -أيضًا- من طريق جعفر بن عون، عن مِسعر، عن محمد بن عبد الرحمن -مولى آل أبي طلحة- عن عيسى، به؛ أخرجه البيهقي في «الشعب» (٨٠١) . والصوَّاب رفعه عن المسعودي. وقد صححه شيخنا الألباني -﵀-. انظر: «صحيح سنن الترمذي» . وروايات الحديث مطولة ومختصرة، وألفاظها متقاربة. وللحديث شواهد من حديث أبي عَبْسٍ بن جَبْر -تقدم قبل هذا-، ومن حديث جابر بن عبد الله، وغيره. وانظر: «كتاب الجهاد» لابن أبي عاصم (رقم ١١٢ و١١٣ و١١٥ و١١٦ و١١٧) وتعليق محققه -حفظه الله تعالى-.
(٣) في «المجتبى» (٦/١٢)، وهذه الزيادة عند غيره ممن تقدم ذكرهم.
[ ٨١ ]
حسن صحيح.
وخرَّج مسلم (١) عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يجتمع كافرٌ وقاتله في النار أبدًا» .
وخرَّج مسلم (٢) -أيضًا- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يُخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمانٌ بي، وتصديقٌ برسلي، فهو عليَّ ضامنٌ أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مَسْكنِهِ الذي خرج منه نائلًا ما نال من أجرٍ أو غنيمة. والذي نفسُ محمدٍ بيده! ما من كَلْمٍ يُكلَمُ في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كُلِم، لونه لونُ دم، وريحه ريح مسك، والذي نفس محمدٍ بيده! لولا أن يشقَّ على المسلمين؛ ما قعدتُ خلافَ سريَّةٍ تغزو في سبيل الله أبدًا، ولكن لا أجد سعةً فأحمِلُهُم، ولا يجدون سعةً، ويَشُقُّ عليهم أن يَتخلفوا عَنِّي، والذي نفسُ محمدٍ بيده! لوَدِدْتُ أني أغزو في سبيل الله فأُقتلُ، ثم أغزو فأُقتلُ، ثم أغزو فأُقتل» .
في فضلِ من جهَّز غازيًا أو خلَفَه بخير
في «الصحيحين» (٣) البخاري ومسلم، عن زيد بن خالد، أن رسول الله - ﷺ - قال: «من جهَّز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خَلَفَ غازيًا في سبيل الله بخيرٍ فقد غزا» .
قال ابن عباس في قوله -تعالى-: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب من قتل كافرًا ثم سدَّد) (رقم ١٨٩١) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله) (رقم ١٨٧٦) . وأخرج البخاري نحو هذا اللَّفظ مختصرًا بالأرقام (٣٦، ٢٧٨٧، ٢٧٩٧، ٢٩٧٢، ٣١٢٣، ٧٢٢٦، ٧٢٢٧، ٧٤٥٧، ٧٤٦٣) .
(٣) أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب فضل من جهَّز غازيًا أو خلفه بخير) (رقم ٢٨٤٣)، ومسلم في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله) (رقم ١٨٩٥) .
[ ٨٢ ]
إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]؛ معناه: لا تُمسكوا عن الإنفاق في سبيل الله فتهلكوا. وقال -أيضًا-: إن لم يجد الرجل شيئًا إلا مِشْقَصًا (١) فليُجَهِّزْ به في سبيل الله، ولا تقولن: لا أجد شيئًا، وقد هلكت (٢) .
وأكثر المفسرين على أنَّ قوله -تعالى-: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] في تَرك النَّفقة (٣) .
في حرمة نساء المجاهدين
خرَّج مسلم عن بريدة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «حرمَةُ نساء المجاهدين على القاعدين كحرمةِ أمهاتِهم، وما من رجلٍ من القاعدين يخلف رجلًا من المجاهدين في أهله فيخونه (فيهم) (٤)؛ إلا وُقِفَ له يوم القيامة؛ فيأخذ من عمله ما شاء، فما
_________________
(١) المشقص: نصل السَّهم، إذا كان طويلًا غير عريض. انظر: «النهاية» (٢/٢٣) .
(٢) أخرج نحوه سفيان الثوري في «تفسيره» (ص ٥٩ رقم ٧٠)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٥/٣٣١)، وابن جرير (٢/٢٠٠-٢٠١)، وابن أبي حاتم (١/٣٣٠ رقم ١٧٤١) في «تفسيريهما» عن ابن عباس -﵁-.
(٣) أخرج البخاري في «صحيحه» في كتاب التفسير (باب ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾) (رقم ٤٥١٦) بسنده إلى حذيفة قال: نزلت في النفقة. وأخرج نحوه من حديث أبي أيوب الأنصاري في قصة الرجل الذي حمل على العدو وحده: أبو داود (٢٥١٢)، والترمذي (٢٩٧٢)، والنسائي في «الكبرى» (١١٠٢٩)، والطيالسي (٥٩٩)، وابن جرير (٣/٥٩٠ رقم ٣٧١٩، ٣٧٢٠)، وابن أبي حاتم (١/٣٣٠-٣٣١)، والحاكم (٢/٢٧٥) وغيرهم. وانظر: «موارد الظمآن» (ص ٤٠١ رقم ١٦٦٧) . وللاستزادة، انظر: «مشارع الأشواق إلى مصارع العشَّاق، ومثير الغرام إلى دار السلام في الجهاد وفضائله» (ص ٢٩١ و٢٩٥ و٥٢٧) . وهذا قول عكرمة، والحسن، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبي صالح، والضحَّاك، والسُّدي، ومقاتل بن حيَّان، وقتادة. وانظر تفاسير: ابن جرير (٢/٢٠٠-٢٠٢)، وسفيان الثوري (ص ٥٨)، وابن أبي حاتم (١/ ٣٣١)، والواحدي (١/٢٩٣-٢٩٤)، والقرطبي (٢/٣٦٢)، وابن كثير (١/٢٢٩ أو ٢/٢٢٠-٢٢٢- ط. أولاد الشيخ)، والشوكاني (١/١٧٠)، و«الدر المنثور» (١/٤٩٩-٥٠٠) .
(٤) كلمة (فيهم) ساقطة من الأصل، وهي في «صحيح مسلم» .
[ ٨٣ ]
ظنكم؟!» .
قال في النسائي: «نُصِب له يوم القيامة فيقال: يا فلان، هذا فلان، خُذ من
حسناته ما شئت، ثم التفت رسول الله - ﷺ - إلى أصحابه، فقال: ما ظنكم؟! تَرَوْن يَدعُ له من حسناته شيئًا؟» (١) .
فضل الجهاد على الحج إذا أُدِّيت الفريضة
خرَّج مسلم (٢) عن زيد بن أرقم، أن رسول الله - ﷺ - غزا تسع عشرة غزوة، وحَجَّ بعدما هاجر حَجَّةً، لم يَحجَّ غيرها، حَجَّة الوداعِ.
وخرَّج مسلم (٣) عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله - ﷺ -: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمانٌ بالله»، قال: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قال: ثم ماذا؟ قال: «حجٌّ مبرور» .
البخاري (٤) عن عائشة قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا
_________________
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب حرمة نساء المجاهدين، وإثم من خانهم فيهنّ) (رقم ١٨٩٧) . والزيادة التي عند النسائي: في «المجتبى» في كتاب الجهاد (باب من خان غازيًا في أهله) (٦/٥١) . وقوله - ﷺ -: «فما ظنكم؟!» قال النووي في «شرح صحيح مسلم» (١٣/٤٢): «معناه: ما تظنون في رغبته في أخذ حسناته، والاستكثار منها في ذلك المقام؟ أي: لا يُبقي منها شيئًا إن أمكنه» . وللتوسع في روايات وألفاظ الحديث. انظر: تحقيقنا لكتاب «الحنائيات» (رقم ٨٤) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب عدد غزوات النبي - ﷺ -) (١٢٥٤) (١٤٤) . وقد مضى من حديث بريدة في الباب الأول.
(٣) في «صحيحه» في كتاب الإيمان (باب كون الإيمان بالله -تعالى- أفضل الأعمال) (٨٣) (١٣٥) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الإيمان (باب من قال: إن الإيمان هو العمل) (رقم ٢٦) . وفي كتاب الحج (باب فضل الحج المبرور) (رقم ١٥١٩) . وعند البخاري: إيمان بالله ورسوله.
(٤) في «صحيحه» في كتاب الحج (باب فضل الحج المبرور) (رقم ١٥٢٠) . وفي كتاب الجهاد والسير (باب فضل الجهاد والسير) (رقم ٢٧٨٤)، وأخرج نحوه (رقم ١٨٦١) .
[ ٨٤ ]
نجاهد؟ قال: «لكن أفضل الجهاد: حجٌّ مبرور» .
معنى ذلك -إن شاء الله- في حقِّ النساء؛ لأنهن ممَّن لا غناء عندهن، ولا طاقة لهن بالقتال (١)، مع ما كتب عليهن من الحجاب، وتَرْك التعرُّض لمواطن
الرّجال (٢)، ولهذا المعنى؛ قد يروي هذا الحَرْفَ بعض الرواة (٣): «لكُنَّ أفضل الجهاد: حجٌّ مبرور»، فجَعَل (لَكُنَّ) ضميرَ النساء، ويدل على ذلك ما خرَّجه البخاري (٤) عن عائشة -﵂-، قالت: استأذنت النبيَّ - ﷺ - في الجهاد، فقال: «جهادكنَّ الحج» .
_________________
(١) نقل غير واحد الإجماع على أنه لا يجب على النساء القتال الكفائي. انظر: «شرح السير الكبير» (١/٢٠٠)، «قوانين الأحكام الشرعية» (ص ١٦٣)، «مغني المحتاج» (٤/٢٠٩)، «حاشية ابن عابدين» (٤/٢٥)، «بداية المجتهد» (١/٢٨١)، «مراتب الإجماع» (ص ١١٩) . وصرح بالحكمة المذكورة جمع، قال السرخسي في «المبسوط» (١٠/١٦): «لأنهنَّ عاجزات عن القتال بُنْيَةً» . وقال الكاساني في «بدائع الصنائع» (٩/٤٣٠١): «ولا جهاد على الصبي والمرأة، لأنَّ بُنْيَتَهُمَا لا تحتمل الحرب عادة»، ومثله في «الهداية» (٥/٢٤٢- مع شرحه «فتح القدير»)، و«مغني المحتاج» (٤/٢١٦)، و«المهذب» (٢/٢٢٧)، و«المغني» (٨/٣٤٧) .
(٢) مثله كلام ابن رشد في «المقدمات الممهدات» (١/٢٦٧): «إنّ الجهاد لا يتأتى للمرأة إلا بضد ما أمرت به من الستر، والقرار في بيتها»، وكلام الشوكاني في «النيل» (٧/٢٧٢): «وإنما لما يكن واجبًا لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر ومجانبة الرجال، فلذلك كان الحج أفضل لهن من الجهاد»، ونحوه في «مواهب الجليل» (٣/٣٤٧) . وذكر بعض الفقهاء شيئًا زائدًا، وهو: إن إسقاط القتال عن المرأة لانشغالها بحق الزوج، نص عليه المرغيناني وابن الهمام، انظر: «فتح القدير» (٥/١٩٤)، وانظر مناقشة هذه التعليلات عند هيكل في «الجهاد والقتال» (٢/١٠٢٠-١٠٢١) .
(٣) قال القاضي عياض في «مشارق الأنوار» (١/٣٥٨): «يروى (لكن) بضم الكاف وكسرها، وتشديد النون وسكونها، وهو ضبط أكثرهم، وكان في كتاب الأصيلي مهملًا، وكلاهما صحيح المعنى، فإذا كان بضمٍّ الكاف اختصّ به النساء تصريحًا، وعليه يدل أول الحديث، والحديث الآخر: «جهادكن الحج»، وإذا كان بكسر الكاف، فبمعناه، أي: لكِنْ أفضل الجهاد، لَكُنَّ وفي حَقِّكُنَّ، وقد بينا هذا في كتاب «الإكمال»»، ولخص كلامه بإيجاز شديد ابنُ قُرْقول في «مطالع الأنوار» (ق ٣٠١- المكتبة العامة/ السعودية) .
(٤) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب جهاد النساء) (رقم ٢٨٧٥) .
[ ٨٥ ]
وخرَّج -أيضًا- (١) عنها عن النبي - ﷺ -، سأله نساؤه عن الجهاد، فقال: «نِعْم الجهاد الحج» .
قلت: فأمَّا الرجلُ أو الإمام يغزو بالمرأة، أو النساء؛ لما يعرض من المصالحِ، والرِّفق بالجرحى في المداواة، والقيام عليهم، وغيرِ ذلك من ضرورات الجيش عند القتال (٢)، فذلك من السُّنَّة، إلاَّ أن يكون في الجمع قِلَّةٌ
وخوفٌ أن ينالهنَّ
_________________
(١) نفس الكتاب والباب السابقين (رقم ٢٨٧٦) .
(٢) دليله: ما أخرجه مسلم في «صحيحه» (١٨٠٩) عن أنس بن مالك: أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرًا، وسألها النبي - ﷺ -: ما هذا الخنجر؟ قالت: اتّخذتُه إن دنا مني أحد من المشركين، بَقَرْتُ به بطنه، فجعل رسول الله - ﷺ - يضحك. وبوّب البخاري في «صحيحه» (غزو النساء وقتالهن مع الرجال)، وأخرج برقم (٢٨٨٠) عن أنس بن مالك قال: لما كان يوم أحد، انهزم الناس عن النبي - ﷺ - قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سُليم وإنهما لمُشمِّرتان، أرى خَدَمَ سُوقهما -أي: الخلاخيل، وكانت هذه قبل الحجاب- تَنْقُزَانِ -تسرعان المشي كالهرولة- القِرَب، وقال غيره: تنقلانِ القرب على متونهما، ثم تفرغانِهِ في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان، فتفرغانها في أفواه القوم. وأخرج البخاري في «صحيحه» (رقم ٢٨٨٣) عن الرُّبيِّع بنتِ مُعوِّذ قالت: كنا نغزو مع النبي - ﷺ -، فنسقي القوم، ونخدمهم، ونَرُدُّ الجرحى والقتلى إلى المدينة. وسيأتي في (الباب السابع: في الغنائم وأحكامها ووجه القسم ومن يستحق الإسهام ) كلام للمصنف في غنيمة المرأة إذا باشرت القتال. يدلُّ جميع ما تقدم على مشروعية قيام المرأة على معاونة أو مساندة الرجال في القتال، في ميادين متنوّعة، فيشمل ذلك الخدمات الطبيّة، من إسعاف المرضى ومداواة جراحهم، وإخلاء ساحات المعركة منهم، ولها أن تدافع عن نفسها بالسلاح إن قصدها الأعداء. وأما سنّ الدول قانونًا تخضع فيه المرأة للتدريب البدني الإجباري، فليس هذا بمشروع، وإن قال به بعض المعاصرين كما تراه في «الجهاد والحقوق الدولية في الإسلام» (ص ٣٧٨) لظافر القاسمي. وقال شيخنا الألباني -﵀- في «الصحيحة» (٦/٥٤٩) تحت حديث رقم (٢٧٤٠) -في معرض حديثه عن مشاركة النساء في المعركة- قال: « وأما تدريبهن على أساليب القتال وإنزالهن إلى المعركة يقاتلن مع الرجال كما تفعل بعض الدول الإسلامية اليوم، فهو بدعة عصرية، =
[ ٨٦ ]
العدوُّ، فيجبُ التوقِّي والإمساكُ عن حضورهنَّ (١) .
خرَّج مسلم (٢) عن أنس قال: «كان رسول الله - ﷺ - يغزو بأمِّ سليمٍ، ونسوةٍ من الأنصار معه إذا غزا؛ فَيَسْقِينَ الماء، ويداوين الجرحى» .
في زيادة الأجر للمجاهدين عند الإخفاق
خرَّج مسلم، والنسائي، وأبو داود، عن عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من غازية تغزو في سبيل الله، فيصيبون غنيمةً؛ إلاَّ تعجَّلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، فإن لم يصيبوا غنيمةً؛ تمَّ لهم أجرهم» (٣) .
_________________
(١) = وقرمطة شيوعية، ومخالفة صريحة لما كان عليه سلفنا الصالح، وتكليف للنساء بما لم يخلقن له، وتعريض لهن لما لا يليق بهن إذا ما وقعن في الأسر بيد العدو، والله المستعان» . وانظر في المسألة: «العلاقات الخارجية في دولة الخلافة» (ص ١١٨-١١٩) لعارف أبو عيد، «الجهاد والقتال» (٢/١٠٢٣) لهيكل.
(٢) دليله: ما أخرجه عبد الرزاق (٥/١٦٢) (رقم ٩٢٥٠)، وأبو عبيد في «الغريب» (٣/ ٣٢٥) بسندٍ حسن عن عمر قال: «فرِّقوا عن المنيَّة، واجعلوا الرأس رأسين، ولا تُلِثُّوا بدار معجزة، وأصلحوا مثاويكم، وأخيفوا الهوامَّ قبل أن تخيفكم» . والشاهد منه قوله: «ولا تلثوا» -وتحرّف في مطبوع «المصنَّف» إلى «تلبثوا» فليصوب- والإلثاث: الإقامة، قال أبو عبيد: أراد الإقامة بالثغور مع العيال، يقول: ليس هذا بموضع ذريّة، فهذا هو الإلثاث بدار معجزة. وانظر كلامًا جيدًا في هذا المعنى للإمام أحمد، فصّل ابن رجب في «فضائل الشام» (ص ٤٩) بذكره. وانظر: «شرح السير الكبير» (١/٢١٠-٢١١)، «المغني» (٨/٣٥٧) .
(٣) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب غزوة النساء مع الرجال) (١٣٥) (١٨١٠) . وانظر: «صحيح البخاري» في كتاب الجهاد. الأبواب (غزو النساء وقتالهنَّ مع الرجال) (رقم ٢٧٢٤)، و(حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو) (رقم ٢٧٢٥)، و(مداواة النساء الجرحى في الغزو) (رقم ٢٧٢٦)، و(ردّ النساء الجرحى والقتلى) (رقم ٢٧٢٧) .
(٤) أخرجه مسلم (١٥٣) (١٩٠٦)، وأبو داود (٢٤٩٧)، والنسائي (٦/١٧-١٨)، وابن ماجه (٢٧٨٥)، والحاكم (٢/٧٨)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/١٦٩)، وفي «الشعب» (٤٢٤٥)، وابن عبد الحكم في «فتوح مصر» (ص ٤٣٠) من طرقٍ، عن أبي هانيء الخولاني، عن عبد الرحمن الحُبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، به.
