في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما يحرم
من الانهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار؟
قال الله -﷿-: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلحُونَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٥-٤٦] .
قد جمعت هاتان الآيتان من الأمر والنهي، في الوجوب والحَظْر، وآداب القيام بالحرب؛ ما هو العُمدة، ونظام الأركان، وسبب النَّصر والفوز بالأجر.
أمر -سبحانه- بالثبوت والصبر، وهو مدَدُ الظفر والنَّصر، وبالإكثار من ذكر الله -تعالى- هنالك؛ حتى لا يغفل في عمله وجهاده عن تعاهد إرادة وجه ربِّه
-سبحانه-، وفي ذلك دَرْكُ الفوز، وجماع البركة والخير (١)، قيل: ويكون الذكر هناك بالنيِّة والقول؛ لأن رَفْعَ الصوت في موطن القتال مكروه، قيل: إلا عند الحملة الجامعة، يُراد بها استئصال قوة العدو، وقد يكون في ذلك تَزيُّدُ الإرهاب على العدو، واستجماعٌ لعزائم أهل الحملة.
ثم أمرَ تعالى بالتزام طاعته، وطاعة رسوله - ﷺ -، وذلك ملاكُ الأمر في العمل، وقوام الحكمة بطاعة الإمام في مواطن الحرب، ونهى -سبحانه- عن التنازع والخلاف، وهما سَبَبُ الفشل واختلال الأمر لا محالة، كما أعلم سبحانه في الآية، وقال الله -﵎-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] .
_________________
(١) انظر: «الوابل الصيب» (ص ٩٠- ط. الفرقان) .
[ ١٧٩ ]
قال الحسن وقتادة وغيرهما: معناه: مصابرة العدو، يعني: في الثبوت، إذا صبرَ هؤلاء، وصَبَر هؤلاء، ورابطوا أعداء الله في سبيله (١) . ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، أي: لم تؤمروا بالجهاد من غير تقوى.
وفي «الصحيحين» (٢)؛ البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تَمنَّوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبروا» .
وفي «كتاب مسلم» وأبي داود، عن عبد الله بن أبي أوفى، أنَّ رسول الله - ﷺ - في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، قال: «أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أنَّ الجنة تحت ظلال السيوف» (٣) .
فالثبوت في اللِّقاء، والصَّبر عند المسايفة فرضٌ مؤكدٌ بالقرآن والسنة والإجماع، إلا شذوذًا من الخلاف، لا وجْهَ له، نذكره بعد هذا -إن شاء الله تعالى-.
وفي هذا الحديث: النهي عن تمنِّي لقاء العدو، وذلك مما يشكل في الظاهر؛ أن يقال: كيف يُنهى عن ذلك مع كون الجهاد طاعةً مأمورًا بها، والطاعات يُثاب
_________________
(١) أخرجه ابن جرير في (٣/٢٢١- ط. دار الفكر)، وابن أبي حاتم (٣/٨٤٧ رقم ٤٦٩٠)، وابن المنذر (رقم ١٢٩١، ١٢٩٥)، وعبد بن حميد (ق ١٠١- «المنتخب») في «تفاسيرهم» . وانظر: «الدر المنثور» (٢/٤١٧-٤١٨) . وقد مضى هذا الأثر عن الحسن وقتادة.
(٢) علَّقه البخاري في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب لا تمنّو لقاء العدو) (رقم ٣٠٢٦) . وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير (باب كراهة تمني لقاء العدو) (١٧٤١) (١٩) - مطولًا.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير (باب لا تمنوا لقاء العدو) (٣٠٢٥) . و(باب كان النبي - ﷺ - إذا لم يقاتل أول النهار أخّر القتال حتى تزول الشمس) (رقم ٢٩٦٦) . ومسلم في كتاب الجهاد والسير (باب كراهة تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء) (١٧٤٢) (٢٠) . وأبو داود في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في كراهية تمني لقاء العدو) (رقم ٢٦٣١) . وأخرجه البخاري في مواطن متفرقة مختصرًا، مقتصرًا على بعض ألفاظ الحديث دون بعض (٢٨١٨، ٢٨٣٣، ٢٩٦٥، ٣٠٢٤، ٣٠٢٦، ٤١١٥، ٦٣٩٢، ٧٢٣٧، ٧٤٨٩) .
