فيما يجب وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو والنيل منهم،
ومعرفة أحكام الأسرى، والتصرف فيهم
قال الله -﷿-: ﴿وَلاَ يَطَئونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] .
وقال الله -تعالى-: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] .
وقال الله -تعالى-: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] .
وخرج مسلم (١)، عن عبد الله بن عمر: أغار رسول الله - ﷺ - على بني المصطلق، وهم غارُّون وأنعامهم تُسقى على الماء، فقتَلَ مُقاتَلَتَهُم، وسَبَى سَبْيَهم.
وعنه -أيضًا- (٢)، أنَّ رسول الله - ﷺ - حَرَّق نخل بني النضير، وقَطَعَ، وهي
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب جواز الإغارة على الكفار) (رقم ١٧٣٠) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب العتق (باب من مَلَك من العرب رقيقًا، فوهب وباع وجامع وفدى وسَبى الذرية) (رقم ٢٥٤١) .
(٢) أي ابن عمر. أخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها) (١٧٤٦) (٢٩ و٣٠) وفيه شعر حسَّان بن ثابت -﵁-. وأخرجه بالشِّعر المذكور: البخاري في كتاب الحرث والمزارعة (باب قطع الشجر والنخل) (رقم ٢٣٢٦) . وأخرجه مختصرًا دون الشعر (رقم ٣٠٢١ و٤٠٣١ و٤٨٨٤) . =
[ ٢٢٣ ]
البُوَيْرة.
قيل: البويرة: اسم المكان الذي قطع وحرق، وفي ذلك يقول حسَّان:
وهان على سراةِ بني لُؤَيٍّ حريقٌ بالبُويرةِ مُسْتَطيرُ
فنقول: النكاية في العدو، والنيل منهم على ثلاثة أقسام؛ منها جائزٌ باتفاق، ومنها محظور باتفاق، ومنها مختلفٌ فيه.
فأما الجائز باتفاق (١)، فقتل مُقَاتَلَتِهِم في الزحف، وسَلْبُ أموالهم، ووطء بلادهم، وسَبْيُ أبنائهم وذراريهم، والإسار بعد الإثخان، على خلافٍ في استحياء الأسرى بعدُ أو قَتلهم، والدليل على هذا: ما تقدم من الكتاب والسُّنة، ولا خلاف فيه.
وأما المحظور باتفاق (٢): فقتلُ النساء والصبيان، حيث لا يضطرُّ إلى ذلك، إمَّا في البيات أو المدافعة حال القتال، والدليل على هذا: قوله -تعالى-:
_________________
(١) = وأخرجه البخاري في كتاب المغازي (باب حديث بني النضير، ومخرج رسول الله - ﷺ - إليهم في دية الرجلين) (رقم ٤٠٣٢) وفيه -بعد شعر حسَّان فيهم-، قال: فأجابه أبو سفيان بن الحارث. أدام الله ذلك من صَنيعٍ وحرَّق في نواحيها السَّعيرُ سَتَعْلَمُ أيُّنا منها بِنُزْهٍ وتَعْلَمُ أيُّ أَرْضَيْنا تَضيرُ وشعر حسّان في «ديوانه» (ص ٢٤٧- ط: دار الكتاب العربي) . وسراة بني لؤي: أي: خيارهم. والبويرة: موضع بني قريظة.
(٢) قال ابن رشد في «بداية المجتهد» (١/٣٨٦): «يجوز في الحرب قتل المشركين الذكران البالغين المقاتلين، وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين»، وانظر -غير مأمور-: «المبسوط» (١٠/٥)، «بدائع الصنائع» (٦/٦٤)، «الذخيرة» (٣/٣٩٩)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٤٣)، «كشاف القناع» (٢/ ٣٧٨) -وعبارته: «لا نعلم خلافًا أن من قاتل ممن ليس آهلًا للقتال، فإنهم يقتلون» -، «الشرح الممتع» (٨/٢٧)، «المحلى» (٥/٣٤٧) .
(٣) قال النووي في «شرح صحيح مسلم» (١١/٢٩٢): «أجمع العلماء على تحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا»، وقال ابن رشد في «بداية المجتهد» (١/٣٨٦): «ولا خلاف بين المسلمين أنه لا يجوز قتل نسائهم ولا صبيانهم، ما لم يقاتل الصبي والمرأة» . وانظر: «المبسوط» (١٠/٥)، «فتح القدير» (٥/٢٠٢)، «المعونة» (١/٦٢٤)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٤٣)، «كشاف القناع» (٢/٣٧٧)، «المحلى» (٥/٣٤٧) .
[ ٢٢٤ ]
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]، وهؤلاء ليسوا ممن يقاتل، فوجب الكفُّ عنهم، وكان القتل اعتداءً فيهم.
وما خرَّجه البخاري ومسلم، عن ابن عمر قال: وُجِدت امرأةٌ مقتولة في بعض مغازي رسول الله - ﷺ -، فنهى رسول الله - ﷺ - عن قتل النِّساء والصبيان (١) . ولا خلاف -أيضًا- فيه.
وأما المختلف فيه فأشياء؛ منها: قتلُ الرهبان والعُسَفاء ونحوهم، ممن ليسوا بصدد القتال، ومنها: قتل المرأة والصبي إذا قاتلا، ومنها: رمي الحصون بالمجانيق والنار، وفيهم النِّساءُ والصبيانُ وأسرى المسلمين، ومنها: القتل بغير السلاح، كالتحريق بالنار وشَبهه من ضروب القتل المعذّبة، ومنها: تحريقُ الديار
وتخريبها، وتحريق الزرع والأشجار وقطعها، وقتلُ البهائم والحيوان.
ونحن -إن شاء الله- نفصِّل الكلام في ذلك مسألةً مسألةً، ونشير إلى أدلة المذاهب وسبب الخلاف، والتنبيه على ما يظهر لنا أنه الأرجح، على حسب ما شرطناه، بحول الله -تعالى-.
فصلٌ
اختلفوا في قتل الرهبان والعُسَفاء ونحوهم، ممن لايتعرّض مثلهم للقتال، فذهب الشافعيُّ (٢) -في أصح قوليه- إلى جواز قتل الجميع، وعليه يجيء مذهب
_________________
(١) أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب قتل النساء في الحرب) (رقم ٣٠١٥) . و(باب قتل الصبيان في الحرب) (رقم ٣٠١٤) . ومسلم في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب) (١٧٤٤) (٢٤ و٢٥) .
(٢) انظر: «الأم» (٧/٣٥٠)، «مختصر المزني» (٢٧٢)، «الوجيز» (٢/١٨٩)، «الإقناع» (١٧٦)، «مختصر الخلافيات» (٥/٤٧ رقم ٣١٤)، «مغني المحتاج» (٤/٢٢٢-٢٢٣)، «نهاية المحتاج» (٨/ ٦٤)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٤٣)، «المهذب» (٢/٢٩٩)، «المجموع» (٢١/١٥٤-١٥٥)، «حلية العلماء» (٧/٦٥٠)، «الأحكام السلطانية» للماوردي (٤١) .
[ ٢٢٥ ]
الظاهر، وقاله أبو محمد بن حزم (١)، ودليلهم: عموم قوله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لاإله إلا الله» . خرَّجه مسلم وغيره (٢) . وفي حديث بريدة عن رسول الله - ﷺ -، ثم قال: «اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله » . الحديث، وقد تقدم بطوله من رواية مسلم (٣) .
فلما كانوا سواءً في الكفر الذي به حلَّت دماؤهم، وتناولهم عموم القرآن والسنة بذلك من غيرتفريقٍ؛ وجب استواؤهم في القتل المشروع في أهل الكفر، وهذا ظاهر راجح، ويزيد ذلك وضوحًا حديثُ أبي داود، عن سمرة بن جندب، قال رسول الله - ﷺ -: «اقتلوا شيوخ المشركين، واستبقوا شرخهم»، وخرجه الترمذي عنه، وقال: «واستحيوا شرخهم» (٤) . والشرخ: الغلمان الذين لم يُنْبِتوا.
_________________
(١) في «المحلى» (٧/٢٩٦/ المسألة رقم ٩٢٨) .
(٢) مضى تخريجه.
(٣) مضى تخريجه -أيضًا-.
(٤) أخرجه أبو داود (رقم ٢٦٧٠)، وأحمد (٥/١٢، ٢٠)، وابن أبي شيبة (١٢/٣٨٨/رقم ٣٣١٣٨)، والطبراني في «الكبير» (٦٩٠٠)، وسعيد بن منصور في «السنن» (٢٦٢٤)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/٩٢)، وفي «معرفة السنن والآثار» (رقم ١٨٠٩٩)، وأبو عبيد في «غريب الحديث» (٣/ ١٦)، والروياني في «مسنده» (رقم ٨٠٢) من طريق حجاج بن أرطاة، والترمذي (١٥٨٣)، والطبراني في «الكبير» (٦٩٠٢)، وفي «مسند الشاميين» (٢٦٤١) من طريق سعيد بن بشير؛ كلاهما عن قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة مرفوعًا، والبزار في «مسنده» (٢٥٣- الكتَّانية)، وأبو طاهر المخلص في «فوائده» (١٧٥/ب) من طرقٍ عن قتادة، به. والحجاج بن أرطاة: صدوق كثير الخطأ والتدليس. كما قال الحافظ في «التقريب» وقد عنعنه، لكنه صرح بالتحديث في رواية سعيد بن منصور. وسعيد بن بشير -وهو الأزدي- مولاهم: ضعيف. وانظر: «ضعيف أبي داود» و«ضعيف الترمذي» لشيخنا الألباني -﵀-. واختلف العلماء في سماع الحسن من سمرة، والراجح أن الحسن يروي عن سمرة وجادة من كتاب. وانظر: «المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس» للشريف حاتم العوني -حفظه الله- (ص ١٣٠١) . فكلا الطريقين ضعيف، لكن الحديث يتقوى بهما، فهو حسن -إن شاء الله-. =
[ ٢٢٦ ]
قال فيه:
حسن صحيح غريب.
فالشيوخ: البالغون (١) . وقد أمر بقتلهم عمومًا، ولم يَستثنِ أحدًا منهم، ولو كان يجب استبقاء صِنْفٍ منهم؛ لاستثناه حين علَّمهم حدود ما يجب في ذلك عليهم، كما فعل - ﷺ - في استثناء الشرخ: وهم الصغار دون البلوغ، وكذلك وقع مفسرًا في رواية الترمذي. وشرخ الشباب: أَوَّله.
وذهب مالك (٢) إلى أنه لا يُقْتَلُ الهَرِمُ، ولا الأعمى، ولا المعتوه، ولا المُقعد،
_________________
(١) = ولذا قال الترمذي: حسن صحيح غريب. ثم قال: ورواه الحجاج بن أرطاة عن قتادة. فلعلَّه من أجل ذلك حسَّنه. وأخرج نحوه: الطبراني (٧٠٣٧)، من طريق جعفر بن سعد بن سمرة، عن خُبَيْب بن سُليمان ابن سمرة، عن أبيه، عن سمرة. وهذا إسناد ضعيف، ففيه غير واحدٍ ضعيف أو مجهول.
(٢) انظر: «غريب الحديث» لأبي عُبيد (٣/١٦-١٧)، و«النهاية» لابن الأثير (٢/٤٥٦-٤٥٧) .
(٣) «المدونة» (١/٣٧٠)، «الرسالة» (١٨٩)، «المعونة» (١/٦٢٤)، «أسهل المدارك» (٢/ ١٦)، «الكافي» (٢٠٨)، «قوانين الأحكام» (١٦٤)، «بداية المجتهد» (١/٣٨٤)، «فتح الجليل» (٣/ ١٤٤-١٤٦)، «حاشية الدسوقي» (٢/١٧٧)، «شرح الزرقاني» (٣/١١١-١١٢)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٦٨)، «الذخيرة» (٣/٣٩٧)، «جامع الأمهات» (ص ٢٤٦)، «النوادر والزيادات» (٣/ ٥٧-٥٨)، «الاستذكار» (١٤/٧٢ رقم ١٩٤٣٥)، «الإشراف» (٤/٤١٩ مسألة رقم ١٧٣٩- بتحقيقي) . وانظر: «التحقيق» لابن الجوزي (١٠/١٤٩ رقم ٧٢٨) . واستدلَّ المالكية على عدم قتل الشيوخ ولا أهل الصوامع؛ بقوله - ﷺ -: «لا تقتلوا شيخًا فانيًا»، وقوله: «لا تقتلوا أهل الصوامع» . قلت: أما الحديث الأول، فأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٢/٣٨٣) -ومن طريقه ابن حزم في «المحلّى» (٧/٤٧٢) -، وأبو داود في «سننه» (٢٦١٢)، والبيهقي في «سننه» (٩/٩٠) عن أنس بن مالك رفعه، ضمن حديث، وفيه خالد بن الغرْز: مقبول؛ أي: إذا توبع، ولم يتابع. وانظر: «جامع الأصول» (٢/٥٩٦)، «نيل الأوطار» (٧/٢٦١)، «نصب الراية» (٣/٣٨٦)، «مختصر سنن أبي داود» (٣/٤١٩) . والحديث الثاني أخرجه ابن أبي شيبة (١٢/٣٧٨ رقم ١٤٠٧٨)، وأحمد في «مسنده» (١/ ٣٠٠- ط. شاكر)، وأبو يوسف في «الخراج» (رقم ٢٠٩)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٢٢٥)، والبيهقي (٩/٩٠)، وابن حزم في «المحلّى» (٧/٤٧٣) عن ابن عباس ضمن حديث. =
[ ٢٢٧ ]
ولا أصحاب الصوامع الذين لا يخالطون الناس، يعني: أنه لا أذىً عندهم بقتال
ولا مشاركة رأيٍ؛ لانفرادهم، ونحو ذلك، وروي (١) عن أبي حنيفة وأصحابه (٢) . وقال الأوزاعي (٣): لا يقتل الحراث، ولا الراهب، ولا الشيخ الكبير، ولا المجنون.
قلت: أمَّا المجنون، فلا ينبغي أن يكون فيه خلافٌ أنه لا يقتل، لاسيّما إن كان كذلك بَلَغ، فهو غير مكلفٍ باتفاق، ولا يَنْطَلِقُ عليه وصف الكفر، ودليل هؤلاء في تخصيص من خصَّصوه من هذه الأصناف: ما يُنتزع من قوله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]، فمن غلب على نظره في صنف من هؤلاء العاجزين عن القتال غالبًا كالزَّمْنَى والهَرْمَى والمنقطعين من الرهبان، وأهل الخدمة والامتهان، أنهم لا يُعتدُّون فيمن يقاتل؛ جعلهم مخصوصين من القتل، ورأى ذلك ممنوعًا بقوله -تعالى-: ﴿وَلاَ تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]، أي: لا تقتلوا من ليس من أهل القتال، وقياسًا على النساء؛ بعلَّة العجز عن القتال.
وأيضًا، فقد رووا في بعض ذلك آثارًا تعترض من جهة الإسناد، وأرجح ما في ذلك: ما خرَّجه أبو داود (٤)، عن رباح بن ربيع قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في
غزوة،
_________________
(١) = وإسناده ضعيف، فيه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة. وانظر: «المحلّى» (٧/٤٧٣)، «نيل الأوطار» (٧/٢٦٢) .
(٢) في الأصل والمنسوخ: روي. بدون واو.
(٣) انظر: «شرح معاني الآثار» (٣/٢٢٠-٢٢٥)، «المبسوط» (١٠/٢٩، ٦٤)، «تحفة الفقهاء» (٣/٢٩٥)، «فتح القدير» (٥/٤٥٢)، «الاختيار» (٤/١٢٠)، «السير الكبير» (٥/١٨٠٧- مع «شرحه»)، «بدائع الصنائع» (٧/١٠١)، «تبيين الحقائق» (٣/٢٤٥)، «البحر الرائق» (٥/١٣٠-ط. دار الكتب العلمية)، «مجمع الأنهر» (٢/٤١٤-٤١٥)، «البناية شرح الهداية» (٥/٦٦٢) .
(٤) واستثنى المريض إذا كان شابًّا، فيقتل. انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٥٨)، و«الاستذكار» (١٤/٧٢)، «معالم السنن» (٢/٢٨٠)، «المغني» (١٠/٥٤٣)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٣٩٧) .
(٥) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في قتل النساء) (رقم ٢٦٦٩) . =
[ ٢٢٨ ]
فرأى الناسَ مُجْتَمعينَ على شيءٍ، فبعث رجلًا فقال له: «انظر، علامَ اجتمع هؤلاء؟»، فجاء فقال: امرأةٌ قتيل، فقال: «ما كانت هذه لتقاتل!»، قال: وعلى المقدمة: خالد بن الوليد، فبعثَ رجلًا فقال: «قُلْ لخالد: لا تَقتُلنَّ امرأةً ولا عسيفًا» .
فهذا الخبر عند من صححه حجةٌ في استثناء العسيف، وأصلٌ لمن سواه من ذوي الأعذار، والعجزِ عن القتال، إذا كان ممن يقول بالقياس.
والعَسيفُ: الأجير. والجَمع: العُسفاء، كالأجَراء. وذكر مالك في «موطئه» (١)
_________________
(١) = وأخرجه النسائي في «الكبرى» (٨٦٢٥ و٨٦٢٨)، وابن ماجه (٢٨٤٢)، والطحاوي في «شرح المعاني» (٣/٢٢١، ٢٢٢)، وفي «المشكل» (٦١٣٨)، وأحمد (٣/٤٨٨ و٤/١٧٨، ٣٤٦)، وابن حبان (٤٧٨٩)، والحاكم (٢/١٢٢)، والطبراني في «الكبير» (٤٦١٧، ٤٦١٨، ٤٦١٩، ٤٦٢٠، ٤٦٢١، ٤٦٢٢)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٣/٣١٤)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/٨٢ و٩١)، وابن عبد البر في «التمهيد» (١٦/١٤٠)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢٧٥١)، وأبو يعلى (١٥٤٦) من حديث رباح بن الربيع، أخي حنظلة الكاتب. واختلف في اسمه، فقيل: رباح، بالموحدة، وفيل: رياح، بالياء المثناة من تحت. قال البخاري في «التاريخ» (٣/٣١٤): وبعضهم قال: رياح. ولم يثبت. وتحرف اسم رباح بن الربيع في مطبوع «شرح معاني الآثار» إلى: رباح بن حنظلة الكاتب. والحديث صحيح بطرقه. وانظر: «صحيح أبي داود» لشخينا الألباني -﵀-. وفي الباب عن ابن عمر بلفظ: نهى عن قتل النساء والصبيان. أخرجه البخاري (٣٠١٥)، ومسلم (١٧٤٤) (٢٥) . وعن ابن عباس، وعن الأسود بن سُريع، وعن حنظلة الكتاب، وعن بريدة بن الحصيب، وعن النعمان بن مقرن، وعن أنس بن مالك. وفي الباب أحاديث أخر انظرها في «مجمع الزوائد» (٥/٣١٥-٣١٨) .
(٢) أخرجه في «الموطأ» (٢/٤٤٧- ط. عبد الباقي) - ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٩/٨٦)، وفي «معرفة السنن والآثار» (١٣ رقم ١٨٠٧٦)، وعبد الرزاق في «المصنف» (٥/١٩٩ رقم ٩٣٧٥ و٩٣٧٦)؛ من طريق يحيى بن سعيد، عن أبي بكر قوله. ويحيى بن سعيد لم يسمع أبا بكر، فإسناده منقطع. وأخرجه سعيد بن منصور (٢٣٨٤)، والبيهقي (٩/٨٦) في «سننهما»، والبلاذري في «أنساب الأشراف» (١٠٨-١٠٩- ترجمة الشيخين) من طرقٍ أخرى عن أبي بكر. وانظر: «المجالسة» (١٥٣٥- بتحقيقي)، «جامع الأصول» (٢/٥٩٩) . وفي الباب عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «من قتل عصفورًا فما فوقها بغير حقّها سأله الله عن =
[ ٢٢٩ ]
عن أبي بكرٍ -﵁- أنه قال في وصيته لبعض أمراء جيوشه (١): «إنك ستجد قومًا زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له، وستجد قومًا فحَصوا عن أوساط رؤوسهم من الشَّعَر، فاضرب ما فحصوا عنه بالسَّيف، وإني موصيك بعشرٍ: لا تَقْتُلَنَّ امرأة ولا صبيًا
ولا كبيرًا هَرمًا » إلى آخر القصة (٢)، فمن رأى أن مثل هذا لا يكون من أبي بكر إلا عن
_________________
(١) = قتله» . قيل: يا رسول الله! وما حقُّها؟ قال: «أن تذبحها فتأكلها، ولا تقطع رأسها فترمي بها» . أخرجه أحمد (٢/١٦٦، ١٩٧، ٢١٠)، والطيالسي (٢٢٧٩)، والشافعي (١٧٦٦)، والحميدي (٥٨٧) في «مسانيدهم»، وعبد الرزاق في «المصنف» (٨٤١٤)، والفسوي في «المعرفة» (٢/٢٠٨، ٧٠٣)، والطحاوي في «المشكل» (١/٣٧٢)، والحاكم في «المستدرك» (٤/٢٣٣)، وأبو القاسم البغوي في «الجعديات» (١٦٢٠)، والبغوي في «شرح السنة» (١١/٢٢٥)، والبيهقي في «سننه» (٩/٨٦) . وفي إسناده صهيب مولى عبد الله بن عامر -وفي مطبوع «المصنف»: مولى ابن عباس!! فليصحح-، لم يوثقه غير ابن حبان. وانظر: «التلخيص الحبير» (٤/١٥٤) . وفي الباب عن القاسم مولى عبد الرحمن مرسلًا: «ولا تقطع شجرة مثمرة، ولا تقتل بهيمة ليست لك بها حاجة، واتق أذى المؤمنين» . أخرجه أبو داود في «المراسيل» (٣١٦)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٢٣٨٤)، وسنده حسن.
(٢) وكان أمير الجيش: يزيد بن أبي سفيان.
(٣) وتمامها: « ولا تقطعنَّ شجرًا مثمرًا، ولا تخربنَّ عامرًا، ولا تعقرنَّ شاة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، ولا تحرقنَّ نحلًا، ولا تُفَرِّقَنَّه، ولا تَغْلُل، ولا تَجْبُن»، وسبق تخريجها قريبًا. قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/٧٥): «وقد خالف مالكٌ في ذلك: فقال: لا بأس بقطع نخل الكفار وثمارهم، وحرق زروعهم، وأمَّا المواشي فلاتحرق. والحجة له في خلافة أبي بكر، أن رسول الله - ﷺ - قطع نخل بني النضير وحرَّقها، وأنه - ﷺ - نهى عن تعذيب البهائم، وعن المُثلة، وأن يتخذ شيءٌ فيه روحٌ» . وقد تأول جماعة من العلماء في حديث أبي بكر المذكور، قالوا: إنما ذلك لرسول الله - ﷺ - كان وعدهم أن يفتحها الله عليهم. وانظره: (١٤/٧٦-٧٧) . ولكن قال أبو محمد بن حزم في «المحلى» (٧/٢٩٤ المسألة رقم ٩٢٤): «وقد ينهى أبو بكر عن ذلك اختيارًا؛ لأن ترك ذلك -أيضًا- مباح، كما في الآية المذكورة، ولم يقطع - ﷺ - نخل خيبر، =
[ ٢٣٠ ]
توقيفٍ جعله دليلًا (١) .
فصلٌ
اختلفوا في قتل النساء والصبيان إذا قاتلوا؛ فجمهور العلماء على أنهم إذا قاتلوا قتلوا، منهم: مالك (٢)، والشافعي (٣)،
_________________
(١) = فكل ذلك حَسَنٌ، وبالله تعالى التوفيق» . أهـ ويقصد بالآية: قول الله -تعالى-: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ . وَمَنَعَ من عقر شيء من حيوانهم البتة إلا للأكل فقط، حاشا الخنازير فتعقر، وحاشا الخيل في حال المقاتلة فقط» .
(٢) إذًا فالسبب الموجب لاختلاف العلماء في المسألة: اختلافهم في العلة الموجبة للقتل، فمن زعم أن العلة الموجبة لذلك هي: (الكفر)، لم يستثن أحدًا من المشركين، ومن زعم أن العلة في ذلك هي (إطاقة القتال) للنهي عن قتل النساء مع أنهن كفار، استثنى من لم يطق القتال، ومن لم ينصب نفسه إليه، كالفلاح والعسيف، ويقوى إعمال النظر وردها لهذين الأصلين، عند ضعف ما ورد من آثار فيها، والقول بما قرره المصنف أقيس. قال الشوكاني في «النيل» (٧/٢٦٢) بعد أن قرر ضعف حديث ابن عباس السابق -وهو الذي مضى ذكره في التخريج مرفوعًا: «لا تقتلوا أهل الصوامع» -: «لكنه معتضد بالقياس على الصبيان والنساء بجامع عدم النفع والضرر، وهو المناط»، قال: «ويقاس على المنصوص عليهم بذلك الجامع من كان مقعدًا، أو أعمى، أو نحوهما ممن لا يرجى نفعه، ولا خيره على الدوام» . ويقاس عليهم -أيضًا- كل من له صفة حيادية فعلًا عن معاونة العدو، كالملحقين العسكريين الأجانب، ومراسلي الصحف، ورجال الدين التابعين للقوات الحربية، انظر: «آثار الحرب» (ص ٤٨٠) للأستاذ وهبة الزحيلي. وهذا اختيار ابن تيمية في «السياسة الشرعية» (١٣٢-١٣٣)، و«مجموع الفتاوى» (٢٨/٣٥٤) -وفيه: «من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة، كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن ونحوهم، فلايقتل عند جمهور العلماء؛ إلا أن يقاتل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر» -.