[ ٨٧ ]
ظاهر هذا الحديث أن من غزا فغنِمَ نقصَ أجرُ جهاده -كما ذهب إلى ذلك قوم (١) -، وليس معنى ذلك كذلك عند أهل العلم والتحقيق، بل أجر الجهاد كاملٌ لكلِّ واحدٍ منهم، بفضل الله -تعالى-، وإنما يفترقون في زيادة الأجر فوق ثواب الجهاد (٢)؛ فأمّا من غنم، فقد حَصَل له في الحال من السرور، ونشاط النفس بالظهور، والغُنْم، ما يَدْفع عنه آثار الجهد في الغزو، وتخلف المال في النفقة، ونحو ذلك مما تَفترق فيه حالهُ مِنْ حال مَنْ غزا فلم يُصبْ شيئًا، ولا عفَّى على كدِّه ونفقته خَلَفٌ، فلهؤلاء زيادةُ أجرٍ فوق أجر الجهاد، من حيثُ تضاعف آثار الجَهدِ
_________________
(١) ذهب إلى ذلك القاضي عياض في «إكمال المعلم» (٦/٣٣٠-٣٣١)، وتبعه عليه النووي في «شرح صحيح مسلم» (١٣/٧٨-ط. قرطبة)، وردَّ مذهبهما ابن عبد البر -ولم يذكر أعيانهما- في كتابه «الاستذكار» (١٤/١١-١٢)، ثم قال: «فيحتمل أن يكون الأجر مضاعفًا لها -أي: السرية- بما نالها من الخوف، وعلى ما فاتها من الغنيمة، كما يؤجر من أصيب بماله مضاعفًا، فيؤجر على ما يتكلَّفه من الجهاد أجرَ المجاهدِ، وعلى ما فاته من الغنيمة أجرًا آخر، كما يؤجر على ما يذهب من ماله، ونحو ذلك» . ا. هـ كلامه. وذكر قبله حديث أبي أمامة الباهلي، مرفوعًا: «ثلاثة كلهم ضامنٌ على الله -﷿-: من خرج غازيًا في سبيل الله، الحديث» . أخرجه أبو داود (٢٤٩٤)، وابن حبان (٤٩٩) -وصحَّحه-، والحاكم (٢/٧٣)، والبيهقي (٩/١٦٦) . ثم قال ابن عبد البر: «وفي هذا دليلٌ على أن الغنيمة لا تنقص من أجر المجاهد شيئًا، غَنِمَ، أو لم يَغْنَم»، وقال: «لو كانت تحبط الأجر، أو تنقصه، ما كانت فضيلةً له» . وانظر: «التمهيد» (١١/٣٥- مع ترتيبه «فتح البر») . ومالت صفاء العدوي في شرحها على سنن ابن ماجه المسمَّى: «إهداء الديباجة» (٤/٦٣) إلى ما ذهب إليه القاضي عياض، والنووي. وقالت في حديث عبد الله بن عمرو -وهوحديث الباب-: «هو صريح في ما ذهب إليه النووي، وهو الأرجح، والله أعلم» . قلت: ما ذكره ابن عبد البر من أن الغنيمة لو كانت تنقص الأجر، ما كانت فضيلةً له، أقوى في الاستدلال، وفيه إعمال جميع النصوص الواردة في الباب. وهو ما رجحه المصنف، وهو الأَوْلى بالصواب، والله أعلم.
(٢) انظر: «التمهيد» (١١/٣٥-مع ترتيبه: «فتح البر»)، «الاستذكار» (١٤/١٠)، «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٢٦/١٩-٢٠)، «الدين الخالص» (٢/٢٨٣) للسبكي، «مقاصد المكلفين» (٤٥٧-٤٥٩) .
[ ٨٨ ]
والكرب بفوت المغنم، كما يؤجر من أصيب بجهدٍ في نفسه، أو تَلفِ شيءٍ من ماله، وذلك أنَّ حالَهم بالإضافة إلى من غَنِمَ حالُ من أصيب بفوتِ مثل ذلك (١) .
وقد خرّج مسلم (٢) في بعض طرقه ما يُتنَبَّهُ به على هذا المعنى؛ قال رسول
الله - ﷺ -: «ما مِنْ غازية -أو: سريَّةٍ- تغزو فتغنم وتَسْلَمُ؛ إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم، وما من غازيةٍ -أو: سريّةٍ- تُخْفِقُ وتصاب؛ إلاَّ تمَّ أجورهم» .
فعلى نحو هذا تترتَّبُ زيادةُ الأجرِ لمن لم يغنم، ويَتَّصِفُ من غَنِمَ بنقصان الأجر إذا أضيف أجره في ذلك إلى الحَظِّ الذي زِيدَ في ثواب من لم يغنم، والله أعلم.
وقد روي في نحو ذلك حديثٌ آخر؛ ذكره أبو عبيد في «غريب الحديث» (٣) له مقطوعًا، أنَّ النبي - ﷺ - قال: «أيُّما سريَّة غزت فأخفقت؛ كان لها أجرها مرتين»، قال: حدثناه مروان بن معاوية، عن إبراهيم بن أبي حُصين، عمَّن حدثه، يرفع الحديث. فهذا يَدُلُّك أنه زيادة أجرٍ فوق الجهاد، لا نُقصان منه، وأدَلُّ دليلٍ في ذلك وأوضحه: قوله - ﷺ - -وقد ذكر مافضَّله الله -تعالى- به، وخصَّه من كرمه-: «أُعطيت خمسًا لم يُعطهنّ أحدٌ قبلي؛ كان كلُّ نبيٍّ يُبعث إلى قومه خاصَّة، وبُعثتُ إلى كل أحمر وأسود، وأُحِلَّت لي الغنائم، ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي» الحديث؛
_________________
(١) انظر تفصيل الكلام على الحديث: «إكمال المعلم» للقاضي عياض (٦/٣٣٠-٣٣١)، «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٣/٧٨- ط. قرطبة)، «عون المعبود» (٧/١٧٤) .
(٢) في «صحيحه» (١٥٤) (١٩٠٦) .
(٣) «غريب الحديث» (١/١٨٨- ط. دار الكتاب العربي) . وإسناده ضعيف. وأخرجه ابن أبي شيبة (٤/٥٦٧- ط. دار الفكر) قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن حسَّان بن عطية، عن عروة اللَّخمي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أيّما سريةٍ خرجت فرجعت وقد أخضعت -كذا-، فلها أجرها مرتين» . وهذا مرسل. وعروة اللخمي هو: عروة بن رُوَيم أبو القاسم اللخمي. صدوق يرسل كثيرًا. قاله الحافظ في «التقريب» (٤٥٦٠) . وانظر: «الجرح والتعديل» (٦/٣٩٦)، «طبقات ابن سعد» (٧/٤٦٠)، «الحلية» (٦/١٢٠)، «تاريخ دمشق» (٤٠/٢٢٨) .
[ ٨٩ ]
ثبت في «الصحيحين»؛ البخاري ومسلم (١) .
فلو كانت الغنيمة تُحبطُ أجرَ الجهاد أو تُنْقِصُه، ما كانت فضيلة، وهذا ظاهر.
قال أبو عبيد (٢): «الإخفاق: أن تغزو فلا تغنم شيئًا، وكذلك كل طالبِ حاجة إذا لم يقضها؛ فقد أخفق إخفاقًا، وأصلُ ذلك في الغنيمة» .
ما جاء في فضل الرِّباط والحراسةِ في سبيل الله
قال الله -﷿-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] .
قال الحسن وقتادة وغيرهما: معناه: رابطوا في سبيل الله (٣) .
وقد قيل غير ذلك (٤) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في «صحيحه» (رقم ٣٣٥ و٤٣٨ -مطولًا و٣١٢٢- مختصرًا)، ومسلم في «صحيحه» (رقم ٥٢١) .
(٢) في «غريب الحديث» (١/١٨٩)، وفيه: (تغزو) و(تغنم) بمثناة من تحت.
(٣) أخرجه عن الحسن وقتادة: ابن جرير في «التفسير» (٣/٢٢١)، وابن المبارك في «كتاب الجهاد» (رقم ١٧٠ و١٧١) . فعن الحسن قال: أمرهم أن يصبروا على دينهم، ولا يدعوه لشدَّة ولا رخاء، ولا سرَّاء ولا ضرَّاء، وأمرهم أن يصابروا الكفار، وأن يرابطوا المشركين. ونحوه عند ابن أبي حاتم (٣/٨٤٧- ٨٤٨)، وعبد بن حميد (ق ١٠١- «المنتخب»)، وابن المنذر (٢/٥٤٣ رقم ١٢٩١) في «تفاسيرهم»، وانظر: «الدر المنثور» (٢/٤١٨) . وعن قتادة قال: أي: صابروا على طاعة الله، وصابروا أهل الضلالة، ورابطوا في سبيل الله. وعنه -أيضًا-: صابروا المشركين، ورابطوا في سبيل الله. ونحوه عند ابن أبي حاتم (٣/٨٤٨)، وابن جرير (٧/٥٠٢ رقم ٨٣٨٧- ط. شاكر)، وعبد بن حميد (ق ١٠١- «المنتخب»)، وابن المنذر (٢/٥٤٤ رقم ١٢٩٥) في «تفاسيرهم»، وانظر: «الدر المنثور» (٢/٤١٨) . وأخرجه ابن جرير (٧/٥٠٢ رقم ٨٣٩١ و٧/٥١٠ رقم ٨٣٩٩)، وابن أبي حاتم (٣/٨٤٧ رقم ٤٦٨٩)، وابن المنذر (٢/٥٤٣ رقم ١٢٩٢) في «تفاسيرهم» عن محمد بن كعب القرظي. وروي ذلك عن الضحاك -أيضًا-. انظر: «تفسير ابن كثير» (١/٤٨١) .
(٤) انظر هذه الأقوال في «تفسير ابن جرير» (٣/٢٢١-٢٢٢)، و«تفسير ابن المنذر» (٢/ =
[ ٩٠ ]
والرّباط عمل من أعمال الجهاد، مختصٌّ بحراسة المسلمين في الثغور، وملازمتها لذلك، وهو من أفضل العبادات، والأجر فيه على قدر الخوف في ذلك الثغر، وحاجة من فيه من المسلمين إلى ذلك.
خرَّج البخاري (١)، عن سهل بن سعد الساعدي، أن رسول الله - ﷺ - قال: «رِباط يوم في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، والرَّوحة يروحها العبدُ في سبيل الله -أو: الغدوة- خيرٌ من الدنيا وما عليها» .
وخرّج النسائي (٢) عن عثمان بن عفَّان: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ربِاطُ يومٍ في سبيل اللهِ خيرٌ من ألفِ يومٍ فيما سواه من المنازلِ» .
وخرَّج مسلم (٣)، عن سلمان قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «رباط يومٍ
_________________
(١) = ٥٤٤-٥٤٥)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/٨٤٧-٨٤٨)، و«المستدرك» (٢/٣٠١)، و«أسباب النزول» (ص ١٧٣)، و«الدر المنثور» (٣/٤١٨) .
(٢) كتاب الجهاد والسير (باب فضل رباط يوم في سبيل الله) (رقم ٢٨٩٢) . ونحوه -مختصرًا - (رقم ٢٧٩٤ و٦٤١٠) . وأخرجه مسلم (١٨٨١) -أيضًا-.
(٣) في «المجتبى» (٦/٤٠) وأخرجه الترمذي (١٦٦٧)، وابن أبي شيبة (٥/٣٢٧)، وعبد بن حميد (٥١)، وأحمد (١/ ٦٢، ٦٥، ٧٥)، وابنه عبد الله في «زوائد المسند» (١/٦٦)، والدارمي (٢٤٢٩)، وابن المبارك في «كتاب الجهاد» (٧٢) -ومن طريقه النسائي (٦/٤٠) -، والطيالسي (٨٧)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (١/٢/١٨٤)، وابن أبي عاصم في «كتاب الجهاد» (٢٩٩، ٣٠٠)، والبزار (٤٠٦)، وابن حبان (٤٦٠٩)، والحاكم (٢/٦٨، ١٤٣)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/٣٩)، وفي «الشعب» (٤٢٣٣) من طرقٍ عن أبي صالح مولى عثمان، عن عثمان بن عفَّان -﵁-، به. بألفاظٍ مختلفة. وأبو صالح يقال اسمه: الحارث، ويقال: تركان. ذكره ابن حبان في «الثقات» (٤/١٣٦)، ووثقه العجلي (ص ٥٠١) . وقال ابن حجر: مقبول. ووثقه الهيثمي في «المجمع» (١/٢٩٧) . وحسَّن الحديث: الترمذي. وصححه: ابن حبان والحاكم. وانظر: «صحيح سنن الترمذي» لشيخنا الألباني -﵀-.
(٤) في كتاب الإمارة (باب فضل الرباط في سبيل الله) (١٦٣) (١٩١٣) .
[ ٩١ ]
وليلة خير من صيام شهرٍ وقيامه، وإن مات جَرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجري عليه رزقه، وأُمنَ الفَتَّان» .
وخرَّج أبو داود (١)، عن فضالة بن عُبيد، أن رسول الله - ﷺ - قال: «كل الميت يُختم على عمله، إلا المرابط؛ فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمن من فَتَّان القبر» .
وقد روي عن بعض أهل العلم اختلافٌ في الجهاد والرباط، أيهما أفضل؟ قال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: «الغزو على الصواب -يعني: السُّنَّة- أحبُّ إليَّ من الرباط، والرِّباط أعجبُ إليَّ من الغزوِ على غير الصَّواب» (٢) .
_________________
(١) في «سننه» في كتاب الجهاد (بابٌ في فضل الرباط) (رقم ٢٥٠٠) من طريق أبي هانئ، عن عمرو بن مالك، عن فضالة بن عُبيد، به. وأخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (٢٤١٤)، وأبو عوانة في «صحيحه» (٥/٩١)، والبزار في «مسنده» (٢/ ق ١٦٤- نسخة الرباط)، والطحاوي في «المشكل» (٣/١٠٢)، والطبراني في «الكبير» (١٨/٣١١ رقم ٨٠٣)، والحاكم في «المستدرك» (٢/٧٩)، والبيهقي في «الشعب» (رقم ٤٢٨٧)، وفي «إثبات عذاب القبر» (١٤٣)، وابن عساكر في «الأربعين في الحث على الجهاد» (ص ٨٥-٨٦) من طرقٍ عن عبد الله بن وهب، عن أبي هانئ، به. وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه» . ووافقه الذهبي. قلت: عمرو بن مالك -وهو أبو علي الجَنْبي، بفتح الجيم وسكون النون بعدها موحَّدة- لم يخرج له البخاري ولا مسلم شيئًا في «صحيحيهما»، وإنما أخرج له البخاري في «الأدب المفرد»، وهو بصريٌّ ثقة -كما في «التقريب» (٥٧٤٢) - وكذلك أبو هانئ: هو الخولاني، واسمه حميد بن هانئ. قال الحافظ في «التقريب» (١٧٠٨): «لا بأس به. وهو أكبر شيخ لابن وهب» . ولم يخرج له البخاري إلا في «الأدب» -أيضًا-. وأخرجه عبد الله بن المبارك في «كتاب الجهاد» (١٧٤)، ومن طريقه كلٌّ من: أحمد في «المسند» (٦/٢٠)، والترمذي في «الجامع» (رقم ١٦٢١)، وابن حبان في «صحيحه» (رقم ٤٦٠٥)، والطبراني في «الكبير» (١٨/٣١١/ رقم ٨٠٢)، والحاكم في «المستدرك» (٢/١٤٤)، وابن أبي عاصم في «كتاب الجهاد» (رقم ٣١٧)، عن حيوة بن شُريح، عن أبي هانئٍ، به. وانظر «صحيح سنن أبي داود» لشيخنا الألباني -رحمه الله تعالى-.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/١٣)، و«البيان والتحصيل» (٢/٥٢١، ٥٢٢)، وفي أصله =
[ ٩٢ ]
ورُوي عن عبد الله بن عمر، في تفضيل الرِّباط، أنه قال: «فُرِضَ الجهادُ لِسفْكِ دماءِ المشركين، والرباط لحقنِ دماء المسلمين، فَحقْنُ دماءِ المسلمين أحبُّ إليَّ من سفكِ دماءِ المشركين» (١) .
قلت: لعلَّه إنما يعني مثل قول مالكٍ في فساد الغزو، ومحدثات الأمور فيه، حتَّى لا يُحْلَى منه إلا سفكُ دماء المشركين مُجَرَّدًا، دونَ الاهتمامِ بحدود ذلك، وحقوقه الواجبة في الجهاد، أو إنما يعني حالة يضطر فيها أهل ثغرٍ من المسلمين إلى الحراسة؛ لِشدة الخوف عندهم، وتوقع هجومِ العدو في اهْتِبال غَفْلةٍ، أو إصابةِ غُرَّة، والله أعلم.
فأمَّا أنْ يكون ذلك على الإطلاق، فلايستقيم أن يقال: الرِّباط أفضل من الجهاد؛ لأنَّ الجهادَ فرضٌ برأسه، كسائر الأركان، والرِّباط لايجبُ إلاَّ لعارضِ الخوف.
وأيضًا، فلا نقول: إن الجهاد فُرِضَ لسفك دماء المشركين، حتى إذا قوبل بحقن دماء المسلمين كان الرباط أولى، لكن نقول: فُرِضَ الجهاد لأن تكون كلمة الله هي العُليا، وتلك خصوصيةٌ لا تُعَادل، ولا يُفَاضَلُ عليها بحالٍ، وفي كلِّ ذلك -والحمد لله- أجرٌ كبير، وفضلٌ عظيم.
ما جاء في ارتباط الخيلِ في سبيل الله، وفضل الرَّمي (٢)
_________________
(١) = «العُتْبِيَّة»: سئل مالك: أيُّ ذلك أعجب إليك: الرباط أو الغارات في أرض العدو؟ قال: أمَّا الغارات، فلا أدري كأنه كرهها؛ وأمَّا السَّير في أرض العدو على الإصابة -يعني: إصابة السُّنة- فإنه أعجب إليَّ.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/١٤)، و«البيان والتحصيل» (٢/٥٢٢) .