[ ١٨٠ ]
على إرادتها وتَمنِّيها؟! فقيل: يحتمل أن يكون النهي عن ذلك لما يتقى وقوعه مع حالة التمني من إضاعة الحزم، وترك الإعداد للعدو، إذ يكون مع التمنِّي استسهالٌ للأمر، وتهاونٌ بالعدو، وتركٌ للحذر، وفي ذلك ضررٌ كبير، هذا معنى ما ذكره المازري في «المُعْلِم» (١)، ولا يبعد عندي أن يقال: إنما نُهي عن ذلك؛ لأن لقاءَ العدو شِدَّة ومكروه ينزل به، وهو محلُّ ابتلاءٍ من الله -تعالى- وامتحانٌ للعبد، قال -تعالى-: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، وإذا كان كذلك، لم يؤمن أن يكون ثمَّ تَقْصيرٌ أو خذلانٌ ببعض ذنوبه، وعجزٌ عن القيام بواجب حقوقه، فقد يَفِرُّ ولاَ يصبر، وفي ذلك شقاؤه، كما قال -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] .
ثم هذا ليس من تمني الطاعات في شيء، إنما هو تمني المكاره، ليكون منه عليها صَبرٌ بزعمه، وذلك ما لا ينبغي أن يفعله أحد، هذا مع ما في تمنِّي ذلك من
الاغترار، ومُشَاكَهةِ (٢) أحوال البغي، وذلك مكروهٌ -أيضًا- (٣) .
رُوِي عن علي -﵁- أنه قال لابنه: يا بُنَيَّ، لا تَدعونَّ أحدًا إلى المبارزة، ومن دعاك إليها فاخرج إليه؛ لأنه باغٍ، والله -تعالى- قد تضمَّن نصرَ من بُغي عليه (٤) .
_________________
(١) «المُعلم بفوائد مسلم» لأبي عبد الله المازري (٣/١١ رقم ٧٩٧) .
(٢) شاكَهَهُ مشاكهةً وشكاهًا: شابَهَهُ، وشاكَلَهُ، وقارَبَه. وتشاكها: تشابها. انظر: «القاموس المحيط» (ص ١١٢٤- ط. دار الفكر) .
(٣) قال الإمام النووي في «شرح صحيح مسلم» (١٢/٦٨- ط. مؤسسة قرطبة) ما نصُّه: «إنما نَهَى عن تمني لقاء العدو، لما فيه من صورة الإعجاب، والاتكال على النفس، والوثوق بالقوة، وهو نوع بغي، وقد ضمن الله لمن بُغي عليه أن ينصره، ولأنه يتضمن قلّة الاهتمام بالعدو واحتقاره، وهنا يخالف الاحتياط والحزم» ا. هـ.
(٤) ذكره ابن قتيبة في «عيون الأخبار» (١/٢١٠) معلقًا عن العتبي عن أبيه قال: قال علي وذكره. وهذا إسناد تالف. =
[ ١٨١ ]
فَلِمِثْلِ هذا المعنى يحتمل أن يكون النبي - ﷺ - نهى عن ذلك، ألا تَرَى إلى قوله: «واسألوا الله العافية»، أي: لا تتمنوا المكاره، وأنتم لا تعلمون ما يؤول أمركم إليه فيها، ثم أمر - ﷺ - بالصَّبْر إذا وقع الابتلاء بذلك من الله -تعالى-، فذلك هو المنجاة والفوز في الآخرة والدنيا، فهذا وجهٌ ظاهرٌ حسنٌ، هو عندي أرجحُ وأَولَى وأَبْيَنُ في حملِ الكلام على هذا المعنى، والله أعلم.
في دواعي الصبر والتفويض، وما يستحب من الشجاعة
ويُذمُّ من الجُبن
قال الله -تعالى-: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥١-٥٢]، وقال -تعالى-: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨]، وقال -تعالى-: ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥] .
خرَّج مسلم (١)، عن أنسٍ، قال: كان رسول الله - ﷺ - أحسنَ الناس، وكان أجودَ
الناس، وكان أشجعَ الناس، ولقد فزع أهلُ المدينة ذات ليلة، فانطلق ناسٌ قِبَلَ الصوت، فتلقاهم رسول الله - ﷺ - راجعًا، وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرسٍ لأبي طلحة عُرْيٍ، في عُنقه السيف، وهو يقول: «لم تُراعوا، لم تُراعوا» . قال: «وجدناه بَحْرًا -أو: إنه لَبَحْر-» . قال: وكان فرسًا يُبَطَّأ.
_________________
(١) = وهو -بغير إسناد- في «العقد الفريد» (١/٩٤) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الفضائل (باب في شجاعة النبي - ﷺ -، وتقدمه للحرب) (٢٣٠٧) (٤٨) . وأخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير (باب الشجاعة في الحرب والجبن) (رقم ٢٨٢٠) . و(باب الحمائل وتعليق السيف بالعنق) (رقم ٢٩٠٨) . و(باب إذا فزعوا بالليل) (رقم ٣٠٤٠) . وفي كتاب الأدب (باب حسن الخلق والسخاء، وما يكره من البخل) (٦٠٣٣) .
[ ١٨٢ ]
البخاري (١)، عن أنسٍ، [قال]: كان النبي - ﷺ - يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجزِ والكَسَلِ، والجُبْنِ والهرم، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من عذاب القبر» .
أبو داود (٢)، عن أبي هريرة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «شَرُّ ما في رجلٍ: شُحٌّ هالعٌ (٣)، وجُبْنٌ خالعٌ (٤)» .
وفي «كتاب مسلم» (٥) في حديث عباسٍ عن يوم حنين، قال: ، فلمَّا التقى المسلمون والكفار، ولَّى المسلمون مُدبرين، فَطَفِق رسول الله - ﷺ - يُرْكِضُ بَغْلَتَه قِبَلَ الكفار الحديثُ.
وفيه (٦) في بعض طرق الحديث عن يوم حُنين، قال البراء: كُنّا والله إذا احمَّر البأسُ نتَّقي به، وإن الشجاع منَّا الَّذي يُحاذى به -يعني: النبي - ﷺ - -.
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (رقم ٢٨٢٣) . وأخرجه بنحوه (رقم ٤٧٠٧، ٦٣٦٧، ٦٣٧١) . وأخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء (باب التعوذ من العجز والكسل وغيره) (٢٧٠٦) .
(٢) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في الجرأة والجبن) (رقم ٢٥١١) من طريق موسى بن عُلَيّ بن رباح، عن أبيه، عن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، عن أبي هريرة. وأخرجه أحمد (٢/٣٠٢، ٣٢٠)، وعبد بن حُميد (١٤٢٨)، وابن أبي شيبة (٩/٩٨)، وإسحاق ابن راهويه (٣٤١)، والجصاص في «أحكام القرآن» (١/٢٢٨)، وابن حبان (٣٢٥٠)، والبيهقي (٩/ ١٧٠)، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/٥٠) من طرقٍ عن موسى بن عُليٍّ، به، وأورده البخاري من طريق موسى بن علي في «التاريخ الكبير» (٦/٨-٩) . وإسناده لا بأس به. وقد صححه شيخنا الألباني في «صحيح أبي داود»، و«السلسلة الصحيحة» (٥٦٠) .
(٣) هالع: أشدّ الجزع والضجر، انظر: «النهاية» (٥/٢٦٩) .
(٤) الخالع: أي الشديد، كأنه يخلع فؤاده من شدّة خوفه، وهو مجاز في (الخَلْع)، والمراد به ما يعرض من نوازع الأفكار وضعف القلب عند الخوف، انظر: «النهاية» (٢/٦٤) .
(٥) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب في غزوة حنين) (١٧٧٥) (٧٦) .
(٦) مسلم (١٧٧٦) (٧٩) .