(٣) «المدونة» (١/٣٧٠)، «الرسالة» (١٨٩)، «المعونة» (١/٦٢٤)، «أسهل المدارك» (٢/ ١٦)، «الكافي» (٢٠٨)، «قوانين الأحكام» (١٦٤)، «بداية المجتهد» (١/٣٨٤)، «فتح الجليل» (٣/ ١٤٤- ١٤٦)، «حاشية الدسوقي» (٢/١٧٧)، «شرح الزرقاني» (٣/١١١-١١٢)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٦٨)، «الذخيرة» (٣/٣٩٩)، «جامع الأمهات» (ص ٢٤٦)، «تفسير القرطبي» (١/ ٣٤٨)، «النوادر والزيادات» (٣/٥٧)، «الاستذكار» (١٤/٦٠، ٧٤) .
(٤) «الأم» (٧/٣٥٠)، «مختصر المزني» (٢٧٢)، «الإقناع» للماوردي (١٧٦)، «الإقناع» لابن =
[ ٢٣١ ]
وأبو
حنيفة (١)، والثوري، والليث، والأوزاعي، وأحمد (٢)، وإسحاق وأبو ثور (٣) . وقاله أبو محمد بن حزم (٤)، والحجة في ذلك عموم قوله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وهؤلاء قد قاتلوا، وتخصيص نهي النبي - ﷺ - عن قتل النساء والصبيان، بأنَّ ذلك ما داموا على الحال التي هي غالب جنسيتهم من العجز وعدم أهلية القتال، بدليل ما وقع في حديث رباح بن ربيع، أنه - ﷺ - قال -وقد وجدت امرأةٌ مقتولةٌ في بعض المغازي-: «ماكانت هذه لتقاتل» (٥) . وقد روي في ذلك ما هو أوضح.
أسند ابن المنذر (٦) إلى ابن عباس، أن النبي - ﷺ - مرَّ بامرأةٍ مقتولة يوم الخندق، فقال: «من قتل هذه؟» قال رجل: أنا يا رسول الله، قال: «ولِمَ؟»، قال:
_________________
(١) = المنذر (٢/٤٦٣)، «مغني المحتاج» (٤/٢٢٢-٢٢٣)، «نهاية المحتاج» (٨/٦٤)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٤٣)، «المهذب» (٢/٢٩٩)، «الوجيز» (٢/١٨٩)، «الأحكام السلطانية» للماوردي (٤١)، «المجموع» (٢١/١٥٤-١٥٥)، «البيان» للعمراني (١٢/١٢٩) .
(٢) «شرح معاني الآثار» (٣/٢٢٠-٢٢٥)، «المبسوط» (١٠/٢٩، ٦٤)، «تحفة الفقهاء» (٣/ ٢٩٥)، «فتح القدير» (٥/٢٠١-٢٠٢)، «الاختيار» (٤/١٢٠)، «البناية» (٥/٦٦٤)، «السير الكبير» (٥/١٨٠٧- مع «شرحه»)، «بدائع الصنائع» (٧/١٠١)، «تبيين الحقائق» (٣/٢٤٥)، «البحر الرائق» (٥/٨٤)، «مجمع الأنهر» (٢/٦٣٦-٦٣٧) .
(٣) «المغني» (١٢/١٧٩)، «المقنع» لابن البنا (٣/١١٨٦)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/ ٥٨١)، «شرح الزركشي» (٦/٥٤٢، ٥٤٥)، «الواضح» (٢/٢٧٤)، «رؤوس المسائل الخلافية» للعكبري (٥/٧٠٣ رقم ١٩٥٧) .
(٤) انظر: «تفسير الطبري» (٢/١٨٨-ط. دار الفكر)، «اختلاف الفقهاء» له -أيضًا- (ص ٣- تحقيق يوسف شخت)، «المغني» (١٢/١٧٩-١٨٠)، «شرح السنة» (٧/١٢)، «تفسير القرطبي» (١/ ٣٤٨)، «نيل الأوطار» (٧/٢٠٧)، «موسوعة فقه سفيان الثوري» (ص ٣١٥-٣١٦)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٣٩٦)، «فقه الإمام أبي ثور» (ص ٧٧٢) .
(٥) انظر: «المحلَّى» (٧/٢٩٦ المسألة رقم ٩٢٦) .
(٦) مضى تخريجه.
(٧) في «الأوسط»، القسم المفقود منه.
[ ٢٣٢ ]
نازعتني قائم سيفي، قال: فَسَكَتَ (١) .
وأيضًا فقد قتل النبي - ﷺ - امرأةً من بني قريظة لحدثٍ أحدثته، في جملة من قَتَل من رجالهم. خرَّجه أبو داود وغيره (٢) .
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١١/٣٨٨/رقم ١٢٠٨٢) من طريق حفص بن غياث، عن الحجاج بن أرطاة، عن الحكم، عن مِقْسم، عن ابن عباس، به. وأخرجه أحمد في «المسند» (٨/٢٥٦) من طريق أبي خالد الأحمر: سليمان بن حيان، عن حجاج، به. غير أنه قال: «فنهى عن قتل النساء»، بدل: «فسكت» . وأخرجه بنحوه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٤/٤٧٠) عن عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، به. قال الهيثمي في «المجمع» (٥/٣١٦): «وفي إسنادهما -أي أحمد والطبراني- الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس» . وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٢/٣٨١) مختصرًا. ويشهد له حديث ابن عمر في النهي عن قتل النساء والصبيان، عند البخاري (رقم ٣٠١٤ و٣٠١٥)، ومسلم (رقم ١٧٤٤)، وأحمد (٢/٢٣) وغيرهم. وحديث عكرمة مرسلًا عند أبي داود في «المراسيل» (٣٣٣) . وانظر: «التمهيد» (١٦/١٣٩) .
(٢) وتمام الحديث: عن عائشة أم المؤمنين، قالت: لم يُقتل من نسائهم إلا امرأةٌ واحدة. قالت: والله إنها لعندي تحدَّثُ معي، تضحك ظهرًا وبطنًا، ورسول الله - ﷺ - يقتل رجالهم بالسوق، إذ هتف هاتفٌ باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا والله، قالت: قلت: ويلك، ومالَكِ؟ قالت: أُقتل. قالت: قلت: ولم؟ قالت: حدث أحدثته. قالت: فانْطُلِقَ بها، فضُربت عنقها، وكانت عائشة تقول: والله ما أنسى عجبي من طيب نفسها، وكثرة ضحكها، وقد عرفت أنها تقتل. أخرجه أبو داود (رقم ٢٦٧١)، وأحمد (٦/٢٧٧)، وابن جرير في «التاريخ» (٢/٥٨٩)، والحاكم (٣/٣٥-٣٦)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/٨٢)، وفي «معرفة السنن والآثار» (١٨٠١٨) من طريقين عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، به. وهذا إسناده حسن من أجل ابن إسحاق -وهو محمد- وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين. وهو في «السيرة النبوية» لابن هشام (٢/٢٤٢)، من حديث ابن إسحاق، بهذا الإسناد. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. قلت: لم يحتج مسلم بمحمد بن إسحاق، إنما أخرج له في المتابعات. =
[ ٢٣٣ ]
وقال ابن هشام (١) في كتاب «المغازي» لابن إسحاق: هي التي طرحت الرَّحى على خلاد بن سويد فقتلته.
قال ابن إسحاق (٢): استشهد يوم بني قريظة من المسلمين، ثم من بني الحارث بن الخزرج: خَلاَّد بن سويد، طرحَتْ عليه رحىً فشدخته شدخًا شديدًا، فزعموا أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن له أجر شهيد» (٣) .
ومن طريق النَّظَر: إن من تعرَّض للقتال، لو تُرك ولم يُدفع ويقاتَل؛ لأَفضىَ إلى الاستكثار من أذى المسلمين وقتلهم، وذلك باطل، لايَحِلُّ إقراره باتفاق، ولكان يكون في ذلك لو ترك تسليطٌ على المؤمنين، والله -تعالى- يقول: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] . وهذا من النظر الصحيح الذي يُقِرُّ بِهِ ويستعمله أهل الظاهر وغيرهم؛ لأنه ردٌّ إلى كتاب الله
-تعالى- وسنة رسوله - ﷺ -، وليس هو من القياس في شيء.
وذكر ابن المنذر (٤) قال: حكى أشهب، عن مالكٍ، أنه سئل عن نساء العدو
_________________
(١) = ونقل البيهقي عن الشافعي قوله: فحدثني أصحابنا أنها كانت دَلَّتْ على محمود بن مسلمة رحىً، فقتلته، فقتلت بذلك. ونقل -أيضًا- قوله: قد جاء الخبر أن رسول الله - ﷺ - قتل القرظية، ولم يصح خبر على أي معنى قتلها، وقد يحتمل أن تكون أسلمت، ثم ارتدت ولحقت بقومها، فقتلها لذلك، ويحتمل غيره. وانظر: «عيون الأثر» (٢/٧٣)، «السيرة النبوية» لابن كثير (٣/٢٤٢)، «البداية والنهاية» (٤/ ١٣٦)، «مغازي موسى بن عقبة» (ص ١٧٦- جمع سلوي مرسي) . قولها: «لم يُقتل من نسائهم»، أي: نساء بني قريظة حين قتلوا بعد الأحزاب. قولها: «ظهرًا وبطنًا»، أي: تنقلب من كثرة الضحك ظهرًا لبطن، وبطنًا لظهر.
(٢) «السيرة النبوية» (٢/٢٤٣) .
(٣) «سيرة ابن هشام» (٢/٢٥٤)، وعزاه الحافظ في «الإصابة» (٢/٣٤٠) لموسى ابن عقبة.
(٤) في الأصل والمنسوخ: «أجر شهيد»، وفي «الإصابة» عن ابن اسحاق وموسى بن عقبة: «أجر شهيدين» .
(٥) لم أجده في شيءٍ من كتبه المطبوعة.
[ ٢٣٤ ]
وصبيانهم يكونون على الحصون، يرمونهم بالحجارة، ويعينون على المسلمين، أيقتلون؟ فقال: نهى رسول الله - ﷺ - عن قتل النساء والصبيان. ونحو ما رَوَى ابنُ المنذر من قول مالكٍ يقول جماعة من أصحابه (١) . وقال ابن حبيب في النساء والصبيان: إن كان قتالهم بالسيف والرمح ونحوه قتلوا في حال المدافعة، وإن كان بالحجارة ونحوها من فوق الحصن لم يقتلوا (٢) . وقاله غيره من أصحاب مالك.
فأقول: إنه ليس لأحدٍ يذهب إلى أنهم لا يقتلون في حال الدفاع إذا ما قاتلوا حجَّة، وإن تعلَّقَ متعلِّق بظاهر العموم في النهي عن قتل النساء والصبيان؛ لم يصح له ذلك بعد قيام الدليل على تخصيصه.
ثم اختلف الذين رأوا قتل من قاتل من النساء والصبيان: هل يكون الحكم كذلك فيهم إذا قاتلوا ثم قُضي القتال وقد أُسِروا؟ فقيل: إنه يجوز قتلهم، كالحال في أسرى الرجال، ومستند من ذهب إلى ذلك أنهم قد استوجبوا القتل لقتالهم، وخرجوا من أن يكونوا فيمن وقع النهي عن قتله، فحكمهم بَعْدُ في القتل أو التَّرك كحكم سائر الأسرى، حسبما نذكره بَعدُ بحول الله -تعالى- (٣) . وقيل: إنهم لا
يقتلون إلا في المدافعة وحال القتال فقط، ودليل من ذهب إلى ذلك: عموم النهي عن قتلهم، وأن التخصيص إنما يُتناول بيقينٍ حال المدافعة، فبقي ماوراء ذلك على عمومه، وهذا أرجح. والله أعلم.
وكلا القولين مرويٌّ عن أصحاب مذهب مالك (٤) .
_________________
(١) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٥٨)، «الذخيرة» (٣/٣٩٧-٣٩٨) .
(٢) انظر: «الذخيرة» (٣/٣٩٩) .
(٣) انظر ما سيأتي (ص ٢٣٩) .
(٤) ذكر ابن الحاجب في «جامع الأمهات» (ص ٢٤٦) القولين، وحاصل كلام الدسوقي في «حاشيته» (٢/١٧٦): أن المرأة إذا قتلت أحدًا جاز قتلها، أو قاتلت بسلاح كالرجال، ولو بعد أسرها؛ فإن قاتلت برمي الحجارة فلا تقتل بعد الأسر اتفاقًا ولا في حال المقاتلة على الراجح. وانظر: «منح الجليل» (٣/١٤٥-١٤٦) .
[ ٢٣٥ ]
فصلٌ
اختلفوا في رمي حصون العدو بالمنجنيق ونحوه من المُهْلِكات، وفيهم النساء والذُّرِّيَّة (١) وأُسارى المسلمين؛ فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي وغيرهم إلى جواز ذلك في الجملة على ما نفصّله عنهم، وقيل: لا يجوز ذلك. ذَكرَ فَضْلٌ أن ابن القاسم من أصحاب مالكٍ رَوَى عنه المنعَ من رميهم بالمجانيق، أو إرسال الماء عليهم ليغرقوا إذا كان معهم النساء والأطفال (٢) .
فأما أبو حنيفة، فذهب إلى جواز رميها وتحريقها عليهم بالنار، وإن كان
_________________
(١) وهم من يُسَمَّوْن اليوم: المدنيون.
(٢) انظر: «قدوة الغازي» (١٧٢-١٧٣)، «الذخيرة» (٣/٤٠٩)، «الخرشي» (٤/١٧)، «البيان والتحصيل» (٣/٣١-٣٢)، وحكى فيه أربعة أقوال، قال ما نصه: « وفيما يجوز في ذلك كله ومما لا يجوز اختلافٌ كثيرٌ في المذهب، تحصيله أن الحصون إذا لم يكن فيها إلا المقاتلة فأجاز في المدونة أن يرموا بالنار، ومنع من ذلك سحنون، وقد روى ذلك عن مالك من رواية محمد بن معاوية الحضرمي، ولا خلاف فيا سوى ذلك من تغريقهم بالماء ورميهم بالمجانيق وما أشبه ذلك، وأما إن كان فيهم مع المقاتلة النساء والصبيان ففي ذلك أربعة أقوال: أحدها: أنه يجوز أن يرموا بالنار ويرموا بالمجانيق، وهو قول أصبغ فيما حكاه عن ابن مزين. والثاني: أنه لا يجوز أن يفعل بهم شيء من ذلك كله، وهو قول ابن القاسم فيما حكاه عنه الفضل. والثالث: أنه يجوز أن يرموا بالمجانيق ويغرقوا بالماء ولا يجوز أن يرموا بالنار، وهو قول ابن حبيبٍ في «الواضحة» . والرابع: أنه يجوز أن يرموا بالمجانيق ولا يجوز أن يغرقوا ولا يحرَّقوا، وهو مذهب مالك في «المدونة» . وأما إذا كان فيه مع المقاتلة أسارى المسلمين فلا يرموا بالنار ولا يغرقوا بالماء، واختلف في قطعه عنهم ورميهم بالمجانيق، فقيل: ذلك جائز، وهو قول ابن القاسم وأشهب في سماع سحنون، وقيل لا يجوز، وهو قول ابن حبيب في «الواضحة»، وحكاه عن مالك وأصحابه المدنيين والمصريين» . وانظره: (٣/٤٤، ٥٢) . وهو مروي -أيضًا-عن أصحاب مالك المصريين والمدنيين. كما في «الذخيرة» . وانظر: «الإقناع» لابن المنذر (٢/٤٦٥-٤٦٦) .
[ ٢٣٦ ]
فيها الأسارى والأطفال، وكذلك عنده: لو تَتَرَّسوا بالمسلمين، رُموا -أيضًا-. قال: ويُقصد بذلك من فيها من الكفار، فإن أصابوا في ذلك مسلمًا فلا دية ولا كفارة (١) .
وقال الشافعي: لا بأس برمي الحصن بالمنجنيق والنار، وكل ما فيه نكاية، وفيه النساء والأطفال، ولم يَرَ رميهم إذا تترسوا بالمسلمين إلا في حال الاضطرار حيث يخافهم المسلمون على أنفسهم إن كَفُّوا عنهم، فحينئذٍ يقاتلون، ولا يُتَعَمَّدُ قَتْلُ مسلم. وقد قيل: يكف عنهم على كل حال إذا لم يكن بُدٌّ من إصابة المسلم، وأي مسلم أصيب ممن لم يقصد الرامي قصده بالرمية ولم يره، فعليه تحرير رقبة، ولا دية له، وإن كان رآه، وعَرَف مكانه ورمى، وهو مضطرٌ إلى الرَّمي، فعليه دية وكفارة، وإن تعمده ولم يكن مضطرًا فالقصاص (٢) .
وقال الأوزاعي (٣): يرمى الحصن بالمنجنيق والنار، وإن كان فيه أسرى
_________________
(١) لأنهم غير مقصودين بالرمي، لذا فإن الرمي يصير مباحًا، ولا يبقى على الرامي تَبِعة؛ لأن المباح لا يوجب كفارة ولا دية. انظر: «المبسوط» (٥/٦٤-٦٥)، «تحفة الفقهاء» (٣/٢٩٥)، «بدائع الصنائع» (٧/١٠٠-١٠١)، «اللباب» (٤/١١٨)، «الرد على سير الأوزاعي» (ص ١٦)، «أحكام القرآن» للجصاص (٣/٣٩٥-٣٩٦)، «الهداية شرح بداية المبتدي» (٢/٤٢٨)، «البناية في شرح الهداية» (٥/٦٥٦)، «فتح القدير» (٥/٤٤٧- ٤٤٨)، «مجمع الأنهر» (٢/٤١٣)، «رد المحتار» (٣/١٧٩)، «البحر الرائق» (٥/١٢٨)، «تبيين الحقائق» (٣/٢٤٣) . وهذا قول جمهور الحنفية، سوى الحسن بن زياد، صاحب أبي حنيفة، انظر: «بدائع الصنائع» (٧/١٠١) . وبجواز الرمي مطلقًا قال الثوري.
(٢) «الأم» (٤/٢٥٧)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٤٤-٢٤٥)، «أسنى المطالب» (٤/١٩١) .
(٣) انظر: «اختلاف الفقهاء» للطبري (ص ٥- تحقيق يوسف شخت)، «الأم» (٧/٣٦٩)، «المغني» (١٣/١٤٢)، «الاستذكار» (١٤/٦٦/رقم ١٩٤١٢)، «حاشية القليوبي» (٤/٢١٩) . وعنه رواية أخرى، وهي عدم جواز رمي حصن المشركين إذا كان فيه أسرى من المسلمين، وكذلك إذا تترسوا بهم. نقل ذلك عنه: ابن رشد في «بداية المجتهد» (١/٤١٦- ط. دار الحمامي بمصر)، وانظر: «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤٠٠) .
[ ٢٣٧ ]
المسلمين، فإن أصيب أحدٌ من المسلمين؛ فهو خطأ تكون فيه الكفارة والدِّيَة، ورأى أن يُكف عنهم، إذا تترسوا بالمسلمين.
وعن مالك إجازة الرمي بالمنجنيق، ومنع التحريق بالنار، إلا أن يكون الحصن ليس فيه إلا المقاتلة فقط، فعنه في ذلك روايتان: الإجازة والمنع، ولا
أعلم له في التترس قولًا، وظاهر مذهبه المنع (١) .
فأما دليل جواز رمي الحصون في الجملة، وفيها الذراري: فما خرَّجه مسلم والبخاري عن الصعب بن جثّامة قال: سئل النبي - ﷺ - عن الدار من المشركين يُبيَّتون، فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: «هُم منهم» .
زاد البخاريُّ، قال: وسمعته يقول: «لاحِمىً إلا لله ولرسوله» (٢) . وقوله - ﷺ -
_________________
(١) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٦٩) -ونقله عنه القرافي في «الذخيرة» (٣/٤٠٨) -، «البيان والتحصيل» (٣/٤٤)، «النوادر والزيادات» (٣/٦٦)، «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٢/١٧٨)، «الكافي» (١/٤٦٦-٤٦٧)، «القوانين الفقهية» (ص ٩٨)، «أحكام القرآن» لابن العربي (٤/١٦٩٦)، «تفسير القرطبي» (١٦/٢٨٦-٢٨٧)، «حاشية الرهوني على شرح الزرقاني لمختصر خليل» (٣/١٤٦)، «حاشية العدوي على شرح الخرشي» (٣/١١٤) . والمنع في حال التترس هو الراجح من مذهب المالكية. وهو -أيضًا- مذهب الحنابلة. انظر: «المغني» (١٣/١٤١)، «الإنصاف» (٤/١٢٩)، «المبدع» (٣/٣٢٤)، «مطالب أولي النُّهى» (٢/٥١٨-٥١٩) . وهو قول الحسن بن زياد -صاحب أبي حنيفة- كما أشرنا إليه آنفًا. وكذلك قول الليث بن سعد. كما في «المغني» (١٣/١٤٢) . وكلام المصنف السابق في «الاستذكار» لابن عبد البر (١٤/٦٥-٦٦) .
(٢) أخرجه البخاري -بالزيادة التي ذكرها المصنف- في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب أهل الديار يُبيَّتون، فيصاب الولدان والذراري) (رقم ٣٠١٢) . وأخرجه برقم (٣٠١٣) من طريقين إحدَيْهما بلفظ: «هم منهم»، والأخرى: «هم من آبائهم» . وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير (باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد) (رقم ١٧٤٥) باللفظين السابقين. =
[ ٢٣٨ ]
-وقد قيل له: لو أن خيلًا أغارت من اللَّيل، فأصابت من أبناء المشركين- قال: «هم من آبائهم» . خرَّجه مسلم (١) .
فهذا في نساء المسلمين وأبنائهم ظاهر، فأما الأسرى من المسلمين يكونون معهم في الحصون، فدليل من أجاز ذلك هو من طريق المعنى، وذلك أن قوله في أبناء المشركين: «هم من آبائهم» ليس على معنى أنهم كفار؛ لأنهم لم يبلغوا، فلم يخاطبوا بَعْدُ بالإيمان، ولم يَجْرِ عليهم التكليف، فلا يصح إطلاق وصف الكفر عليهم، لكن معنى: «هم منهم»: رفع الحرج عن المسلمين في إصابتهم بحكم الاضطرار، ومعرَّة الاقتحام، أي: لا مأثم يلحق في إصابتهم، فكذلك يجري المعنى في حكم الأسرى من المسلمين إن أصيب منهم أحدٌ في أثناء الاقتحام، ووجه المنع في الجملة على نحو ما رُوِي عن ابن القاسم -أن لا يُرموا بالمجانيق إذا كان معهم
النساء والأطفال- عُموم النهي عن قتلهم؛ ولأن الحديث في إرخاص ذلك إنما جاء في البيات والغارات، حيث تدعو الضرورة إلى المباغتة، ولا يوقن بالذراري أن يصابوا.
وأما رمي الحصون، وقد علم مافيها من الذرية، والأمر فيهم على الرَّوية وعدم الاضطرار، فليس مما أبيح من ذلك، وهذا ونحوه هو الذي يتوجه لهذا القول.
والأَوْلَى -إن شاء الله- والذي نختاره التفصيل في ذلك، فنقول:
أمَّا إن لم يُعلم في الحِصنِ أحدٌ من أُسارى المسلمين، فالأظهر جواز رميهم، مع كون النساء والذرية في جملتهم، بدليل الحديث في قوله: «هم منهم»، إذا لم يُقصدوا، وكان إصابتهم لضرورة الاقتحام؛ ولقوله - ﷺ - فيهم: «لا حِمىً إلا لله ولرسوله»، وأما إن كان في الحصن أحدٌ من أسارى المسلمين، يُعلم ذلك،
_________________
(١) = وأخرجه البخاري في كتاب المساقاة (باب لاحِمىً إلا لله ولرسوله) (رقم ٢٣٧٠) .
(٢) (١٧٤٥) (٢٨) .