(٣) يشمل جميع أنواع الرمي، والتحريض على الرمي بالنشاب في النصوص كان في الزّمن الماضي، وأما اليوم؛ فينبغي أن يكون على تعلّم استعمال الآلات التي شاعت في زماننا. =
[ ٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ومن الغباوة الجمود على ظاهر الحديث؛ فإنّ التحريض عليه ليس إلا للجهاد، وليس فيه معنى وراءه، ولما لم يبق الجهاد بالنشاب والأقواس؛ لم يبق فيها معنى مقصود، فلا تحريض فيها. ومن هذه الغباوة ذهبت سلطنة (بخارى)، حيث استفتى السلطان علماء زمانه بشراء بعض الآلات الكائنة في زمنه، فمنعوه، وقالوا: إنّها بدعة! فلم يدعوه أن يشتريها، حتى كان عاقبة أمرهم أنهم انهزموا، وتسلّط عليهم الروس، ونعوذ بالله من الجهل. قاله الكشميري في «فيض الباري» (٣/٤٣٥)، ونحوه عند المطيعي في «تكملة المجموع» (١٥/ ٢٠٣)، وعند الساعاتي في «الفتح الرباني» (١٣/١٣٠) . بقي بعد هذا: التنبيه على إلحاق العلماء على (الرمي بالمنجنيق) قديمًا: الرمي بالمدافع والطائرات والدبابات والصواريخ. قال فقيه الزمان الشيخ محمد بن صالح العثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٨/٢٧): «المنجنيق بمنزلة المدفع، ففي الوقت الحاضر لا يوجد منجنيق، لكن يوجد ما يقوم مقامه، من الطائرات، والمدافع، والصواريخ، وغيرها» . وجاء في «توضيح الأحكام» (٥/٣٩٩): « النبي - ﷺ - رمى أهل الطائف بالمنجنيق، ومثله غيره من المدافع والصواريخ وغيرها» . ونحوه في «العلاقات الدولية في الإسلام» (ص ٤٧) للزحيلي. وكادت أن تجمع كلمة الفقهاء على جواز تحريق الكفار بالنار في حال القتال إذا لم يقدر عليهم المسلمون بغير ذلك، وحصل هذا مع بعض السلف، كما تراه في «سنن سعيد بن منصور» (رقم ٢٦٤٧، ٢٦٤٨- ط. الأعظمي) . ذلك أن المقصود كبت العدو، وكسر شوكتهم، بل توسع بعض أهل العلم، كالحنفية والشافعية، فجوزوا تحريقهم بالنار، ولو قدرنا عليهم بغيرها! وعليه، فيجوز الرمي بالسهام المسمومة، ولا وجه لكراهية ذلك، كما تراه في بعض كتب المالكية، مثل: «مواهب الجليل» (٤/٥٤٥)، «الخرشي» (٤/١٨) . ويعجبني كلام الماوردي في «الحاوي الكبير» (١٤/١٨٤): «يجوز أن يُلقى عليهم -أي: العدو- الحيات والعقارب، ويفعل بهم جميع ما يفضي إلى إهلاكهم» . أما بالنسبة إلى استخدام الرمي بالأسلحة النووية والكيميائية والجرثومية، فالواجب على المسلمين معرفة كل جديد من الأسلحة، ومعرفة طريقة استخدامها، وكيفية تصنيعها، ولكن الأصل عدم الإفساد في الأرض، وإتلاف النفوس. وبناءً عليه، فلا تستعمل هذه الأسلحة إلا في الضرورات، بحيث لا يمكن التغلب على العدو إلا بواسطتها، ولا سيما إذا كان ذلك من باب المعاملة بالمثل، ورحم الله الشوكاني فإنه قال في «السيل الجرار» (٤/٥٠٤): «قد أمر الله بقتل المشركين، ولم يعيّن لنا الصّفة التي يكون عليها، ولا أخذ علينا أن لا نفعل إلا كذا دون كذا، فلا مانع من قتلهم، بكل سبب للقتل من رمي، أو طعن، أو تحريق، أو هدم، أو دفع عن شاهق، ونحو ذلك» .
[ ٩٤ ]
تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] .
خرَّج مسلم (١)، عن عقبة بن عامر قالٍ: سمعت رسول الله - ﷺ - -وهو على المنبر- يقول: «﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] ألا إنَّ القوة الرَّمي، ألا إنَّ القوة الرَّميُ، ألا إنَّ القوة الرَّميُ» .
وخرَّج الترمذي (٢)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الخيل معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة، الخيل لثلاثة: هي لرجلٍ أجرٌ، وهي لرجلٍ سِترٌ، وعلى رجلٍ وزر؛ فأما الذي له أجرٌ، فالذي يتخذها في سبيل الله، فيعِدُّها له، هي له أجرٌ، لايغيب في بطونها شيءٌ، إلا كتب الله له أجر » الحديث. وقال فيه: «حديث حسن صحيح» .
أبو داود (٣)، عن عقبة بن عامرٍ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إنَّ الله
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب فضل الرمي والحث عليه، وذم من عَلِمَه ثم نسيه) (١٦٧) (١٩١٧)، وانظر: «فضائل الرمي» للقراب (رقم ١١- بتحقيقي) .
(٢) في «جامعه» في أبواب فضائل الجهاد (باب ماجاء في فضل من ارتبط فرسًا في سبيل الله) (رقم١٦٣٦)، وفيه قصَّة. وأخرجه البخاري (٢٨٤٩، ٢٨٥٠، ٢٨٥٢، ٣١١٩، ٣٦٤٣، ٣٦٤٤، ٣٦٤٥)، ومسلم (١٨٧١، ١٨٧٣)، ومالك (٩٠١)، وأبو داود (١٦٥٨، ١٦٥٩)، وابن ماجه (٢٧٨٨)، والنسائي في «المجتبى» (٦/٢١٥، ٢١٦)، وابن أبي شيبة (١٢/٤٨٤)، وأحمد (٢/١٠١، ٢٦٢، ٢٧٦، ٤٢٣)، وابن خزيمة (٢٢٥٢، ٢٢٥٣، ٢٢٩١)، وأبو يعلى (٢٦٤١)، وابن حبان (٤٦٧١، ٤٦٧٢)، والطبراني في «الأوسط» (٢٠٩٠)، والبيهقي في «الكبرى» (٤/٩٨، ١١٩، و١٠/١٥) . والروايات مطولة ومختصرة.
(٣) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في الرمي) (رقم ٢٥١٣) . وأخرجه النسائي في «المجتبى» (٦/٢٨)، والترمذي في «الجامع» (٤ رقم ١٦٣٧)، وعبد الرزاق في «المصنف» (١٠ رقم ١٩٥٢٢)، وأحمد في «المسند» (٤/١٤٤ و١٤٦ و١٤٨ و٢٢٢)، وأبو عوانة في «المسند» (٥/١٠٣ و١٠٤)، والطيالسي في «المسند» (رقم ١٠٠٦)، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٢/٥٠٢)، وابن أبي شيبة في «المصنّف» (٥/٣٤٩-٣٥٠)، وسعيد بن منصور في «سننه» (رقم ٢٤٥٠)، والدارمي في «السنن» (٢/٢٠٤-٢٠٥)، والطحاوي في «المشكل» (١/١١٩، ٣٦٨)، والروياني في «مسنده» (رقم ١٨٤، ١٨٥، ١٨٨، ٢٤٧)، وأبو إسحاق الفزاري في «السير» (رقم ٥٦٣)، =
[ ٩٥ ]
يُدخلُ بالسَّهم الواحد ثلاثة نفرٍ في الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرَّامي به، ومنبِّله، وارموا واركبوا، وأن ترموا أحبُّ إليَّ من أن تركبوا. ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبْلِهِ، ومن ترك الرمي بعد ما علمه، رغبةً عنه، فإنَّها نعمةٌ تركها»، -أو قال: «كَفَرَها» -.
_________________
(١) = والطبراني في «المعجم الكبير» (١٧ رقم ٩٣٩-٩٤٢)، وابن الجارود في «المنتقى» (رقم ١٠٦٢)، والحاكم في «المستدرك» (٢/٩٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/١٣، ١٣-١٤، ٢١٨)، و«الشعب» (٤ رقم ٤٣٠٦)، والآجري في «تحريم النرد والشطرنج» (رقم ١، ٢، ٣)، وابن عساكر في «الأربعين في الحث على الجهاد» (رقم ٢٩)، و«تاريخ دمشق» (ص ٥٧٢- «ترجمة عبد الله بن زيد»)، والبغوي في «معالم التنزيل» (٢/٦٤٧)، و«شرح السنة» (١٠ رقم ٢٦٤١)، وابن حبان -كما في «فتح الباري» (٦/٩١) - والخطيب في «الموضح» (١/١١٣-١١٤)، وأبو نعيم في «رياضة الأبدان» (رقم ٨)، وعفيف الدين المقرئ في «الأربعين في الجهاد والمجاهدين» (رقم ٣٥)، والمزي في «تهذيب الكمال» (٨/٧٥-٧٦)، وأعلّه العراقي في «تخريج الإحياء» وتبعه شيخنا في «تخريج فقه السيرة» (٢٢٥) بعلّتين: الأولى: الاضطراب الواقع في السند، حيث رواه أبو سلام تارة عن خالد بن زيد، وأخرى عن عبد الله بن زيد الأزرق. والأخرى: جهالة كل من خالد بن زيد، وعبد الله بن الأزرق. قلت: خالد بن زيد وعبد الله واحد، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (٥/٩٣)، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٥/٥٨): «عبد الله بن زيد الأزرق، ويقال: خالد بن زيد»، فانتفت علة الاضطراب وبقيت جهالة الحال، إذ لم يوثق خالد بن زيد إلا ابن حبان كما في «التهذيب» (٥/٢٢٦) وتساهله معروف. وقال السيوطي في حديث عقبة بن عامر بعد عزوه لمالك في «الموطأ» وغيره: «حسن» . وانظر: «كنز العمال» (٤ رقم ١٠٨٦٠) . وقال الهيثمي في «المجمع» (٤/٣٢٩): «رجاله ثقات» وصححه ابن خزيمة، كما في «فتح الباري» (١١/٩١) . وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/٢٧٩): «رواه الطبراني بإسناد جيّد» . ولكن أصل الحديث صحيح مرفوعًا، إذ في الباب أحاديث كثيرة، تنظر مع تخريجها في «فضائل الرمي» للقراب، وهو مطبوع ضمن كتابي «مجموعة أجزاء حديثية» (١/٢٧٥-٣٠٥)، ولا سيما لفظ: «من عَلِمَ الرَّمي، ثم تركه فليسَ مِنَّا، أو: قد عَصَى» . فقد أخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب فضل الرَّمي) (١٦٩) (١٩١٩) .
[ ٩٦ ]
قوله: «ومُنبّلُه»، المُنَبِّل: الذي يناول الرَّامي النَّبلَ واحدًا بعد واحد، أو يَردُّ عليه النَّبلَ المرميَّ.
وقوله: «ليس من اللهو إلا ثلاث»، أي: ليس يثبت من اللهو في الشرع إلا ثلاث، يريد: إن ما عَدا ذلك من اللهو فهو باطل (١) . ووقع في الترمذي (٢) هذان الحرفان
مفسَّرين؛ قال: «في السهم (٣)، والرامي به، والمُمِدّ به»، وقال: «كلُّ ما يلهو به الرجل المسلم باطل، إلا رَمْيَه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنهنَّ من الحقّ» .
ما جاء في فضل الإنفاق في سبيل الله
قال الله -تعالى-: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] .
_________________
(١) في هذا بيان أن جميع أنواع اللهو محظورة، وإنما استثنى رسول الله - ﷺ - هذه الخلال من جملة ما حرّم منها؛ لأنّ كل واحدة منها، إذا تأمّلْتها وَجَدْتها مُعينة على حق، أو ذريعة إليه. ويدخل في معناها ما كان من المثاقفة بالسّلاح، والشدّ على الأقدام، ونحوهما، مما يرتاض به الإنسان، فيتوقّح بذلك بدنه، ويتقوّى به على مجالدة العدو. فأمّا سائر ما يتلهى به البطّالون من أنواع اللهو، كالنرد والشطرنج، والمزاجلة بالحمام، وسائر ضروب اللعب، مما لا يستعان به في حقٍّ، ولا يُستجمُّ به لدرك الواجب فمحظور كلّه، قاله ابن القيم في «تهذيبه على سنن أبي داود» (٣/٣٧١)، ونحوه في «شرح السنة» (١٠/٣٨٣) للبغوي. وللشاطبي كلمات مهمة في «الموافقات» حول هذا المعنى، وذكر هذا الحديث في مواطن منه (١/٢٠٢، ٢٠٥، ٢٢٨، و٣/٥١٦، ٥١٩- بتحقيقي)، وقال (١/٢٠٥): «يعني بكونه باطلًا، أنه عَبَثٌ أو كالعبث، ليس فيه فائدة ولا ثمرة تُجنى، بخلاف اللعب مع الزوجة، فإنه مباح يخدم أمرًا ضروريًّا، وهو النسل، وبخلاف تأديب الفرس، وكذلك اللعب بالسِّهام، فإنهما يخدمان أصلًا تكميليًا وهو الجهاد، فلذلك استثنى هذه الثلاثة من اللهو الباطل» .
(٢) في «جامعه» في كتاب فضائل الجهاد (باب ما جاء في فضل الرمي في سبيل الله) (رقم ١٦٣٧) من مرسل عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، وفي سنده محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد عنعن، والحديث السابق يشهد له، وورد في الباب -أيضًا- أحاديث عديدة تراها مع تخريجنا لها في «فضائل الرمي» للقراب.
(٣) لفظ الترمذي: «صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي » .
[ ٩٧ ]
خرَّج النسائي (١)، عن خُريم بن فاتكٍ الأسديِّ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من
أنفق نفقةً في سبيل الله، كُتبت بسبع مئة ضعف» .
البخاري (٢)، عن أبي هريرة قال النبي - ﷺ -: «من احتبس فرسًا في سبيل الله، إيمانًا بالله، وتصديقًا بوعده؛ فإنَّ شَبَعَهُ وَرِيَّهُ ورَوْثَه وبولَه في ميزانه يوم القيامة» .
وفيه (٣) عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله؛ دعاه خزنة الجنة، كُلُّ خزنة بابٍ: أي فُلُ هَلُمَّ» . قال أبو بكر: يا رسول الله، ذلك الذي لا تَوَى عليه! فقال النبي - ﷺ -: «إنِّي لأرجو أنْ تكون منهم» .
قوله: «أي فُل»: نداء مخصوص، كما تقول: أي هذا، يقال: فلانٌ وفُلُ، محذوف -لُغتان-، وليس على طريق الترخيم. قال الشاعر (٤):
_________________
(١) في «المجتبى» في كتاب الجهاد (باب فضل النفقة في سبيل الله) (٦/٤٩ رقم ٣١٨٦)، وفي «الكبرى» -كما في «التحفة» (٣٢٥٦) -. وأخرجه الترمذي (١٦٢٥)، وأحمد (٤/٣٤٥، ٣٤٦)، والبخاري في «التاريخ» (٨/٤٢٣)، وابن أبي شيبة في «المسند» (ق ٣٨- ق٣٩- نسخة الرباط)، وفي «المصنف» (٥/٣١٨) -وعنه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (رقم ١٠٤٧- مطولًا)، وفي «كتاب الجهاد» (رقم ٧١، ٧٢) -، والطبراني في «الكبير» (٤/٢٤٤، ٢٤٥/ رقم ٤١٥١، ٤١٥٢)، والحاكم (٢/٨٧)، وابن حبّان في «صحيحه» (رقم ٤٦٢٨)، -وكما في «الموارد» (٣٩٦ رقم ١٦٤٧) -، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٣٤)، وأبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (رقم ٦٢٨)، والبيهقي في «الشعب» (رقم ٤٢٦٨) مطولًا ومختصرًا. وصححه السيوطي في «الجامع الصغير» (٢/١٦٧)، والمناوي في «التيسير» (٢/٤٠٦)، وكذا شيخنا الألباني في «صحيح أبي داود»، وفي تعليقه على «المشكاة» (٣٨٢٦) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب من احتبس فرسًا) (رقم ٢٨٥٣) .
(٣) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب فضل النفقة في سبيل الله) (رقم ٢٨٤١) . وفي كتاب بدء الخلق (باب ذكر الملائكة) (رقم ٣٢١٦) . ونحوه مطولًا برقم (١٨٩٧، ٣٦٦٦)، وهو الحديث الآتي بعده.
(٤) هو أبو النجم، في أرجوزةٍ طويلة جدًا. موجودة بتمامها في مجلة المجمع العلمي بدمشق (ص ٤٧٢-٤٧٩/ سنة ١٩٢٨م) . وقال ابن فارس في «معجم مقاييس اللغة» (٤/٤٤٧): ورخَّمه أبو النجم. =
[ ٩٨ ]
في لَجَّةٍ أمْسِكْ فلانًا عن فُلِ
وقوله: «لا تَوَى عليه»، أي: لا هلاك عليه (١)، ورجلٌ تَوٍ، مثل: عم (٢) .
وفي «الموطأ» (٣)، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله؛ نُودي في الجنة: يا عبد الله، هذا خيرٌ، فمن كان من أهل الصلاة، دُعي
_________________
(١) = والشاهد مذكور في الأرجوزة، في قوله: إذا عَصَبتْ بالعَطنِ المُغربلِ تدافعَ الشيبُ ولم تقْتلِ في لجةٍ أمْسِكْ فلانًا عن فُلِ واللجَّة من اللجاج، واللجاج والتجاج الظلام: اختلاطه، وهو مشبَّه بالتجاج البحر، ويستعار هذا فيقال: عين ملتجّة: شديدة السواد. وانظر: «جمهرة اللغة» (ص ٤٠٧)، «لسان العرب» [(١/٦٠٥) (عصب)، (٢/٣٥٥) (لجج)، (١١/٥٣٣) (فلل)، (١٣/٣٢٤، ٣٢٥) (فلن)]، «الطرائف الأدبية» (ص ٦٦)؛ «المنصف» (٢/٢٢٥)، «الممتع في التصريف» (٢/٦٤٠)، «خزانة الأدب» (٢/٣٨٩)، «الدرر» (٣/٣٧)، «سمط الآلي» (ص ٢٥٧)، «شرح أبيات سيبويه» (١/٤٣٩)، «شرح التصريح» (٢/١٨٠)، «شرح المفصل» (٥/ ١١٩)، «شرح شواهد المغني» (١/٤٥٠)، «الصاحبي في فقه اللغة» (ص ٢٢٨)، «الكتاب» (٢/٢٤٨، ٣/ ٤٥٢)، «المقاصد النحوية» (٤/٢٢٨)، «تهذيب اللغة» (٢/٤٨)، «تاج العروس» (٣/٣٨٢) (عصب)، (فلن)، «مقاييس اللغة» (٤/٤٤٧، ٥/٢٠٢)، «مجمل اللغة» (٤/٦١)، «أوضح المسالك» (٤/٤٣)، «شرح الأشموني» (٢/٤٦٠)، «شرح ابن عقيل» (ص ٥٢٧)، «شرح المفصل» (١/٤٨)، «المقتضب» (٤/٢٣٨)، «المقرب» (١/١٨٢)، «همع الهوامع» (١/١٧٧) .
(٢) في هامش المنسوخ: هنا علامة إلحاق، وليس في الهامش شيء.
(٣) انظر: «لسان العرب» (١٤/١٠٦-ط. دار الفكر) .
(٤) «الموطأ» (ص ٢٩٠) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الصوم (باب الريّان للصائمين) (رقم ١٨٩٧)، وكتاب المناقب (باب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -) (رقم ٣٦٦٦)، ومسلم في «صحيحه» في كتاب الزكاة (باب من جَمعَ الصدقة وأعمال البر) (١٠٢٧)، والترمذي (٣٦٧٤)، والنسائي في «المجتبى» (٤/١٦٨ و٥/٩، ٢٢ و٦/٤٧)، وابن خزيمة (٢٤٨٠)، وأحمد (٢/٣٦٦)، والبيهقي (٩/١٧١)، وابن أبي شيبة (٣/٧)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/٣٢٣ رقم ٢٠٥٢٢- ط. قلعجي) . والألفاظ متقاربة المعنى.