[ ١٨٣ ]
وروى أبو عبيد (١)، عن علي -﵁- قال: كُنَّا إذا احمرَّ البأسُ اتَّقينا
_________________
(١) في «غريب الحديث» (٣/٤٧٩- ط. دار الكتاب العربي)؛ قال: حدثنيه أبو النضر، عن أبي خيثمة، عن أبي إسحاق -هو: السبيعي-، عن حارثة بن مضرب، عن علي. وأخرجه بهذا اللفظ نحوه: أحمد في «المسند» (١/١٥٦)، والنسائي في «الكبرى» -كما في «تحفة الأشراف» (٧/٣٥٧) -، وأبو يعلى في «المسند» (١/٢٥٨رقم ٣٠٢)، وأبو الشيخ في «أخلاق النبي - ﷺ -» (رقم ١٠٤)، وابن أبي الدنيا في «مكارم الأخلاق» (ص٣٤)، والحاكم في «المستدرك» (٢/١٤٣)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٣/٢٥٨)، وأبو القاسم البغوي في «الجعديات» (٢/٩٢٤/ ٢٦٥٥) -ومن طريقه أبو محمد البغوي في «معالم التنزيل» (١/٢٠٥- ط. دار الفكر)، وفي «شرح السنة» (١٣/٢٥٧ رقم ٣٦٩٨) -، وابن أبي شيبة في «مسنده» -كما في «إتحاف الخيرة المهرة» (٩/٩١ رقم ٨٦٢٢) -، والحارث بن أبي أسامة في «مسنده» -كما في «بغية الباحث» (٩٤٢)، و«إتحاف الخيرة» -، والطيالسي -كما في «الإتحاف» (رقم ٨٦٢١) - من طرقٍ عن أبي إسحاق السبيعي، به. وأبو إسحاق السبيعي، وثقه: أحمد، وابن معين، والعجلي، والنسائي، وأبو حاتم، وغيرهم. وقال جرير عن مغيرة: ما أفسد حديث أهل الكوفة غير أبي إسحاق، والأعمش، وتعقبه الذهبي بقوله: لا يسمع قول الأقران بعضهم في بعض. وقال ابن الصلاح: «اختلط»، ونفى ذلك الذهبي، فقال: «شاخَ ونسيَ ولم يختلط» . وقال ابن حجر: ثقة عابد، اختلط بأخرة. وقال في: «طبقات المدلسين»: مشهور بالتدليس، وهو تابعي ثقة، وصفه النسائي، وغيره بذلك. انظر: «الثقات» للعجلي (ص ٣٦٦)، و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٦/٢٤٢)، و«علوم الحديث» لابن الصلاح (ص ٣٥٣)، و«السير» (٥/٣٩٢)، والميزان (٣/٢٧٠)، كلاهما للذهبي، و«التقريب» (ص ٤٠٣)، و«الكواكب النيرات» (ص ٣٤١)، و«تعريف أهل التقديس» (ص ١٠١) . قلت: قد صرَّح بالسماع، كما في رواية الطيالسي. فحديثه حسن -إن شاء الله-، ويشهد له حديث البراء -وقد مضى قبله-. وقال علي -﵁-: «لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله - ﷺ -، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشدِّ الناس بأسًا» . أخرجه أحمد (١/٨٦ و١٢٦)، وابن أبي شيبة (١٢/٢٣٣ و١٤/٣٥٧ و٣٥٨) -وعنه ابن أبي عاصم في «الجهاد» (رقم ٢٥١) -، وأبو الشيخ في «أخلاق النبي - ﷺ -» (رقم ١٠٣)، وأبو يعلى في «المسند» (١/٣٢٩ رقم ٤١٢)، وابن سعد في «الطبقات» (٢/٢٣)، والطبري في «التاريخ» (٢/٤٢٦)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (١/٣٢٤ و٣/٦٩)، والبغوي في «شرح السنة» (٣/٢٥٨)؛ من طرقٍ عن أبي إسحاق، به. =
[ ١٨٤ ]
برسول الله - ﷺ -، فلم يكن أحدٌ مِنّا أقربَ إلى العدوِّ منه.
وفي البخاري (١)، عن جابر بن عبد الله، أنه غزا مع النبي - ﷺ -، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العِضَاه، فتَفرَّقَ الناس في العِضاه، يَسْتَظلون بالشجر، فنزل رسول الله تحت شجرة، فعلَّق بها سَيْفَه، ثم نام، فاستيقظ، ورَجلٌ عنده، وهو لا يشعر به، فقال النبي - ﷺ -: «إنَّ هذا اخترَطَ سيفي، فقال: من يمنعك؟ قلت: الله، فَشَامَ السَّيْفُ، فها هو ذا جالسٌ» . ثم لم يعاقبه.