[ ٢٣٩ ]
فالأظهر توقي استعمال ما لا يؤمن فيه إصابتهم، فإن علم أن ذلك لا يصيب الأسرى، فلا بأس، وذلك لأن حديث الصَّعب بن جثَّامة لم يجرِ فيه ذكر مُسلمٍ، إنما هو في نساء المشركين وأبنائهم، فلا يستباح بذلك الاجتراء في أمر المسلمين، وأظهرُ من هذا والأتمُّ حُجَّةً قول الله -تعالى- في تأخير القتال عن أهل مكة عام الحديبية ﴿وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥] . فهذا نصٌّ في وجوب التَّوقِّي، فإن قيل: إنَّ ذلك خاصٌّ بأهل مكة، فهودعوى؛ لأن الله -تعالى- إنما جعل الحرمة في ذلك للإيمان لا للبلد، وهذا التفصيل والفرق الذي اخترناه إنما نَعْني به الحُكمَ في قتال الحصون، وحيث لا ضرورة تدعو المسلمين لكسر العدو ومدافعتهم (١)، وأما عند لقاء جيوش المشركين، وفيهم أُسارى من المسلمين، فأرجو -إن شاء الله- أن يكون كل شيءٍ مما يُنْكَى به العدو سائغًا، سواء أُمن أن يصيب الأسرى من ذلك شيءٌ أوْ لا، إلا أنهم لا يُتَعَمَّدون، ويُتحفَّظ عنهم بقدر الوسع، وذلك أنَّ في الكفِّ عن القتال، وترك الدفاع في مثل هؤلاء الذين بَرزوا للمسلمين هلاكًا للناس، وتمكينًا لأهل الكفر من الإسلام ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، وهذا كلّه ما لم يتترس الكفار بالمسلمين، فإن تترسوا بهم، بحيث لا يمكن قتالهم إلا من وراء قتل مسلم، فالأرجح الذي نختاره الكفُّ جُملةً، والقتال لا نراه على حال من غير تفصيلٍ في قتال الحصون أو الجيوش؛ لأن ذلك إن لم تكن ضرورة، فلا خفاء
به، وإن كانت ضرورة بحيث يُبْقي المسلمون على أنفسهم في الكفِّ عن القتال، فذلك -أيضًا- موجودٌ إذا قاتلوا بقتلهم المسلمين الذين تترس بهم العدو، من غير حقٍّ وجب عليهم مُبيحٍ لدمائهم، وليس لأحدٍ أن يقتل
_________________
(١) وكذا للحاجة، وكما هو مقرر في القواعد الفقهية أن «الحاجة تنزل منزلة الضرورة» . انظر: «شرح القواعد الفقهية» لأحمد الزرقا (ص ١٥٥) .
[ ٢٤٠ ]
مسلمًا بريئًا لينجو بذلك من القتل (١) .
وأما ما وقع الاختلاف فيه مِن رَمْي الحصون بالنار، فنذكر وجهه، والأرجح منه -إن شاء الله- في الفصل بعد هذا.
وأما اختلافهم في إيجاب دية من أصيب في ذلك من أسرى المسلمين فسببه: هل يحمل ذلك على الخطأ المحض، فتجب فيه الدية؟ أو لمَّا كان القتال مباحًا مأذونًا فيه على الأدلة المتقدمة، كانت الإصابة فيمن أصيب مستندةً إلى الإذنِ الشرعي، فلم يكن له حكم الخطأ؟ وهذا ضعيف؛ لأن إصابة المسلم لم يكن فيها إذن بحال، والقول بإثبات الدية أَوْلَى، ويُبيِّن ذلك حديث جرير بن عبد الله، خرَّجه أبو داود -وقد تقدم- قال: بعث رسول الله - ﷺ - سريةً إلى خثعم، فاعتصم ناسٌ منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي - ﷺ -، فأمر لهم بنصف العَقْلِ، وقال: «أنا بريءٌ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» (٢)، فيحتمل -والله أعلم- أن يكون أهدرَ النصف الثاني؛ لأنهم أعانوا على أنفسهم
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى» (٢٨/٥٤٦): «وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين، وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا، فإنهم يقاتلون، وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم» . وقال: «وهؤلاء المسلمون -أي المتترَّس بهم- إذا قتلوا كانوا شهداء، ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدًا» . ورجَّح الدكتور حسن أبو غدة في كتابه «قضايا فقهية في العلاقات الدولية حال الحرب» (ص ١٥١) مذهب الحنفية وهو جواز رمي العدو المتترسين والمتحصنين بالمسلمين حال وجود مصلحة وحاجة إلى الرمي، وإن لم تكن هناك ضرورة. وانظر: «المبسوط» (١٠/٦٥)، «بدائع الصنائع» (٦/٦٣)، «البناية» (٥/١٢٨)، «تبيين الحقائق» (٣/٢٤٣)، «تفسير القرطبي» (١٦/٢٨٧-٢٨٨)، «المستصفى» للغزالي (١/١٤١-١٤٢)، «السياسة الشرعية» لشيخ الإسلام (ص ١١٤) .
(٢) أخرجه أبو داود (رقم ٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤) من حديث جرير بن عبد الله -﵁-. وفيه أمره - ﷺ - لهم بنصف العقل. وهو صحيح دون الأمر بنصف العقل. كما قال شيخنا الألباني -﵀-. وقد مضى تخريجه.
[ ٢٤١ ]
بالإقامة مع المشركين، ألا ترى إلى قوله في الحديث: «أنا بريءٌ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» .
فأما الأسرى فلا إعانة منهم على أنفسهم، ففيهم الدية كاملة إن أصيبوا (١)، وبالله التوفيق.
_________________
(١) هذا قول المالكية -كما في «تفسير القرطبي» (١٦/٢٨٧) -، وهو وجوب الدية والكفارة، لا فرق بين الرمي حال الضرورة وبين الرمي في غير حال الضرورة، وهو الراجح عند الشافعية من قولين لهم. انظر: «مواهب الجليل» (٤/٥٤٨)، «أحكام القرآن» لابن العربي (٤/١٣٩)، «حاشية الدسوقي» (٢/١٧٨)، «الخرشي» (٤/١٥)، «بلغة السالك» (١/٣٥٦)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٤٦)، و«حاشية ابن قاسم على تحفة المحتاج» (٩/٢٤٢)، «تكملة المجموع» (٢٠/٤١٨)، «رحمة الأمة» (ص ٥٣٠) . وبه قال الحنابلة في قول مرجوح لهم. انظر: «المحرر» (٢/١٣٦)، «الإنصاف» (٤/١٢٩)، «مطالب أولي النهى» (٢/٥١٩) . وهو مقتضى ما ذهب إليه الأوزاعي والليث. انظر: «أحكام القرآن» للجصاص (٣/٣٩٥)، «المغني» (١٣/١٤٢) . وبه قال الحسن بن زياد صاحب أبي حنيفة. انظر: «بدائع الصنائع» (٧/١٠١) . ودليلهم قول الله -تعالى-: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، ووجه الدلالة: أن الرامي قتل مؤمنًا معصومًا خطأ بغير عمد مَحْض، فوجب موجبه؛ لهذه الآية. وكذا قول الله -تعالى-: ﴿وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الفتح: ٢٥]، على قول بعض المفسرين: أن المراد بالمعرة في هذه الآية: الكفارة والدية. انظر: «تفسير الماوردي» (٤/٦٤)، «زاد المسير» لابن الجوزي (٤/٤٤٠) . خلافًا للحنفية، فهم لا يوجبون كفارة ولا دية. وقد ذكره المصنف عنهم آنفًا. وقد ضعَّف ابن عطية في «تفسيره» تفسير «المعرَّة» بأنها الدية -كما هو قول ابن إسحاق-؛ لأنه لا دية في قتل مؤمن مستور الإيمان بين أهل الحرب. أما تفسير «المعرَّة» بأنها الكفارة -كما قاله الكلبي ومقاتل والطبري- فضعيف. قال الحنفية: لأن الحرب عندنا تمنع وجوب ما يندرئ بالشبهات. انظر: «روح المعاني» (٩/١١٤)، «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٤٤) . وقول الحنفية هذا وجيهٌ وقوي، والقتل -هنا- ليس من باب القتل الخطأ المحض، ولا من باب القتل العمد وشبه العمد. وانظر: «قضايا فقهية في العلاقات الدولية حال الحرب» لحسن أبو غدة (ص ١٥٩-١٦٧) . والقول الآخر للشافعية -وهو المرجوح عندهم-، وبه قال الحنابلة -في القول الآخر الصحيح =
[ ٢٤٢ ]
فصلٌ
اختلفوا في قتل العدو بغير السلاح، كالتحريق بالنار والتغريق، وما أشبه ذلك من ضروب القتل التي فيها تعذيبٌ أو تمثيل، فأما المقدور عليه منهم فلا أعلم في ذلك خلافًا (١)، وأنه لا يجوز تحريق أعيان العدو إذا أمكن قتلهم بغير ذلك، ولم يكونوا هم حرقوا أحدًا من المسلمين، والأصل في ذلك حديث البخاري (٢)، عن
أبي هريرة قال: بعثنا رسول الله - ﷺ - في بعثٍ فقال: «إن وجدتم فلانًا وفلانًا (٣) فأحرقوهما بالنار»، ثم قال رسول الله - ﷺ - حين أردنا الخروج: «إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النَّار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما؛ فاقتلوهما» .
وخرَّج مسلم (٤)، عن شداد بن أوسٍ قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله - ﷺ -، قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلةَ، وإذا
_________________
(١) = عندهم-، وهو ما ذهب إليه سفيان الثوري، أنه تجب الكفارة ولا تجب الدية على الرامي إن قتل مسلمًا مُتَتَرَّسًا به، سواء كان الرمي للضرورة أو لغيرها. واستدلوا بعموم قول الله: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وقالوا: إن الآية لم تذكر دية، ولهذا تجب الكفارة ولا تجب الدية. انظر: «المغني» (١٣/١٤٢) .
(٢) انظر: «المبسوط» (١٠/٣١)، «بدائع الصنائع» (٦/٦٢)، «المدونة» (٢/٢٥)، «الذخيرة» (٣/٤٠٨)، «الخرشي» (٤/١٥)، «الأم» (٤/٢٤٣)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٤٤)، «المبدع» (٣/ ٣٢١)، «كشاف القناع» (٣/٣٧٧)، «فتح الباري» (٦/١٨٥) .
(٣) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب لا يُعذب بعذاب الله) (رقم ٣٠١٦) . وفي (باب التَّوديع) (رقم ٢٩٥٤) .
(٤) هما: هبّار بن الأسود، ونافع بن عبد قيس، وذلك أن النبي - ﷺ - لما أُسر أبو العاص بن الربيع، زوج ابنته زينب يوم بدر أطلقه من المدينة، وشرط عليه أن يجهز له ابنته زينب فجهزها، فتبعها هبار ونافع، فنخسا بعيرها، فأسقطت ومرضت من ذلك. انظر: «سيرة بن هشام» (٢/٦٥٤)، «فتح الباري» (٦/١٨٤) .
(٥) في «صحيحه» في كتاب الصيد والذبائح (باب الأمر بإحسان الذبح والقتل، وتحديد الشفرة) (١٩٥٥) (٥٧) .
[ ٢٤٣ ]
ذبحتم فأحسنوا الذَّبح، وليُحِدَّ أحدكم شفرته، وليُرح ذبيحته» .
وفي كتاب أبي داود، عن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَعَفُّ الناسِ قِتلةً: أهلُ الإيمان» (١) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود في «سننه» (رقم ٢٦٦٦) من طريق هشيم بن بَشير، أخبرنا مغيرة، عن شباك الضَّبِّي، عن إبراهيم النخعي، عن هُنيِّ بن نويرة، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، به. وأخرجه أبو يعلى (٤٩٧٣)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/١٨٣)، والشاشي في «مسنده» (٣٥٣)، والبيهقي في «السنن» (٩/٧١)، والمزي في «تهذيب الكمال» (٣٠/٣١٨) من طريق هُشَيم بن بَشير، به. وهُشَيم بن بَشير. قال الحافظ: «ثقة ثَبْت كثير التدليس والإرسال الخفي» . ولكنه صرَّح بالتحديث. والمغيرة بن مِقسم، بكسر الميم، الضَّبي مولاهم. قال الحافظ: «ثقة متقن إلا أنه كان يدلس، ولاسيما عن إبراهيم» . ولكن عرفت الواسطة بينه وبين إبراهيم، وهو شباك الضَّبِّي. وشباك: ثقة، له ذكر في «صحيح مسلم»، وكان مدلسًا. كما قال الحافظ في «التقريب» . وهُنَيُّ بن نويرة، قال الحافظ: مقبول. أي إذا توبع، ولم يتابع، فهو ليِّن الحديث. فالإسناد ضعيف. وأخرجه الطيالسي (٢٧٤)، والشاشي (٣٥٢)، والبيهقي في «الكبرى» (٨/٦١) من طريق أبي عوانة، وابن حبان (٥٩٩٤) من طريق جرير، كلاهما عن المغيرة، به. وأخرجه ابن الجارود في «المنتقى» (٨٤٠) عن زياد بن أيوب، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا المغيرة، لعلّه قال: عن شباك، عن إبراهيم، به. وأخرجه أحمد (١/٣٩٣) من طريقين عن المغيرة، عن إبراهيم، به. دون ذكر شباك. وذكر الدارقطني في «العلل» (٥/١٤٢) طريق زياد بن أيوب، وذكر فيها: «عن شباك» على الجَزْم. وهي رواية أبي داود التي ذكرها المصنف. وأخرجه ابن ماجه (٢٦٨١) عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن هشيم، عن مغيرة، عن شباك، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، به، لم يذكر هُنيًاّ. وتابع الدورقيَّ سريجُ بنُ يونس فيما ذكره الدارقطني في «العلل» (٥/١٤١-١٤٢) . وأخرجه عبد الرزاق (١٨٢٣٢)، ومن طريقه الطبراني في «الكبير» (٩٧٣٧) عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود موقوفًا، وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه ابن أبي شيبة (٩/٤٢٠) من طريق حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، أنه مرَّ على ابن مكعبر وقد قطع زياد يديه ورجليه، فقال: سمعت عبد الله يقول: إن أعفَّ الناس قِتلةً أهلُ الإيمان. =
[ ٢٤٤ ]
وفيه عن سمرة بن جندب، وعن عمران بن حصينٍ -أيضًا-، كلاهما قال: كان رسول الله - ﷺ - يحثنا على الصدقة، وينهانا عن المُثلة (١) .
_________________
(١) = وأخرجه عبد الرزاق (١٨٢٣١) عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: يقال: ليس أحدٌ أحسنَ قِتلةً من المسلم. وفي الباب عن شداد بن أوس عند مسلم (١٩٥٥) وقد مضى قبل هذا الحديث مباشرة. قوله: «أعفُّ الناس قِتلة أهل الإيمان»: قال المناوي في «فيض القدير»: هم أرحم الناس بخلق الله، وأشدهم تحريًا عن التمثيل والتشويه بالمقتول، وإطالة تعذيبه؛ إجلالًا لخالقهم، وامتثالًا لما صدر عن صدر النبوة من قوله: «إذا قتلتم فأحسنوا القِتلة»، بخلاف أهل الكفر وبعض أهل الفسوق ممن لم تذق قلوبهم حلاوة الإيمان، واكتفوا من مُسَمَّاه بلقلقة اللسان، وأُشْربوا القسوة، حتى أبعدوا عن الرحمن، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي، و«من لا يرحم لا يُرحم» .
(٢) أخرجه أبو داود (رقم ٢٦٦٧) قال: حدثنا محمد بن المثنى: ثنا معاذ بن هشام: حدثني أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن الهياج بن عمران، أن عمران أبق له غلام، فجعل لله عليه: لئن قدر عليه؛ ليقطعن يده! فأرسلني لأسأل، فأتيت سمرة بن جندب فسألته؟ فقال: كان نبي الله - ﷺ - يحثنا على الصدقة، وينهانا عن المثلة. فأتيت عمران بن حصين فسألته؟ فقال: كان رسول الله - ﷺ - يحثنا على الصدقة، وينهانا عن المثلة. قال شيخنا الألباني -﵀- في «صحيح سنن أبي داود» (٧/٤١٩-٤٢١-ط. غراس)، ما نصُّه [وما بين المعقوفتين من زياداتي على كلام الشيخ -﵀-]: «قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير الهياج بن عمران -وهو ابن فُضيل التميمي-، وثقه ابن سعد وابن حبان (٣/٢٨٣)، لكن لم يذكروا راويًا عنه غير الحسن هذا -وهو البصري-؛ فهو مجهول على قواعدهم. وقد أشار إلى تضعيف هذا التوثيق الذهبيُّ بقوله في «الكاشف»: «وُثِّق» . وصرح بذلك في «الميزان»، فقال: «وثقه ابن سعد، وقال علي بن المديني: مجهول. فصدق علي» . وأشار إلى هذا الحافظ بقوله في «التقريب»: «مقبول» . قلت: وعليه؛ فالإسناد ضعيف، وإن قوَّاه الحافظ في «الفتح»، كما كنت ذكرت في «الإرواء» (٧/٢٩١) ! [وقد أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٨/٤٣٦ رقم ١٥٨١٩) عن معمر، عن قتادة نحوه، وأحمد في «مسنده» (٤/٤٢٨)، والطبراني (١٨/٢١٧ رقم ٥٤٣)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/٦٩) من طريق همام، عن قتادة نحوه، وأيضًا من طريق عبد الرزاق نحوه، والطبراني في «الكبير» (١٨/٢١٦ رقم ٥٤١) من طريق عبد الرزاق نحوه، والبزار في «البحر الزخار» (٩/٧٥ رقم ٣٦٠٥)، والطبراني (١٨/٢١٧ رقم ٥٤٢) من طريق سعيد (بن أبي عروبة) عن قتادة] . =
[ ٢٤٥ ]
وفي حديث بريدة، من طريق مسلم (١)، عن النبي - ﷺ - في وصيته لأمراء
_________________
(١) = قال الشيخ -﵀-: لكن ذكرت له هناك [أي في «الإرواء»] بعض الطرق والشواهد، مما يجعل الحديث صحيحًا لغيره، من ذلك أن الإمام أحمد أخرجه في رواية (٤/٤٤٠) من طريق المبارك عن الحسن: أخبرني عمران بن حصين قال: فذكره مرفوعًا. فأسقط (هياجًا) من السند، وصرح بسماع الحسن من عمران، فاتصل السند. [لذا قال البزار عقبه: وهذا الحديث قد رُوي عن عمران بن حصين، من غير وجه، ورواه عن الحسن غير واحدٍ عن عمران، ولم يُدْخِلْ بين عمران والحسن أحدًا غير قتادة. وقال الطبراني في رواية معمر وهمام وقتادة، قال: هكذا رواه معمر وهمام وقتادة عن الحسن ابن هياج، وخالفه سعيد بن أبي عروبة، وهمام بن يحيى. قلت: ولعلَّ الصواب معمر وهمام عن قتادة عن الحسن عن هياج خلافًا لمطبوع الطبراني] . ثم قال الشيخ في رواية المبارك ما نصُّه: لكن المبارك -وهو ابن فَضَالَة- مدلس، وقد عنعنه كما قلت ثمة. فأزيد هنا: أنه قد تابعه هُشَيْم عن حُمَيْدٍ عن الحسن قال: ثنا سمرة بن جندبٍ قال: فذكره -أيضًا-: أخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» (٢/٣٢٦) . فصرح بسماعه -أيضًا- من سمرة، ورجاله ثقات؛ لكنّ هشيمًا مدلس. وأنّ له شاهدًا آخر عن جرير بن عبد الله البَجلي قال: خطبنا النبي - ﷺ - على منبر صغير، فحثَّنا على الصدقة، ونهانا عن المثلة. رواه الطيالسي (٦٦٥)، وسنده صحيح على شرط مسلم. فصح الحديث يقينًا، والحمد لله» . % تنبيه: ذكر المنذري أن عمران الذي أبق له الغلام: هو ابن حصين! وهذا خلاف ظاهر سياق المؤلف، بل هو باطل؛ لما في رواية لأحمد (٤/٤٢٨): أن هياج بن عمران أتى عمران بن حصين فقال: إن أبي قد نذر -وفي أخرى: أن غلامًا لأبيه أبق- فبعثني إلى عمران بن حصين، قال: فقال: أقرئ أباك السلام، وأخبره أن رسول الله - ﷺ - كان الحديث. ورواه ابن الجارود -أيضًا- (١٠٥٦) . فهذا صريح أن الذي أبق له الغلام: هو والد الهياج، وليس عمران بن حصين، كما هو واضح لا يحتاج إلى بيان، فلعلَّ ذلك سبق قلم من المنذري! والله أعلم.
(٢) أخرجه في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها) (رقم ١٧٣١) مطولًا، من حديث بريدة -﵁-.
[ ٢٤٦ ]
جيوشه: «لا تَغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا» .
وأما ما كان في شأن العرنيين (١)، فقصاص أو منسوخ، على خلافٍ في ذلك. قال البخاري في كتابه (٢) -بعد ذكر قصتهم-: قال أبو قلابة: قتلوا، وسرقوا، وحاربوا الله ورسوله، وسعوا في الأرض فسادًا. وفي كتاب مسلم (٣)، عن أنس
قال: إنما سَمَلَ النبي - ﷺ - أعينَ أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرِّعاءِ.
فأمَّا إذا لم يمكن الوصولُ إلى نَيل العدوِّ والاستيلاءُ عليهم إلا بالتحريق بالنار، كما لو اعتصموا بالحصون والغيرانِ، ومثل أصحاب السفن في البحر، فهذا شيءٌ كرهه جماعة من أهل العلم، وأباحه غيرهم؛ فممَّن رُوي عنه جواز ذلك: الشافعي وأبو حنيفة والثوري، وقاله الأوزاعي، وممن رُوي عنه المنع جُملةً: مالكٌ -﵀- في إحدى الروايتين عنه، وأباح ذلك في رواية، بشرط أن لا يكون في الحصن إلا المقاتلة، دون النساء والصبيان (٤)، واستخفَّ في قتال السفن في البحر الرَّميَ بالنار، وإن كان فيهم النساء والصبيان، ولم يختلف في جواز ذلك في السفن
_________________
(١) أخرج قصة العرنيين: البخاري في «صحيحه» . (الأرقام ٢٣٣ و١٥٠١ و٣٠١٨ و٤١٩٣ و٤٦١٠ و٥٦٨٥ و٥٦٨٦ و٥٧٢٧ و٦٨٠٢ و٦٨٠٣ و٦٨٠٤ و٦٨٠٥ و٦٨٩٩)، ومسلم (رقم ١٦٧١) . من حديث أنسٍ -﵁-.
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب إذا حرَّق المشركُ المسلمَ هل يُحرَّق؟) (رقم ٣٠١٨)، وفي كتاب المحاربين (باب لم يُسْقَ المرتدون المحاربون حتى ماتوا) (رقم ٦٨٠٤) . وأخرجه برقم (٢٣٣ و٦٨٠٥) وذكر كلام أبي قلابة، وزاد: وكفروا بعد إيمانهم.
(٣) في «صحيحه» في كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات (باب حكم المحاربين والمرتدين) (١٦٧١) (١٤) .
(٤) «المدونة الكبرى» (٢/٢٤، ٢٥)، «البيان والتحصيل» (٣/٤٤، ٥٢)، «قدوة الغازي» (ص ١٧٢-١٧٣)، «جامع الأمهات» (ص ٢٤٥)، «النوادر والزيادات» (٣/٦٦)، «الذخيرة» (٣/ ٤٠٨-٤٠٩)، «حاشية الرهوني على شرح الزرقاني لمختصر خليل» (٣/١٤٦)، «الخرشي» (٤/١٥)، وقد مضى ذكر مذهب مالك في رمي الحصون بالمنجنيق والتحريق بالنار. وفي «جامع الأمهات» (٢٤٥) قال: ورأى اللَّخمي أنه إن خافت جماعةٌ كثيرةٌ منهم: جاز قتل من معهم من المسلمين ولو بالنار، وهو مما انفرد به.
[ ٢٤٧ ]
أحدٌ من أصحاب مذهب مالك، وإنما اختلفوا إذا كان في سفينة المشركين أحدٌ من أسارى المسلمين؛ فقال أشهب: يجوز، وقال ابن القاسم: لا يجوز، وهو المرويُّ عن مالك (١) . وروي عن عمر -﵁- كراهة رمي المشركين بالنار (٢) .
فوجه جواز القتال (٣) بالنار قوله -تعالى-: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]، ولم يخصَ قتلًا من قَتْلٍ، مع قوله -تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، ووجه المنعِ: تخصيصُ السنة ذلك في غير المُثلة.
وللآخرين أن يقولوا: يختصُّ النهيُ عن المثلة بالمقدور عليه؛ ألا ترى أن قَطْعَ الأيدي والأرجلِ وغيرَ ذلك من المُثلة، وهو جائزٌ باتفاقٍ في حال المقاتلة،
إذا لم يتمكن منه إلا بذلك، وهذا أظهر، والله أعلم.