[ ٩٩ ]
من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الرَّيَّان»، فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما عَلى من يُدْعى من هذه الأبواب من ضرورة، فهل يُدْعى أحدٌ من هذه الأبواب كلِّها؟، قال: «نعم، وأرجو أن تكون منهم» .
النسائي (١)، عن صَعْصَعة بن معاوية قال: لقيتُ أبا ذر، قال: قلت: حدثني،
_________________
(١) في «المجتبى» (٦/٤٨) . وفيه: «اسْتَقْبَلَتْهُ» بدل: «اسْتَبَقَتْهُ» . والحديث مرويٌّ مطولًا. فعن الحسن، عن صعصعة بن معاوية، قال: أتيت أبا ذر، قلت: ما لك؟ قال: لي عملي. قلتُ: حدِّثني. قال: نعم، قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة من أولادهما لم يبلغوا الحنث، إلا غفر الله لهما» . قلت: حدّثني، قال: نعم، قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مسلم ينفق من كل مالٍ له زوجين في سبيل الله، إلا استقبلته حجبة الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده»، قلت: وكيف ذاك؟، قال: «إن كانت رجالًا فرجلين، وإن كانت إبلًا فبعيرين، وإن كانت بقرًا فبقرتين» . وهذا الحديث صحيح، وصعصعة بن معاوية، روى له البخاري في «الأدب المفرد»، والنسائي، وابن ماجه، وله صحبة، وقيل: إنه مخضرم. وصرح الحسن -وهو البصري- بسماعه من صعصعة في الرواية عند أحمد (٥/١٥٩) . وأخرجه أحمد (٥/١٥١ و١٥٣ و١٥٩ و١٦٣)، والبزار في «مسنده» (٣٩٠٩)، و(٣٩١٠)، والنسائي (٤/٢٤-٢٥ و٦/٤٨-٤٩)، والطبراني في «الكبير» (١٦٤٥)، والحاكم (٢/٨٦-٨٧)، والبيهقي (٩/١٧١) من طرق عن الحسن، به. واقتصر النسائي في موضعه الأول على الشطر الأول من الحديث، والنسائي في موضعه الثاني، والطبراني والحاكم على الشطر الثاني منه، وصححه الحاكم. وأخرجه بتمامه: البزار (٣٩١٠) و(٣٩١١) و(٣٩١٢) و(٣٩١٣)، وأبو عوانة (٧٤٨٤) و(٧٤٨٥) و(٧٤٨٦)، وابن حبان (٤٦٤٣)، والطبراني في «الكبير» (١٦٤٤)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/٣٢٦)، والبيهقي (٩/١٧١)، والمزي في ترجمة صعصعة من «التهذيب» (١٣/ ١٧٢-١٧٣) من طرق عن الحسن البصري، به. وأخرج الحديث الأول مفردًا: البخاري في «الأدب المفرد» (١٥٠)، وابن حبان (٢٩٤٠)، والطبراني في «الصغير» (٨٩٥) من طرق عن الحسن، به. وزاد البخاري: «وما من رجل أعتق مسلمًا إلا جعل الله كل عضو منه فكاكه لكل عضو منه» . =
[ ١٠٠ ]
قال: نعم، قال رسول الله - ﷺ -: «ما مِنْ عبدٍ مسلمٍ يُنفق من كل مالٍ له زوجين في سبيل الله؛ إلا اسْتَبَقَتْهُ حَجَبةُ الجنَّة، كلّهم يدعوه إلى ما عنده»، فقلت: وكيف ذلك؟، قال: «إن كانت إبلًا فبعيرين، وإن كانت بقرًا فبقرتين» .
وروي نحو هذا التفسير عن الحسن البصري (١) قال: اثنين من جنسٍ واحد، كدرهمين -أو: دينارين- وقد قيل: إنه يدخل في ذلك -أيضًا- سائر الطاعات، مثل: أن يصوم ويصلي نفلين، ويغزو مرَّتين، وماأشبه ذلك. ويحتمل أن يكون قوله: «من كان من أهل الصلاة، من كان من أهل الجهاد»، إشارةً إلى هذا المعنى؛ نُسبَ إلى الأعمال المتكررة منه. وقيل: يحتمل أن يكون ذلك العملُ أغلبَ عليه، وأكثر في عباداته، وهذا يرجع إلى ما قلناه، مِن أنه: العمل الذي
يكثر تكراره في نوعه، والله أعلم (٢) .
وأمّا قوله في حديث «الموطأ»: «هذا خير»، فقيل (٣): معناه: هذا خيرٌ نِلْتَهُ وأدركته بعملك، هو هنا معدٌّ لك، وليس معناه: هذا أفضل.
_________________
(١) = وأخرج الحديث الثاني مفردًا: أبو عوانة (٧٤٨٧)، وابن حبان (٤٦٤٤)، والطبراني في «الكبير» (١٦٤٥) من طرق عن الحسن، به. والشطر الأول من الحديث مرويٌّ ضمن قصة وفاة أبي ذر، من طريق إبراهيم بن الأشتَرْ، عن أبيه، عن أمٍّ ذر، عن أبي ذر. أخرجه أحمد (٥/١٥٥)، والبزار (٤٠٦٠)، وابن حبان (٦٦٧٠، ٦٦٧١)، والحاكم (٣/٣٤٤- ٣٤٦)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/١٦٩-١٧٠)، والبيهقي في «الدلائل» (٦/٤٠١-٤٠٢) . ومرويٌّ من طريق إبراهيم بن الأشتر -أيضًا- مرسلًا. أخرجه أحمد (٥/١٦٦)، وابن سعد في «الطبقات» (٤/٢٣٢-٢٣٣) .
(٢) أخرجه ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/٣٢٦/ رقم ٢٠٥٣٤) عنه قال: «زوجين، درهمين، دينارين، عَبْدين، من كل شيءٍ اثنين» . ثم قال ابن عبد البر: «تفسير الحسن جيدٌ حسن» .
(٣) انظر: «الاستذكار» (١٤/٣٢٣-٣٢٥) .
(٤) هذا قول ابن عبد البر (١٤/٣٢٧) . وبعد كلمة: «خير» في الأصل علامة إلحاق، وهو غير واضح.
[ ١٠١ ]
قلت: ولا يبعد أن يكون بمعنى: هذا أفضل، يُراد: أنَّ ما أعدَّ لك ها هنا خيرٌ مما أَنْفَقْتَ في الدنيا، يُغبط بفعله، ويُعَرَّفُ قدر نعمة الله -تعالى- وفضله في تضعيف الجزاء له، كما قال -تعالى-: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، فهم يستبقون إلى تبشيره بذلك، كلُّ خازنٍ بما عنده، والله أعلم.
ما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء
في «الموطأ» (١)، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: «وَدِدْتُ أني أقاتِلُ في سبيل الله، فأُقتل، ثم أُحيا فأُقتل، ثم أُحيا فأقتل» .
البخاري (٢)، عن أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ - قال: «ما أحدٌ يدخل الجنة، يحب أن يرجع إلى الدنيا، وله ما على الأرض من شيءٍ إلا الشهيد؛ يتمنَّى أن يرجع إلى الدنيا، فيُقتَلَ عشر مرات؛ لما يرى من الكرامة» .
الترمذي (٣)، عن المقدام بن معدي كَرِبَ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «للشهيد
_________________
(١) (رقم ٤٦٣- ط. إحياء التراث) . وفيه: فكان أبو هريرة يقولهنَّ ثلاثًا: أشهد بالله. ونحوه (رقم ٤٧٠- مطولًا) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب التَّمَنِّي (باب ماجاء في التمنِّي، ومن تمنَّى الشهادة) (رقم ٧٢٢٧) . ونحوه (رقم ٣٦ و٢٧٩٧ و٢٩٧٢ و٧٢٢٦)، ومسلم (١٨٧٦) (١٠٦) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسِّير (باب تمَنِّي المجاهد أن يرجع إلى الدنيا) (رقم ٢٨١٧) . وأخرجه بنحوه (رقم ٢٧٩٥)، ومسلم في كتاب الإمارة (باب فضل الشهادة في سبيل الله) (١٨٧٧) (١٠٨) .
(٣) في «جامعه» في كتاب فضائل الجهاد (باب في ثواب الشهيد) (رقم ١٦٦٣) . وأخرجه ابن ماجه (٢٧٩٩)، وأحمد (٤/١٣١)، وعبد الرزاق في «المصنف» (٥/٢٦٥ رقم ٩٥٥٩)، والطبراني في «الكبير» (٢٠/٢٦٦ رقم ٦٢٩)، وفي «مسند الشاميين» (ق ٢٢٤)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٢٥٦٣)، والهيثم بن كليب الشاشي في «مسنده» (٣/١٧٤ رقم ١٢٥٩)، وابن أبي =
[ ١٠٢ ]
عند الله سِتّ خصال؛ يُغْفَر له في أول دَفعة، ويُرَى مقعده من الجنة، ويُجار من عذابِ القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسهِ تاج الوقار، الياقوتة منه خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويزوَّج اثنتين وسبعين زوجةً من الحور العين، ويُشفَّع في سبعين من أقاربه» . قال فيه: حسن صحيح غريب.
وفي «الموطأ» (١)، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، أن رسول الله - ﷺ - رغَّب في الجهاد، وذَكرَ الجنة، ورجلٌ من الأنصار يأكل تمراتٍ في يده، فقال: إني لحريص على الدنيا إن جلستُ حتى أَفْرُغ منهنَّ، فرمى ما في يده، فحمل بسيفِه، فقاتل حتى قُتِل.
أبو داود (٢)، عن معاذ بن جبل، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «من قاتل في
_________________
(١) = عاصم في «كتاب الجهاد» (رقم ٢٠٤ و٢٠٦)، وابن بشران في «الأمالي» (رقم ٧٦١)، والبيهقي في «الشعب» (٤/٢٠٥ رقم ٤٢٥٤)، وشمس الدين المقدسي في «فضل الجهاد والمجاهدين» (١٠) من طرقٍ عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معدي كرب. وفي «فضل الجهاد والمجاهدين» للمقدسي: «تسع خصال»، وفي «مسند الشاميين»: «تسع خصال أو عشر خصال»، وفي «كتاب الجهاد» لابن أبي عاصم (رقم ٢٠٤): «سبع خصال» . وفي «تحفة الأشراف» (٨/٥٠٧)، و«تحفة الأحوذي» (٣/١١٧- ط. الهندية) قول الترمذي: صحيح غريب. والحديث صحيح. وانظر: «صحيح سنن الترمذي» لشيخنا الألباني -﵀-.
(٢) (رقم ٤٧٢) وهو مرسل. وقد وصله البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله. أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب المغازي (باب غزوة أحد) (رقم ٤٠٤٦)، ومسلم في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب ثبوت الجنة للشهيد) (١٨٩٩) (١٤٣)، والنسائي في «المجتبى» (٦/٣٣)، والحميدي (١٢٤٩)، وأحمد (٣/٣٠٨) في «مسنديهما»، والبيهقي في «السنن» (٩/٤٣، ٩٩)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/٢٩٦ رقم ٢٠٤٠٦) .
(٣) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب فيمن سأل الله -تعالى- الشهادة) (رقم ٢٥٤١) . وأخرجه الترمذي (١٦٥٧)، وابن ماجه (٢٧٩٢)، والنِّسائي في «المجتبى» (٦/٢٥)، والدارمي (٢٣٩٩)، وأحمد (٥/٢٣٠، ٢٣٥، ٢٤٣، ٢٤٤)، وعبد بن حميد (١١٩)، وعبد الرزاق (٩٥٣٤)، والطبراني (٢٠ رقم ٢٠٣، ٢٠٤، ٢٠٥، ٢٠٦، ٢٠٧)، وابن حبان (٤٦١٨- «الإحسان»)، والحاكم (٢/٧٧)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/١٧٠)، وفي «الشعب» (٤٢٥٠) . =
[ ١٠٣ ]
سبيل الله فُواقَ ناقةٍ، فقد وَجَبتْ له الجنة، ومن سأل الله القتلَ من نفسه صادقًا، ثم مات -أو: قُتِلَ-، فإنَّ له أجرَ شهيد» .
الترمذي (١)، عن معاذ بن جبل، عن النبي - ﷺ - قال: «من سأل الله القتل في سبيله صادقًا من قلبه، أعطاه الله أجرَ الشهادة» قال فيه: حسنٌ صحيح.
مسلم (٢)، عن سهل بن حنيف، أن رسول الله - ﷺ - قال: «من سأل الله الشهادة بصدقٍ، بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» .
وفيه (٣) عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من طلبَ الشهادة صادقًا؛ أُعطيها، ولو لم تُصبه» .
أبو داود (٤)، عن أبي مالك الأشعري قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:
_________________
(١) = وقال الحاكم: صحيح على شرطهما. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وانظر: «صحيح أبي داود» لشيخنا الألباني -﵀-. و(فُواق الناقة): هو مابين الحَلبتين من الرَّاحة، وتُضمُّ فاؤه وتُفْتَح. وانظر: «النهاية في غريب الحديث» (٣/٤٧٩) لابن الأثير، و«غريب الحديث» لأبي عبيد (٤/ ٨٢ و١٧٦) .
(٢) في «جامعه» في أبواب فضائل الجهاد (باب من جاء فيمن سأل الشهادة) (رقم ١٦٥٤)، وهو طرفٌ من الحديث الذي قبله بنحوه.
(٣) في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله -تعالى-) (١٥٧) (١٩٠٩) .
(٤) نفس الكتاب والباب السابقين (١٥٦) (١٩٠٨) .
(٥) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب فيمن مات غازيًا) (رقم ٢٤٩٩): حدثنا عبد الوهاب ابن نَجْدة، والطبراني في «الكبير» (٣/٢٨٢-٢٨٣رقم ٣٤١٨)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/١٦٦)، وفي «الشعب» (٢/ق ٩٣/ب) من طريق عبيد بن شريك، قالا: حدثنا بقية بن الوليد، عن ابن ثوبان -وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان- عن أبيه، يردّ إلى مكحول، إلى عبد الرحمن بن غنم الأشعري، أنَّ أبا مالكٍ الأشعري قال: فذكره. وهذا إسنادٌ ضعيف؛ فبقية بن الوليد: صدوق، لكنه كثير التدليس، وقد عنعنه. ولكنه صرَّح بالتحديث؛ أخرجه الحاكم (٢/٧٨)، وابن أبي عاصم في «كتاب الجهاد» (رقم =
[ ١٠٤ ]
«من فَصَلَ في سبيل الله فمات -أو: قتل- فهو شهيد، أو: وَقَصهُ فرسه -أو: بعيره-، أو: لدغته هامَّةٌ، أو: مات على فراشه بأي حتفٍ شاء الله، فإنَّه شهيد، وإنَّ له الجنة» .
قلت: ومصداق ذلك في كتاب الله: قوله -تعالى-: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] .
ما جاء في الشهداء
قال الله -تعالى-: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ
عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩] .
خرّج مسلم (١) عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية، قال: أمَا إنَّا قد سألنا عن ذلك، فقال: «أرواحهم في جَوفِ طيرٍ خُضرٍ، لها قناديل معلَّقةٌ بالعرش، تَسرحُ من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطَّلع إليهم ربهم اطِّلاعةً، فقال: هل تشتهون شيئًا؟، قالوا: أيُّ شيءٍ نشتهي، ونحن نسرحُ من الجنة حيث شئنا!، ففعل ذلك بهم ثلاث مرَّات، فلما رأوا أنهم لن يُتركوا من أن
_________________
(١) = ٥٤، ٢٣٥) . وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وردَّه الذهبي بقوله: «ابن ثوبان، لم يحتج به مسلم، وليس بذاك، وبقية ثقة، وعبد الرحمن بن غنم لم يدركه مكحول فيما أظن» . وعبد الرحمن بن ثابت: صدوق يخطئ، ورُمي بالقدر، وتغير بأخرة. قاله الحافظ في «التقريب» . لذا قال المنذري: في إسناده بقية بن الوليد، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وهما ضعيفان. والعلماء في عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان بين موثق ومضعِّف، وبالجملة فلا ينزل حديثه عن مرتبة الحسن، فالحديث حسن إن شاء الله، والله أعلم. (تنبيه): كلمة (عتبة) لعلَّها تحرفت من (بقية) في مطبوع «الكبرى» للبيهقي. فاقتضى التنبيه. وفي الحديث: «فَصَلَ»، أي: خَرَجَ.
(٢) في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب بيان أنَّ أرواح الشهداء في الجنة، وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون) (١٢١) (١٨٨٧) .
[ ١٠٥ ]
يسألوا، قالوا: يارب! نريد أن تَرَدُّ أرْواحَنا في أجسادنا؛ حتى نُقتلَ في سبيلكَ مرةً أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجةٌ؛ تُرِكوا» .
الترمذي (١)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما يجد الشهيد من
_________________
(١) في «جامعه» في كتاب فضائل الجهاد (باب ما جاء في فضل الرباط) (رقم ١٦٦٨) من طريق صفوان بن عيسى، حدثنا ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: فذكره. وأخرجه ابن ماجه في «سننه» في كتاب الجهاد (باب فضل الشهادة في سبيل الله) (رقم ٢٨٠٢)، وأحمد (٢/٢٩٧)، والدارمي (٢/١٢٥ رقم ٢٤١٣)، وابن أبي عاصم في «كتاب الجهاد» (رقم ١٩٠)، وابن حبان في «صحيحه» (٧/٨٢ رقم ٤٦٣٦)، وأبو إسحاق الثعلبي في «تفسيره» (٢/ق ١٠٥/ب)، وأبو الفرج المقرئ في «الأربعين في فضل الجهاد والمجاهدين» (ق ١٧٣/أ)، وشمس الدين المقدسي في «فضل الجهاد والمجاهدين» (٩) من طرقٍ عن صفوان بن عيسى، به. وأخرجه النسائي في «المجتبى» في كتاب الجهاد (باب مايجد الشهيد من الألم) (٦/٣٦)، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/٢٦٤-٢٦٥)، وابن بشران في «الأمالي» (٢ رقم ١٠١٢)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/١٦٤)، والبغوي في «شرح السنة» (١٠/٣٦٥)، وفي «تفسيره» (١/٤٥٠)، والتيمي الأصبهاني في «الترغيب والترهيب» (رقم ٨١٩) من طرقٍ أخرى عن ابن عجلان -وهو محمد بن عجلان-، به. وقال الترمذي في إثر الحديث: «هذا حديث حسن صحيح غريب» . وقال أبو نعيم: «ثابت مشهور من حديث القعقاع عن أبي صالح» . وقال البغوي: «هذا حديث غريب» . قلت: ومحمد بن عجلان، قال عنه الحافظ في «التقريب»: صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة. وذكره في (المرتبة الثالثة) من «طبقات المدلسين» (ص ٣٢) . فحديثه حسن -إن شاء الله-. وللحديث شاهد من حديث أبي قتادة، أن رسول الله - ﷺ - قال: «الشهيد لايجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم مسَّ القرصة» . أخرجه الطبراني في «الأوسط» (١/ق ١٨/أ) حدثنا أحمد بن رشدين: حدثنا عيسى بن حمَّاد زُغبة: حدثنا رشدين بن سعد، عن الحسن بن ثوبان وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن علي بن رباح، عن أبي قتادة. وعلي بن رباح هو اللخمّي: ثقة. وكذلك يزيد بن أبي حبيب. =
[ ١٠٦ ]
مسِّ القتل، إلا كما يجد أحدكم مسَّ القَرْصة» . قال فيه: حسن صحيح.