وفي «الموطأ» (٢) عن مالكٍ، عن يحيى بن سعيد، أنَّ عمر بن الخطاب
قال:
_________________
(١) = وقوله: «احمَرَّ البأس»، أي: اشتد الحرب. يقال: موت أحمر، أي: شديد. وقوله: «اتقينا برسول الله - ﷺ -»، أي: جعلناه واقيةً لنا من العدو. انظر: «شرح السنة» (١٣/٢٥٨) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب تفرق الناس عن الإمام عند القائلة، والاستظلال بالشجر) (رقم ٢٩١٣) . وأخرجه في كتاب الجهاد والسير (باب من علّق سيفه بالشجر في السّفر عند القائلة) (رقم ٢٩١٠) . وأخرجه (رقم ٤١٣٤، ٤١٣٥، ٤١٣٦)، ومسلم (٨٤٣) .
(٣) في كتاب الجهاد (باب ما تكون فيه الشهادة) (ص ٢٩٤ رقم ٥٢٧- ط. دار إحياء التراث) . وأخرجه ابن أبي شيبة (٨/٥٢٠)، وابن المرزبان في «المروءة» (رقم ١٥- مطولًا، ورقم ١٣، ١٤، ١٦، ١٧- مختصرًا) -وكما في «كنز العمال» (٣/٧٨٩ رقم ٨٧٦٥) -، والبيهقي في «الكبرى» (١٠/١٩٥)، و«الشعب» (٤/١٦٠ رقم ٤٦٥٨) . وقال: هذا الموقوف إسناده صحيح. وقد روي عن سمرة بن جندب، مرفوعًا: «الحسب المال، والكرم التقوى» . أخرجه أحمد (٥/١٠)، وابن ماجه (٤٢١٩)، والترمذي (٣٢٧١)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ١٩٠)، وابن أبي الدنيا في «مكارم الأخلاق» (٤)، وابن أبي عاصم في «الزهد» (٢٢٩)، والطبراني في «الكبير» (٦٩١٢ و٦٩١٣)، والدارقطني (٣/٣٠٢)، والحاكم (٢/١٦٣ و٤/٣٢٥)، والبيهقي في «الكبرى» (٧/١٣٥-١٣٦)، والبغوي في «شرح السنة» (٣٥٤٥)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٢١)؛ من طرقٍ عن قتادة، عن الحسن -وهو: البصري-، عن سمرة، به. وقال الترمذي: «حسن صحيح غريب» . وحسّنه البغوي، وصححه الحاكم! وفي رواية الحسن عن سمرة بن جندب؛ خلاف، ففي صحيح البخاري، عقب حديث رقم (٥٤٧٢)؛ سماعه منه لحديث العقيقة، وقد روى عنه نسخة كبيرة، غالبها في «السنن الأربعة»، وعند =
[ ١٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = علي بن المديني أن كلها سماع، وكذلك حكى الترمذي عن البخاري نحو هذا. وقال الذهبي في «السير» (٤/٥٨٧): «اختلف النقاد في الاحتجاج بنسخة الحسن، عن سمرة، وهي نحو من خمسين حديثًا » . وقال يحيى بن سعيد القطان، وجماعة كثيرون: هي كتاب، وذلك لا يقتضي الانقطاع، وفي «مسند الإمام أحمد»: ثنا هشيم، عن حميد الطويل، قال: جاء رجل إلى الحسن البصري، فقال: عبدًا له أَبَقَ، وأنه نذير إن قدر عليه أن يقطع يده، فقال الحسن: ثنا سمرة، قال: قَلَّما خطبنا رسول الله - ﷺ - خطبة إلا أمر فيها بالصدقة، ونهى عن المثلة» . وهذا يقتضي سماعه من سمرة، لغير حديث العقيقة. وانظر: «تحفة التحصيل» لأبي زرعة العراقي (ص ٧٦)، و«جامع التحصيل» (١٦٢)، و«المراسيل» (٣١)، و«تهذيب الكمال» (٦/٩٥) . وانظر -أيضًا- في مسألة سماع الحسن من سمرة: «نصب الراية» (١/٨٩-٩٠)، و«معجم الطبراني الكبير» (٧/١٩٣) . وفي الباب عن أبي هريرة، مرفوعًا: «كرم الرجل دينه، ومروءته عقله، وحَسبُه خلقه» . أخرجه أحمد في «المسند» (٢/٣٥٦)؛ من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة. وإسناده ضعيف. فمسلم بن خالد: سيء الحفظ، كثير الأوهام. وأخرجه ابن أبي الدنيا في «مكارم