ووجه تفريق مالكٍ بين قتال السفن وقتال الحصون؛ إنما هو بحسب الحال والاضطرار، لأن أهل السفن إن لم يُعاجَلوا بذلك وغيرِه، فعلوا هم بسفينة المسلمين مثل ذلك، فكان فيه الهلاك، واستيلاء أهل الكفر على المسلمين، بخلاف أهل الحصون؛ لأنهم لايتمكَّنون إذا انحصروا من المسلمين، فأمرهم في ذلك مختلف (٤) .
فصلٌ
واختلفوا في تحريق الديار والشجر المثمر والزرع، وقتل الحيوان، فذهب
_________________
(١) «حاشية الرهوني» (٣/١٤٦) . وانظر في ذكر قول أشهب وابن القاسم: «الذخيرة» (٣/٤٠٩)، «النوادر والزيادات» (٣/٦٦) .
(٢) أقرب ما وصلت إليه بعد بحث؛ ما أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٥/٢١٢ رقم ٩٤١٢) عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: حرَّق خالد بن الوليد ناسًا من أهل الردة، فقال عمر لأبي بكر: أتدع هذا الذي يعذب بعذاب الله؟ فقال أبو بكر: لا أشيم سيفًا سلَّه الله على المشركين. وانظر: «سنن سعيد بن منصور» (٢٦٤٧، ٢٦٤٨) .
(٣) كذا في الأصل، والأصوب: «القتل» .
(٤) انظر: «الذخيرة» للقرافي (٣/٤٠٩) .
[ ٢٤٨ ]
مالكٌ (١)، وأبو حنيفة (٢) وأصحابه، والثوري (٣) إلى جواز ذلك كلِّه: تخريب الديار، وقطع الأشجار، وإحراقها، وذبح الماشية والدواب، إذا لم يقدروا على إخراجها، إلا أن بعض أصحاب مالكٍ (٤) رأى أن تُعقر بالإجهاز عليها، ولا تذبح، قيل: لئلا تُتشبَّه بالذَّكية، يعني: إنَّ ذبحها للإتلاف يُنافي النية للتذكية، وهي شرط في صحتها، فتكون ميتةً في الحكم، فربَّما مرَّ بها أحدٌ من المسلمين وهي مذبوحة، فاستباح أكلها بذلك، وإذا عقرت بغير الذبح كان الأمر بيِّنًا أنها مَيْتةٌ. وقال ابن
حبيب (٥):
_________________
(١) هو أحد قوليه، وعليه عامة فقهاء المالكية، وله قول آخر وهو جواز إتلاف الجماد فقط. انظر: «المدونة» (٢/٨)، «قدوة الغازي» (ص ١٦٧)، «التلقين» (ص ٢٣٩)، «المعونة» (١/ ٦٠٣)، «القوانين الفقهية» (ص ١٥٠)، «أسهل المدارك» (٢/٥)، «الخرشي» (٣/ ١١٧)، «الكافي» (٤٦٧)، «التفريع» (١/٣٥٧)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٧٢)، «جامع الأمهات» (٢٤٦)، «بداية المجتهد» (١/٣٨٦)، «مواهب الجليل» (٣/٣٥٠)، «فتح الجليل» (١/٧٢٢)، «حاشية الدسوقي» (٢/ ١٨١)، «البيان والتحصيل» (٢/٥٤٧، ٥٤٨ و١٧/٣٥٢)، «النوادر والزيادات» (٣/٦٣، ٦٥)، «الذخيرة» (٣/٤٠٧)، «جواهر الإكليل» (١/٢٥٥-٢٥٦)، «حاشية الرهوني» (٣/١٤٤، ١٥٢) .
(٢) انظر: «الخراج» لأبي يوسف (ص ٢١٠)، «الرد على سير الأوزاعي» (ص ٨٣)، «المبسوط» (١٠/٣١)، «شرح السير الكبير» (١/٤٤)، «أحكام القرآن» للجصاص (٣/٤٢٩)، «شرح فتح القدير» (٥/٤٤٧)، «الهداية شرح بداية المبتدي» (٢/٤٢٩)، «البناية شرح الهداية» (٥/٦٥٦)، «اللباب» (٢/ ١١٧)، «بدائع الصنائع» (٧/١٠٢)، «تبيين الحقائق» (٣/٢٤١-٢٤٢)، «البحر الرائق» (٥/١٢٨)، «مجمع الأنهر» (٢/ ٤١٣)، «الدر المختار» (٣/٢٣٠) . وهو قول عامة فقهاء الحنفية، عدا محمد بن الحسن الشيباني القائل بجواز إتلاف الجماد فقط كأحد قولي مالك كما أسلْفنا آنفًا.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٦٥)، «الاستذكار» (١٤/٧٥) . وانظر في جواز عقر الفرس إذا كان في ذلك عون على قتل العدو: «زاد المعاد» (٣/٤٨٣)، وكذلك في قطع الشجر (٣/٥٠٣) .
(٤) وهم المَدَنيون من أصحابه. ومثله للباجي، وأبي الحسن، وابن عبد السلام. انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٦٤)، «قدوة الغازي» (١٦٧، ١٦٩)، «البيان والتحصيل» (٢/٥٧٤)، «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٢/١٨١) .
(٥) نقله عنه ابن أبي زيد القيرواني في «النوادر والزيادات» (٣/٦٤) .
[ ٢٤٩ ]
لأن الذبح مُثلة، وأظنه يعني فيما لم تجرِ العادة بذبحه؛ إمَّا لأنَّ استعماله في الأكل قليلٌ كالخيل، أو محرمٌ كالحمير والبغال.
وقال الشافعي (١): يحرق الشجر المثمر والبيوت، إذا كانت لهم معاقل، وكره إحراق الزرع والكلأ، وقتل الحيوان، وكذلك قال في الدابة تقوم على الرجل: يتركه ولا يَعْقِرهُ؛ لأنه روحٌ يألم بالعذاب، ولا ذنب له.
وأجاز مالكٌ عقر الفرس يقف على صاحبه في دار الحرب، قال: ولا يتركه يتقوى به العدو (٢) .
وقال أبو محمد بن حزم (٣): يجوز تحريق أشجار المشركين وزروعهم
_________________
(١) «الأم» (٤/٢٧٤، ٣٠٦ و٧/٣٧٦)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٥٨)، «الاقناع» (٢/ ٤٦٧-٤٦٨)، «مغني المحتاج» (٤/٢٧٧)، «شرح المحلِّي على منهاج الطالبين» (٤/٢٢٠)، «فيض الإله المالك» للبقاعي (٢/٣١٠)، «مختصر الخلافيات» (٥/٤٣) . وقد نسب ابن رشد في «بداية المجتهد» (١/٣٨٦) إلى الشافعي -﵀- كراهته تخريب البيوت وقطع الشجر، إذا لم تكن معاقل -أي غير مستخدمة في القتال-، كما هو ظاهر كلام المصنف في نقله هذا عن الشافعي. ونسب إليه كذلك البدر العيني في «عمدة القاري» (١٤/٢٧٠) إباحته تحريق الشجر المثمر والبيوت، وكراهته تحريق الزرع والكلأ -كما نقله عنه المصنف أيضًا-، ولكن ظاهر كلام الشافعي أن لا فرق بين هذا وهذا، سواء كانت معاقل أو لا، ولا فرق بين أنواع الزروع كلها. قال في «الأم»: «ولا بأس بقطع الشجر المثمر وتخريب العامر وتحريقه من بلاد العدو، وكذلك لا بأس بتحريق ما قدر لهم عليه من مالٍ وطعام وما لا روح فيه» . ويقول في موضع آخر: «أما كل ما لا روح فيه للعدو فلا بأس أن يحرقه المسلمون ويخربوه بكل وجه» . ويؤكد هذا في موضع ثالث فيقول: «يقطع النخل، ويحرق كل ما لا روح فيه» . وأجاز بعض فقهاء الشافعية كالنووي والمحلِّي والبقاعي إتلاف خيل العدو ونحوها، فوافقوا الجمهور في ذلك، وذلك إن عجز المسلمون عن أخذها بحيث يأخذها العدو فيتقوى بها عليهم. وبقول الشافعية في منع إتلاف حيوان العدو يقول الحنابلة. انظر: «المغني» (٨/٤٥١)، «المبدع» (٣/٣١٩-٣٢٠) .
(٢) «الكافي» (ص ٤٦٧)، «النوادر والزيادات» (٣/٦٤، ٦٥)، «الذخيرة» (٣/٤٠٩) .
(٣) في «المحلى» (٧/٢٩٤ المسألة رقم ٩٢٤ و٩٢٥)، واستثنى -أيضًا- الخيل في حال المقاتلة فقط.
[ ٢٥٠ ]
وأطعمتهم التي لا يقدر المسلمون على حملها، وحرق دورهم وهدمها، ولا يحل عقرُ شيءٍ من حيوانهم البتة إلا الخنازير.
وذهب قومٌ إلى منع ذلك كله، روي عن الأوزاعي والليث (١) كراهية إحراق
النخل والشجر المثمر، وتخريب شيءٍ من العامر، وأن تُعاقب (٢) البهائم، وهو ظاهر ما ذهب إليه الصدِّيق -رضي الله تعالى عنه-، الذي رواه عنه مالكٌ في «موطئه» حين أوصى بعض أمراء جيوشه (٣)، فقال: « وإني موصيك بعشر: لا تقتلنَّ امرأةً ولا صبيًا ولا كبيرًا هَرمًا، ولا تقطعنَّ شجرًا مُثْمرًا، ولا تخرِبنَّ عامرًا، ولا تعقرنَّ شاةً ولا بعيرًا، إلا لمأكلةٍ، ولا تحرقنَّ نَحْلًا ولا تغرقنَّه، ولا تغْلُلْ ولا تَجْبُنْ» (٤) .
_________________
(١) وكذلك هو مذهب أبي ثور، ورواية عن أحمد مرجوحة. انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٦٥)، «المغني» (٨/٤٥١-٤٥٤)، «شرح السير الكبير» (١/٤٣)، «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٢/٥٠)، «فتح الباري» (٦/١٥٤)، «عمدة القاري» (١٤/٢٧٠)، «موسوعة فقه الأوزاعي» (٢/٤٠٤)، «تحفة الأحوذي» (٢/٣٧٧)، «اختلاف الفقهاء» للطبري (١٠٣)، «بداية المجتهد» (٢/٤١٧)، «الرد على سير الأوزاعي» (٨٥)، واختاره الشيخ أبو زهرة في «العلاقات الدولية في الإسلام» (ص ١٠٠) . وفي رواية عن الأوزاعي: أنه لا بأس بتحريق شجر أرض العدو، وكذا الحصن وما فيه من طعام أو كنيسة. انظر: «الأم» (٧/٣٧٦)، و«الاستذكار» (١٤/٧٦) . وجُلُّ الكلام السابق وذكر الخلاف المذكور فيه من «الاستذكار»، إذ يعتمده المصنف كثيرًا.
(٢) كذا في الأصل والمنسوخ، ولعلَّ صوابها: تُعَرْقَبَ.
(٣) وهو يزيد بن أبي سفيان.
(٤) مضى تخريجه. وفيه انقطاع، وهو من رواية يحيى بن سعيد عن أبي بكر الصديق -﵁-، ويحيى لم يدرك أبا بكر. وروى هذا الأثر: البيهقي (٩/٨٥) عن سعيد بن المسيب، مرسلًا. وهو لم يدرك أبا بكر، بل إنه وُلد بعد وفاته. ونقل عن أحمد أن هذا الأثر منكر. وقال البيهقي: رواه سيف في «الفتوح» عن الحسن بن أبي الحسن مرسلًا كذلك. وانظر: «عمدة القاري» (١٤/٢٧٠)، «نيل الأوطار» (٨/٧٥) . =
[ ٢٥١ ]
فذهب بعض من تأوَّل ذلك (١) من قوله، إلى أنَّه إنما نهى عن تخريب الشام؛
لأنه علم ضعف العدوِّ، ورجا مصير ذلك عن قُربٍ للمسلمين موفورًا (٢)، ونحو ذلك روي عن مالك أنَّه تأوَّله (٣) .
فأمّا حجة من أجاز ذلك في الجملة: فعموم قوله -تعالى-: ﴿وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وحديث عبد الله بن عمر،
_________________
(١) = ووردت هذه الوصية بألفاظ متعددة. انظر: «جامع الأصول» (٢/٥٩٩)، «نصب الراية» (٣/٤٠٦) . والمذكور مذهب ابن مسعود -أيضًا-. انظر: «سنن سعيد بن منصور» (٣/٢٤٠)، «المغني» (٨/٤٥٣-٤٥٤) .
(٢) نُقل عن سَحنون في «المدونة» (٢/٨)، وقاله عبد الملك بن حبيب، نقله عنه ابن أبي زمنين في «قدوة الغازي» (ص ١٦٧) .
(٣) وبما أن مصير ذلك عن قربٍ للمسلمين، فيصير كأنهم خربوا أموالهم بأيديهم. وقد أشار الصديق -﵁- إلى هذا المعنى، فقال للجيش: فإن الله ناصركم، وممكن لكم حتى تتخذوا فيها مساجد. وانظر: «شرح السير الكبير» (١/٤٤-٤٦)، «الرد على سير الأوزاعي» لأبي يوسف (ص ٨٧-٨٩)، «الأم» (٧/٣٥٦)، «المبسوط» (١٠/٣١)، «فتح الباري» (٦/١٥٥)، «أحكام القرآن» للجصاص (٣/٤٢٩)، «سنن البيهقي» (٩/٨٥) .
(٤) انظر: «البيان والتحصيل» (٢/٥٤٨ و١٧/٣٥٣)، «النوادر والزيادات» (٣/٦٣) . وكذا قاله الشافعي في «الأم» (٧/٣٥٦) . قلت: ولا يَسْلَمُ هذا التأويل؛ لأن النبي - ﷺ - قطع وأحرق نخل بني النضير، وقد علم أنها ستصير للمسلمين في يومه أو غَدِه، كما ذكره ابن الحزم وابن العربي. انظر: «المحلّى» (٧/٢٩٤)، «أحكام القرآن» (٤/١٧٦٨)، بل إنه - ﷺ - قطع نخيل خيبر، وقد وعده الله -تعالى- إياها مغانم كثيرة. انظر: «شرح السير الكبير» (١/٥٥) . فكيف يتلف النبي - ﷺ - ميراث المسلمين، وينهى أبو بكر -﵁- فيما بعد- المسلمين عن ذلك؟! وعلى افتراض ثبوت وصية الصديق لجيشه، يقول الإمام الشافعي في «الأم» (٧/٣٥٦): «ولعلَّ أمر أبي بكر -﵁- بأن يكفوُّا عن أن يقطعوا شجرًا مثمرًا، إنما هو لأنه سمع رسول الله - ﷺ - يخبر بأن بلاد الشام تفتح على المسلمين، فلما كان مباحًا أن يقطع ويترك، اختار الترك نظرًا للمسلمين» .
[ ٢٥٢ ]
أن رسول الله - ﷺ - حرَّق نخل بني النَّضير، وقطع، وهي البويرة؛ فأنزل الله -﷿-: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥]، خرجه مسلم وغيره (١) .
وخرَّج أبو داود (٢)، أن رسول الله - ﷺ - كان عَهِدَ
_________________
(١) قد مضى في أول الباب. وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد باللينه هو الشجر، لكنهم اختلفوا في نوعه. وإذا كان كذلك فلا يسلَّم للشيخ محمد أبي زهرة -رحمه الله تعالى- قوله في كتابه «العلاقات الدولية في الإسلام» (ص ١٠٠-١٠١): «إن المقطوع ليس الشجر، بل الثمر الذي قطعه المسلمون للأكل» . وذلك لتعارضه مع رواية الحديث، لا سيما وأن فيها أنه - ﷺ - حرَّق نخل بني النضير. وهذا يعني أنه حرق أصل الشجر لا الثمر.
(٢) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في الحرق في بلاد العدو) (رقم ٢٦١٦) من طريق عبد الله بن المبارك، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسامة بن زيد -﵁-. وأخرجه أحمد (٥/٢٠٥ و٢٠٩) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢/٤٧، ٤٨- ط. دار الفكر) - عن وكيع، وعن محمد بن عبد الله بن المثنى، عن صالح، به. وأخرجه ابن أبي شيبة (١٢/٣٦٦ و٣٩١)، وابن ماجه (٢٨٤٣)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٢/ ٢٢٠) من طريق وكيع، عن صالحٍ، به. وأخرجه ابن الجوزي في «التحقيق» (١٠/١٥٩/رقم ٢٢٦٤) من طريق أحمد، عن وكيعٍ، به. وأخرجه الطيالسي (٦٢٥)، والبزار في «مسنده» (٢٥٦٦)، وأبو القاسم البغوي في «مسند أسامة» (٢)، والطحاوي (٣/٢٠٨)، والطبراني في «الكبير» (٤٠٠)، والبيهقي (٩/٨٣)، وابن عساكر (٢/٤٧- ٤٨)، وابن عبد البر (٢/٢٢٠-٢٢١) من طرق عن صالح بن أبي الأخضر، به. وصالح بن أبي الأخضر. قال الحافظ في «التقريب»: ضعيفٌ يعتبر به. وانظر: «ضعيف سنن أبي داود» لشيخنا الألباني -﵀-. قلت: لكنه لم ينفرد برواية الحديث. فقد أخرجه الشافعي في «المسند» (٢/١٢٠): فقال: أخبرنا بعض أصحابنا عن عبد الله بن جعفر الزهري قال: سمعت ابنَ شهاب، فذكره. وعبد الله بن جعفر الزهري ثقة من رجال مسلم، وهو عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن المخرمي، وأما شيخ الشافعي المبهم فيغلب على ظننا أنه الواقديُّ، فالحديث من هذا الطريق في =
[ ٢٥٣ ]
إليه (١) فقال: «أغِرْ عَلى أُبْنَى صباحًا وحرِّق» .
وأما دليل من استثنى عقر الحيوان، فلأنّه من باب المُثلة والتعذيب، وقد ثبت النهيُ عن ذلك (٢)، وأيضًا فالتصرف المباح في الحيوان ليس فيه القتل لغير مأكلة.
خرَّج مسلم (٣)، عن أنسٍ قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن تُصْبَرَ البهائم.
_________________
(١) = «مغازيه» (٣/١١١٨)، وقال الحافظ ابن حجر في «التعجيل» (٥٣٢) بعد إيراد هذا السند: وقد روى عنه (أي: عن عبد الله بن جعفر) من شيوخ الشافعي: إبراهيم بن سعد. قلنا: وإبراهيم بن سعد ثقة، بينما الواقديُّ عند أهل الحديث متروك، والله تعالى أعلم. وأخرجه مرسلًا ابن سعد في «الطبقات» (٤/٦٧) عن حماد بن أسامة بن أبي أسامة، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، قال: أمَّر رسول الله - ﷺ - أسامة بن زيد، وأمره أن يغير على أُبنى من ساحل البحر وذكر قصة طويلة. ورجاله ثقات رجال الشيخين. وأخرجه مرسلًا -أيضًا- سعيد بن منصور في «سننه» (٢٦٤١) عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشجِّ، عن سليمان بن يسار قال: أمَّر رسول الله - ﷺ - أسامة بن زيد على جيش، وأمره أن يحرق في يُبنى. ورجاله ثقات رجال الشيخين. وأخرج الواقدي في «مغازيه» (٣/١١١٨) عن يحيى بن هشام بن عاصم الأسلمي، عن المنذر ابن جهم، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا أسامة، شُنَّ الغارة على أهل أُبنى» . وهذا مرسل -أيضًا-، ويحيى بن هشام والمنذر بن جهم مجهولان، والواقدي متروك عند أهل الحديث. فالحديث ضعيف. ولكن يشهد للتحريق حديث ابن عمر في «الصحيحين»: أن رسول الله - ﷺ - قطع نخل بني النَّضير وحَرَّق. وأُبنى -ويقال: يُبنى بالياء-، قال ياقوت الحموي في «معجمه»: بالضم ثم السكون وفتح النون والقصر بوزن حُبلى: موضع بالشام من جهة البلقاء. وفي كتاب نَصْر: أُبنى: قرية بمؤتة. وقال السندي: اسم موضع في فلسطين. والقول أنها قرية بمؤتة هو الأصوب. وقد ذكر السرخسي في «شرح السير الكبير» (١/٥٤) أنها موضع كان قُتل فيه زيد بن حارثة أبو أسامة.
(٢) أي إلى أسامة بن زيد، ولعلَّ الناسخ أغفله؛ فسقط ذكره سهوًا.
(٣) وقد مضى قريبًا تخريجه من حديث سمرة بن جندب، وعمران بن حصين -﵄-.
(٤) في «صحيحه» في كتاب الصيد والذبائح (باب النهي عن صبر البهائم) (رقم ١٩٥٦) . =
[ ٢٥٤ ]
واحتج الشافعي في ذلك بحديثٍ رواه مسندًا عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله - ﷺ - قال: «من قتل عصفورًا فما فوقها بغير حقِّها سأله الله عن قتلها»، قيل: يا رسول الله، وما حَقُّها؟ قال: «أن يذبحها فيأكلها، ولا يقطع رأسها فيرمي به» (١) .
_________________
(١) = وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الذبائح والصيد والتسمية على الصيد (باب ما يكره من المُثلة والمصبورة والمُجَثَّمة) (رقم ٥٥١٣) . و«صبر البهائم»: حَبْسها حتى تموت.
(٢) أخرجه الشافعي في «الأم» (٤، ٢٧٤ و٧/٣٧٥)، وفي «مسنده» (٢/٣٦٣ رقم ٥٩٩- شفاء العيّ) -ومن طريقه البغوي في «شرح السنة» (١١/٢٢٥ رقم ٢٧٨٧) - أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن صهيب مولى عبد الله بن عامر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، به. وهذا إسناد ضعيف. فصهيب مولى عبد الله بن عامر، وهو الحذّاء المكّيّ، وكنيته أبو موسى. قال الحافظ في «التقريب»: «مقبول» . قلت: أي إذا توبع -ولم يتابع- وإلا فليِّن الحديث. ولم يرو عنه غير عمرو بن دينار، وذكره ابن حبَّان في «الثقات»، وقال ابن القطان: لا يُعرف، وفرق أبو حاتم بينه وبين أبي موسى الحذاء الذي روى عن عبد الله بن عمرو -أيضًا-، وعنه حبيب بن أبي ثابت، وقال فيه في «الجرح والتعديل» (٩/٤٣٨): لا يُعرف ولا يُسمَّى. وأوردهما في ترجمتين منفصلتين: البخاري في «التاريخ الكبير» (٤/٣١٦ و٩/٦٩)، وابن حبان في «الثقات» (٤/٣٨١ و٥/٥٨٤)، وكأنهما يشيران -أيضًا- إلى التفرقة بينهما، وذكره المِزِّي في كنى «التهذيب»، وقال في الثاني: يحتمل أن يكون هو والذي قبله واحدًا، وتابعه ابن حجر في «تهذيب التهذيب» و«التقريب»، والذهبي في «الكاشف»، لكنه -أي الذهبي- جزم بأنهما واحد في «الميزان»، وقال: ويكون صدوقًا! قلنا: وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين. وأخرجه أحمد (٢/١٦٦، ١٩٧)، وأسد بن موسى في «الزهد» (رقم ١٠٤)، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٢/٢٠٨) من طريق حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، به. وأخرجه الطيالسي (٢٢٧٩) -ومن طريقه البيهقي في «الشعب» (١١٠٧٥)، وفي «السنن» (٩/٢٧٩) -، من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار، بهذا الإسناد، قال الطيالسي: وحديث ابن عيينة أتم. وأخرجه الحميدي (٥٨٧)، والدارمي (٢/٨٤) -دون قوله: «ولا يقطع رأسها » -، وعبد الرزاق (٨٤١٤)، والنسائي في «المجتبى» (٧/٢٠٦-٢٠٧، ٢٣٩)، والفسوي (٢٠/٢٠٨، ٧٠٣)، والحاكم (٤/٢٣٣)، والبيهقي في «السنن» (٩/٨٦)، وفي «معرفة السنن والآثار» (١٣/٢٤٢)، والبغوي =
[ ٢٥٥ ]
فكان الأرجح -إن شاء الله- جواز النكاية في العدوِّ بالتخريب والتحريق والقطع، وما عسى أنْ يكون فيه نيلٌ منهم، إلا قتل الحيوان خاصَّةً لغير مأكلة؛ للأدلة الثابتة التي قد ذكرنا، فأمَّا ما كان من ذلك في حال دفاع العدو، فجائزٌ قتل الخيل، إذا لم يقدرْ على راكبها إلا بذلك؛ للأدلة التي تقدَّم تقريرها في مثل ذلك؛
_________________
(١) = (٢٧٨٧) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، به، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي! ووقع في مطبوع الدارمي: عن صهيب مولى ابن عمر، قال: سمعت عبد الله بن عمر، وهو تحريف في التابعي والصحابي. وأورده المنذري في «الترغيب» (٣/٢٠٤) بلفظ ابن عيينة، ووقع فيه من حديث ابن عمر، وهو خطأ. ورواه شعبة عن عمرو -أيضًا-، عند: أحمد (٢/١٦٦، ٢١٠)، والطيالسي (٢٢٧٩)، وأبي القاسم البغوي في «الجعديات» (١٦٢٠) . وعلى أيٍّ فالحديث ضعيف من أجل صهيب مولى ابن عامر، وقد ضعَّفه شيخنا الألباني -﵀-. وانظر: «ضعيف سنن النسائي» . وفي الباب عن الشريد بن سويد -أو أوس- الثقفي، عند أحمد (٤/٣٨٩)، والنسائي في «المجتبى» (٧/ ٢٣٩)، وفي «الكبرى» (٤٥٣٥)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٤/٢٧٧-٢٧٨)، وابن قانع في «المعجم» (١/٣٤٣)، وابن حبان (٥٨٩٤)، والطبراني في «الكبير» (٧٢٤٥)، والدولابي في «الكنى والأسماء» (١/ ١٧٥)، وابن عدي في «الكامل» (٥/١٧٣٧) -ومن طريقه البيهقي في «الشعب» (١١٠٧٦) -، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (١٥٧٢)، والخطيب في «التاريخ» (٨/١١)، والمزي في «تهذيب الكمال» (في ترجمة خلف بن مهران) من طرقٍ عن عامر الأحول، عن صالح بن دينار، عن عمرو بن الشريد، عن الشريد به مرفوعًا بلفظ: «من قتل عصفورًا عبثًا، عَجَّ إلى الله -﷿- يوم القيامة مِنْهُ، يقول: ياربِّ، إن فلانًا قتلني عبثًا، ولم يقتلني لمنفعة» . وصالح بن دينار، مجهول، وعامر بن عبد الواحد الأحول ضعفه أحمد والنسائي، وقال ابن معين وابن عدي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ثقة لابأس به. وقد قوَّى محقق «شرح السنة» هذا الحديث بالحديث الذي بين أيدينا، وهذا لايصلح؛ لأن في كلا الطريقين مجهول. وانظر: «غاية المرام» (٤٧- ٤٨) . وروى نحوه النسائي (٧/٢٠٧)، وأحمد (٥/٢٧٦) عن ثوبان. وفي سنده راوٍ لم يسمَّ، وفيه ابن لهيعة: متكلم فيه. وانظر: «فيض القدير» (٦/١٩٢-١٩٣) . وقوله: «عَجَّ»، أي: صاح.