وفيه -أيضًا- (١)، عن أبي يزيد الخولاني، أنه سمع فُضالة بن عبيد يقول: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الشهداء أربعة؛
_________________
(١) = والحسن بن ثوبان، قال أبو حاتم -كما في «الجرح والتعديل» لابنه (١/٢/٣) -: «لا بأس به» . وذكره ابن حبان في «الثقات» (٦/١٦٢) . وأما رشدين بن سعد. قال الذهبي في «الميزان»: «كان صالحًا عابدًا سيء الحفظ غير معتمد» . وضعفه الحافظ في «التقريب» . وشيخ الطبراني مختلفٌ فيه؛ وهو أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين بن سعد، لكن قال ابن عدي في «الكامل» (١/٢٠١): « وهو مِمَّن يكتب حديثه مع ضعفه» . وانظر: «الميزان» (١/١٣٣)، واللسان (١/٢٥٧-٢٥٨) . والحديث بهذا الشاهد صحيح -إن شاء الله-. وحكم شيخنا على حديث الترمذي بأنه حسن صحيح.
(٢) في «جامعه» في أبواب فضائل الجهاد (باب ما جاء في فضل الشهداء عند الله) (رقم ١٦٤٤)، وفي «العلل الكبير» (رقم ٥٠٢)، حدثنا قتيبة: حدثنا ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن أبي يزيد الخولاني، به. وأخرجه أحمد في «المسند» (١/٢٢-٢٣)، وعبد الله بن المبارك في «كتاب الجهاد» (١٢٦) -ومن طريقه أبو داود الطيالسي في «المسند» (ص١٠)، وعبد بن حميد في «المسند» (٢٧) -، وابن عبد الحكم في «فتوح مصر» (ص ٢٧٦-٢٧٧)، وابن أبي حاتم في «العلل» (١/٣٤٦)، وأبو يعلى الموصلي في «مسنده» (٣/٢١٦ رقم ٢٥٢)، وابن أبي عاصم في «كتاب الجهاد» (رقم ١٨٦ و١٨٧)، والبزار في «البحر الزخار» (رقم ٢٤٦)، والطبراني في «الأوسط» (رقم ٣٦١) -وفيه: «الشهداء ثلاثة» -، والبيهقي في «الشعب» (٤/٢٩ رقم ٤٢٦٢)، والحربي في «غريب الحديث» (٢/٦٣٠)، والمزي في «تهذيب الكمال» (٣٤/٤٠٧)، من طرقٍ عن ابن لهيعة، به. ورواية أبي يعلى من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، ورواية ابن عبد الحكم وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن وهب، فهذا من رواية العبادلة عن ابن لهيعة. وهي مقبولة. وصرَّح ابن لهيعة بالتحديث عند عبد الله بن المبارك، والإمام أحمد، وأبي يعلى. أمَّا أبو يزيد الخولاني. فهو مجهول. قال الذهبي في «الميزان» (٤/٥٨٨): «لا يعرف» . وقال الحافظ في «التقريب» (٨٤٤٩): «مجهول» . فالحديث ضعيف. وانظر: «السلسلة الضعيفة» (رقم ٢٠٠٤) .
[ ١٠٧ ]
رجل مؤمن جَيِّد الإيمان، لقي العدوَّ، فَصَدق الله حتى قُتِلَ، فذلك الذي يرفع الناس إليه أعينهم يوم القيامة هكذا»، ورفع رأسه حتى وقعت قُلُنْسُوَتُه، -قال: فما أدري! أقلنسوة عمر، قال، أم قلنسوةُ النبي - ﷺ - -؟ قال: «ورجل مؤمن جَيِّد الإيمان لقي العدوَّ، فكأنما ضُرِبَ جِلدُه بشوكِ طَلْحٍ من الجُبنِ، أتاه سهمٌ غَرْبٌ فَقَتله، فهو في الدرجة الثانية، ورجلٌ مؤمن؛ خَلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، لقي العدوَّ، فصدق الله حتى قُتِلَ، فذلك في الدرجة الثالثة، ورجل مؤمنٌ أسْرَفَ على نفسه، لقي العدوَّ،
فَصَدقَ الله حتى قُتِلَ، فذلك في الدرجة الرابعة» . قال فيه: «حسن غريب» .
قوله: «سَهْمٌ غربٌ»؛ أي: لا يُعرفُ راميه. قال أبو عبيد (١): قال الكسائي والأصمعيّ: إنما هو سَهمُ غَرَبٍ، بفتح الراء، قال: والمحدثون يُحدِّثونه بتسكين الراء، والفتحُ أجود، وأكثرُ في كلام العرب.
وقال ابن هشام في «المغازي» (٢) لابن إسحاق: سهمُ غَرْبٍ، وسهمٌ غَرْبٌ، بإضافةٍ وغير إضافة: لا يُعرف من أين جاء، ولا منْ رمى به.
البخاري ومسلم (٣)، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: «الشهداء خمسةٌ: المَطعون، والمَبْطونُ، والغَرِقُ، وصاحبُ الهَدْمِ، والشهيدُ في سبيل الله» .
«الموطأ» (٤)، عن جابر بن عتيك، قال رسول الله - ﷺ -: «الشهداء سبعة،
_________________
(١) في «غريب الحديث» (٤/٣٤٤-٣٤٥) .
(٢) انظر: «شرح السيرة النبوية» لأبي ذر بن محمد بن مسعود الخشني (١/٣٤٧) .
(٣) البخاري في كتاب الجهاد والسير (باب الشهادة سبع سوى القتل) (رقم ٢٨٢٩)، ومسلم في كتاب الإمارة (باب بيان الشهداء) (١٩١٤) . وأخرجه البخاري في كتاب الأذان (الصلاة) (باب فضل التهجير إلى الظهر) (رقم ٦٥٣)، وفيه: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لا يجدوا إلاَّ أن يستهموا؛ لاستهموا، ولو يعلمون مافي التهجير؛ لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصُّبح؛ لأتوهما ولو حَبْوًا»، و(رقم ٧٢٠) . وكتاب الأذان (الصلاة) (باب الصف الأول. وليس فيه: «والشهيد في سبيل الله») و(رقم ٥٧٣٣) -مختصرًا-.
(٤) (رقم ٢٧٩) في كتاب الجنائز. وهو قطعة من حديث طويل، فيه عيادة النبي - ﷺ - لعبد الله ابن ثابت الحديث. =
[ ١٠٨ ]
سِوى القتلِ في سبيل الله: المطعون شهيد، والغَرِقُ شهيد، وصاحبُ ذاتِ الجَنْب
شهيدٌ، والمبطون شهيد، والحَرِقُ شهيدٌ، والذي يموت تحت الهدْمِ شهيد، والمرأة تموت بجُمعٍ شهيد» .
قوله: «المطعون»: هو الذي يموت في الطاعون. وفي حديثٍ عن عائشة، قال رسول الله - ﷺ -: «إن فناء أمَّتي بالطعن والطاعون»، قالت: الطَّعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: «غُدَّةٌ كغدة البعير، تخرج في المراقِّ والآباط، من مات منه مات شهيدًا» (١) .
_________________
(١) = ومن طريق مالك أخرجه كلٌّ من: أبي داود (٣١١١)، والنسائي في «المجتبى» (٤/١٣)، وفي «الكبرى» -كما في «تحفة الأشراف» (٣١٧٣) -، وأحمد (٥/٤٤٦)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢١٤١)، وابن قانع في «معجم الصحابة» (رقم ٢٤٨)، والطحاوي (٤/٢٩١)، وابن حبان (٣١٨٩، ٣١٩٠- مع «الإحسان»)، والحاكم (١/٣٥٢)، والشافعي في «المسند» (٣٦٢)، والطبراني في «الكبير» (٤/٢٠٨ رقم ١٧٧٩)، والبيهقي في «الكبرى» (٤/٦٩-٧٠)، والبغوي في «شرح السنة» (١٥٣٢)، وأبي نعيم في «معرفة الصحابة» (رقم ١٥١٠)، وأبي القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (رقم ٢٩٣)، وابن الأثير في «أسد الغابة» (١/٢٥٨) . وأخرجه النسائي (٦/٥١-٥٢)، وابن أبي شيبة (٥/٣٣٢-٣٣٣)، وابن ماجه (٢٧٠٣)، والطبراني في «الكبير» (رقم ١٧٨٠)، وعبد الرزاق (٦٦٩٥)، وابن قانع في «معجم الصحابة» (رقم ٢٤٩)، من طرقٍ أخرى عن جابر بن عتيك، به. والحديث صحيح. وله شاهد من حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (٢٨٢٩، ٥٨٣٣)، ومسلم (١٩١٤)، ومن حديث أنس: أخرجه البخاري (٥٧٣٢)، ومن حديث عمر: أخرجه الحاكم (٢/١٠٩)، ومن حديث عائشة: أخرجه البخاري (٥٧٣٤) . وغيرهم، ﵃. وقوله: «المرأة تموت بجُمْعٍ» . قال أبو عبيد في «غريب الحديث» (١/١٢٥) . قال أبو زيد: يعني أن تموت وفي بطنها ولد، وقال الكسائي مثل ذلك. قال: وقال غيرهما: وقد تكون التي تموت بجُمعٍ أن تموت ولم يَمْسَسْها رجل؛ لحديثٍ آخر يروى عن النبي - ﷺ -: «أيُّما امرأةٍ ماتتْ بجُمعْ، لم تطمث؛ دخلت الجنة» .
(٢) أخرجه أحمد في «المسند» (٦/١٣٣ و١٤٥ و٢٥٥)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٦٤/ ٥٦) من طرقٍ عن جعفر بن كيسان، قال: سمعت معاذة العدوية تحدث عن عائشة، أن رسول الله - ﷺ -: ذكره. وفيه: «غدة كغدة الجمل، المقيم فيها كالشهيد، والفارُّ منها كالفار من الزحف» . =
[ ١٠٩ ]
وقوله: «صاحب ذات الجنب»، قيل: هو الذي تصيبه الشُّوصة. وجاء في بعض الآثار (١): «المجنوب شهيد»، يريد: صاحب ذات الجنب.
و«المبطون»؛ قيل: هو المَحْبون. والحبن: داءٌ يعظُم له البطن، وقيل: المبطون: الذي غَلبَ عليه الإسهالُ حتى قتله، فهو شهيد.
وقوله في المرأة: «تموت بجُمْعٍ»، قال أهل اللُّغة: هو إذا ماتت وفي بطنها ولد، يقال: هي بجُمْع؛ إذا كانت مُثقلةَ الحَمْل، وقال بعض أهل العلم: وإذا ماتت من النَّفاس فهي كذلك شهيد، سواء بقي في بطنها، أو وضعته ثم ماتت عقب ذلك.
وفيه لأهل اللغة معنى آخر: وهو أنه كذلك -أيضًا- يقال للبِكْر التي لم تُفْتَضَّ: هي بجُمعٍ، وقاله بعض أهل العلم في معنى الحديث، والمعنى الأول أقرب؛ توجهًا إلى رتبة الشهادة، وزيادة الأجر على ما فهم من الشرع، والله
أعلم.
وأما الحَرقُ بالنار، والغرق في الماء، والذي يموت تحت الهدم، فكل ذلك ظاهر، وأرى -والله أعلم- أنَّ هؤلاء لشدة أسباب موتهم؛ كتبهم الله في الشهداء برحمته.
_________________
(١) = وهذا إسناد صحيح، ورجاله كلهم ثقات؛ جعفر بن كيسان، ذكره ابن حجر في «تعجيل المنفعة» (ص ٧٠)، ووثقه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات» . ورواه أحمد (٦/٨٢ و٢٥٥)، وأبو يعلى في «المسند» (رقم ٤٤٠٨)، وابن خزيمة -كما ذكر ذلك ابن حجر في «بذل الماعون في فضل الطاعون» (ص ٢٧٨) -، والطبراني في «الأوسط» -كما في «مجمع البحرين» (١٢٠٣) -، وذكره ابن عبد البر في «التمهيد» (٦/٢١٢) . وللحديث طرق عن عائشة، وعن ابن عمر، وأبي موسى الأشعري، وجابر بن عبد الله. انظر: «كشف الأستار» (٣/٣٩٦)، و«مجمع البحرين» (٢/٣٦٢ ومابعدها)، و«مجمع الزوائد» (٢/٣١٤-٣١٥)، و«بذل الماعون في فضل الطاعون» للحافظ ابن حجر (ص ٢٧٧-٢٨٠)، و«ما رواه الواعون في أخبار الطاعون» (ص ١٤٤، ١٤٦)، و«إرواء الغليل» (٦/٧٠-٧٣) . وللحديث أصل صحيح من حديث عائشة، فقد أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء في باب منه (رقم ٣٤٧٤)، وفي كتاب الطب (باب أجر الصابر في الطاعون) (رقم ٥٧٣٤) . وفي كتاب الأيمان والنذور (باب ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾) (رقم ٦٦١٩) .
(٢) سبق قريبًا نحوه من حديث جابر بن عتيك -﵁-.
[ ١١٠ ]
* مسألة في غَسل الشهداءِ، والصلاة عليهم:
اختلف أهل العلم في غسل من قُتِل شهيدًا في جهاد الكفار، والصلاة عليهم:
فأما الغسلُ: فذهب جمهور أهل العلم إلى أنهم لا يُغسَّلون إذا ماتوا في المعركة، وممَّن قال بذلك: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والليث، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، وغيرهم (١)، وخالفهم سعيد بن المسيّب، والحسنُ
_________________
(١) في مسألة غسل الشهيد، والصلاة عليه -كما سيأتي-، انظر في مذهب المالكية: «المدونة» (١/٢٥٨)، «الذخيرة» (٢/٤٧٤)، «التلقين» (١/١٤٦)، «شرحه» (٣/١١٨٥)، «مختصر خليل» (٥٥)، «الشرح الصغير» (١/٢٤٧)، «أسهل المدارك» (١/٣٥٦)، «المعونة» (١/٣٥١)، «الرسالة» (١٥١)، «التفريع» (١/٣٦٨)، «بداية المجتهد» (١/١٩١)، «الكافي» (١/٢٧٩)، «الإشراف» (٢/٦٩- بتحقيقي)، «قوانين الأحكام الشرعية» (١١٠)، «مواهب الجليل» (٢/٢٤٧)، «حاشية الدسوقي» (١/ ٤٢٥-٤٢٦)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٢٦٣)، «جامع الأمهات» (ص ١٤١)، «تفسير القرطبي» (٤/ ٢٧٠-٢٧١، ٢٩٩) . وفي مذهب الشافعية، انظر: «الأم» (١/٢٦٧)، «روضة الطالبين» (٢/٤١٨)، «مغني المحتاج» (١/٣٥٠، ٣٦١)، «المهذب» (١/١٣٥)، «الوجيز» (١/٧٠)، «التنبيه» (ص ٣٦)، «المجموع» ٥/ ٢١٨، ٢١٩)، «الحاوي الكبير» (٣/٢٠١) . وفي مذهب الحنفية، انظر: «الأصل» (١/٤١٠)، «رؤوس المسائل» (١٩٣)، «القدوري» (١٩)، «مختصر اختلاف العلماء» (١/٣٩٦-٣٩٨)، «المبسوط» (٢/٤٩)، «تحفة الفقهاء» (١/٤٠٥)، «الهداية» (١/٩٤)، «مختصر الطحاوي» (٤١)، «اللباب» (١/٣٦٠-٣٦٢)، «النتف في الفتاوى» (١/ ١٢٠)، «رمز الحقائق» (١/٦٧)، «إعلاء السنن» (٨/٣٠٦) . وفي مذهب الحنابلة، انظر: «المغني» (٣/٤٦٧- ط. هجر)، «المقنع» (٦/٩٥) . وانظر: «مختصر الخلافيات» (٢/٤٠٠/رقم ١٩٢)، «معرفة السنن والآثار» (٥/٢٥٠)، «الفقه على المذاهب الأربعة» (١/٥٢٦-٥٢٧)، «الفقه الإسلامي وأدلته» (٢/٥٥٢-٥٦٢) . وقد ذكر مذاهب العلماء في مسألة غسل الشهيد: ابن المنذر في «الأوسط» (٥/٣٤٦ المسألة رقم ٨٦٠)، قال: «وقد اختلفوا في غسل الشهيد، فقال عامة أهل العلم: لا يغسَّل، كذلك قال مالك بن أنس، ومن تبعه من أهل المدينة، وبه قال الحكم، وحماد، وأصحاب الرأي، ومن وافقهم من أهل الكوفة، =
[ ١١١ ]
البصريُّ (١)، وغيرهما (٢)، فقالوا: يغسل الشهداء وغيرهم.
_________________
(١) = وبه قال الشافعي، وأصحابه، وكذلك قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وكذلك قال عطاء، وسليمان ابن موسى، ويحيى الأنصاري، وإبراهيم النخعي» . قلت: مذهب عطاء: رواه عنه عبد الرزاق في «المصنف» (٣/٥٤٢ رقم ٦٦٣٨) . ومذهب إبراهيم النخعي: أخرجه عنه ابن أبي شيبة (٣/١٤٠)، وعبد الرزاق (٣/٥٤٥ رقم ٦٦٤٧) في «مصنَّفيهما» .