الأخلاق» (رقم ١)، وفي «العقل وفضله» (رقم ٤)، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» (ص٤)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٨٣- الإحسان)، وفي «روضة العقلاء» (٢٢٩)، وابن عدي في «الكامل» (٤/١٤٤٦ و٦/٢٣١٣)، والدارقطني (٣/٣٠٣)، والحاكم (١/١٢٣ و٢/١٦٣)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٩٠)، والبيهقي في «السنن» (٧/١٣٦ و١٠/١٩٥)، وفي «الشعب» (٨٠٠٨ و٨٠٣٠)، وفي «الآداب» (١٩٩)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (ص ١١٠)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١٠٠٣)، والنجم النسفي في «القند» (٣٠)، وابن اللمش في «تاريخ دُنيسر» (٦٦-٦٧)، وابن أبي يعلى في «ذيل طبقات الحنابلة» (١/١٤٠)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٥/٢٤٥)، من طريقين ضعيفين، في أحدهما مسلم بن خالد، وقد مضى الكلام عليه. وفي الآخرعبد الله بن زياد -وهو ابن سليمان بن سمعان- متروك الحديث. وصححه الحاكم على شرط مسلم، فتعقبه الذهبي في الموضعين بتضعيف مسلم بن خالد الزنجي، وبأن مسلمًا لم يخرج له شيئًا. وأخرجه الطبراني في «الأوسط» (٦٦٨٢) من طريق روَّاد بن الجراح، عن أبي غسان محمد ابن مطرف، عن محمد بن عجلان، عن خالد بن اللجلاج، عن أبي هريرة. وخالد بن اللجلاج هذا الذي يرويه عن أبي هريرة يقال له -أيضًا-: حصين بن اللجلاج، وهو شيخ مجهول. =
[ ١٨٦ ]
«كَرَمُ المؤمن تقواه، ودِينُهُ حسبُهُ، ومروءته خُلُقهُ، والجُرأةُ والجبنُ غرائزُ يضعها الله حيثُ يشاء، فالجبانُ يَفِرُّ عن أبيه وأمِّهِ، والجريءُ يقاتل عمَّن لا يؤوبُ به إلى رَحْلِهِ، والقَتْلُ حتفٌ من الحُتُوفِ، والشَّهيدُ مَنِ احْتَسَبَ نَفْسَهُ على الله» .
ويُروى أنا أبا بكر -﵁- قال لخالدٍ حين وجهه إلى قتال أهل الردَّة: «احرص على الموت تُوهب لك الحياة» (١) .
وأوصى بعض الأمراء (٢) جيوشه فقال لهم: «أشْعِروا قلوبكم الجرأة على العدو؛ فإنها سببُ الظفر، وأكثروا ذكر الضغائن (٣)، فإنها تَحُضُّ على الإقدام، والزموا الطاعة؛ فإنها حصنُ المحارب» .
وكان يقال: قوة النفس في الحرب؛ أبلغ من قوة البدن.
_________________
(١) = وأخرجه البزار (٣٦٠٧- كشف الأستار)، وأبو يعلى (٦٤٥١)، وابن حبان في «المجروحين» (٣/٤١)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٢٩٧) من طريق معدي بن سليمان، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة. ولفظ البزار: «حسب المرء ماله، وكرمه تقواه»، أو قال: «الحسب المال، والكرم التقوى»، ولفظ أبي يعلى: «كرم المؤمن تقواه، ومروءته عقله، وحسبه دينه، والجبن والجرأة غرائز يضعها الله -﷿- حيث يشاء، فالجبان يفر من أبيه وأمه، والجريء يقاتل عما لا يبالي أن يؤوب به إلى أهله»، ولفظ القضاعي: «كرم المؤمن تقواه، ومروءته خُلقه، ونسبه دينه، والجبن والجرأة يضعها الله حيث يشاء» . وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف معدي بن سليمان. وأخرجه التيمي في «الترغيب» (٦٨٤) عن ابن عمر مرفوعًا، وأورد نحوه ابن عبد البر في «بهجة المجالس» (٢/٦٤٢) . وقال عقبه: «ويروى نحو هذا من كلام عمر -أيضًا-» .