[ ٢٥٦ ]
لضرورة الدفاع، وكذلك قال الشافعيُّ وأهل الظاهر وغيرهم (١) .
قال الشافعي (٢): «ذلك كالمشرك، له أن يرميه بالنَّبل والنار والمنجنيق، فإذا صار أسيرًا في يديه لم يكن له أن يفعل ذلك به، وكان له قتله بالسيف، وكذلك له أن يرمي الصيد فيقتله، فإذا صار في يديه لم يَقْتُلْه إلا بالذكاة التي هي أخفُّ عليه» .
وأمَّا من منعَ التخريبَ والقَطْعَ والتحريق وسائر ما ذُكر في الباب، فيحتمل
أن يكون مستندهم في ذلك -والله أعلم-: عموم النَّهي عن الإفساد في الأرض، وإتلاف المال في غير انتفاعٍ أَذنَ به الشرع، ويحملون ما ثبتَ من التحريق والقطع في بني النضير، ومانزل في ذلك من القرآن على أن ذلك خاصٌّ فيهم، وربما تأول بعض المُتعسِّفين في ذلك: أنَّ قطعَ ما قُطع في بني النَّضير لم يكن على جهة التخريبِ والتنكيل، وإنما اضطروا إليه؛ لأن ذلك كان مجال (٣) المقاتلة، أو نحو هذا، مما صرفوه به إلى الضرورة، وكلُّ ذلك بعيدٌ ضعيفٌ (٤) .
فصلٌ: في الأسرى وأحكامهم، وما يجوز من التصرف فيهم
أجمع أهل العلم على جواز النكاية بالأسر في جميع الكفار عامًاّ، في الرجال والنساء والذُّريَّة، وعلى اختلاف أحوالهم ممن فيه أهلية القتال، أو به عجزٌ عن ذلك؛ كالمرضى والزَّمنَى وغيرهم، إلا خلافًا في الرهبان المنقطعين في الصوامع والديارات، وحيث ينفردون، فلا يكون منهم أذىً بتدبيرٍ ولا غيره؛ فذهب قومٌ إلى أنه لا يعرض لهم بأسر، كما لا يعرض لهم بالقتل عندهم، وهو قول مالك،
ورأى مع ذلك أن تترك لهم أموالهم ولا يسلبوها (٥)، ثم اختلفوا بعد فيما يفعل
_________________
(١) مضى ذكر أقوالهم، وتوثيقها، والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصّالحات.
(٢) في «الأم» (٤/٢٧٤-ط. دار الفكر) .
(٣) كذا في الأصل والمنسوخ، ولعلَّ صوابها: حال.
(٤) انظر تفصيل مذهب من منع التخريب حال المقاتلة، ومناقشة أدلتهم مفصَّلًا: «قضايا فقهية في العلاقات الدولية» للدكتور حسن أبو غدة (ص ٢٧-٤٢) .
(٥) انظر: «المدونة» (٢/٦)، «التفريع» (١/٣٦٢)، «المعونة» (١/٦٢٠)، «النوادر والزيادات» =
[ ٢٥٧ ]
بالأسرى من الرجال على أقوال:
فذهب قومٌ إلى قتلهم ولا بُدَّ، وقومٌ إلى استحيائهم، والمنعِ من قتلهم، وفرَّق قومٌ بين الأسر بعد الإثخان، وهو استمرار القتل، فأجازوا هناك الأسر لِلْمَنِّ والفداء والاسترقاق، وبين الأسرِ قبل الإثخان؛ فمنعوا هناك الاستحياء، وأوجبوا فيهم القتل، وكذلك فرِّق بين أسارى أهل الكتاب وأسارى الوثنيين؛ فلم يجيزوا في الوثنيين إلا القتل، وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الإمام مُخيَّرٌ في الأسارى بحسب الاجتهاد في مصالح المسلمين، وسبب الخلاف تعارض الآي في ذلك،
وما الناسخ منها من المنسوخ، أو: هَل ذلك كلُّه مُحكمٌ، والجمع بينه ممكن؟
فأما من ذهب إلى قتل الأسير ولا بدّ، فدليله قوله -تعالى-: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، وقوله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، ورأوا هذا ناسخًا لقوله -تعالى-: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، ولا يجوز عندهم أن يُفَادى إلا بالمرأة؛ لأنها لا تقتل، وإليه ذهب قتادة (١) ومجاهد (٢) والحكم، وروي عن ابن جريج
_________________
(١) = (٣/٦١) . وهذا مذهب الحنفية، انظر: «شرح السير الكبير» (٤/١٨٦)، «بدائع الصنائع» (٦/٦٣)، «البحر الرائق» (٥/١٣١) . وهو قول عند الشافعية، انظر: «الوسيط» (٧/٢٠)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٤٣) . ومذهب الحنابلة، انظر: «الإنصاف» (١٠/٨٧)، «المغني» (١٣/١٧٨) . خلافًا للأظهر عند الشافعية وابن حزم، إذ جوَّزوا قتل المذكورين، انظر: «روضة الطالبين» (١٠/٢٤٣)، «المحلى» (٥/٣٤٨) .
(٢) أخرجه عنه: ابن جرير في «التفسير» (٢٦/٤٠، ٤١-ط. دار الفكر)، ونحوه أخرجه ابن الجوزي في «الناسخ والمنوسخ» (ص ٢٢٩)، وعزاه السيوطي في «الدر» (٥/٤٥٧) إلى عبد بن حميد وابن المنذر في «تفسيريهما»، وإلى أبي داود في «ناسخه» . وانظر: «الإيضاح» لمكي بن أبي طالب (ص ٣٠٠ و٣٠٩) .
(٣) أخرجه عنه عبد الرزاق في «المصنف» (٥/٢١٠ رقم ٩٤٠٤) عن عباد بن كثير، عن ليث، =
[ ٢٥٨ ]
والسُّدِّيِّ نحوه (١)، إلا أنهم قالوا: إنَّ آية المَنِّ والفداء إنما كانت في أهل الأوثان من العرب، فنسخ ذلك، فلا يجوز فيهم إلا القتل، وفرَّقوا بينهم وبين أهل الكتاب (٢) .
وأمَّا من ذهب إلى استحياء الأسرى، ومَنَعَ من قتلهم، ورأوا أن حُكْمَهم المنُّ أو الفداء، فدليلهم قوله -تعالى-: ﴿فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]،
_________________
(١) = عن مجاهد، وفيه التفصيل الذي سيذكره المصنف في التفريق بين أسارى مشركي العرب وأسارى أهل الكتاب. وعباد بن كثير، سواء كان الرملي الفلسطيني، أو الثقفي البصري، فالأول ضعيف، والثاني متروك. وعزاه السيوطي في «الدر» (٧/٤٥٨) إلى ابن المنذر، وابن مردويه في «تفسيريهما» . وذكر مذهب قتادة ومجاهد: ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٢٩-٢٣٠)، وابن الجوزي في «الناسخ والمنسوخ» (ص ١٧٣ و٢٢٩)، ومكي في «الإيضاح» (ص ٣٠٩) .
(٢) أخرجه عن ابن جريج والسدي: الطبري في «التفسير» (٢٦/٤٠)، وأبو عبيد في «لناسخ والمنسوخ» (ص ٢٠٩-٢١٠ رقم ٣٩٣ و٣٩٤)، وفي كتاب «الأموال» (ص ١٧٠، ١٧١ رقم ٣٤٣ و٣٤٤)، وابن الجوزي في «الناسخ والمنسوخ» (ص ٢٢٩)، واختار هذا القول ابن العربي في «الناسخ والمنسوخ» (٢/٢٤٥) . وحكاه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٢٩) عنهما -أيضًا-. وانظر: «الناسخ والمنسوخ» لأبي جعفر النحاس (ص ٢٥٨)، و«الدر المنثور» (٧/٤٥٨) . واستدل ابن جريج بحديث قتل عقبة بن أبي معيط يوم بدر صَبْرًا -وسيأتي ذكره وتخريجه قريبًا-، ولكن قتله كان قبل نزول الآية.
(٣) انظر: «مصنف عبد الرزاق» (٥/٢١٠) وقد سبق الإشارة إليه، و«الإيضاح» لمكي بن أبي طالب (ص ٤١٣، ٤٣٢)، و«الناسخ والمنسوخ» للنحاس (ص ٢٥٨)، و«الدر المنثور» (٧/٤٥٧) . وقال أبو محمد بن حزم في «المحلى» (٧/٣٤٥ المسألة رقم ٩٥٨): «ولايقبل من كافر إلا الإسلام، أو السيف، الرجال والنساء في ذلك سواء، حاشا أهل الكتاب خاصة، وهم اليهود والنصارى، والمجوس فقط، فإنهم إن أعطوا الجزية أُقرُّوا على ذلك مع الصَّغار. وقال أبو حنيفة ومالك: أما من لم يكن كتابيًا من العرب خاصة، فالإسلام أو السيف، وأما الأعاجم فالكتابي وغيره سواء، ويقرُّ جميعهم على الجزية» . ثم قال: «هذا باطل» . ثم أَخذَ يُفَنِّد مذهبيهما. وقال: «وقولنا هذا هو قول الشافعي» . أ. هـ كلامه -﵀-.
[ ٢٥٩ ]
ورأوا هذا ناسخًا لعموم قوله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وإليه ذهب الضَّحَّاك (١)، وقال نحوه: عطاء (٢)
والحسن (٣)، وكذلك روي عن ابن عمر كراهة
_________________
(١) أخرج خلاف ذلك عنه: عبد الرزاق (٥/٢١١ رقم ٩٤٠٥)، وابن جرير في «التفسير» (٢٦/٤١) من طريقين مختلفين عنه. وقال عبد الرزاق بعده: وقاله السُّدِّي. وذكر مكّيّ بن أبي طالب في «الإيضاح» (ص ٣٠٩) أن هذا هو مذهب الضحاك والسدي وعطاء، وهو أن آية الفداء هي الناسخة، وعزاه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٢٩) للضحاك -أيضًا-. وجمهور العلماء على أن قول الضحاك هو أن آية الفداء هي الناسخة -كما ذكر ذلك المصنف عنه-. قال الضحاك في آية الفداء: إن هذه الآية محكمة على الإطلاق. وانظر: «تفسير الضحاك» (٢/٧٦١) . ويقصد بالمحكم هنا أنها ناسخة. كما فسَّر ذلك عند قوله -تعالى-: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٤] . أخرجه عنه الطبري في «تفسيره» (٣/١١٥) . وأما ما أسنده عنه عبد الرزاق فهو من طريق ليث -وهو ابن أبي سليم-، قال الحافظ في «التقريب» (٥٦٨٥): «صدوق، اختلط جدًاّ، ولم يتميز حديثه، فتُرك» . ولعلَّ هذا مما اختلط عليه. وأما إسناد ابن جرير، فقال فيه: حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك. والواسطة بين ابن جرير والحسين مجهولة، وعبيد: لم أعرفه. والله أعلم. وانظر: «تفسير ابن عطية» (٦/٤١٢)، و«الناسخ والمنسوخ» لابن البارزي (ص ٣٥)، و«أحكام القرآن» لابن العربي (٢/٩٠١-٩٠٣)، و«الكشاف» (٢/١٧٥-ط. دار المعرفة)، و«تفسير ابن كثير» (٢/٣٣٦) .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٥/٢٠٤ رقم ٩٣٨٩)، وأبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ» (٢١١ رقم ٣٩٧ و٣٩٨)، والطبري في «التفسير» (٢٦/٤١)، والنحاس في «الناسخ والمنسوخ» (ص ١٩٧) من طريق ابن جريج عن عطاء. ومذهب الحسن وعطاء عزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٧/٤٥٨) إلى عبد بن حميد في «تفسيره»، وحكاه عنهما: ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٣١)، وزاد نسبته إلى سعيد بن جبير -أيضًا-. وقال مكي بن أبي طالب في «الإيضاح» (ص ٤١٤) بعد ذكره مذهب عطاء والضحاك في أن آية الفداء هي الناسخة، قال: وهو قول شاذ.
(٣) أخرجه عنه أبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ» (٢١٠/رقم ٣٩٦) عن حجاج -هو ابن محمد المصّيصي-، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن أنه كره قتل الأسير، وقال: مُنَّ عليه أو فاده. =
[ ٢٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والمبارك بن فضالة: صدوق، يدلس ويسوي، كما قال الحافظ في التقريب، وحجاج: ثقة ثبت لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته. وأخرجه أبو عبيد (٢١١/رقم ٣٩٨) عن الحسن نحوه. واستغربه القاضي أبو بكر بن العربي في «الناسخ والمنسوخ» (٢/٢٤٦) ثم قال: وأغرب منه ماروى بعضهم عن ابن حبيب أنه قال: قوله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ منسوخة بقوله: ﴿فَإِن تَابُوا﴾، وقد بيّنا فساده في قول غيره، وإنما تعجبنا؛ لخفاء هذا عليه مع علمه -﵀-. وقد ذكر مكي بن أبي طالب في «الإيضاح» (ص ٣١٠- ٣١١) كلام ابن حبيب، فقال: قال ابن حبيب: إن قوله ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ -الآية- منسوخ ومستثنى منها بقوله: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، وقال بعد ذلك: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ . ثم قال: «ولا يجوز في هذا نسخٌ؛ لأنها أحكامٌ لأصنافٍ من الكفار حكم الله على قوم بالقتل إذا أقاموا على كُفرهم، وحكم لقومٍ بأنهم إذا آمنوا وتابوا ألاَّ يُعرض لهم، وأخبر بالرحمة والمغفرة لهم، وحكم لمن استجار بالنبي -﵇- وأتاه أن يُجيره ويبلغه إلى موضع يأمن فيه، فلا استثناء في هذا؛ إذ لا حرفَ فيه للاستثناء، ولا نسخ فيه، إنما كلُّ آيةٍ في حكمٍ منفردٍ، وفي صنفٍ غير الصنف الآخر، فَذِكْرُ النسخ في هذا وهمٌ وغلط ظاهر، وعلينا أن نَتبيَّن الحقَّ والصَّواب» . وقال سحنون: «وليس الأمر على ماقال الحسن وعطاء: إن الأسير يُمَنَّ عليه أو يُفادى، وإنما كان ذلك في حرب النبي - ﷺ - خاصَّة» . انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٣٣٠) . وأخرج ابن جرير (٢٦/٤١) من طريق معمر، عن الحسن ما يشير إلى أن مذهبه مثل مذهب سعيد بن جبير -كما سيأتي- قال: لا يقتل الأسارى إلا في الحرب، يهيب بهم العدو. وإسناده منقطع بين معمر والحسن، فمعمر لم يسمع من الحسن. قال الإمام أحمد: لم يسمع من الحَسن ولم يره، بينهما رجل، ويقال: أنه عمرو بن عُبيد. انظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص ٢١٩ رقم ٨٢٨)، و«جامع التحصيل» (٢٨٣ رقم ٧٨٦)، و«تحفة التحصيل» (ص ٣١١) . وأخرجه عبد الرزاق (٥/٢٠٦ رقم ٩٣٩٣) عن معمر، عمَّن سمع الحسن. والواسطة بينهما مجهولة. ولعلّه عمرو، الذي ذكره الإمام أحمد. وذكر ابن الجوزي في «الناسخ والمنسوخ» (ص ١٧٣) أن آية: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ ﴾ هي الناسخة، وأن هذا قول الحسن وعطاء والضحاك في آخرين. ثم قال: وهذا يرده قوله: ﴿وَخُذُوهُمْ﴾، والمعنى: إئسروهم. =
[ ٢٦١ ]
قتلهم (١) .
وفي اعتقاد النسخ في مثل هذا عندي نَظَر، قد تقدم التنبيه على مثله، وأيضًا فإن سورة (براءة) من آخر ما أُنزل في ذلك، فكيف نَسَخَهُ ما نزل قبله، لكن قد يحتمل أن يريدوا بالنسخ: التخصيص لعمومها، فإن المُخَصَّص قد يتقدم، وقد يتأخَّر، بخلاف النسخ؛ لا يصحّ تقدم الناسخ بحال، فتُحملُ الآية عندهم على قتل غير الأسرى، وفي تسمية هذا ناسخًا تساهل (٢) .
_________________
(١) = وذكره ابن قدامة في «المغني» (١٣/٤٥-ط. دار عالم الكتب) بصيغة التضعيف. وانظر: «الإيضاح» لمكي بن أبي طالب (ص ٣٠٩)، و«الناسخ والمنسوخ» لأبي جعفر النحاس (ص ١٩٧) . وذكر أن الفداء هو مذهب ابن عباس. ولايصح عنه كما عند عبد الرزاق (٥/ ٢١٠ رقم ٩٤٠٤) .
(٢) أخرجه ابن جرير في «التفسير» (٢٦/٤١)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٧/٤٥٨) إلى ابن مردويه في «تفسيره» من طريق الحسن البصري، قال: أُتي الحجاج بأسارى، فدفع إلى ابن عمر إلى رجلًا يقتله، فقال ابن عمر: ليس بهذا أُمِرْنا، قال الله -﷿-: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ . قلت: قد اختلف في سماع الحسن من ابن عمر. فقال الحاكم: «لم يسمع من ابن عمر» . وصَحَّح الإمام أحمد بن حنبل، وأبو حاتم الرازي، سماعه من ابن عمر. وقال بهز بن أسد: سمع من ابن عمر حديثًا. ورجح الحافظ أبو زرعة العراقي سماعه. انظر: «جامع التحصيل» (ص ١٦٢-١٦٤ رقم ١٣٥)، «تحفة التحصيل» (ص ٦٧) . فهذا الأثر صحيح عنه -﵁-، والله أعلم.
(٣) يسمى تقييد المطلق، وتخصيص العام عند السلف (نسخًا)، انظر تقرير ذلك في: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٣/٢٩-٣٠، ٢٧٢-٢٧٣)، و«الاستقامة» (١/٢٣)، و«الأحكام» لابن حزم (٤/٦٧)، و«فهم القرآن» (٣٩٨) للمحاسبي، و«إعلام الموقعين» (٢/٤٨٤- بتحقيقي)، و«شفاء العليل» (٤٠٥-٤٠٦)، و«مفتاح دار السعادة» (ص ٣٦١-٣٦٤، ٣٧٠)، و«تفسير القرطبي» (٢/٢٨٨)، و«الفوز الكبير في أصول التفسير» (ص ١١٢-١١٣) للدهلوي، و«النسخ في دراسات الأصوليين» (٥٢١)، و«أحكام القرآن» (١/١٩٧)، ومقدمة محقق «الناسخ والمنسوخ» (١/١٩٧) لابن العربي، و«محاسن التأويل» (١/١٣)، و«الإتقان» (٢/٢٢)، و«الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه» (ص ٨٨-٩٠) لمكي بن أبي طالب، و«الموافقات» (٣/٣٤٤- بتحقيقي) للشاطبي.
[ ٢٦٢ ]
وأمَّا من ذهب إلى التفريق بين الإسار قبل الإثخان وبعده، فدليلهم: ظاهر الآية في قوله -تعالى-: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤]، فلم يُؤذن في الإسار إلا بعدَ الإثخان والقتل، وإليه ذهب سعيد بن جبير (١) .
وأما الجمهور الذين ذهبوا إلى تخيير الإمام بحسب الاجتهاد في المصالح؛ فإنهم استعملوا جميع الآي الواردة في ذلك، على ما نذكره -إن شاء الله تعالى- لإمكان الجمع بينهما، وإذ لا دليل على أنَّ شيئًا من ذلك منسوخ؛ رُوي هذا القول عن ابن عباس (٢)، وعليه أهل المدينة، وكذلك يجئ مذهب مالكٍ، والشافعي،
_________________
(١) أخرجه عنه أبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ» (٢١٠رقم ٣٩٥)، وابن الجوزي في «الناسخ والمنسوخ» (ص ٢٢٩) . وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٧/٤٥٧) إلىعبد بن حميد، وابن المنذر في «تفسيريهما»، مع أن ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٣١) نقل أن مذهبه كراهية القتل، كمذهب الحسن وعطاء، ونقل فيه (١١/٢٢٦) أن الإثخان مذهب إسحاق.
(٢) أخرجه أبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ» (ص ٢٠٩ رقم ٣٩٢)، وفي كتاب «الأموال» (ص ١٧٠ رقم ٣٤٢)، والطبري في «التفسير» (١٤/ص ٥٩ رقم ١٦٢٨٦-ط. شاكر)، وأبو جعفر النحاس في «الناسخ والمنسوخ» (ص ١٩٠، ٢٥٩)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٢٥-٢٢٦) من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله -تعالى-: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ . قال: ذلك يوم بدر، والمسلمون يومئذٍ قليل، فلما كثروا واشتد سلطناهم، أنزل الله -﷿- بعد هذا في الأسارى ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ فجعل الله -﷿- النبي - ﷺ - والمؤمنين في الأسارى بالخيار: إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا فادوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم. شكَّ أبو عبيد في «استعبدوهم» . قلت: علي بن أبي طلحة. قال العلائي في «جامع التحصيل» (ص ٢٤٠ رقم ٥٤٢): «قال دُحيم: لم يسمع التفسير من ابن عباس، وقال أبو حاتم: علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مرسل» . وقال أبو زرعة العراقي في «تحفة التحصيل» (ص ٢٣٤): «قلت: قال الفسوي: روى عن ابن عباس الناسخ والمنسوخ، ولم يره» . قلت: لعليِّ بن أبي طلحة صحيفة رواها عن ابن عباس -كما أشرت إلى ذلك في موطن سابق-، فلعله أخذ هذا عن ابن عباس من الصحيفة؛ فيصح الأثر، والله الموفق. وأخرجه ابن جرير في «التفسير» (٢٦/٤١)، وابن الجوزي في «الناسخ والمنسوخ» (ص ٢٢٨) =
[ ٢٦٣ ]
وأبي ثور، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيدٍ، وغيرهم (١)؛ لأنهم كلهم يرون جواز
القتل والمنّ والفداء للإمام بحسب ما يرى في الأسرى من مصلحة المسلمين.