(٢) مذهب سعيد والحسن، أخرجه عنهما ابن أبي شيبة (٣/١٣٩- ط. دار الفكر)، وعبد الرزاق (٣/٥٤٥ رقم ٦٦٥٠) في «مصنفيهما» من طريق قتادة، عن الحسن، وسعيد بن المسيّب، أنهما قالا: يغسَّل الشهيد، فإن كلّ ميتٍ يجنب. وحكاه عنهما ابن المنذر في «الأوسط» (٥/٣٤٧)، وابن قدامة في «المغني» (٣/٤٦٧- ط. هجر)، والنووي في «المجموع» (٥/٢٦٤)، والكاساني في «بدائع الصنائع» (١/٣٢٤)، وابن حجر في «الفتح» (٣/٢١٢) . وانظر: «موسوعة فقه الحسن البصري» (٢/٥٧٠)، و«الجهاد والقتال في السياسة الشرعية» (٢/١٢١٣) . وفي «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص (١/١٧٩-١٨٠): قال: «وروي عن الحسن وسعيد: إنما لم يغسل شهداء أُحد لكثرتهم، والشغل عن ذلك» . ثم قال: «وليس على هذا القول أحد من فقهاء الأمصار غير عبيد الله بن الحسن» . وقال القرطبي في «التفسير» (٤/٢٧٠-٢٧١): «وليس ما ذكروا من الشغل عن غسل شهداء أُحد علّة؛ لأن كل واحدٍ منهم كان له وليٌّ يشتغل به، ويقوم بأمره. قال: والعلة في ذلك -والله أعلم- ما جاء في الحديث من دمائهم «أنها تأتي يوم القيامة كريح المسك»، فبان أن العلة ليست الشغل، كما قال من قال في ذلك، وليس لهذه المسألة مدخل في القياس والنظر، وإنما هي مسألة اتباع للأثر الذي نقله الكافة في قتلى أحد لم يغسلوا» ا. هـ.
(٣) وهو مذهب ابن عمر. أخرج ابن أبي شيبة (٣/١٤٠) من طريق نافعٍ عن ابن عمر قال: كُفِّن عمر وحُنِّط وغُسِّل، وقال: وكان من أفضل الشهداء. وقال ابن المنذر في «الأوسط» (٥/٣٤٦): «وسئل ابن عمر عن غسل الشهيد فقال: قد غُسِّل عُمر » . ونقله عنه النووي في «المجموع» (٥/٢٦٤)، والماوردي في «الحاوي الكبير» (٦/٢٠١) . قلت: وهذا محمول على غير شهيد المعركة، وقد شهد النبي - ﷺ - لعمر بأنه يموت شهيدًا. فقد =
[ ١١٢ ]
ودليل ما ذهب إليه الجمهور: ما خرَّجه أبو داود (١)، عن ابن عباسٍ قال:
أمر رسول الله - ﷺ - بقتلى أُحدٍ؛ أَنْ يُنزع عنهم الحديد، والجُلود، وأن يُدفنوا بدمائهم، وثيابهم.
وفيه -أيضًا- (٢) عن جابر قال: رُمي رجلٌ بسهم في صدره -أو: في حَلْقِهِ-
_________________
(١) = أخرج البخاري في «صحيحه» (رقم ٣٦٧٥، ٣٦٨٦، ٣٦٩٩) من حديث أنس، أن النبي - ﷺ - صَعِد أُحدًا، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجَفَ بهم، فقال: «أثبت أحد، فإنما عليك نبي وصدِّيق وشهيدان»، والله أعلم.
(٢) في «سننه» في كتاب الجنائز (باب في الشهيد يُغسَّل) (رقم ٣١٣٤) . وأخرجه أحمد (١/٢٤٧)، وابن ماجه (١٥١٥)، والبيهقي (٤/١٤)، عن طريق علي بن عاصم، عن عطاء بن السائب، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس. فذكره. وهذا إسناد ضعيف. وقال المنذري: « في إسناده علي بن عاصم الواسطي، وقد تكلم فيه جماعة، وعطاء بن السائب، وفيه مقالٌ» . وقال الحافظ في «التقريب» (٥٣٤٠) في علي بن عاصم الواسطي: صدوق يخطئ، ويصرّ، ورمي بالتشيع. قلت: فهو ضعيف، ويعتبر حديثه عند المتابعة. ولم يتابع. وعطاء بن السائب: صدوق اختلط. وانظر: «ضعيف سنن أبي داود»، و«ضعيف سنن ابن ماجه»، و«الإرواء» (٣/١٦٥/٧١٠)، جميعها لشيخنا الألباني -﵀-. لكن للحديث شاهد من حديث جابر -﵁- قال: قال النبي - ﷺ -: «ادفنوهم في دمائهم» . يعني: يوم أحد. ولم يُغسِّلهم. أخرجه البخاري في كتاب الجنائز (باب من لم يَرَ غسل الشهيد) (رقم ١٣٤٦)، وأخرجه كذلك (الأرقام ١٣٤٣ و١٣٤٧ و١٣٥٣ و٤٠٧٩) . وشاهد آخر من حديث أنس عند أبي داود (٣١٣٥، ٣١٣٦) بإسنادٍ حسن: أن شهداء أُحد لم يغسلوا، ودفنوا بدمائهم، ولم يصلِّ عليهم. وصححه الحاكم (١/٣٦٥-٣٦٦) على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وسيأتي تخريجه بأطول من هذا، والكلام عليه. وأما فقه المسألة، فالمقرر عند العلماء أن الشهيد يدفن بدمه وثيابه، إلا أنه ينزع منه ما لا يصدق عليه بأنه من الثياب، كالسّاعة في معصمه، والسلاح الذي عليه، فإنه يُنزع منه، انظر تعليقي على «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (٢/٧١) .
(٣) في كتاب الجنائز (باب في الشهيد يُغسَّل) (رقم ٣١٣٣) . وأخرجه أحمد (٣/٣٦٧)، والبيهقي (٤/١٤) من طرقٍ عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر. وأبو الزبير مدلس، وقد عنعنه. ولكن الحديث حسن بشواهده. وانظر: «صحيح سنن أبي داود» .
[ ١١٣ ]
فمات، فأدرج في ثيابه كما هو، قال: ونحن مع رسول الله - ﷺ -.
وفي البخاري (١)، في قتلى أحد: ولم يغسلوا؛ نذكره فيما بعد.
ومستند من رأى الغَسْل: أن ذلك هو الأصل في موتى المسلمين، وحَمَلوا ما وقع في شهداء أحدٍ على الخصوصية بهم، واستدلوا على صحَّة هذا التأويل بما روي أن رسول الله - ﷺ - قال لشهداء أحد: «هؤلاء أشهد عليهم»، ذكره مالك في «موطئه» (٢) مقطوعًا، وأسنده البخاري (٣) وغيره (٤)، فوصله بمعناه، قالوا: هذا يدل على أنهم ليسوا كغيرهم.
وأما الصلاة على الشهداء: فاختلفوا -أيضًا- في ذلك بنحو هذا المعنى؛ ولاختلاف الروايات -أيضًا- فيه؛
فذهب مالك، والشافعي، والليث، وأحمد (٥) إلى أنه لا يصلَّى عليهم، ودليلهم: ما خرَّج البخاري (٦)، عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي - ﷺ - يجمعُ بين
_________________
(١) رقم (١٣٤٦) وقد مضى.
(٢) «الموطأ» (رقم ٤٦٧- ط. إحياء التراث) .
(٣) في «صحيحه» في كتاب المغازي (باب من قتل من المسليمن يوم أحد) (رقم ٤٠٧٩) . وفيه: وقال - ﷺ -: «أنا شهيدٌ على هؤلاء يوم القيامة» . وفي كتاب الجنائز (باب الصلاة على الشهيد) (رقم ١٣٤٣) . و(باب من يقدم في اللَّحد) (رقم ١٣٤٧) . و(باب اللَّحد والشقُّ في القبر) (رقم ١٣٥٣) من حديث جابر -﵁-.
(٤) كالترمذي (رقم ١٠٣٦)، والنسِّائي في «المجتبى» (٤/٦٢)، وابن ماجه (رقم ١٥١٤)، وأبي داود (رقم ٣١٣٨ و٣١٣٩)، وعبد بن حميد (رقم ١١١٩)، وغيرهم.
(٥) وعنه رواية أخرى أنه يصلَّى عليه، واختارها الخلال من أصحابه، وهو قول سفيان الثوري، وأبي حنيفة -كما سيأتي-. قال ابن قدامة في «المغني» (٣/٤٦٧): «إلا أن كلام أحمد في هذه الرواية يشير إلى أن الصلاة عليه مستحبة، غير واجبة» . قال في موضع: «إن صُلِّي عليه، فلا بأس به» . وفي موضع آخر، قال: «يُصلَّى عليه» . وانظر: «كشاف القناع» (٢/١١٣-١١٥)، و«المقنع» (٦/٩٥-مع «الشرح الكبير»، و«الإنصاف») .
(٦) مضى قريبًا.
[ ١١٤ ]
الرجلين من قتلى أحدٍ في ثوبٍ واحدٍ، ثم يقول: «أيهما أكثر أخذًا للقرآن؟» فإذا أشير له إلى أحدهما، قَدَّمه في اللَّحد، وقال: «أنا شهيدٌ على هؤلاء يوم القيامة»، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يُغسَّلُوا، ولم يُصلِّ عليهم.
وخرَّج أبو داود (١)، عن أنس، أن شهداء أحد لم يُغسَّلوا، ودُفنوا بدمائهم، ولم يُصلَّ عليهم.
وذهبَ أبو حنيفة وأصحابه (٢)؛ إلى أنه يُصلَّى على الشهيد، ولا تتركُ الصلاة على مسلم، كان شهيدًا أو غير شهيد، وهو قول ابن أبي ليلى، والثوري، والحسن ابن صالح، والأوزاعي، وغيرهم، واستدلوا على ذلك بما وجب في الأصل من الصلاة على من مات من المسلمين، وعارضوا الروايات الواردة في شهداءِ أحدٍ؛ أنهم لم يُصلَّ عليهم برواياتٍ أُخر فيها: أن رسول الله - ﷺ - صلَّى على شهداء أحد (٣)، وفي بعضها أنه صلَّى على حمزة سبعين صلاة (٤) .
_________________
(١) في «سننه» في كتاب الجنائز (باب في الشهيد يغسل) (رقم ٣١٣٥) . وهو حديث حسن.
(٢) «الأصل» (١/٤١٠)، «رؤوس المسائل» (١٩٣)، «القدوري» (١٩)، «المبسوط» (٢/ ٤٩)، «تحفة الفقهاء» (١/٤٠٥)، «الهداية» (١/٩٤)، «مختصر الطحاوي» (٤١)، «اللُّباب» (٢/٤٩)، «مختصر اختلاف العلماء» (١/٣٩٦-٣٩٨)، «النتف في الفتاوى» (١/١٢٠)، «رمز الحقائق» (١/ ٦٧)، «إعلاء السنن» (٨/٣٠٦) .
(٣) ودليل ذلك حديث عقبة بن عامر، قال: صلَّى رسول الله - ﷺ - على قتلى أُحد بعد ثماني سنين، كالمودّع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر، فقال: «إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإنَّ موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها» . قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله - ﷺ -. أخرجه البخاري في المغازي (باب غزوة أحد) (رقم ٤٠٤٢)، ومسلم في كتاب الفضائل (باب إثبات حوض نبينا - ﷺ - وصفاته) (رقم ٢٢٩٦) . وأخرج البخاري نحوه (١٣٤٤ و٣٥٩٦ و٦٤٢٦ و٦٥٩٠) .
(٤) رواه أبو داود في «المراسيل» (٤٦)، وابن أبي شيبة (٣/١١٦)، والدارقطني (٢/٧٨) -ومن طريقه ابن الجوزي في «التحقيق» (٤/٢٣٦ رقم ١٠١١) -، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» (٥/٧٤٣٥)، وفي «السنن الكبرى» (٤/١٢)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/٢٩٠)، من طرقٍ عن حصينٍ، عن أبي مالكٍ، قال: كان يُجاء بقتلى أحدٍ، تسعة وحمزة عاشرهم، فيُصلِّي عليهم =
[ ١١٥ ]
والآثار في ذلك مختلفة جدًّا، وقع من ذلك في كتاب «السنن» للدارقطني رواياتٌ اختلفت على أربع صفات:
إحداها: أنه لم يصلِّ على شهداء أحد (١) .
والثانية: أنه صلَّى على حمزة، ولم يُصلِّ على غيره (٢) .
_________________
(١) = النبي - ﷺ - ثم يدفنون التسعة، ويَدَعون حمزة، ويجاء بتسعة، وحمزة عاشرهم، فيُصلِّي عليهم، فيَرْفَعون التسعة، ويَدَعون حمزة. وحصين هو: ابن عبد الرحمن الكوفي، أحد الثقات المخرج لهم في «الصحيحين»، وأبو مالك الغفاري: اسمه: غزوان، وهو تابعي ثقة، روى عن جماعة من الصحابة -﵃-، ووثقه يحيى بن معين. ولكن الحديث مرسل. فهو ضعيف. كما أن الحديث قد أخرجه الدارقطني (ص ١٩٣- ط. الهندية)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/١١٦)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/٢٩٠)، والبيهقي في «الكبرى» (٤/١٢) . وقد رد ابن التركماني في «الجوهر النقي» تضعيف الحديث فقال: قد جاء في هذا الباب حديث صحيح، فروى جابر قال: فقد رسول الله - ﷺ - حمزة، فذكر حديثًا طويلًا، وفيه: ثم جيء بحمزة، فصلَّى عليه، ثم يجاء بالشهيد، فيوضع إلى جانب حمزة فيُصلِّي عليه، ثم يرفع، ويترك حمزة، حتى صلّى على الشهداء كلهم. الحديث الذي أخرجه الحاكم بطوله؛ في كتاب الجهاد من «المستدرك»، وقال: صحيح الإسناد، وذكر البيهقي في «الخلافيات» أن الشافعي قال منكرًا لهذا الحديث: شهداء أحد اثنان وسبعون، فإذا صلى عليهم عشرة عشرة لا تكون الصلاة أكثر من سبع أو ثمان، فنجعله صلَّى على اثنين صلاة، وعلى حمزة صلاة، فهي تسع صلوات، فمن أين جاءت سبعون؟. ثمَّ تابع ابن التركماني في «الجوهر النقي»، فقال: والذي في «مراسيل» أبي داود، عن أبي مالك: أَمَر -﵇- بحمزة فوضع، وجيء بتسعة، فصلَّى عليهم، فرفعوا، وتُرِك حمزة، ثم جيء بتسعة، فوضعوا، فصلى عليهم سبع صلوات، حتى صلى على سبعين، وفيهم حمزة، في كل صلاة صلاها. فصرح بأنه صلَّى سبع صلوات على سبعين رجلًا، فزال بذلك ما استنكره الشافعي، وظهر أن ما رواه أبو داود؛ ليس بمعنى ما رواه البيهقي. ا. هـ. كلامه. وقال الحافظ ابن حجر في «التلخيص» (ص ١٥٩): «أنه صلى على سبعين نفسًا، وحمزة معهم كلهم، فكأنه صلى عليه سبعين صلاة» .
(٢) مضى من حديث جابر. أخرجه البخاري وغيره.
(٣) أخرجه الدارقطني في «سننه» (٤/١١٦-١١٧)، أو: (ص ٤٧٤-ط. الهندية)، -ومن طريقه =
[ ١١٦ ]
والثالثة: أنه صلَّى عليهم وعلى حمزة؛ يجاء بهم واحدًا واحدًا، فيصلِّي عليه وعلى حمزة، حتَّى أكمل على حمزة سبعين صلاة (١)، وكان القتلى يوم أحدٍ سبعين.
الرابعة: أنه كان يجاء بهم تسعة وحمزة عاشرهم، فإذا صلَّى عليهم دُفنَ التسْعة، وتُركَ حمزة، ويجاء بتسعةٍ أخرى، وحمزة عاشرهم كذلك -أيضًا- (٢) .
_________________
(١) = ابن الجوزي في «التحقيق» (٤/٢٣٩ رقم ١٠١٤) - من طريق عثمان بن عمر، عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس، أن النبي - ﷺ - مَرَّ بحمزة، وقد مُثِّل به، ولم يُصلِّ على أحدٍ من الشهداء غيره. وأخرجه أبو داود في «سننه» (رقم ٣١٣٧) عن عباس العنبري، عن عثمان، به. ولفظه: «ولم يصلِّ على غيره» . وقال الدارقطني: «لم يقل هذه اللفظة غير عثمان بن عمر، وليست بمحفوظة» . انظر: «تنقيح التحقيق» (٢/١١٩٣-١١٩٤)، «نصب الراية» (٢/٣١٠) . على أن حديث أنس المعروف، قال فيه: إنَّ شهداء أحد لم يغسَّلوا، ودُفِنوا بدمائهم، ولم يصلّ عليهم. أخرجه أحمد (٣/١٢٨)، وعبد بن حميد (١١٦٤)، وأبو يعلى (٣٥٦٨) في «مسانيدهم»، وأبو داود (رقم ٣١٣٥، ٣١٣٦)، والترمذي (١٠١٦)، والدارقطني (٤/١١٦)، والبيهقي (٤/١٠-١١)، في «سننهم»، والطحاوي في «المشكل» (٤٠٥٠، ٤٩١٣)، و«شرح معاني الآثار» (١/٥٠٢)، والحاكم في «المستدرك» (١/٣٦٥-٣٦٦ و٣/١٩٦) -وقال: «على شرط مسلم» -، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٢٢٦) من طرقٍ عن أسامة بن زيد اللَّيثي، عن الزهري، عن أنس. قال البخاري: «حديث أسامة بن زيد هو غير محفوظ، غلط فيه أسامة» . نقله البيهقي في «السنن الكبرى» (٤/١٠) . وانظر: «العلل الكبير» (٢٥٢) للترمذي، «فتح الباري» (٣/٣١٠) .
(٢) أخرجه الدارقطني في «سننه» (٤/١١٨) من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبد الملك بن أبي عتبة -ولعله مُصحَّفٌ من: «غَنيَّة»، بغين معجمة، ثم نون-، أو غيره، عن الحكم بن عتيبة، عن مجاهد، عن ابن عباس وفيه: أن النبي - ﷺ - قدم حمزة فكبَّر عليه عشرًا، ثم جعل يجاء بالرجل فيوضع وحمزة مكانه، حتى صلَّى عليه سبعين صلاة الحديث. ثم قال الدارقطني: «لم يروه غير إسماعيل بن عياش، وهو مضطرب الحديث عن غير الشاميين» .
(٣) مضى تخريجه قريبًا من حديث أبي مالك الغفاري، وهو مرسل ضعيف. وأخرجه البيهقي في «الكبرى» (٤/١٢)، وفي «المعرفة» (٥/٧٤٣٨)، والحاكم في «المستدرك» =
[ ١١٧ ]
قال ابن عبد البرّ: أكثر الروايات بالصلاة على قُتلى أحد مراسيل (١) .
وخرَّج مسلم (٢)، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله - ﷺ -، خرج يومًا، فصلَّى على أهل أحدٍ صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر الحديث.
قال في «كتاب الدارقطني» (٣) عن عقبة بن عامر: صلى رسول الله - ﷺ - على قتلى أحد بعد ثمان سنين.