(٢) هذا الخبر في «البيان والتبيين» (٣/١٧٠)، و«عيون الأخبار» (١/٢٠٦، ٢٠٨- ط. دار الكتب العلمية)، و«أنساب الأشراف» (١١٠-١١١- «أخبار الشيخين») - مطولًا. وأخرجه الدينوري في «المجالسة» (رقم ٦٧١- بتحقيقي)، قال: قال سفيان: وقال أبو بكر الصديق -﵁- لخالد بن الوليد -﵀-: وذكره. وإسناده ضعيف، فبين سفيان وأبي بكر الصديق مفاوز.
(٣) هو أبو مسلم الخراساني، نسبه له ابن قتيبة في «عيون الأخبار» (١/٢١٨)، وابن عبد ربه في «العقد الفريد» (١/١٢٠) .
(٤) أثبتها الناسخ «الظعائن»، وقال في الهامش: «الأولى: الضغائن» .
[ ١٨٧ ]
وما أحسن ما قال قَطَريُّ بن الفُجاءة (١) في استدفاع الجُبْنِ، واستعمال الصَّبْر والتَّأسِّي، يخاطب نفسه:
أقول لها وقد طارت شَعاعًا مِنَ الأَبْطالِ وَيْحَكِ لا تُراعي
فإنكِ لو سألتِ بقاءَ يَوْمٍ على الأَجَلِ الذي لك لَمْ تُطاعي
ما يجوز للرجل من الحمل وحده على جيش العدو، وتأويل
قول الله -تعالى-: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
خرَّج أبو دواد (٢)، عن أسلم أبي عمران قال: غزونا المدينة -يريد
_________________
(١) قطري بن الفُجاءة. الأمير أبو نعامة التميمي المازني، البطل المشهور، رأس الخوارج. خرج زمن ابن الزبير، وهزم الجيوش، واستفحل بلاؤه، وله وقائع مشهودة، وشجاعة لم يُسمع بمثلها. وأبوه الفُجاءة: هو إياس بن عبد الله بن عبد ياليل، حرقه أبو بكر -﵁- وهو مقموط؛ لأنه زعم أنه أسلم، فجَهَّزه أبو بكر بجيش، فلما سار؛ جعل لا يمر بمسلم؛ ولا مرتدٍ؛ إلا قتله؛ وأخذ ماله. [انظر قصته في «البداية والنهاية» (٦/٣٤٤)] . والبيتان منسوبان لقطري في: «عيون الأخبار» (١/٢٠٧- ط. دار الكتب العلمية)، و«العقد الفريد» (١/١٠٥)، و«أمالي المرتضى» (١/٦٣٦)، و«شرح التبريزي» (١/٩٦)، و«المجالسة» (٤/ ٣٧٨-٣٧٩- بتحقيقي)، و«شرح نهج البلاغة» (٣/٢٧٧)، و«حماسة الخالديين» (١/١١٦)، و«لباب الآداب» (٢٢٤)، و«التذكرة السعدية» (٧٠-٧١)، و«وفيات الأعيان» (٤/٩٤)، و«السير» (٤/١٥١)، و«التذكرة الحمدونية» (٢/٤٠٥)، و«نهاية الأرب» (٣/٢٢٧)، و«بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب» (١/١٠٦) . والثاني في: «حلية المحاضرة» (١/٣٥٢) . وهما من مشهور شعر ابن الفجاءة، وهما مطلع قصيدة فريدة من الحماسة. وانظر: «ديوان شعر الخوارج» (١٢٢-١٢٣) -وفيه تخريج مسهب-.