وقال أبو حنيفة (٢): لا يجوز المنُّ ولا الفداء، كأنه رأى ذلك منسوخًا، ووجه
_________________
(١) = عن ابن عباس في قوله: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ ﴾ إلى آخر الآية. قال: الفداء منسوخ، نسختها ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ ﴾ إلى ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ . قال: فلم يبق لأحدٍ من المشركين عهد ولا حرمة بعد براءة، وانسلاخ الأشهر الحرم. وإسناده مظلم، فهو مسلسل بالمجاهيل. وعزاه السيوطي في «الدر» (٧/٤٥٧) إلى ابن مردويه في «تفسيره» . وانظر: «الإيضاح» (ص ٣٠١)، لمكي بن أبي طالب.
(٢) انظر في مذهب المالكية في هذه المسألة: «النوادر والزيادات» (٣/٧٠، ٧٢)، «التلقين» (١/ ٢٤٥)، «المعونة» (١/٦٢٠)، «الشرح الصغير» (٢/١٧٦- تحقيق الشيخ محيي الدين عبد الحميد)، «أسهل المدارك» (٢/١٦)، «التفريع» (١/٣٦١)، «الذخيرة» (٣/٤١٤)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/ ٤٧١-٤٧٢)، «الكافي» (١/٤٦٧)، وعندهم أن الفداء يكون بالرجال دون المال. وفي مذهب الشافعية: «الأم» (٤/٢٧٥)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٥١)، «العزيز شرح الوجيز» (١١/٤٠)، «منهاج الطالبين» (٣/٢٧٢)، «الحاوي الكبير» (١٨/١٩٨)، «مغني المحتاج» (٤/ ٢٢٧-٢٢٨) . وانظر: «الاقناع» لابن المنذر (٢/٤٩١)، و«التحقيق» لابن الجوزي (١٠/١٦٠ رقم ٧٣١) . وهذا في الأحرار من مقاتلة الرجال، ومذهبهم في العبيد إذا وقعوا في الأسر، كانوا كسائر الأموال المغنومة، لا يُمَنُّ عليهم، ولا يتخير الإمام فيهم؛ لأن عَبْدَ الحربي مالٌ له. وكذلك النساء والصبيان إذا وقعوا في الأسر رُقُّوا، وحكمهم حكم سائر أموال الغنيمة. وفي مذهب الحنابلة: «المغني» (١٣/٤٤-ط. دار عالم الكتب)، «المقنع» و«الشرح الكبير» و«الانصاف» (١٠/٨٠- ط. هجر)، «الكافي» (٤/٢٧٠)، «منتهى الإرادات» (٢/٢٠٩)، «الفروع» (٦/١٩٨- ط. دار الكتب العلمية)، «المبدع» (٣/٣٢٥)، «الممتع في شرح المقنع» (٢/٥٤٨) . وهو مذهب الأوزاعي وأبي ثور كما ذكره ابن قدامة في «المغني» (١٣/٤٤)، وحكاه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٢٤-٢٢٥) عن أبي ثور، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وأبي عبيد. وفي مذهب أبي عبيد، انظر: «الناسخ والمنسوخ» له (ص ٢١٥-٢١٦)، وهو مذهب ابن جرير وغيره. والله أعلم.
(٣) انظر: «الهداية شرح البداية» (٢/٤٣٣-٤٣٤)، «البناية شرح الهداية» (٥/٦٩١-٦٩٣)، «اللباب» (٤/٢٤)، «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠٢)، «بدائع الصنائع» (٧/١١٩)، «شرح فتح القدير» (٥/ =
[ ٢٦٤ ]
الجمع في ذلك أن الله -تعالى- يقول: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فعموم هذا يقتضي القتل في كل مشرك قبل الإسار وبعده، إلاَّ أن يُخَصِّصَه دليلٌ، وكذلك قوله -تعالى-: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، وقال -تعالى-: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، فكان استحياء الأسرى قبل الإثخان محظورًا، كما دلَّ عليه عموم آية السَّيف، وكان في ظاهر الخطاب من هذه الآية ترخيصٌ في اتخاذ الأسرى بعد الإثخان، وقال -تعالى-: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، ففي هذا إباحته بعد الإثخان تصريحًا، فكان بيانًا لما تقدم، وتخصيصًا لعموم ذلك، وليس قوله -تعالى-: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] على معنى أنه واجب، حتى لا يتصرف في الأسير إلا بذلك، فيكون القتل ممنوعًا فيه، لكن هو على معنى التخصيص؛ لعموم الأمر بإيجاب القتل حيثما ثُقِفُوا، فهو إباحةٌ للاستحياء في حال الأسر من غير منع القتل.
ويدل على أنه إباحةٌ لا وجوب: قوله -تعالى-: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ﴾ [الأنفال: ٦٧] فجعل ذلك له، ولو كان واجبًا لقيل: عَليه، فإن نوزع في شيءٍ من ذلك على مذهب من لا يراه، عُضد هذا التأويل بما ثبت من قتلِ النبي - ﷺ - عقبة بن أبي مُعيطٍ، والنَّضرِ بن الحارث، من جُملة أسارى بَدرٍ (١)،
_________________
(١) = ٤٧٤)، «مجمع الأنهر» (٢/٤٢٣)، «البحر الرائق» (٥/١٤٠)، «تبيين الحقائق» (٣/٢٤٩)، «المبسوط» (١٠/١٣٨)، فعندهم أن ليس للإمام أن يمنّ على الأسرى، فيترك قتلهم؛ لأن فيه إبطال حق الغزاة، من غير نفعٍ يرجع إليهم، ولا يجوز عند أبي حنيفة أن يفادي بهم أسرى المسلمين، ويجوز ذلك عند أبي يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني. ونقل الزيلعي في «تبيين الحقائق» عن أبي حنيفة أنه لابأس بأن يفادى بهم أسارى المسلمين.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/٤٧٧ رقم ٤٠-ط. دار الفكر) من طريق شعبة، وأبو عبيد في «الأموال» (ص ١٧١ رقم ٣٤٥)، وأبو داود في «المراسيل» (ص ٢٤٨ رقم ٣٣٧) من =
[ ٢٦٥ ]
واستحياءِ آخرين (١)، وقتل بني قريظة (٢)، ومَنَّ على أهل خيبر، فلم يقتلهم، افتتحها
_________________
(١) = طريق هُشيم، كلاهما عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير -مرسلًا-، أن رسول الله - ﷺ - قتل يوم بدرٍ ثلاثة صبرًا: عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، ومطعم بن عدي. لكن وصله الطبراني في «الأوسط» (٤/١٣٥ رقم ٣٨٠١) من طريق سفيان بن حسين، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به. وفيه: «طعيمة» بدل: «مطعم» . وهو الصواب. قال الحافظ في «التلخيص» (٤/١٠٨): وفي قوله: «المطعم بن عدي» تحريف، والصواب «طعيمة بن عدي» . وانظر: «نصب الراية» (٣/٤٠٢) . وسفيان بن حسين: ثقة. من أثبت الناس في سعيد بن جبير؛ كما في «التقريب» . وله طرق أخرى عن ابن عباس، انظر: «مصنف عبد الرزاق» (٥/٢٠٥، ٢٠٦، ٣٥٢)، «سيرة ابن هشام» (١-٢/٦٤٤-ط. مؤسسة علوم القرآن)، «الأوسط» (١١/٢٢٤) لابن المنذر، «سبل الهدى والرشاد» (٤/٦٣-٦٤) . وأخرج البيهقي (٩/٦٤-٦٥) من حديث سهل بن أبي حثمة، أن النبي - ﷺ - لما أقبل بالأسارى، حتى إذا كان بعرق الظبية، أمر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أن يضرب عنق عقبة بن أبي معيط الحديث. ورواه من حديث سهل: الدارقطني في «الأفراد» -كما في «التلخيص الحبير» (٤/١٠٨) -. وأخرجه ابن أبي شيبة (٨/٤٧٧ رقم ٣٩- ط. دار الفكر) من طريق شعبة عن الحكم قال: لم يقتل رسول الله - ﷺ - يوم بدر صبرًا إلا عقبة بن أبي معيط. وإسناده معضل. وانظر قصة قتل عقبة والحارث مع رد شبه الكافرين والمستشرقين وأذنابهم ممن في قلوبهم مرض، الذين يصفون الإسلام بأنه متعطش للدماء، وغرضهم التنقيص من رسول الله - ﷺ -: «النظام الحربي في الإسلام» (٢٣٠)، «حكم الأسرى في الإسلام» (ص ١٤٣-١٤٤)، «حياة محمد - ﷺ -» (٢٧٢) لهيكل، «الإسلام وروح المدنية» للغلاييني (ص ١٢٢) .
(٢) والاستحياء: أن يترك الأسرى على أنهم رقيق للمسلمين، أو فيئًا لهم.
(٣) حديث قتل بني قريظة: أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب إذا نزل العدو على حكم رجل) (رقم ٣٠٤٣)، ومسلم في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب جواز قتال من نقض العهد) (رقم ١٧٦٨) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- قال: لما نزلت بنو قريظة على حكم سعد -وهو ابن معاذ- بعث رسول الله - ﷺ -، وكان قريبًا منه، فجاء على حمار، فلما دنا قال رسول الله - ﷺ -: «قوموا إلى سيدكم» . فجاء فجلس إلى رسول الله - ﷺ -، فقال له: «إن هؤلاء نزلوا على حُكْمك» . قال: فإني أحكم أن تُقتل المقاتلة، وأن تُسبى الذرية، قال: «لقد حكمت فيهم بحكم المَلِكِ» . =
[ ٢٦٦ ]
عنوةً، فَقَسم أرضها، ومَنَّ على رجالهم، فتركهم عُمَّالًا في الأرض والنخلِ على الشَّطْر (١)، حتى أخرجهم عمر حين استغنى عنهم (٢) . وفدى رسول
الله - ﷺ - رجلين من المسلمين برجلٍ من المشركين من بني عُقيل (٣)، فدلَّ ذلك كلُّه على جواز القتل والمنِّ والفداء، وكلُّ ذلك بيانُ ما تَضَمَّنه القرآنُ، فيكون على هذا جميع الآي مُحكمًا.
أمَّا آية السيف في (براءة) وكل آيةٍ في مثل معناها، فتحملُ على نسخ الموادعة وإيجاب القتل والقتال حال ممانعة العدو، وأمّا الآيتان؛ ففي أحكام الأسرى بعد الاستيلاء عليهم بالقتال والطَّلب، ولهذا قال -تعالى- في صدر آية الفداء: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، يعني: حال
_________________
(١) = وأخرجه البخاري في عدة مواطن (رقم ٣٨٠٤، ٤١٢١، ٦٢٦٢) . وأخرجه البخاري بنحوه (رقم ٤٠٢٨)، ومسلم (رقم ١٧٦٦) .
(٢) أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب المغازي (باب معاملة النبي - ﷺ - أهل خيبر) (رقم ٤٢٤٨) . وأخرجه في عدّة مواطن مطولًا ومختصرًا (٢٢٨٥، ٢٣٢٨، ٢٣٢٩، ٢٣٣١، ٢٣٣٨، ٢٤٩٩، ٢٧٢٠، ٣١٥٢) . وأخرجه مسلم في كتاب المساقاة (باب المساقاة والمعاملة بجزءٍ من الثمر والزرع) (رقم ١٥٥١) .
(٣) وكان عمر -﵁- أجلاهم في إمارته إلى تيماء وأريحاء كما عند البخاري (٢٣٣٨ و٣١٥٢)، ومسلم (١٥٥١) بعد (٦) .
(٤) أخرجه أحمد (٤/٤٢٧)، وأبو عبيد في الأموال (رقم ٣٢١)، وابن أبي شيبة (١٢/ ٤١٦)، والشافعي في «الأم» (٤/١٨٩، ٢٣٩ و٧/٣٤٨)، والطحاوي في «الشرح» (٣/٢٦٠)، والترمذي (٢٧١٤)، والنسائي في «الكبرى» (٨٦٦٤)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٢٨٢٠)، والطيالسي (٨٤٦) وابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٠٨، ٢٢٣ رقم ٦٦٠٣، ٦٦١٩) من حديث عمران بن حصين، به. والحديث طويل وفيه قصة المرأة التي أسرها المشركون، فهربت منهم على ناقة رسول الله - ﷺ - وكان المشركون قد أخذوها، ونذرت أن نجاها الله -تعالى- عليها لتنحرنَّها القصة. وأصله عند مسلم (١٦٤١) وأبو داود (٣٣١٦)، وأحمد (٤/٤٣٣-٤٣٤)، والشافعي في «الأم» (٤/٢٦٧)، وفي «مسنده» (٢/١٢١)، والبيهقي (٩/٧٢)، وغيرهم.
[ ٢٦٧ ]
الممانعة، ويتقرر على هذا: أنه لا يسوغ الأسر إلا بعد الإثخان، كما قال سعيد، ثم يكون الاجتهاد فيهم بعدُ بالوجوه المذكورة للإمام؛ قال مجاهد (١): الإثخان: القتل، وقال محمد بن إسحاق صاحب «المغازي» (٢): «حتى يثخن في الأرض: أي: ثخَّن عدوَّه حتى ينفيه من الأرض» . وقال أبو عبيدة (٣): معناه: حتى يغلب ويبالغ. وهذا الوجه الذي قرَّرنا الاستدلال عليه هو -إن شاء الله- أَرجْحُ الأقوال؛
لأن اعتقاد النَّسخ لا يَحسنُ إلا حيثُ يقوم عليه الدليل بالتوقيفِ ونحوه، أو حيث لا يمكنُ الجمعُ البَتَّة، ويُعلمُ المتأخِّرُ مع ذلك، فيكون هو الناسخ، وإلا فهو ظَنٌّ، والله -تعالى- يقول: ﴿وإَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]، فإذا تقرر ذلك فالأسرى يجوز فيهم للإمام القتلُ والمنُّ والفداءُ، وكذلك الاسترقاقُ، هذا ما لم يختلف فيه الصَّائرون إلى هذا المذهب: مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثورٍ، وأحمد، وأبو عبيدٍ، وغيرهم، ومنع أبو حنيفة المَنَّ والفداء، وخيَّر بين الاسترقاق والقتل (٤) .
فأمَّا ضرب الجزية؛ ففي شروط ذلك والقول به عامًَّا في الكُفَّار أو خاصًّا خلافٌ، نذكره -إن شاء الله- في (الباب التاسع)، حيثُ أَفْرَدْناه للجزية وأحكامِها، ونتعرض في هذا الموضع للتنبيه على أحكام سائر الوجوه غيرِ الجزية، وذكر مسائل مما يتعلق بذلك -إن شاء الله تعالى-.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥/١٧٣٢ رقم ٩١٥٤)، وابن جرير (٦/٤٣) في «تفسيريهما» عن مجاهد. وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٤/١٠٩) إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر. ونقله ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٢٩) عنه -أيضًا-.
(٢) (ص ٢٨٧- تحقيق محمد حميدالله)، وفي المطبوع: يثخن عدوَّه، وكذا نقلها عنه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٢٩) .
(٣) في «مجاز القرآن» (ص ٢٥٠)، وفيه: حتى يغلب ويغالب ويبالغ، ووقع «حتى يغلب ويبالغ» في مطبوع «الأوسط» (١١/٢٢٩) منسوبًا إلى أبي عبيد!!
(٤) سبق توثيق مذاهب جميع المذكورين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
[ ٢٦٨ ]
فصلٌ
يكون نظر الإمام في الأسرى بحسب الاجتهاد والمصلحة لأهل الإسلام، فمن خُشيت شجاعته منهم وإقدامُهُ، أو رأيُهُ وتدبيرُه، وما أشبه ذلك (١) من الوجوه التي تعود بتقوية بأس العدو على المسلمين في بقائه؛ كان الأولى قَتْلُهُ، إلا أن يَعرضَ هناك ما يمنع، وتكونُ مراعاته أهم، مثل أن يكون في بلاد الكفر أسيرٌ من المسلمين، لا يُستطاع إخراجه إلا بالمفاداة بهذا، وما أشبه ذلك من وجوه النَّظَرِ في الحال، وذلك غير مُنْحَصرٍ، بل هو بحسب ما يرى الحاضر والمجتهد، ومن لم يكن من الأسرى على هذه الصِّفة، وكان في المفاداة به مصلحةٌ وتقويةٌ للمسلمين بالمال، وما أشبه ذلك مما لا ينحصر -أيضًا- من وجوه النَّظَر، فالأوْلَى المفاداةُ، ومن يُرجى إسلامُه بَعدُ، أو الانتفاع به في استمالة أهلِ الكفر أو كسرِ شوكتهم، وما في معنى ذلك إذا رُدَّ وأُنعم عليه، فالأَوْلَى المَنُّ، ومن كان صانعًا أو عسيفًا يُنتفع بمثله في الخدمة، ولم يعرض فيه وجهٌ من الوجوه المتقدمة؛ اسْتُرِقَّ هؤلاء، أو ضُربت عليهم الجزية، إن كانوا من أهلها، على حسب ما يظهر من ذلك (٢) .
وبالجملة، فالنَّظر في هذه الوجوه لمصالح المسلمين بحسب الحال أوسَعُ من هذا، وإنما نَبَّهنا على أنموذج من طريق النَّظَر، لا أنَّ ذلك واجبٌ بعينه، إلا أنه لا ينبغي أن يميل إلى واحدٍ من هذه الوجوه إلا لمصلحةٍ في حقّ المسلمين، يغلب على نظره واجتهاده أنها أَوْلى، فأمَّا القتل، فما دام الإمام مُرتئيًا لم يعزم على واحدةٍ
_________________
(١) كمن يكون شديد العداوة للإسلام، وإنه إن ترك بمنٍّ أو فداء سيسعى في المسلمين قتلًا، وهو ما يسمى اليوم بـ: مجرم حَرب. وانظر: «من أحكام الحرب في الشريعة الإسلامية والقانون» (ص ١٤١) .
(٢) تاريخ المسلمين شاهد على معاملتهم الحسنة للأسرى، خلافًا لغيرهم من الكفار في معاملتهم الوحشية للأسرى. انظر -على سبيل المثال- في معاملتهم الأسرى كتاب «جرائم الحرب في فيتنام» للانجليزي «برتراند راسل»، ترجمة: محمود فلاحة، «حكم الأسرى في الإسلام» للدكتور عبد السلام الأدغيري.
[ ٢٦٩ ]
مما سواه؛ ساغَ له القَتْلُ، ولو بَعْدَ مُدَّةٍ؛ قال بعض الفقهاء: لو عرضهم للبيع ليَختبر أثمانهم، ويناظر بها وجه المصلحة في إحرازها للمسلمين، أو قتلهم، وما أشبه هذا؛ كان له من ذلك ما رآه بعد، فإذا أنفَذَ نظرهُ في واحدةٍ من ذلك غير القتل أو أسقط عنه القتل، وبقي مرتئيًا فيما عداه من الوجوه؛ لم يكن له الرجوع إلى القتل؛ لأنه حُكْمٌ وَقَعَ يتضمَّنَ التأمين (١)، والله أعلم.
مسائل من مفاداة الأسرى
* مسألة:
اتفق الذين رأوا الإمام مخيرًا في الأسرى على جواز مفاداة رجال الكفار ونسائهم بالمسلمين يكونون أسرى في دار الحرب، واختلفوا في جواز بيع الرجال منهم بالمال؛ فمنعه قومٌ وأجازه آخرون، وكلا القولين ممَّا قالت به طائفةٌ من المالكية (٢)، وقال الشافعي (٣) وأبو ثور (٤): لا بأس ببيع السَّبي؛ الرجال والنساء
من أهل الحرب منهم، وكره أبو حنيفة أن يُباع الرجال والنساء منهم فيتقوَّوا بهم،
_________________
(١) انظر: «المدونة» (١/٣٧٤)، «التفريع» (١/٣٦١)، «الرسالة» (٢/٣٦)، «المعونة» (١/ ٦٢٠)، «النوادر والزيادات» (٣/٧٢)، «الكافي» (١/٤٦٧)، «الذخيرة» (٣/٤١٤) .
(٢) جمهور المالكية على جواز بيع أسرى الرجال من أهل الحرب منهم. انظر: «الذخيرة» (٣/٤١٤)، «الشرح الصغير» (٢/١٧٦)، «النوادر والزيادات» (٣/٧٢)، «الكافي» (١/٤٦٧)، «المعونة» (١/٦٢١)، «البيان والتحصيل» (٢/٥٦٠) . ونقل ابن رشد في «البيان والتحصيل» (٢/٥٦٣) عن الداودي: أن أكثر أصحاب مالك يكرهون فداء الأسرى بالمال، ويقولون: إنما كان ذلك ببدر؛ لأن النبي - ﷺ - عَلِمَ أنه سيظهر عليهم، وإنما يتفق على جواز فدائهم بأسرى المسلمين.
(٣) في «الأم» (٤/٣٠٥) . وانظر: «الحاوي الكبير» (١٨/٢٠٢)، «روضة الطالبين» (١٠/ ٢٥١)، «العزيز شرح الوجيز» (١١/٤١١)، «منهاج الطالبين» (٣/٢٧٢)، «مغني المحتاج» (٤/٢٢٨) .
(٤) نقل مذهبه: ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٢٤)، والطبري في «اختلاف الفقهاء» (١٤٥)، والعيني في «عمدة القاري» (١٤/٢٦٦)، وانظر: «فقه الإمام أبي ثور» (ص ٧٧٦) .
[ ٢٧٠ ]
وهذا منه جَرْيٌ على أصله في منع المنِّ والمفاداة كما تقدم من مذهبه (١)، وأجاز ذلك مالكٌ من أهل الذمَّة في الرجال والنساء، وقال أحمد وإسحاق: لايباعون، صِغارًا كانوا أو كبارًا من اليهود والنصارى (٢) . قال الأوزاعي (٣): وكان المسلمون لا يَرَوْنَ بأسًا ببيع السَّبي منهم، وكانوا يكرهون بيع الرجال، إلا أن يفادى بهم أسارى من المسلمين.
فوجه الجواز في الجميع: عموم قوله -تعالى-: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، وذلك يشمل الفداء بالأسرى والمال، وما ثَبتَ أن النبي - ﷺ - قَبِلَ فدية المال من أُسارى بدر (٤)، ومما وردَ في المفاداة بالنساء؛ ماخرّجه مسلم (٥) من حديث سلمة بن الأكوع في المرأة من السَّبي، وكان نُفِلَها، فاستوهبها منه رسول الله - ﷺ -، فبعث بها إلى أهل مكة ففدى بها ناسًا من المسلمين كانوا أُسِروا بمكة.
وممّا وردَ في بيعهنَّ من المشركين بالمال، ماخرَّجه مالك في «موطئه» (٦) عن أبي سعيدٍ الخدري قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة بني المصطلق، فأصبْنَا
_________________
(١) سبق توثيق ذلك، ولله الحمد والمنّة.
(٢) انظر: «المغني» (١٣/٥١)، «المقنع» (١/٤٩٠)، «الممتع في شرح المقنع» (٢/٥٥٢) -وذكر فيه روايتين عن أحمد-، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٧٦٩ رقم ٢٠١٢) . وانظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/٢٠٧) ففيه مذهب إسحاق.
(٣) حكاه عنه الشافعي في «الأم» (باب في المرأة تُسبى ثم يُسبى زوجها) (٧/٣٦٧) . وانظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/٢٠٧)، «الرد على سير الأوزاعي» (٦١-٦٧)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤٢٨-٤٢٩) .
(٤) أخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم) (رقم ١٧٣٦ بعد ٥٨) مطولًا.
(٥) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى) (رقم ١٧٥٥ بعد ٤٦) .
(٦) «الموطأ» (رقم ٥٣٨-ط. دار إحيار التراث العربي) . وأخرجه البخاري في كتاب العتق (باب من ملك من العرب رقيقًا) (رقم ٢٥٤٢)، ومسلم في كتاب النكاح (باب حكم العزل) (١٤٣٨ بعد ١٢٥) .
[ ٢٧١ ]
سبيًا من سَبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا العُزْبة، وأحببنَا الفداء، فأردنا أن نَعْزِلَ، فقُلنا: نَعْزِلُ، ورسول الله - ﷺ - بين أظهرنا قبل أن نسأله؟، فسألناه عن ذلك فقال: «ما عليكم أن لا تفعلوا، ما مِنْ نَسَمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة إلاَّ وهي كائنة» .
ووجه ما ذهب إليه من مَنع في الجميع -كما يقول أبو حنيفة- (١) هو ما زعم
من أنَّ في ردِّهم إليهم تقويةً للعدو، وكأنه يرى الفداء مَنسوخًا، وقد تقدَّم الرد على هذا المذهب (٢) .