وفي الصلاة على الشهيد قولٌ ثالث؛ قال أبو محمد بن حزم (٤) في الشهيد
_________________
(١) = (٣/١٩٨)، وابن ماجه في «السنن» (رقم ١٥١٣) -ومن طريقه ابن الجوزي في «التحقيق» (٤/ ٢٣٨-٢٣٩ رقم ١٠١٣) - من طريق يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: «أُتي بهم رسول الله - ﷺ - يوم أحد، فجعل يصلِّي على عشرة عشرة، وحمزة كما هو، يُرفعون، وهُوَ كما هُوَ موضوع» . ويزيد بن أبي زياد. قال ابن المبارك: «ارْم به»، وقال البخاري: «منكر الحديث ذاهب» . وقال النسائي: «متروك الحديث» . وانظر: «التاريخ الكبير» (٨/٣٣٤)، و«الصغير» (١/٢٩٣ و٢/٣٩، ٤١) للبخاري، و«ضعفاء النسائي» (رقم ٦٥١)، و«الجرح والتعديل» (٩/٢٦٥)، و«المجروحين» لابن حبان (٣/٩٩)، وغيرها. ولكن له شاهد من حديث ابن الزبير، أخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (١/٢٩٠) بإسناد حسن، رجاله ثقات. وانظر: «أحكام الجنائز» (ص ١٠٦-١٠٨) . وفي الباب من حديث سعيد بن ميسرة، عن أنس قال: كان النبي - ﷺ - إذا صلى على جنازة، كبَّر عليها أربعًا، وإنه كبّر على حمزة سبعين تكبيرة. وسعيد بن ميسرة البكري، ذكره ابن حبان في «المجروحين» (١/٣١٢)، وقال: يقال: إنه لم يَرَ أنسًا، وكان يروي الموضوعات التي لا تشبه موضوعه، كأنه كان يروي عن أنس عن النبي - ﷺ - ما يسمع القصاص يذكرونه في القصص. وانظر: «الميزان» (٢/١٦٠)، «مختصر الخلافيات» (٢/٤٠٣-٤٠٤)، «فتح الباري» (٣/٢١٠) .
(٢) انظر: «الاستذكار» (١٤ رقم ٢٠٢٩٥) . ومن المراسيل: ما رواه عبد الرزاق في «المصنف» (٥/٢٧٧ رقم ٩٥٩٩) عن الشعبي قال: صلى رسول الله - ﷺ - على حمزة يوم أحدٍ سبعين صلاة، كلما صلَّى على رجل؛ صلَّى عليه.
(٣) مضى قريبًا.
(٤) أي: السنن (٢/٧٨) .
(٥) في «المحلى» (٥/١١٥) .
[ ١١٨ ]
المقتول في المعركة بأيدي المشركين: «إنْ صُلِّي عليه؛ فحسنٌ، وإن لم يُصَلَّ عليه؛ فحسن» .
وأرى مستند قوله هذا، ما ثبت أن النبي - ﷺ - أمرَ بالشهداء من أُحد، أن يدفنوا من غير صلاةٍ عليهم (١)، فدلَّ على أنه ليس بفرض، ثم صلَّى عليهم بعد مدّةٍ صَلاتَهُ على الميت، وكذلك صلاته على حمزة دون غيره، فدلَّ على أنه ليس بمحظور، فثبت أن الصلاة والتَّرْكَ كلُّ ذلك جائزٌ حَسَن، وهذا القول يترجح؛ لأن فيه استعمال ماثبتَ من هذه الأحاديث، من غير أن يَكِرَّ أحدُهُما على الآخر.
وأيضًا؛ لمَّا كانت الصلاة على موتى المسلمين مشروعةً بيقين، ولم يكن في ترك النبي - ﷺ - الصلاةَ على قتلى أحدٍ ما يدل على أن الفعل محظور، كان كلُّ ذلك سائغًا، والله أعلم (٢) .
واتفق العلماء على أن الشهيد إذا لم يمت في المعترك، وحُمل حيًّا، وعاش حتى أكل وشرب، ثم مات، فإنه يغسَّل، ويصلَّى عليه، كسائر المسلمين، وكذلك فُعِل بعمر (٣) وعلي (٤) -﵄-.
_________________
(١) مَضَى من حديث جابر في «صحيح البخاري» وغيره. وانظر: «الجهاد والقتال في السياسة الشرعية» (٢/٢٢٣ وما بعدها) .
(٢) قال ابن القيم في «تهذيب السنن» (٤/٢٩٥): «والصواب في المسألة أنه مخيَّرٌ بين الصلاة عليهم وتركها؛ لمجيء الآثار بكل واحدٍ من الأمرين، وهذا إحدى الروايات عن الإمام أحمد، وهو الألْيَقُ بأصوله ومذهبه» ا. هـ. وقال شيخنا الألباني -﵀- في «أحكام الجنائز» (ص ١٠٨): «ولا شكَّ أن الصلاة عليهم أفضل من الترك إذا تيسَّرت؛ لأنها دعاءٌ وعبادة» .
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/٢٥٤)، وعبد الرزاق (٣/٥٤٤) في «مصنَّفيهما»، ومالك في «الموطأ» (٢/٤٦٣)، وعنه الشافعي في «المسند» (٥٦٤)، ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» (٤/ ١٦)، وإسناده صحيح. وانظر: «المجالسة» (رقم ١٩٦)؛ وتعليقي عليه.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٣/٥٤٤)، والبيهقي (٤/١٧) . =
[ ١١٩ ]
واختلفوا فيمن قُتِلَ مظلومًا، كقتيل الفئة الباغية، وقطَّاع السُّبل، وما أشبه ذلك (١)؛ فقال مالك (٢)، والشافعي (٣): هم كسائر الموتى من المسلمين، يُغسَّلون، ويُصلَّى عليهم، وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري: من قُتِل مظلومًا لا يُغسَّل، ولكن يُصلَّى عليه، وعلى كل شهيد (٤)، وهذا كما تقدم من مذهبهم في الشهيد في
_________________
(١) = وأخرج عبد الرزاق (٣/٤٧١)، وأحمد (١/٧٤)، وابن سعد (٣/٧٨، ٧٩)، وابن شبة في «تاريخ المدينة» (٤/١٢٣٩-١٢٤١)، خبرًا مفاده: أن جُبير بن مطعم صلَّى على عثمان. وانظر: «المجالسة» (رقم ٢٤٠م)؛ وتعليقي عليه. وأخرج عبد الله في «زوائد المسند» (١/٧٣)، و«زوائد الفضائل» (١/٤٩٧) خبرًا -بسند ضعيف-، فيه أن عثمان لم يُغسَّل. قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٧/١٩١) بعد كلام: «وزعم بعضهم أنه (أي: عثمان) لم يغسَّل ولم يكفّن، والصحيح الأول» . يقصد: أنه غُسِّل وكُفِّن. وقال الشافعي في «الأم» (١/٢٦٨): «الغسل والصلاة سنة في بني آدم، لا يخرج منها إلا من تركه رسول الله - ﷺ -، وهم الذين قتلهم المشركون خاصَّة في المعركة» . وانظر لسائر المذاهب والآثار في المسألة: «مصنف عبد الرزاق» (٣/٥٤٥)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (٣/٢٥٣)، و«الأوسط» (٥/٣٤٨) لابن المنذر، و«الإشراف» للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي (٢/٧٥ مسألة رقم ٣٩٨- بتحقيقي) .
(٢) كمن قُتل دون ماله؛ أو عرضه.
(٣) انظر: «المدونة» (١/٢٥٩)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٢٦٤)، «التفريع» (١/٣٦٨- ٣٦٩)، «التلقين» (١/١٤٦)، «شرح التلقين» (٣/١١٨٩-١١٩١)، «المعونة» (١/٣٥٢)، «الذخيرة» (٢/٤٧٦)، «الإشراف» (٢/٧٥ مسألة رقم ٣٩٩، ٤٠٠- بتحقيقي)، «تفسير القرطبي» (٤/٢٧١) .
(٤) وهو أشهر القولين عنه. ووقع في كتب المتأخرين من الشافعية: «بلا خلافٍ عندنا» . وانظر: «الأم» (١/٣٠٦)، و«مختصر المزني» (ص ٣٧)، و«مغني المحتاج» (١/٣٥٠)، و«حلية العلماء» (٢/٣٦٠)، و«نكت المسائل» (٢٢٣)، و«الحاوي الكبير» (٣/٢٠٧)، و«المجموع» (٥/٢٢٠) .
(٥) انظر: «الأصل» (١/٤٠٥)، «الاختيار» (١/٩٧)، «مختصر الطحاوي» (٤١)، «تحفة الفقهاء» (١/٢٥٨)، «عيون المسائل» (٢/٣٦)، «النتف في الفتاوى» (١/١٢٠)، «اللباب» (١/١٣٥)، «إعلاء السنن» (٨/٣١٥)، «مختصر اختلاف العلماء» (١/١٨٠)، «حاشية ابن عابدين» (٣/٣١٢) . وعن أحمد روايتان. انظر: «المغني» (٣/٤٧٥-٤٧٦ -ط. هجر) . ونقل مذهب سفيان: ابن المنذر في «الأوسط» (٥/٣٤٨) وقال: «وكذلك قال الأوزاعي » . =
[ ١٢٠ ]
معركة الكفار، أنه لا يغسل، ولكن يصلَّى عليه.
والدليل على ما ذهبَ إليه مالك، والشافعيُّ، أن السنة المُجتَمَع عليها في موتى المسلمين، أنهم يغسلون ويصلَّى عليهم، إلا ما خرج من ذلك بدليل، والذي خرج من ذلك بالآثار الثابتة عن رسول الله - ﷺ - أمْرُ قتيل الكفار في المعترك، فبقي ما عداه على الأصل، وهذا ظاهر، وليس لأبي حنيفة ومن قال بقوله مستندٌ في إلحاق قتيل أهل البغي، والظلم، بالشهداء؛ إلا القياس عليهم، وآثار وردت عن بعض من قتل في حرب الخوارج، ونحوه، أوصى بعضهم أن يدفن بدمائه في ثيابه التي قتل فيها، ولا يغسَّل (١) .
_________________
(١) = وقال -بعد ذكر مذهب مالك، والشافعي-: «وهذا الذي قاله مالك والشافعي؛ حسن، وروِّينا عن أسماء بنت أبي بكر أنها غَسَّلت عبد الله بن الزبير بعدما تقطعت أوصاله» .
(٢) أخرج البيهقي في «الكبرى» (٤/١٧) عن قيس بن أبي حازم، يقول: قال عمار: «ادفنوني في ثيابي، فإني مخاصم» . وهذا لما قاتل أهل صفين، وقُتل. وأخرج من طريق الشعبي، أن عليًا صلى على عمار بن ياسر، وهاشم بن عتبة، فجعل عمارًا مما يليه، وهاشمًا أمامه، فلما أدخله القبر جعل عمارًا أمامه، وهاشمًا مما يليه. قال ابن التركماني: «وقال الحاكم: الشعبي لم يسمع من علي، ثم لو ثبتَ أنَّ عليًا صلَّى عليهما، فالشهيد يصلى عليه عند أهل الكوفة وأهل الشام. وقال: ولهذا قال صاحب «الاستيعاب» (٣/٢٣١): دفنَ عليٌّ عمارًا في ثيابه، ولم يغسِّله، ويروي أهل الكوفة أنه صلَّى عليه، وهو مذهبهم: في أن الشهداء لا يُغسلون، ولكنهم يصلَّى عليهم» ا. هـ. كلام ابن التركماني. وأيضًا فمن قُتِل من الفئة الباغية؛ فإنه يغسَّل ويصلَّى عليه، وهذا مذهب الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة، كما سبق قريبًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀في «منهاج السنة النبوية» (٢/٢٣٢): «وقد تواتر عن عليٍّ يوم الجمل لمَّا قاتلهم أنه لم يتبع مدبرهم، » إلى أن قال: «ونقل عنه أنه صلَّى على قتلى الطائفتين» . وفي هذا ردٌّ على الحنفية القائلين بعدم الغسل، ولا الصلاة عليهم. قال الزمخشري في «رؤوس المسائل» (مسألة ٩٧)، دليلنا: أن عليًاّ صلى على أصحابه، ولم يصلِّ على الطائفة التي بغت عليه، فقيل: أكفارٌ هم؟ قال: «لا؛ ولكنهم إخواننا بغوا علينا، قتلناهم لبغيهم» . وهذا الأثر قال فيه الزيلعي في «نصب الراية» (٢/٣١٩): «إنه غريب»، وقال ابن حجر في «الدراية» (٢/٢٤٥): «لم أجده» .
[ ١٢١ ]
مسائل من أحكام النفقة في سبيل الله
* مسألة:
من أخرج شيئًا في سبيل الله، فإمَّا أن يُعيِّن فيقول: يوضع في كذا، يذكر وجهًا من وجوه البرِّ: صدقةً أو عتقًا أو جهادًا أو حَجًَّا، وما أشبه ذلك. وإمّا أن يُطلق؛ فيقول: هذا في سبيل الله، ولا يزيد على ذلك، فإن كان عَيَّن، فهو على ما سمَّى، لا يحتمل ذلك خلافًا، ولا يسوغ فيه، وإن أطلق ولم تكن له نيَّة، أو كانت فلم تُعْلم؛ لأنه مات، أو غاب، وما أشبه ذلك، فقيل: إنَّ إطلاق هذا القولِ وعُرْفَه يقتضي الجهاد، فهو يُحملُ عليه، فيكون مَصْرَفُه إلى الغُزاةِ وأهلِ القتال، وفي
وجوه الحرب، لا يتعدَّى به ذلك؛ روُي هذا عن مالكٍ (١)، والشافعيّ (٢)، وغيرهما (٣) .
وقد يحتمل أن يقال: إنه سائغٌ أن يوضع في الأهمّ فالأهمّ من وجوه البرّ، جهادًا كان أو غيره؛ لأن ذلك كله في سبيل الله، ويدلُّ على هذا قوله - ﷺ -: «من أنفق زوجين في سبيل الله » ثم ذكر الصلاة، والجهاد، والصدقة، والصيام، وقد تقدم هذا الحديث (٤) .
قال جماعة من أهل العلم في ذلك: إنه يتناول من جاهد مرتين، أو: صام يومين، أو: صلَّى نفلين، وما أشبه ذلك، فإطلاق اللفظ «في سبيل الله» لا يختص بواحدٍ من سُبل الخير، والله أعلم (٥) .
_________________
(١) انظر: «أحكام القرآن» (٢/٩٥٧) لابن العربي، «بداية المجتهد» (١/٢٨٤)، «الشرح الصغير» (١/٦٦٣) للدردير، «البيان والتحصيل» (٢/٥٨٩، ٥٩٨) .
(٢) انظر: «الأم» (٢/٦٢)، «نهاية المحتاج» (٦/١٥٨)، «حاشية القليوبي» (٣/١٩٨)، «روض الطالب» (٢/٣٩٨) .
(٣) وهو مذهب الحنابلة. انظر: «المغني» (٨/٢٠٩)، و«كشاف القناع» (٢/٢٨٣)، «المبدع» (٢/٤٢٢) .
(٤) مضى قريبًا.
(٥) قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٦/٥٨- ط. الريان): «وقوله: «زوجين»، أي: شيئين من =
[ ١٢٢ ]
ومثل ذلك رُوي عن ابن عمر، وقاله مجاهد (١) .
_________________
(١) = أي نوعٍ كان مما يُنفَق، والزوج يُطلق على الواحد، وعلى الاثنين، وهو هنا على الواحد جَزْمًا» . وقال (٧/٣٤): «قوله: «في سبيل الله»، أي: في طلب ثواب الله، وهو أعمُّ من الجهاد وغيره من العبادات» . وقال بعض الحنفية: «سبيل الله»: طلبة العلم، وقال الرازي في «تفسيره» (١٦/١١٣): «ظاهر اللفظ في قوله -تعالى-: ﴿فِي سَبيلِ اللَّهِ﴾ لا يوجب القصر على الغزاة، فلهذا نقل القفال في «تفسيره» عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير، من تكفين الموتى، وبناء الحصون، وعمارة المسجد، لأن سبيل الله عامٌّ في الكل»، وانظر: «أحكام القرآن» (٣/١٦٤) للجصَّاص، «بدائع الصنائع» (٢/٤٦)، «فتح القدير» (٢/٢٠٥)، «حاشية ابن عابدين» (٢/٦٠)، «محاسن التأويل» (٧/٣١٨١) للقاسمي، «الإسلام عقيدة وشريعة» (١٢٤) لشلتوت، «تفسير المنار» (١٠/٥٠٤، ٥٠٦)، «إنفاق الزكاة في المصالح العامة» (١٠١-١٠٧) لمحمد أبو فارس، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٢٤/١٦٦)، «مقالات الكوثري» (ص ١٨٨-١٨٩) . ويؤثر عن أحمد وإسحاق أنهما قالا: «سبيل الله»: الحج. انظر: «مسائل عبد الله» (١٣٤)، «الإنصاف» (٣/٢٣٥)، «الإرواء» (٣/٣٧٧)، «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٢٨/٢٧٤)، «الهداية» للكلوذاني (١/٨٠)، «المحلى» لابن حزم (٣/١٥١) .
(٢) أما مذهب ابن عمر، فقد أخرجه أبو عبيد في «الأموال» (رقم ١٧٨٤) بسندٍ صحيح عنه قال: «أما إنّ الحج من سبيل الله»، وانظر: «الإرواء» (٣/٣٧٧) . وأما مذهب مجاهد، فقد علّق البخاري عنه وعن طاوس: «إذا دُفع إليك شيء تخرج به في سبيل الله؛ فاصنع به ما شئت، وضعه عند أهلك» . وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/٥٢٢) ثنا وكيع: ثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد في الرجل يُعطَى الشيء في سبيل الله، فيفضل منه الشيء، قال: هو له. وإسناده لين. وانظر: «تغليق التعليق» (٣/٤٥٢)، «فتح الباري» (٦/١٢٤) . وأخرج ابن أبي شيبة (٦/٥٢٢) بسندٍ صحيح عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير: «كان ابن عمر -﵁- إذا حمل على فرس أو بعير في سبيل الله؛ قال: إذا جاوزت وادي القرى -يعرف اليوم بـ (وادي العلا) شمال المدينة على قرابة (٣٥٠) كم، كذا في «معجم المعالم الجغرافية» (٢٥٠) - أو مثلها في طريق مصر، فاصنع بها ما بدا لك» . وأخرج مالك في «الموطأ» (٢٨٦ رقم ٥٢٠- ط. إحياء التراث) عن نافع، عن ابن عمر أنه كان إذا أعطى شيئًا في سبيل الله يقول لصاحبه: «إذا بلغتَ وادي القرى فشأنك به» . =
[ ١٢٣ ]
* مسألة:
من حَمَلَ على فرسٍ في الغزو، فقال: خُذ هذا في سبيل الله، فإما أن يقول: هوَ لكَ، أو: شأنك به، وما أشبه ذلك، ممَّا ظاهره التمليك، أو يقول: هو حَبْسٌ، أو: وَقْفٌ في سبيل الله، أو: لا يزيد على ذكر السّبيل شيئًا.