ووجهُ من منع فداء الرجال بالمال خاصةً، حملُ مدلول الفداء في الآية على المفاداة بالمسلمين؛ لأن ذلك مما لا يُختلفُ في أنه يتناوله اللفظُ؛ فأمَّا فديةُ المال فلا دليل على أنَّه مرادٌ في اللَّفظ؛ لأن ظاهر الفداءِ والمفاداةِ في اللُّغة للمعنى الأول من حيثُ هو مصدر فَاعَلَ، وهو يكون غالبًا فعلَ اثنين يتساويان فيه على حَدٍّ، فظاهر مدلول الفداء يقتضي أن يوجدَ في كل جانبٍ أسيرٌ يُفْدَى ويُفْدَى به، كالقتال والسِّباب ونحو ذلك، وحملوا ما وقع من فِدْيةِ المال في أسارى بدرٍ على وجوه من التعليل، من ذلك قول بعضهم: إنَّ النبي - ﷺ - كان عَلِمَ بإعلام الله -تعالى- إيَّاه أنه سيظهر عليهم بَعْدُ، فكان في قبولِ الفِدْية مصلحةٌ للمسلمين وتَعجيلُ نَفْعٍ، وتقويةٌ على عدوهم، ثم كأنهم بَعْدُ في حُكْمِ المأسورين بما وَعَدَ من الظهور عليهم، وفي هذا التأويل إبعادٌ، والقولُ بجواز ذلك أرجح، إلا أن يعرض في شخصٍ ما أو حالٍ أو وقتٍ أمرٌ، يكون في فِعْلِ ذلك معه ضَررٌ للمسلمين؛ إمَّا لأن الشخصَ المُفْدَى ذو دهاءٍ ومكرٍ وانتهاضٍ بالحرب، أو لأنَّ في عدد الأسرى المرجوعين إليهم من الكثرة ما يُتَّقى في ذلك الوقت من عائدته على المسلمين، وما أشبه ذلك، فيمنع بحسب العارض، لا أنه محظورٌ في الأصل، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: «الأم» (٧/٣٦٧)، «البناية» (٥/٦٩١)، «البحر الرائق» (٥/١٤٠)، «المبسوط» (١٠/١٣٨)، «الأوسط» (١١/٢٠٧)، وهو قول أبي يوسف القاضي.
(٢) انظر: «الأم» (٧/٣٦٨)، و«الأوسط» (١١/٢٠٨) .
[ ٢٧٢ ]
* مسألةٌ:
واختلفوا في جواز الفداء بأبناء الكفار الذين لم يبلغوا بَعدُ، فقيل: ذلك باطل، ولا يجوز رَدُّهم إليهم بحال، وقيل: إن كان ذلك بأسارى المسلمين جاز، وإلا فلا، وقيل: يجوز ذلك بالأسارى وبالمال، وسبب الخلاف في أصل هذه المسألة هو: هل أبناء الكفار محمولون على الكفر أو على الإيمان؟ وهي مسألة هائلة، عَظُمَ فيها القول، وكثر الخلاف، واتسع النَّظر بين العلماء، وجملة الأمر الذي عليه مدار ذلك: تأويل قوله -تعالى-: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] . وقوله -تعالى-: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، وقول النبي - ﷺ -: «ما مِنْ مولودٍ إلاّ يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه ويُنَصِّرانه ويمجِّسانه، كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهميةً جَمْعَاء، هل تُحِسُّونَ فيها من جَدْعاء؟!» . خرجه مسلمٌ (١) عن
أبي هريرة، وفيه (٢) في بعض طرقه: «ما من مولود يولد إلا على هذه الملَّة، حتَّى يُبَيِّن عنه لِسانُهُ»، وفيه (٣) في بعضِ طرقه: فقال رجلٌ: يا رسول الله! أرأيت لو مات قبلَ ذلك؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، ونحو هذا قال في أطفال المؤمنين، فظواهر هذا كلِّه، أنه ما لم يَبلُغ؛ فيَدينُ بدين أبويه، أو يكفر ابتداءً من نفسه، إن لم
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب القدر (باب معنى كل مولوه يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين) (٢٦٥٨ بعد ٢٢ و٢٣ و٢٤) . وأخرجه البخاري (الأرقام ١٣٥٨، ١٣٥٩، ١٣٨٥، ٤٧٧٥، ٦٥٩٩)، وخرّجته بتفصيل في تعليقي على «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (٣/٢٧٦-٢٧٧)، وانظر: «نصب الراية» (٢/٣٣٣)، «مجمع الزوائد» (٧/٢١٨) .
(٢) برقم (٢٦٥٨) بعد (٢٣) .
(٣) برقم (٢٦٥٨) بعد (٢٣) .
[ ٢٧٣ ]
يكن أبواه كافرين فهو على حكم الإيمان، وهو في الجنة (١) إن مات كأطفال المؤمنين، وإلى ذلك ذهب جماعة من أهل العلم (٢)، فهذا وجهٌ، وثَبتَ أن رسول الله - ﷺ - قال في أبناء المشركين يصابون في البيات والغارة: «هم من آبائهم» (٣)، فحكم لهم في ذلك بحكم الكفر، فذهب إلى حملهم على أحكام الكفر
جماعةٌ (٤) -أيضًا-، وتأوَّلوا ظواهر ما تقدَّم، وقال أهل المذهب الأول: معنى قوله: «هم من
_________________
(١) الصواب أنهم يمتحنون في عرصات يوم القيامة في أصناف آخرين: المجانين، من أدركوا الإسلام على كبر، المعتوهون، الصُّم البُكْم، وردت في ذلك أحاديث كثيرة شهيرة. تنهض جملتها بالاحتجاج، بل سلم بعضها من العلل، وعمل على حصرها وتوجيهها على ما أسلفت: ابن القيم في آخر «طريق الهجرتين»، فانظره فإنه مفيد غاية، والله الموفق.
(٢) ذهب المالكية والحنفية إلى أن إسلام المراهق والمميز وإن قصر عن المراهق يصح، فإن رجع عنه، انتظر به البلوغ، فإن أقام عليه قتل. انظر للمالكية: «أسهل المدارك» (٣/١٦٠)، «الكافي» (٢٢١)، «الإشراف» (٣ مسألة رقم ١١١٧- بتحقيقي) للقاضي عبد الوهاب، «مواهب الجليل» (٦/٢٨١)، «الخرشي» (٨/٦٦) . وانظر للحنفية: «الهداية» (٢/١٢٦)، «المبسوط» (١٠/٦٢، ١٢٠-١٢٢)، «الاختيار» (٤/ ١٤٨)، «جامع أحكام الصغار» (٢/٩٣-٩٨)، «فتح القدير» (٦/٩٤)، «تحفة الفقهاء» (٤/٥٣٠-٥٣٢)، «بدائع الصنائع» (٧/١٣٤-١٣٥)، «تبيين الحقائق» (٣/٢٩٢)، «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٢٥٧-٢٥٨) . وهذا مذهب إسحاق، وابن أبي شيبة، وأيوب، والإمام أحمد، انظر: «المغني» (١٢/٢٦٦)، «شرح الزركشي» (٦/٢٥٠)، «منتهى الإرادات» (٣/٣٩٧-٣٩٨)، «الإنصاف» (١٠/٣٢٩)، «تنقيح التحقيق» (٣/١٠٩-١١٠)، «كشاف القناع» (٦/١٦٧-١٦٨، ١٧٤)، «منار السبيل» (٢/٤٠٧) .
(٣) مضى تخريجه.
(٤) ذهب الشافعية إلى أن إسلام المميز لا يكون محققًا إلا بعد البلوغ، انظر: «الأم» (٦/١٤٩، ٢٩٠-٢٩١)، «حلية العلماء» (٥/٥٦٢)، «المهذب» (١/٤٤٥ و٢/٢٤٠)، «روضة الطالبين» (١٠/ ٧١)، «مغني المحتاج» (٤/١٣٧، ٢٦٣)، «الحاوي الكبير» (١٣/١٧١- ط. دار الكتب العلمية)، «نهاية المحتاج» (٥/٤٥٤-٤٥٧)، «فيض الإله» (٢/٣٠٥)، «رحمة الأمة» (٢٦٩)، «مختصر الخلافيات» (٣/ ٤٧٥ رقم ١٥٨) . وبه قال زفر، ورواية عن أحمد، انظر: «المحرر» (٢/١٦٩)، «المقنع» (٣/٥١٧)، «الإنصاف» (١٠/٣٢٩-٣٣٠)، «شرح الزركشي» (٦/٢٥٠-٢٥٣)، «الإمام زفر وآراؤه الفقهية» (١/٣٢٧) .
[ ٢٧٤ ]
آبائهم»: إنما يُراد به نفي الحرج والإثم في إصابتهم على وجه الضرورة من غير قَصْد.
ثم اختلف القائلون بأنهم محمولون على الكفر: هل ذلك على الإطلاق في أحكام الدنيا والآخرة حتى يستوجبوا التخليد في النار؟ أو هو خاصٌّ بأحكام الدنيا؟ كرفع المأثم فيهم عن أهل البيات، والدِّية عن قاتلهم خطأ، كجواز استرقاقهم بالأسر من دار الحرب، وترك الصلاة على من مات منهم، وثبوت التوارث بينهم وبين سائر الكفار إذا كانوا أحرارًا، وما أشبه ذلك من أحكام الدنيا؟
وأمَّا أحكام الآخرة؛ فإلى الله؛ فهو أعلم بما كانوا عاملين، مصيرًا إلى ما وقع من ذلك في الحديث؛ فتلك ثلاثة مذاهب.
وبالجملة؛ الخوض في تفصيلِ النَّظر في المسألة، ومواقع الخلاف، وبسط وجوه الأدلة والاعتراض عليها، والتفريع عنها، فذلك له غرضٌ كبير ليس هذا مَوضعَ اسْتِقْصائه، وكأن الظاهرَ عند ترجيح الأدلَّة، والأوْلى في حَملِ بعضها على بعضٍ بالبناء على قواعد الشرع المعلومة في اختصاص وجوب التكليف بالبالغ، ورفْعِ الإثم، والاتصاف بالمعصية عن غير البالغ، يشهد لمن ذهب إلى أنهم على أحكام المؤمنين (١)، وأنهم في الجنة إذا ماتوا قبل البلوغ بكلِّ حالٍ -إن شاء الله-.
_________________
(١) نعم؛ الراجح صحة إسلام المراهق والصبي، دل عليه ما أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الجنائز (باب إذا أسلم الصبي فمات، هل يُصلَّى عليه وهل يُعرضُ على الصبي الإسلام؟) (رقم ١٣٥٦) عن أنس -﵁-؛ قال: كان غلام يهودي يخدم النبي - ﷺ -، فمرض، فأتاه النبي - ﷺ - يعوده، فقعد عند راسه، فقال له: «أسلم» . فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم - ﷺ -. فأسلم، فخرج النبي - ﷺ - وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار» . وذكر البخاري أن الحسن وشريح وإبراهيم وقتادة قالوا: إذا أسلم أحدهما -أي الوالدين-؛ فالولد مع المسلم، وكان ابن عباس -﵄- مع أمه من المستضعفين، ولم يكن مع أبيه على دين قومه، وقال: «الإسلام يعلو ولا يُعْلَى» . قلت: وأسند البخاري في الباب نفسه عرْض النبي - ﷺ - الإسلام على ابن صياد وهو غلام لم يبلغ، وأسلم عليٌّ والزبير وهما أبناء ثمان سنين. =
[ ٢٧٥ ]
وأمَّا أحكام الدنيا على هذا المذهب، فما خصَّهم الشَّرعُ به من حُكمٍ فهو كما خصَّ، وما لا، فهم فيه على سائر أحكام المؤمنين، وعند ذلك يَتَّضح لك، ولا يخفى عليكَ، أن جواز فدائهم أو المفاداة بهم لا تصحُّ بحال، وعلى هذا فحكمهم أن يُجبروا على الإسلام، إذا كانوا في أيدي المسلمين، فمن أبَى منهم عُوقِبَ وأُدِّبَ ما دامَ صغيرًا، فإذا بلغَ ولم يُجِبْ إلى ذلك، فحكمه حُكمُ المرتدّ، يُستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
وأما من أجازَ فيهم المفاداةَ بالأسرى وبالمال على كلِّ حال، فإنهم غَلَّبوا الظواهرَ الدالَّةَ على إلحاقهم بالكفار، وحملوهم على أحكام الكفر؛ إما مطلقًا
-كما تقدم-، وإمَّا مُقيَّدًا بأحكام الدنيا عمومًا، إلا ما خصَّ الشَّرعُ من ذلك، وهو النَّهيُ عن قتلهم.
وأمّا من فرَّق فيهم بين الفديةِ والمفاداة، فكأنَّه أَشْكَلَ عليه الأمرُ فيهم؛ لِمَا وقعَ من تعارض الأدلَّة عنده، ولظاهر قوله - ﷺ - -وقد سُئل عمَّن مات منهم قبل البلوغ- فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (١)، فاستخفَّ ذلك في المعاوضة بالمسلم الذي هو على يقينٍ من الحكم بإيمانه، ومنعه في المال، وكأن هذا أخفُّ من إباحة ذلك على الإطلاق، وكلُّ هذا الخلافِ إنما هو ما لم يُسلم أبوا الطِّفْل المسبيِّ، لقوله - ﷺ -: «فأبواه يهودانه وينصِّرانه ويمجسانه» (٢)، فأمَّا إنْ أسلما فهو إجماعٌ أن للطِّفل حرمةَ الإسلام، وجميعَ أحكامه، فإن أسلم أحدهما دون الآخر
_________________
(١) = وثمرة الخلاف عند القول بصحة إسلامه؛ فإن الإسلام يوجب عليه الزكاة في ماله، ويوجب عليه نفقة قريبه المسلم، ويحرم ميراث قريبه الكافر، ويفسخ نكاحه من الكافرة، وهذه -أيضًا- محل خلاف في التفريعات عند القائلين بصحة إسلامه. انظر: «جامع أحكام الصغار» (١/٩٣-٩٨) . وما سقناه يدل على نجاته إن أسلم، وأما إن مات ولم يظهر ذلك منه، فهو تحت مشيئة الله، والراجح ما قدمناه قريبًا من امتحانهم في عرصات يوم القيامة، والله أعلم.
(٢) أخرجه مسلم، وقد مضى قريبًا.
(٣) مضى تخريجه.
[ ٢٧٦ ]
ففيه خلاف (١)، وكذلك إن لم يُسلما وسُبِيَ الطِّفلُ مُفردًا عنهما فيه خلاف، وكذلك إن سُبوا جميعًا فَفرَّقتْ بينهم الأملاكُ فيه خلاف، ولا يعدو شيءٌ من ذلك المَردَّ إلى
الأصول التي قدَّمنا؛ فمن أقوال أهل العلم في هذا الباب قولُ الشافعيِّ (٢) في الصِّبيان من السَّبْي إذا كانوا مع آبائهم، فلا بأس ببيعهم من أهل الحرب منهم، ومن كان منهم ليس معه واحدٌ من أبويه فلا يباعون منهم، ولا يُفادى بهم؛ لأنَّ حُكمهم حُكم آبائهم ما كانوا معهم، فإذا تحوَّلوا إلينا ولا والدَ مع أحدٍ منهم؛ فحكمه حكم مالكه، فمذهب الشافعيِّ أنَّ حُكمَ الطفل منهم حُكمُ أبويه إن كانا معه، أو كان معه أحدهما، فإن لم يكن معه واحد منهما (٣)، وصار في مُلكِ المسلمين؛ فحكمه حكم المسلمين، وهو قول أبي حنيفة (٤)، وقاله أحمد بن حنبل (٥)، وكلهم يقول: إنَّ من أسلمَ من أبويهِ؛ فالولد مسلمٌ بإسلامه، أبًا كان أو أمًّا، وذكر ابن الماجشون عن أصحابه من أهل المدينة أنهم كانوا يذهبون إلى أن الطِّفلَ من السَّبي إذا كان معه
_________________
(١) انظر ما قدمناه قريبًا عن الحسن وشريح وإبراهيم وقتادة، فيما نقله البخاري عنهم.
(٢) «الأم» (٧/٣٦٨-ط. دار الفكر، أو ٩/٢٦٨-ط. دار الوفاء) . وانظر: «مختصر المزني» (ص ٢٧٤)، «الحاوي الكبير» (١٨/٢٨٥)، «العزيز شرح الوجيز» (١١/٤٢٠)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٥٧)، «البيان» للعمراني (١٢/١٧٠)، «الأوسط» (١١/٢٠٨) .
(٣) في المنسوخ: منهم.
(٤) انظر: «مختصر الطحاوي» (٢٨٩)، «الهداية» (٢/٤٣٧)، «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص (٣/٤٨٩) .
(٥) ولكن المذكور في كتب الحنابلة خلاف ما ذكره المصنف -﵀-، فيمن كان معه أحد أبويه، ففي كتبهم: أن من سُبِيَ من أطفالهم منفردًا، أو مع أحد أبويه فهو مسلم، وإن سُبي مع أبويه فهو على دينهما. انظر: «الممتع في شرح المقنع» (٢/٥٥٢)، «منتهى الإرادات» (٢/٢١١)، «الشرح الكبير» (المسألة رقم ١٤٠٤)، «الإنصاف» (١٠/٩٢- مع «المقنع» و«الشرح الكبير»)، «الكافي» (٤/٢٧٧)، «المبدع» (٣/٣٢٨)، «المغني» (١٣/١١٢)، «شرح الزركشي» (٦/٥٠٥)، وهو قول الأوزاعي كما في «المغني» و«الشرح الكبير» .
[ ٢٧٧ ]
أبوه حُمِلَ على دين الأب، فيكون مسلمًا إن أسلم أبوه، وعلى حُكم الكُفر إن ثبتَ على كفره، ولا يُعتدُّ فيهم بدين الأم على حال؛ لأنهم إلى الأب ينتسبون، وبه يُعرفون (١) . قال ابن الماجشون: هذا ما لم يُفرِّق بينهم السِّباء، فإذا فُرِّق بينهم وبين
آبائهم بالقسم أو البيع (٢)؛ فأحكامهم حينئذٍ أحكام المسلمين في القصاص والقَوَدِ والصلاة عليهم والموارثة وغير ذلك (٣) . وقال أحمد بن حنبل (٤) في الغلام النصراني إذا أسلم أحد أبويه: هو مع المسلم منهما، سواء كان أمًّا أو أبًا، حُكمه حُكْمُ المسلمِ منهما، وقال في الصَّغير إذا لم يكن معه أبواه: لا ينبغي أن يُفادى به، وهو عنده على حكم المسلمين، ولم يرَ بذلك بأسًا إذا كانا معه؛ لأنه على دينهما كما تقدّم من قول الشافعي، وقال الأوزاعي (٥): إذا كان في ملك المسلمين، فحكمه حكم أهل الإسلام؛ لأن المُلك أولى به من النَّسَب، واختاره أبو عبيد (٦)،
_________________
(١) وهو قول أبي الخطاب الكلوذاني من الحنابلة. انظر: «الشرح الكبير» (١٠/٩٣- مع «المقنع» و«الإنصاف»)، و«الكافي» (٤/٢٧٨) .
(٢) مذهب الشافعي وأحمد: إن فُرِّق بينهما بالبيع فالبيع فاسد. وقال أبو حنيفة: يصح البيع. مع إجماعهم على أن التفريق بين الأم وولدها غير جائز. وانظر: «المهذب» (٢/٢٤٠)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٥٧)، «مختصر الخلافيات» (٥/٥٧)، «مختصر الطحاوي» (٢٨٥، ٢٨٦) .
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٣٨٠)، «الكافي» لابن عبد البر (١/٤٦٨)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٧٦) . ومذهب ابن حبيب: ما سُبيت به الحرة من ولدٍ صغير أو كبير، تبع لها في الحرية والإسلام. وما ذكره ابن الماجشون عن أصحابه من أهل المدينة فمنهم أشهب وسحنون.
(٤) انظر: «المغني» (١٣/١١٣- ط. هجر)، «الشرح الكبير» (١٠/٩٣)، «الكافي» (٤/٢٧٧) .
(٥) انظر: «الأم» (٧/٣٨٥)، «المغني» (١٣/١١٣)، «الشرح الكبير» (١٠/٩٥)، «الأموال» لأبي عبيد (١٦٥ رقم ٣٢٦)، «اختلاف الفقهاء» للطبري (١٨٥-ط. يوسف شخت)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤٣٤) .
(٦) انظر كتابه: «الأموال» (ص ١٦٥) .
[ ٢٧٨ ]
وقال: الإسلام يعلو ولا يُعلْى. وبه قال أبو محمد بن حزم (١)، قال: «ولا يَحلُّ أنْ يُرَدَّ صَغيرٌ سُبِيَ من أرض الحرب إليهم، لا بفداءٍ، ولا بغير فداءٍ؛ لأنه قَدْ لَزِمهُ حكم الإسلام بملك المسلمين له، فهو وأولاد المسلمين سواءٌ لا فرق، قال: وهو قول المزني» . وعن مالكٍ وأصحابه في هذا الباب اختلافٌ واضطراب، فالمشهور من مذهب مالكٍ، أنَّ أبناء الكفار على دين آبائهم (٢)، كانوا معهم أو لم يكونوا، ولا يُصلَّى على من مات منهم حتى يَعْقِلَ الإسلامَ فَيُسْلم، ويُعبِّر عنه لسانه، فإن اختلف
دين أبويه حُمل عنده على دين أبيه دونَ أُمِّه، وعلى هذا ما روى ابن نافعٍ عن مالكٍ (٣) في الصَّبيّ من السَّبْي إذا أسلم، قال: لا يُفدى به المسلم، وعن مالكٍ
-أيضًا- أنه قال: إذا سُبي أطفالهم وليس معهم أبٌ ولا أم، فلهم حكم المسلمين، ويصلَّى عليهم إن ماتوا، وأجاز مع ذلك أن يفادى بهم المسلم، وهذا اضطراب، وكأنَّه لما أشكل الأمرُ عنده حمله على الإسلام، ما لم يعترض حقَّ مسلمٍ مقطوعٍ له بحكم الإسلام، فَغَلَّب هناك حرمته في المعاوضة به، وروُي عن عبد الله بن عبد الحكم، قال: لا يباع الصغيرُ مع أمِّه من نصراني، وهذا منه تغليبٌ لحمله على الإسلام، قال ابن الموَّاز (٤): أمَّا إذا ملكَه مسلم، فأسْتَحسنُ ذلك من غير أن أُلزمهُ إياه، وأما ما كان بيد الذِّميِّ فلا بأس بذلك، ما لم يكن للصغير أبٌ قد أسلمَ وعُرف ذلك، وهذا يدلُّ من قوله على الشَّك: في ماذا يحمل عليه أمره؟ حيث قال: أَسْتَحْسِنُ ذلك ولا أُلزمه. وعن مُطَرِّفٍ وابن الماجشون وأصبغ (٥) قالوا: لا بأس أن
_________________
(١) «المحلى» (٧/٣٠٩ المسألة رقم ٩٣٥) .
(٢) وقال البرزلي في «فتاويه» (٢/٢٩) -ونقله عن ابن المواز-: «الولد تَبَعٌ لأبيه في الإسلام والعهد واليمين بالطلاق، مثل حلفه بطلاق من يتزوج من أهل مصر، فتزوج امرأةً أبوها مصري وأمها شامية؛ فإنه يحنث » .
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٣٠٣)، «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (٣ مسألة ١١١٧- بتحقيقي)، «مواهب الجليل» (٦/٢٨١)، «الخرشي» (٨/٦٦)، «أسهل المدارك» (٣/١٦٠) .
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٣٨٠) وقد نقله ابن الموَّاز عن أشهب.
(٥) «النوادر والزيادات» (٣/٣٢٦) وهو قول الأوزاعي -أيضًا-.
[ ٢٧٩ ]
يُفادَى الضُّعفَاءُ والنِّساءُ والصبيانُ، ما كان الجيش بأرض الحرب، أو بفورِ خروجه إلى بلاد الإسلام، فأمَّا بعد تفرُّقِهم في بلاد الإسلام وقرارهم بها، طال مكثهم أو لم يَطُلْ، فلا يفادون إلا بالأسارى من المسلمين، قالوا: ولا يُفادَى الصِّغار منهم بمالٍ إذا لم يكن معهم آباؤهم، ويفادون بالمسلمين، وفي هذا من الاضطراب نحو ما تقدَّم من قول مالكٍ في مثله.
وأمَّا تفريقهم في الفداء بالمال بين أن يكون ذلك بقربِ الخروج إلى بلاد المسلمين، أو بَعد تفرقهم فيها وقرارهم وإن لم يَطُلْ، فلا وجهَ له. وعن أشهب (١) قال: «لا بأس أن يُفادَى بصغار الرُّوم الذين لم يُثغِروا، كانوا ذوي آباءٍ وأمهاتٍ أَوْ لا، ولا يُجبروا على الإسلام، كان لهم والدان أو لا» . وهذا جَرْيٌ إلى تغليب أحكام الكفر عليهم، وهو وفاق ماقدَّمنا من مشهور مذهب مالك، إلا أن تَقْييد أشهب بالذين لم يثغروا لا أثر له، إلا أَنْ يُريد: أنْ يَعْقِلوا الإسلام فَيَتَلفَّظوا به، فيكون لهم حكمه، والله أعلم.
قال ابن الموَّاز (٢) في قول أشهب في إباحة فداء الصّغار: «إنما يُفادى بهم المسلمون، وأما بغير المسلمين فأكره ذلك» . وهذا مثل ما تقدم له هو قول من أشكل عليه أمرهم، فكره فداءهم بالمال، ورأى ذلك في المعاوضة بالمسلم المقطوع عليه خَفيفًا، وهو نحْوٌ مما ذهب إليه مالكٌ فيما تقدَّم من بعض أقواله،
وأجاز ابن القاسم (٣) أن يُباع مِنَ الرُّوم مَنْ سُبِيَ منهم من النِّساء والأولاد بعد أن صاروا بأيدي المسلمين ببلد العدو، وبعد أن بلغوا المَصِّيصَة (٤)؛ يعني: بَعْضَ
_________________
(١) «النوادر والزيادات» (٣/٣٨١) .
(٢) «النوادر» (٣/٣٨١) .
(٣) «النوادر» (٣/٣٧٩-٣٨٠) .
(٤) المصيصة: بالفتح ثم الكسر والتشديد، وياء ساكنة، وصاد أُخرى. قال ياقوت في «معجم البلدان» (٥/١٤٥): «وهي مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام، بين أنطاكية وبلاد الروم، تقارب طرسوس» . قال: «وكانت من مشهور ثغور الإسلام، قد رابط بها =
[ ٢٨٠ ]
ثغور المسلمين المجاورة هناك لبلاد العدوّ. قال: وإني لأتَّقيهِ في الصِّغار؛ لأنهم على دين من اشتراهم.
قوله هذا في غايةٍ من الاضطراب؛ أجاز بيعهم من العدو، وفيه تغليب حُكم الكفر عليهم، ثم شَكَّ؛ حيث قال: وإني لأَتَّقيهِ في الصِّغار، ثم قطع على الحكم لهم بالإسلام؛ حيث قال: لأنهم على دين من اشتراهم، فَجَعَلَ حكمهم في الدِّين حكم المسلمين الذين صاروا بأيديهم، فهكذا تَجِدُهم أبدًا يضطربون في هذه المسألة؛ لما يظهر من تعارض أصولها التي نبَّهنا عليها، وتجاذُبِها الفروع، إذا لم يعوَّل على أصلٍ بعينه، والنَّظَر -كما قدمناه- يشهد أنَّ لأطفال السَّبْي حُكْمَ الإسلام في كل شيءٍ على الإطلاق، إلا ما خصَّه الشرعُ بيقين؛ وذلك إنما هو إباحة الاسترقاق، لا غير، وبالله التوفيق.
* مسألةٌ:
إن كان بأيدي المسلمين علوجٌ استرقُّوهم، وكان في دار الحرب أسرى من المسلمين، فأبى أهل الحرب أن يُخَلُّوا عنهم إلا بأولئك العلوج؛ قال سحنون (١): «لا بأس أن يُجْبِرَ الإمام ساداتهم على البيع، ويعطيهم الثمن، ويفدي بهم المسلمين»، وهذا صحيح، إلا أن ظاهر قوله: لا بأس، يُشعرُ أنَّ له سعةً في أن لا
_________________
(١) = الصالحون قديمًا، وبها بساتين كثيرة يسقيها جيحان» .
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٣٢٧-٣٢٨) . ففيه قوله: «لا يصلح فداء الرجال بالمال، ولكن بالمسلمين» . وقال: «قولنا المعروف أن لا يُفدَى علج بمالٍ، ولكن بالأسارى المسلمين. وقيل له: لم مَنعتَ من فداء الأسارى بالمال، وقد أخذ النبي - ﷺ - المال في أسارى بدر؟ قال: «قد خُصَّت مكة وأهلها بخاصَّة، منها: أنها لم تُقسم ولا خُمست، وهي عنوة، وقد مَنَّ -﵇- على بعض الأسارى بلا فداء، وقد أبيح له ذلك بقول الله -تعالى-: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ﴾ وذلك فتح مكة، ثم لا يجوز اليوم المنّ على المشركين، ولكن إنما هو القتل أو الرقُّ أو الفداء بأسارى المسلمين» . وقد مضى الكلام على مسألة فداء الأسارى.
[ ٢٨١ ]
يفعل، بل ذلك واجبٌ على الإمام إن هو عَجَزَ عن استنقاذهم بالقتال؛ لأنَّ افتداء المسلمين واجبٌ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، قال الله -تعالى-: ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ -يعني:
افتداء الأسارى هو مما كتبه الله تعالى- ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] يعني: قتالهم وإخراجهم.
وفي البخاري (١)، عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: «فُكُّوا العاني
-يعني: الأسير- وأطعموا الجائع، وعودوا المريض» . والإجماع على وجوب فَكِّ الأسير؛ ذكره أبو محمد بن حزم (٢) . وسئل مالك: أواجبٌ على المسلمين افتداء من أُسِرَ منهم؟ قال: نعم؛ أليس واجبًا عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم؟ فقيل: بلى. قال: فكيف لا يفتدونهم بأموالهم! قيل: أراد مالكٌ قول الله -تعالى-: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥]، نزل في قتال أهل مكة لاستنقاذ من فيها من المستضعفين. قال مالك: وإن لم يقدروا على فدائهم إلا بكلِّ ما يملكون، فذلك عليهم (٣) .
ولم يختلف العلماء في وجوب استنقاذهم؛ إما بالقتال، وإمَّا بالفداء، وإنما اختلفوا على من تكون فديتهم؛ قال ابن المنذر: رُوِّينا عن عمر بن الخطاب أنه قال: واعلموا أنَّ كلَّ أسيرٍ من أَسارى المسلمين، فإنَّ فِكاكَهُ من بيت مال المسلمين (٤) .
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب فكاك الأسير) (رقم ٣٠٤٦) . وأخرجه بالأرقام (٥١٧٤، ٥٣٧٣، ٥٦٤٩، ٧١٧٣) .
(٢) في كتابه «مراتب الإجماع» (ص ١٤٢) .
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٣٠١)، «البيان والتحصيل» (٣/٨٠)، «الأوسط» لابن المنذر (١١/٢٤٠) وهو قول الأوزاعي -أيضًا-.
(٤) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٢/٤٢٠ رقم ١٥١٠٩)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٣٨ رقم ٦٦٤٠) من طريق حفص بن غياث، عن محمد بن أبي حفصة، عن علي بن زيد بن =
[ ٢٨٢ ]
فظاهر قول عمر، أن ذلك لا يلزمُ الأسيرَ، وإن كان له مال، وهو ظاهر
قول مالك: فكيف لا يَفْتَدُونهم بأموالهم؟! يريد: إذا لم يكن في بيت المال شيء، ودليل هذا المذهب: ظاهرُ قول النبي - ﷺ -: «فُكُّوا العاني»، فالأمر بذلك لسائر المسلمين غير الأسير، فلم يتوجه عليه من ذلك شيء، كان له مالٌ أو لم يكن.
قيل: فإن ضَيَّع ذلك الإمام والمسلمون، فعلى الأسير إن كان ذا مالٍ أن يفدِيَ نَفْسه؛ لأن إقامته تحت الكُفَّار مع إمكان التخلُّص عليه حرام. وقد قيل: إنه إذا كان له مال، فإنما تجب فديته عليه نفسه، لا يجب ذلك على غيره إلا بعدمه. قال اللَّخمي (١): أرى أنْ يُبدأ بمال الأسير، فإن لم يكن، فبيت المال، فإنْ لم يكن، أو كان ولا يتوصل إليه، فمن الزَّكَوات، يعني: على أحد القولين عند المالكية: هل يدخلُ افتكاك الأسْرى في الرِّقاب أوْ لا؟ قال: فإن لم يكن، فعلى جميع المسلمين على قَدْرِ الأموال، إذا كان ما يُفدى به لا يستغرق أموالهم، وإن كان يستغرقها افتدوه بجميعها.
فأقول: إذا ثبت وجوبُ القتال على المسلمين لاستنقاذ الأسير، فَلَهم حالتان: حالة عَجْزٍ عن مقاومة العدوِّ في استنقاذه بالقتال، وحالة قدرةٍ على ذلك.
فأمَّا حالة العَجْز فهو مما يحتمل الخلاف المتقدم: أنْ تكون الفدية بكل حالٍ على سائر المسلمين غير الأسير؛ للأدلة التي قدَّمْنا، وأن يكون ذلك مرتبًا
_________________
(١) = جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: دخلت على عمر حين طعن، فسمعته يقول. فذكره. وفي رواية ابن أبي شيبة دون ذكر الدخول. ويوسف بن مهران: لين الحديث، ولم يرو عنه إلا علي بن زيد بن جدعان: وهو ضعيف. ومحمد بن أبي حفصة، أبو سلمة البصري: صدوق يخطيء. فالأثر ضعيف عن عمر. وذكره ابن المنذر -أيضًا- في «الإقناع» (٢/٤٩٢) .
(٢) انظر: «الذخيرة» (٣/٣٨٩)، و«البيان والتحصيل» (٢/٥٦٠) .
[ ٢٨٣ ]
على نحو ما ذكر اللَّخمي في الابتداء به إن كان ذا مال؛ لما عَسَى أن يخصص به وجوب الفدية على المسلمين فيمن لا مال له من الأسرى.
وأمَّا حالةُ القُدرةِ على استنقاذه بالقتال، فيتركون ذلك تخيُّرًا للفداء، فها هنا كان ينبغي أن لا توضع الفدية في مال الأسير بحال؛ لأنه فرضٌ واجبٌ على غيره من المسلمين، فلم يكن لهم أن يُسقطوه عن أنفسهم ببذل مال الأسير، لكن لهم الخيرة في القتال، أو بذل المال من عند أنفسهم، أو من بيت المال الذي أُعِدَّ لمصالح الإسلام.
قال ابن المنذر (١): «أجمع كلُّ من يُحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ الرجل إذا اشترى أسيرًا من أسارى المسلمين من العدوِّ بأَمره بمالٍ معلوم، ودَفَع المال بأمره، أنَّ له أنْ يرجع بذلك عليه» . واختلفوا إن اشتراه بغير أمره؛ فقال مالكٌ والأوزاعيُّ وأحمد وإسحاق وغيرهم: يَأْخُذُ منه ما اشتراه به (٢)،
وقال الشافعي والثوري: لا شيء على الأسير من ذلك إذا كان بغير أمره (٣) .
_________________
(١) في «الإجماع» له (ص ٦٠)، و«الأوسط» (١١/٢٤١-٢٤٢) .
(٢) انظر: «المقنع» لابن البنّا (٣/١١٨٠)، «المغني» (١٣/١٣٣-١٣٤)، «شرح الزركشي» (٦/٥١٨)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٥٦٥)، «الواضح» (٢/٢٦٩)، «مسائل الإمام أحمد» (١/٢٠٨- رواية الكوسج، ٢/٥١- رواية عبد الله)، «الذخيرة» (٣/٣٨٩)، «النوادر والزيادات» (٣/ ٣٠٩، ٣١١)، «البيان والتحصيل» (٢/٦١٤)، «الكافي» (٤٧١)، «جامع الأمهات» (٢٤٤) . وكان الأوزاعي يقول: إذا اختلف الأسير والمشتري، فالقول قول المشتري. وانظر: «اختلاف الفقهاء» (١٨٥) للطبري، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤٣٥) .
(٣) ومذهب الشافعي هو مذهب أبي حنيفة، وقاله ابن سيرين. انظر: «الفتاوى الهندية» (٢/٢٠٨)، و«الأوسط» (١١/٢٤٢) . وقيل للثوري: فإن اختلفا في الثمن، إذا أقرَّ الأسير أنه قد أمره أن يشتريه، ولم يوقت الثمن؟ فالقول قول المشتري، وإذا قال الأسير: أمرتك أن تشتريني بكذا، وقال المشتري: أمرتني بكذا، فالقول قول الأسير. وقال ابن أبي يعلى: القول قول المشتري. ذكره أبو بكر بن المنذر في «الأوسط» (١١/ ٢٤٢) ثم قال: «قال أبو بكر: القول قول الأسير الآمر مع يمينه، وهو على مذهب الشافعي» . ورجح مذهب الشافعي وسفيان في «الإشراف» (١/١٢٤) . =
[ ٢٨٤ ]
قال ابن المنذر (١): وبه نقول؛ لأنه متطوعٌ بالشراء، وقال: وفيه قولٌ ثالث: أن الأسير إذا كان موسِرًا، دَفعَ ذلك إلى المشتري، وإن كان مُعْسِرًا ففي بيت مال المسلمين، فإنْ لم يفعل ذلك السلطان، كان دينًا عليه؛ قاله الليث (٢) .
واختلف أهل العلم إذا لم يَقْبَلْ أهلُ الحرب في فِدْية الأسير إلاّ الخيل والسلاح، أو الخمر والخنازير، ونحو ذلك مما هو محظور، فأجازه قوم ومنع (٣) قوم (٤)، وكان ينبغي أن يقال: إنّ إجازة ذلك أو منعه راجعٌ إلى اختلاف الحال، فإن كان ذلك مع قدرة المسلمين على استنقاذهم بالقتال، فلا ينبغي الإجابةُ إليه؛ لأنه محرَّم لم تَدعُ إليه ضرورة، إنما يُفعلُ للرفاهية عن القتال، وإن كان ليس للمسلمين بهم طاقة، جاز؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] .
*****
_________________
(١) = وانظر: «مختصر المزني» (٢٧٥)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٩٤-٢٩٥)، «المغني» لابن قدامة (٨/٤٤٤)، «موسوعة فقه سفيان الثوري» (١٥٦) . تنبيه: هذه العبارة والتي قبلها، أي من: «فقال مالك والأوزاعي بغير أمره» وقعت مكررة في الأصل.
(٢) انظر: «الأوسط» (١١/٢٤٣)، «الإقناع» له (٢/٤٩٢)، وقال: وإذا تطوع المرء بشيء لم يجز أن يلزم الأسير ذلك بغير حُجَّة، ولا نعلم حجة توجب للمشتري الرجوع على الأسير، والله أعلم.
(٣) انظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/٢٤٢) .
(٤) كذا في الأصل والمنسوخ، والأصوب أن يقال: «ومنعه قوم» .
(٥) «البيان والتحصيل» (٣/٨١)، و«النوادر والزيادات» (٣/٣٠١-٣٠٣) .
[ ٢٨٥ ]
مسائل من الاسترقاقِ والوطء بملك اليمين
* مسألة:
اتفق أهل العلم فيما ملكه المسلمون من سبايا الكفار فأَسلمنَ، أنَّ وطء من أَسْلمَ منهنَّ ولم يكن لها زوج، أو كانَ فقُتِلَ، حلال لسيدها بملك اليمين، من أي أصناف الكُفْر كانت؛ كتابية أو وثنيَّة إذا هي أَسْلَمتْ واستُبرئت، واختلفوا إذا هي بَقِيَتْ على دينها ولم تُسْلِمْ؛ فمنعت طائفة وطأها عمومًا، وأباحته طائفة عمومًا، وفَرَّقت طائفةٌ -وهم الجمهور- بين أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى وبين الوثنيات، وسبب الخلاف تعارض الأدِلَّة في ظواهر الآي، فعموم قوله -تعالى-: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، يَتضمَّن المنع من الجميع عندَ من جعلَ لفظ «الإشراك» عامًّا في أصناف الكفر، وهو موضع خلافٍ بين أهل العلم، وأما لفظة «النكاح» فعامٌّ في الوطء بأصلِ اللغة، يتناول ملك اليمين والزوجات، أعني: أنه موضوعٌ على الجماع، وإنما يُستعمل في العَقْدِ اتِّساعًا (١)، فهذا مذهب، وعموم قوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥-٦]، يتضمَّن إباحة كُلَّ مملوكةٍ لمالكها، مسلمةً كانت أو كافرةً، كتابية أو غَير كتابية، فهذا مذهبٌ ثانٍ. وأما الذين فَرَّقوا بين الكتابيَّات وغيرهن، فإنهم حملوا قوله -تعالى-: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] على أنه فيما سوى الكتابيات، بدليل النصِّ على إباحة تزوج الكتابيات في قوله -تعالى-: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وبدليل وجود التفريق من الشرع في هذه الصِّفة، -أعني: الشرك بين أهل الكتاب وغيرهم- في مواضع من القرآن، قال الله -تعالى-: ﴿مَّا
_________________
(١) هذا الذي قرره هو مذهب الحنفية والمالكية، وقال الشافعية بأن النكاح هو العقد، وقرر القاضي أبو يعلى أنه حقيقية في الأمرين، واختاره ابن تيمية، وانظر: «الحاوي الكبير» (١١/٩- ط. دار الفكر)، «المغني» (٩/٣٣٩)، «المبسوط» (٣/١٩٢)، «الذخيرة» (٤/١٨٨) .
[ ٢٨٦ ]
يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وقال -تعالى-: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [آل عمران: ١٨٦]، وقال -تعالى-: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ ﴾ [البينة: ١]، ومثل ذلك في القرآن كثير، فمن خصَّص في الآية المشركات بمن عدا أهل الكتاب؛ أخرجهنَّ بذلك من عموم ما أُبيح بملك اليمين، وبقي سائرهنَّ على الإباحة، وهذا المذهب أظهر، والله أعلم، وبه قال مالكٌ (١) والشافعيُّ (٢) وأبو
حنيفةَ (٣) وجمهور العلماء (٤)، وبسطُ النَّظَر في ذلك بالاعتراضِ على الأدلَّة، والاحتجاج في ذلك مُفصَّلًا، والفرق بين التزويج والتَّمليك في هذا الباب يطول، وإنما الخاص بذكر ذلك كتاب النكاح، وليس هذا موضعًا له، إنما نبَّهنْا منه على ما يَمسُّ كتاب الجهاد من وجوه التصرَّف في الأسرى، وبالله تعالى التوفيق.
* مسألة:
اختلف أهل العلم في الكتابية إذا سُبيتْ وهي تحت زوجٍ: هل ذلك مما يَفسخُ نكاحها، ويحل لمالكها وطؤها بعد استبرائها، أوْ لا يَنفسخُ بذلك، وتكون عنده على حكم ذات الزوج، فلا يحلُّ له وَطْؤُها؟ فذهب جمهور العلماء، منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم إلى أن السَّبيَ مؤثر في إزالة عِصمَتِها، وإباحة وطئها لمالكها؛ على ما نُفَصِّله عنهم (٥)، ودليلهم قول الله -تعالى- في
_________________
(١) «المعونة» (٢/٨٠٠)، «جامع الأمهات» (ص ٢٦٨)، «فصول الأحكام» (٢٣٠)، «قوانين الأحكام» (١٧٠)، «تفسير القرطبي» (٥/١٤٠)، «الإشراف» (٣/٣٣٢- بتحقيقي) للقاضي عبد الوهاب.
(٢) «المهذب» (٢/٤٥)، «توقيف الحكام على غوامض الأحكام» (ق ٧/أ) للأقفهسي، «مختصر الخلافيات» (٤/١٤٣)، «معرفة السنن والآثار» (١٠/١٢٥)، «الحاوي الكبير» (١١/٣٣٥) .
(٣) «المبسوط» (٤/١٩٧)، «رؤوس المسائل» (ص ٣٨٨) .
(٤) وهذا مذهب الثوري والأوزاعي والحسن البصري والزهري ومكحول ومجاهد، انظر: «مصنف عبد الرزاق» (٧/٢٦٤)، «المحلى» (٧/٥٤)، تعليقي على «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (٣/٣٣٢) .
(٥) سيأتي بيان ذلك في آخر هذه المسألة، وهناك التوثيق.
[ ٢٨٧ ]
تعيين ما حُرِّم من النساء ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، قالوا: المحصنات هنا ذوات الأزواج؛ حرَّم الله نكاحهن، إلا ما ملكت أيمانكم، أي: ما سَبيتُموه منهنَّ، فهُنَّ لكم حلالٌ بملك اليمين، وفي تأويل الآية خلافٌ وأقوالٌ غيرُ هذا، ويتأيَّد هذا التأويل بما خرّجه مسلم (١)، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أن رسول الله - ﷺ - يوم حُنين بعثَ جيشًا إلى أوطاس، فلقوا عدوًّا فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأنَّ ناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - تحرَّجوا من غشيانهنّ من أجل أزواجهنَّ من المشركين، فأنزل الله -﷿- في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، أي: فهنَّ لكم حلال إذا انقضت عِدَّتهن،
وتظاهر على هذا القول تفسير كثيرٍ من أهل العلم واختيارهم.
وروى إسماعيل القاضي عن محمد بن علي ابن الحنفيَّة مثله في سَبْي أوطاس، ورُوي القول بذلك عن ابن عباسٍ (٢)، وابن مسعود (٣)، وقاله إبراهيم (٤)، والشعبي (٥)، والحسن (٦)، وجماعةٌ غيرهم (٧) .
_________________
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب النكاح (باب حكم العَزْل) (١٤٣٨) . وأخرجه البخاري في عدة مواطن، بالأرقام: (٢٢٢٩، ٢٥٤٢، ٤١٣٨، ٥٢١٠، ٦٦٠٣، ٧٤٠٩) .
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٤/٢٦٨) -ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (١٢/٦٣) -، والحاكم في «المستدرك» (٢/٣٠٤)، وعنه البيهقي في «الكبرى» (٧/١٦٧) عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس -﵄- أنه قال في هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ﴾ قال: كل ذات زوج إتيانها زنىً إلا ما سُبِيَتْ. وانظر: «تفسير الطبري» (٥/٢)، «المغني» (٨/٤٢٧)، «أحكام القرآن» للجصاص (٢/١٣٥ و٣/٤٣٩) .
(٣) رواه الشافعي بإسناده إليه. فيما ذكر البيهقي في «الكبرى» (٧/١٦٧) .
(٤) أخرجه عنه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١/٢١٣)، وأبو يوسف في كتاب «الخراج» (ص ٢٠٧) .
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/٤٣٠- ط. دار الفكر) .
(٦) أخرجه عنه عبد الرزاق في «المصنف» (٧/٢٨٢ رقم ١٣١٨٠) وفي إسناده مجهول. وانظر: «المحلّى» (٩/٤٤٦) .
(٧) منهم: مكحول، والزهري، ونسب إلى علي -﵁-. انظر: «الدر المنثور» (٢/=
[ ٢٨٨ ]
وذهب قومٌ إلى المنع من ذلك، ولم يَروْا السِّباء مُزيلًا لِعصْمةِ الزَّوجية، وحملوا الآية على تأويلٍ غير هذا، وقال أبو محمد بن حزم (١) ببقاء الزوجية، والمنع من استباحتها، إلا أن تُسلم، فالإسلام يفسخ نكاحها، ليس السِّباء، وخصَّص الآية بهذا المعنى.
والأرجح ما ذهب إليه الجمهور؛ لما جاء من الأثر في سبب نزول الآية، وذلك يرفع الإشكال فيما تحتمله من وجوه التأويل.
ثمَّ اختلف الذين أباحوهنَّ: هل السِّباء مُطلقًا يَفسخُ نكاحها، أو ذلك بشرط أن تُسْبَى المرأة وحدها، ويبقى زوجها في دار الحرب؟ وأما إن سُبيَا معًا، فنكاحهما ثابت، وإصابة السَّيِّد لا تحلُّ؟ فقال بالإباحة مُطلقًا: الشافعي (٢)، وقال بالشرط: أبو حنيفة (٣)، ولأصحاب مالكٍ في ذلك اختلاف، والأرجح -إن شاء الله-
ما ذهب إليه الشافعيُّ، وممن (٤) قال بمثله من المالكية، منهم: ابن القاسم، وأشهب، وابن حبيب، وغيرهم (٥)؛ لأن التَّفرقة في ذلك بين سبائها مُفردةً، ومع زوجها، لا يوجد عليه دليلٌ مَرْضيٌّ.
*****
_________________
(١) = ٤٧٨ وما بعدها)، «مجمع البيان» للطبرسي الشيعي (٣/٦٧) .
(٢) في «المحلَّى» (٧/٣١٢ المسألة رقم ٩٣٩) .
(٣) في «الأم» (٧/٣٧١) . وهو مذهب الأوزاعي. وانظر: «البيان» للعمراني (١٢/١٧٤، ١٧٥)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٥٤)، «المجموع» (٢١/٢٠٠) .
(٤) لأن العلة عنده: اختلاف الدارين، والعلة عند الشافعية: حدوث الرق. انظر: «مختصر الطحاوي» (٢٨٦)، «الأوسط» لابن المنذر (١٢/٦٤) .
(٥) في الأصل: «ومن» والصواب المثبت.
(٦) انظر: «المدونة» (٢/٢١٦-٢١٧)، «جامع الأمهات» (٢٥٤)، «الكافي» (٤٦٨)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٧١) . وقال ابن المواز -من المالكية- فيما إذا سُبي الزوجان معًا، أو سُبي الزوج أوَّلًا: يبقى النكاح على حاله.
[ ٢٨٩ ]