فأمَّا الأول حيث يُمَلِّكه إياه في سبيل الله، فله بَيْعُه عند مالكٍ، وأكثر أهل العلم (١)، والانتفاعُ بثمنه إن شاء، يعني: بعد أن يغزو به، أو يستعمله في نوع من الجهاد ولو مَرَّةً، والله أعلم.
أو: يكون بيعه لاستغناءٍ به عن ركوبه، فهو يتجهز بثمنه في أسباب الغزو، وقد قيل: ليس له بيعه، وهو في سبيل الله (٢) .
وأما الوجه الثاني حيث يقول: هو حبسٌ في سبيل الله، فهو وقفٌ على ذلك، لا يحل بيعه، ولا تَمَلُّكُهُ، ولا تصريفه في غير ما حُبِسَ عليه، مادام فيه منفعةٌ في ذلك، لا خلاف يعلم في هذا الوجه (٣) .
_________________
(١) = وأخرجه عبد الرزاق (٥/٢٢٧) وسعيد بن منصور، والفزاري في «السير» (١٣٠ رقم ٧٦، ٧٧) عن نافعٍ، به. وهو مذهب سعيد بن المسيب فيما أخرجه عنه مالك (رقم ٥٢١)، وابن أبي شيبة (٦/٥٢٢)، والفزاري في «السير» (١٣٠ رقم ٧٩) . وكذلك هو مذهب الليث بن سعد. انظر: «الاستذكار» (١٤/٩٢) . وتنظر المسألة وتفصيلها في «أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة» (٢/٨٢٣-٨٤٧) تحت عنوان (معنى كلمة (سبيل الله) في مصطلح القرآن)، و«القول العطر في مصارف الزكاة وصدقة الفطر» (ص ٢٥ وما بعد) .
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٤٠٨)، «البيان والتحصيل» (٣/٦٨-٦٩)، «الاستذكار» (٩/ ٣٢٥، ٣٢٦ و١٤/٩٢)، «مواهب الجليل» (٦/٢٧)، «منح الجليل» (٤/٥٧)، «الخرشي» (٧/٨٨)، «حاشية الدسوقي» (٤/٨٤)، «البحر الرائق» (٥/٢٠٥)، «روضة الطالبين» (٥/٣٢٢) .
(٣) وذهب إليه عبيد الله بن الحسن؛ كما في «الاستذكار» (٩/٣٢٦ و١٤/٩٣) .
(٤) انظر: «البحر الرائق» (٥/٢٠٥-٢٠٦)، «الخرشي» (٧/٨٨-٨٩)، «حاشية الدسوقي» (٤/ ٨٤)، «روضة الطالبين» (٥/٣٢٢)، «نهاية المحتاج» (٤/٢٦٩)، «المغني» (٦/١٩٠- مع «الشرح الكبير»)، «أحكام الوقف» للكبيسي (١/١٤٨- وما بعد) .
[ ١٢٤ ]
وأما الوجه الثالث حيثُ يُطْلِقُ، فلا يزيد على ذكر السَّبيل؛ فعن مالكٍ: أنه لا ينتفع بشيءٍ من ثمنه في غير سبيل الله، وإذا ركبه في ذلك ردَّه بَعدُ (١)، وقال الأوزاعيُّ: إن لم يقل المُعْطي: هو حبسٌ، أو: موقوف، كان للمعطَى كسائر ماله (٢) . وقال الليث مثله: يصنع به ما شاء، بعد أن يبلغ به مغزاه (٣)، وكذلك ذهب الشافعي (٤)، وأبو حنيفة (٥) إلى أنه مِلْكٌ للمحمول عليه.
وفي كتاب البخاري (٦): وقال طاوس، ومجاهد: إذا دُفِعَ إليكَ شيءٌ تخرج به في سبيل الله، فاصنع به ما شئت؛ وَضَعْه عند أهلك.
فدليل من منع أن يتملَّكَهُ، ورأى أن لا يُصرف إلا في سبيل الله، أنه الوجه
الذي فيه سَوَّغه مالكه، فوجب أن لا يُتمَلَّك في غيره، ودليل من رآه ملكًا بذلك للمحمول عليه حديث عمر بن الخطاب قال: حَمَلْتُ على فرسٍ عتيقٍ في سبيل الله، وكان الرجلُ الذي هو عنده قد أضاعَهُ، فأردت أن أشتريه منه، وظننْتُ أنه بائعهُ برخصٍ، فسألت عن ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: «لا تشتره، وإن أعطاكه
_________________
(١) «الاستذكار» (١٤/٩٢)، «النوادر والزيادات» (٣/٤١٠) .
(٢) انظر: «الاستذكار» (١٤/٩٢-٩٣) .
(٣) وتتمة كلامه: «إلا أن يكون حبسًا فلا يباع» . وقال ابن عمر لرجل -في فرس حبَّسه في سبيل الله-: «إذا بلغت به واد القرى؛ فشأنك به» . وقال سعيد بن المسيب: «إذا بلغَ به رأس مغزاته؛ فهو له» -وقد مضى ذكر مذهبهما-. انظر: «الموطأ» (٤٤٩)، «النوادر والزيادات» (٣/٤١١-٤١٢، ٤١٨)، «البيان والتحصيل» (٢/٥١٨، ٥٤١)، «الاستذكار» (٩/٣٢٥ و١٤/٩٣) .
(٤) انظر: «الأم» (٢/٦٤- باب ابتياع الصدقة)، «الاستذكار» (٩/٣٢٦ و١٤/٩٣)، «المهذب» (١/٤٤٢)، «مغني المحتاج» (٢/٣٨٢)، «روضة الطالبين» (٥/٣٢٢) . وهو مذهب الحنابلة. انظر: «الشرح الكبير» (١٠/٤٥٦) .
(٥) انظر: كتاب «الوقف» لهلال الرأي (ص ١٥١-١٥٢)، «البحر الرائق» (٥/٢٠٥-٢٠٦)، «الإسعاف» (ص ٩) .
(٦) في كتاب الجهاد والسير (باب الجعائل والحملان في السبيل) معلقًا، وسبق تخريجه قريبًا.
[ ١٢٥ ]
بدرهم واحد؛ فإنَّ العائد في صدقته، كالكلب يعود في قيئه» (١) . خرَّجه مالك في «الموطأ» (٢) .
فموضع الدليل منه إقراره - ﷺ - حين لم يُنكر عليه بيعه، وإنما أنكر شراء المتصدق لصدقته.
* مسألة الجعائل في الغزو:
خرَّج أبو داود (٣)، عن أبي أيوب الأنصاري، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «سَتُفتحُ عليكم الأمصار، وستكون جنودٌ مجنَّدةٌ، يُقطع عليكم فيها بُعوثٌ، فيكره
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة (باب هل يشتري صدقته) (رقم ١٤٩٠) . وفي كتاب الهبة (باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته) (رقم ٢٦٢٣) . و(باب إذا حَمَلَ رجلٌ على فرسٍ، فهو كالعُمرى والصدقة) (رقم ٢٦٣٦) . وفي كتاب الجهاد والسير (باب الجعائل والحُملان في السبيل) (رقم ٢٩٧٠) . و(باب إذا حمل على فرسٍ فرآها تُباع) (رقم ٣٠٠٣) . وأخرجه مسلم في كتاب الهبات (باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به، ممن تصدَّق عليه) (رقم ١٦٢٠) .
(٢) (ص ١٨٩) .
(٣) في «سننه» في كتاب الجهاد (بابٌ في الجعائل في الغزو) (رقم ٢٥٢٥) من طريقين عن محمد بن حرب الخولاني، قال: حدثنا أبو سلمة، سليمان بن سليم، عن يحيى بن جابر، عن ابن أخي أبي أيوب، عن أبي أيوب الأنصاري، به. وأخرجه أحمد (٥/٤١٣)، والشاشي (١١٣٠) في «مسنديهما»، والطبراني في «مسند الشاميين» (١٣٨٠)، والبيهقي (٩/٢٧) من طرق عن محمد بن حرب، به. وإسناده ضعيف. ففيه ابن أخي أبي أيوب: وهو أبو سَوْرة الأنصاري. قال البخاري: منكر الحديث. يروي عن أبي أيوب مناكير لا يتابع عليها. وقال -أيضًا-: عنده مناكير، ولا يُعرف. وقال: لا يعرف له سماع من أبي أيوب، وانظر: «ميزان الاعتدال» (٤/٥٣٥ رقم ١٠٢٨٢) . وقال الترمذي في «جامعه» في كتاب صفة الجنة (باب ما جاء في صفة خيل الجنة) بعد رقم (٢٥٥٣): «يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن معين جدًا» . وذكره الدارقطني في «الضعفاء» (رقم ٦١٢) وقال: «مجهول» . وقال الحافظ ابن حجر في «التقريب» (رقم ٩٥١٠): «ضعيف» . وانظر: «ضعيف سنن أبي داود» لشيخنا الألباني -﵀-.
[ ١٢٦ ]
الرجل منكم البَعْثَ فيها، فيتخلَّص من قومه، ثم يتصَفَّحُ القبائل يَعرض نفسه عليهم، يقول: من أكفيه بعثَ كذا؟ من أكفيه بعث كذا؟ ألا وذلك الأجيرُ إلى آخر قطرةٍ من دمه» .
وخرَّج -أيضًا- (١) في باب: الرخصة في الجعل في الغزو، عن عبد الله بن
عمرو، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «للغازي أجره، وللجاعل أجره وأجر الغازي» .
فأقول: الوجه الذي أُرْخِصَ فيه غير الوجه الذي كُرِه، فإذا كان الانبعاث لله؛ لم يكن بالمعاونةِ على ذلك والجُعْل فيه بأسٌ، بل كلاهما مأجور، كما في الحديث، وإذا كان انبعاثه إنما هو لما يعطاه، لا غَرَض له غير ذلك؛ فهو أجير يَسفِك دمه على غير وجه الشرع، كما جاء في الحديث الأول.
وفي البخاري (٢): «وقال مجاهد: قلت لابن عمر: أُريد الغزو. قال: إنِّي أُحِبُّ أنْ أُعينكَ بِطائفةٍ من مالي، قلتُ: قد أَوْسَعَ (٣) الله عليَّ، قال: إنَّ غناك لك، وإني أحبُّ أن يكون من مالي في هذا الوجه» .
وهذا موضع اختلف فيه أهل العلم؛ فرُوي عن مالكٍ أنه قال: لا بأس بالجعائل، ولم يزل الناس يتجاعلون بالمدينة عندنا، وذلك لأهل العطاء، ومن له
_________________
(١) في «سننه» في كتاب الجهاد (في الباب المذكور) (رقم ٢٥٢٦) . وأخرجه أحمد في «المسند» (٢/١٧٤)، والطحاوي في «المشكل» (٣٢٦٤)، والبغوي في «شرح السنة» (٢٦٧١)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/٢٨)، وفي «شعب الإيمان» (٤٢٧٥) . والحديث صحيح. انظر: «صحيح أبي داود» لشيخنا -﵀-. وقوله - ﷺ -: «للجاعل أجره، وأجر الغازي» . قال الخطابي في «معالم السنن» (٢/٢٤٤): «في هذا ترغيب للجاعل، ورخصة للمجعول له»، وانظر: «عون المعبود» (٧/٢٠١-٢٠٢) .
(٢) في كتاب الجهاد والسير (باب الجعائل والحملان في السبيل) تعليقًا. ووصله البخاري بمعناه في كتاب المغازي (باب غزوة الفتح)؛ أفاده ابن حجر في «فتح الباري» (٦/١٢٤)، و«تغليق التعليق» (٣/٤٥١) .
(٣) كذا في الأصل، و«صحيح البخاري»، وفي مطبوع «تغليق التعليق» (٣/٤٥١): «فلا، قد وسَّع » .
[ ١٢٧ ]
ديوان، وكره مالك أن يؤاجر دابَّته أو فرسه في سبيل الله -﷿-، وكره أن يعطيه الوالي الجُعل على أن يتقدم إلى الحِصن فيقاتل (١) .
قال: ولا يكره لأهل العطاء الجعائل؛ لأن العطاء نفسه مأخوذٌ على هذا الوجه.
وقال الشافعي (٢): لا يجوز أن يغزو بجُعلٍ من رجلٍ يجعله له، وإن غزا به
فعليه أن يردَّه، ولا بأس أن يأخذ الجعائل من السلطان دون غيره؛ لأنه يغزو بشيءٍ من حقه.
وقال أبو حنيفة (٣): تُكره الجعائل ما كان بالمسلمين قوّة، وكان في بيت المال ما يَفي بذلك، فأمَّا إذا لم تكن بهم قوةٌ ولا مال؛ فلا بأس أن يجهّز بعضهم بعضًا، يجعل القاعد للناهض.
وكره الثوريُّ والليثُ الجُعلَ، وقال الأوزاعي: إذا كانت نية الغازي على
_________________
(١) انظر: «المدونة» (١/٥٢٧)، «النوادر والزيادات» (٣/٤٠٨)، «الاستذكار» (١٤/١١٥)، «الكافي» (١/٤٦٥)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٦٨)، «الذخيرة» (٣/٤٠٦)، «مواهب الجليل» (٤/٥٥٢)، «جامع الأمهات» (ص ٢٤٤)، «عيون المجالس» (٢ رقم ٤٦٧)، «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٢/١٨٢)، «جواهر الإكليل» (١/٢٥٦) .
(٢) في «الأم» في كتاب الجهاد (باب العذر الحادث) (٤/١٧٣) . وانظر: «مختصر المزني» (ص ٢٦٩)، «الحاوي الكبير» (١٨/١٤١)، «المهذب» (٢/٢٢٧)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٤٠)، «معالم السنن» (٣/٣٧)، «تحفة المحتاج» (٦/١٥٥)، «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦١)، «أسنى المطالب» (٢/٢١٠)، «حاشية القليوبي» (٤/٢١٨)، «الاستذكار» (١٤/١١٥-١١٦) . وهذا مذهب الحنابلة. انظر: «المغني» (١٠/٥٢٧)، «الفروع» (٦/٢٣١)، «كشاف القناع» (٢/ ٤١٢)، «المبدع» (٣/٣٧٠)، «الإنصاف» (٤/١٨٠) .
(٣) انظر: «شرح السير الكبير» (١/٩٨ و٣/٢٢) «الهداية» (٢/٤٢٧)، «المبسوط» (١٦/٤٠)، «البناية» (٥/٦٤٧، ٦/٤٩٥)، «شرح فتح القدير» (٥/١٩٤، ٤٤٣)، «تبيين الحقائق» (٣/٢٤٢، ٥/١٢٤)، «إعلاء السنن» (١٢/١٤)، «حاشية ابن عابدين» (٥/١٢٧)، وانظر: «الاستذكار» (١٤/ ١١٦)، «شرح السنة» (١١/١٧)، «تحرير الأحكام» لابن جماعة (ص ١٥٧)، «الاستئجار على فعل القربات الشرعية» (١٨١-١٨٦)، «أخذ الأجرة على أعمال الطاعات والمعاصي» (ص ١٠٩-١١٣) .
[ ١٢٨ ]
الغزو فلا بأس أن يُعان، وقال الكوفيون: لا بأس لِمَنْ أحَسَّ من نفسه جُبنًا أن يُجهِّز الغازي، ويَجْعَلَ له جُعْلًا لغزوته في سبيل الله (١) .
قال ابن عبد البر (٢): «لمّا كان الغازي يستحقّ سهمًا من الغنمية من أجل حضوره (٣) القتال، استحال أن يجب له جعلٌ فيما فعله لنفسه، وأدَّى به ما عليه من فرض الجهاد» .
وفيما قاله نظر؛ لأن غزو الغازي إن كان لإصابة الغنيمة فهو باطل، جُعِلَ له، أو لم يُجعلْ؛ لما يأتي بَعْدُ من الأدلة على ذلك، وإن كان على سُنَّة الغزو في سبيل الله، فالغنيمة إن كانت هنالك فبالعرضِ لا تَبطُل البَتَّة، ولا يستحيل بسببها التعاونُ على الغزو؛ لأن العمل لله لا للغنيمة.
وأما قوله: «وأدَّى به ما عليه من فرض الجهاد»؛ فالمجعول لهم، ضَرْبان: فقيرٌ -فهذا لا فرض جهاد عليه؛ لأنه غير مستطيع- وغنيٌّ؛ فهو إن كان لم يخرج إلا للجعل، عاد القول في فساده إلى المعنى الأول، من حيثُ إنه لم يُرِدْ وجه الله، لا من حيث الإعانة على ذلك، وإن كان خارجًا على كل حال، فليس ما أُعطي يكون جُعلًا على أداء فرضه.
وبالجملة، فالأظهر، والذي عليه الجماعة من أهل العلم، أن ما أُعْطِيه الفقير عونًا على الغزو، وتقربًا به من غير مسألة،
_________________
(١) انظر: «الاستذكار» (١٤/١١٦) ففيه مذاهب المذكورين.
(٢) في «الاستذكار» (١٤/١١٦) .
(٣) في هامش النسخة كتب الناسخ: كلمة متآكلة، لعلها: حضوره.
[ ١٢٩ ]
وكان ذلك سبب انبعاثه لا لنفس العطاء، لكن لإمكان القدرة، إذ كان بالعدم عاجزًا؛ فهو جائز، لا أعلم فيه
خلافًا، وكلاهما مأجور -إن شاء الله-، كما قد وقع في الحديث المتقدم: «للغازي أجره، وللجاعل أجره، وأجر الغازي» (١)، وأما إن كان غنيًا فأعطي كذلك من غير مسألة، فمن العلماء من كره له ذلك، وإليه ذهب مالكٌ (٢)، وهو الأوْلَى؛ لأنه قادرٌ على الغزو بماله، فلم يكن له اضطرارٌ في إقامة تلك العبادة إلى ما أعطي مثل ما كان للفقير، ومنهم من قال: لا بأس أن يَقْبل -وهم الأكثر- (٣)، قالوا: فإن احتاج إليه أنْفَقَه، وإن استغنَى عنه فرَّقه في سبيل الله، ولم يختلفوا أنَّ المسألة في ذلك للغنيِّ والفقير مكروهة (٤)؛ قالوا: من كان غنيًّا فَلْيَغْزُ بماله، ومن كان فقيرًا فليجلس في بيته، وبالله تعالى التوفيق.
*****
_________________
(١) مضَى تخريجه.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٤٠٨)، «البيان والتحصيل» (٢/٥٣١)، «الذخيرة» (٣/ ٤٠٦)، «مواهب الجليل» (٤/٥٥٢) .
(٣) انظر: «شرح السير الكبير» (١/٩٨)، «فتح القدير» (٥/١٩٤)، «شرح السنة» (١١/١٧)، «الحاوي الكبير» (١٤/١٢٨)، «كشاف القناع» (٢/٣٩٩)، «إعلاء السنن» (١٢/١٤) .
(٤) «النوادر والزيادات» (٣/٤٠٩) .
[ ١٣٠ ]