(٢) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في قوله -تعالى-: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾) (رقم ٢٥١٢) . وأخرج نحو القصة: الترمذي في «جامعه» (رقم ٢٩٧٢) -وقال: «حسن صحيح غريب» -، والنسائي في «الكبرى» (٦/٢٩٨-٢٩٩ رقم ١١٠٢٨)، والطيالسي (٥٩٩)، وأبو يعلى (٦٤٥١)، والطبري (٣١٧٩ و٣١٨٠)، وابن أبي حاتم (١/٣٣٠) في «تفسيريهما»، والبيهقي في (الكبرى» (٩/ ٩٩)، وابن عبد الحكم في «فتوح مصر» (ص ٢٦٩-٢٧٠)، والجصاص في «أحكام القرآن» (١/ ٣٢٧)، وابن حبان في «صحيحه» (١١/٩-١٠ رقم ٤٧١١- «الإحسان»)، والطبراني في «الكبير» =
[ ١٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = (٤٠٦٠)، والحاكم (٢/٨٤، ٢٧٥)، والبيهقي (٩/٩٩) . وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (١/٥٠٠) إلى ابن المنذر، وابن مردويه، وعبد بن حميد. وانظر: «صحيح سنن أبي داود» لشيخنا الألباني -﵀-، و«السلسلة الصحيحة» (١٣) . قال ابن تيمية في «قاعدة في الانغماس في العدو» (ص ٦١ وما بعد): وقد أنكر أبو أيوب على من جعل المُنْغَمِس في العدو ملقيًا بيده إلى التهلكة دون المجاهدين في سبيل الله ضد ما يتوهمه هؤلاء الذين يحرفون كلام الله عن مواضعه؛ فإنهم يتأولون الآية على ما فيه ترك الجهاد في سبيل الله. والآية إنما هي أمرٌ بالجهاد في سبيل الله، ونهيٌّ عما يصد عنه، والأمر في هذه الآية ظاهرٌ كما قال عمر وأبو أيوب وغيرهما من سلف الأمّة؛ وذلك أن الله قال قبل هذه الآية: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُم وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩٠-١٩١] . وقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للَّهِ فَإِنِ انْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ. وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣-١٩٥] . فهذه الآيات كلها في الأمر بالجهاد في سبيل الله وإنفاق المال في سبيل الله، فلا تُناسب ما يضاد ذلك من النّهي عمّا يكمل به الجهاد وإن كان فيه تعريض النفس للشهادة، إذ الموت لا بدَّ منه، وأفضل الموت موت الشهداء. فإن الأمر بالشيء لا يناسب النهي عن إكماله، ولكن المناسب لذلك النهي عما يُضلّ عنه؛ والمناسب لذلك: ما ذكر في الآية من النهي عن العدوان، فإنّ الجهاد فيه البلاء للأعداء؛ والنفوس قد لا تقف عند حدود الله بل تتبع أهواءها في ذلك، فقال: ﴿وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] . فنهى عن العدوان؛ لأن ذلك أمرٌ بالتقوى، والله مع المتقين كما قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤] . وإذا كان الله معهم نصرهم وأيّدهم على عدوهم فالأمر بذلك أيسر، كما يحصل مقصود الجهاد به. وأيضًا فإنه في أول الآية قال: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . وفي آخرها قال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] . =
[ ١٨٩ ]
القسطنطينية- وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم مُلصِقوا ظهورهم بحائط المدينة، فحمَلَ رجلٌ على العدو، فقال الناس: مَهْ مَهْ، لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار؛ لما نصر الله -﷿- نبيه - ﷺ -، وأظهر الإسلام، قلنا: هَلُمَّ نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله -﷿-: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية.
وقد اختلف في تأويل الآية؛ ذكر إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن» عن حفص، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء: قال: قلت: أرأيت قول الله -﷿-: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، أهو الرجل يحمل على
_________________
(١) = فدلَّ ذلك على ما رواه أبو أيوب من أن إمساك المال والبخل عن إنفاقه في سبيل الله والاشتغال به هو التهلكة. وأيضًا؛ فإنَّ أبا أيوب أخبر بنزول الآية في ذلك؛ لم يتكلم فيها برأيه، وهذا من ثاني روايته عن النبي - ﷺ - وهو حجة يجب اتباعها. وأيضًا؛ فإن التهلكة والهلاك لا يكون إلا بترك ما أمر الله به أو فعل ما نهى الله عنه. فإذا ترك العباد الذي أُمِروا به، واشتغلوا عنه بما يصدهم عنه؛ من عمارة الدنيا؛ هكلوا في دنياهم بالذل وقهر العدو لهم، واستيلائه على نفوسهم وذراريهم وأموالهم، وردِّه لهم عن دينهم، وعجزهم حينئذٍ عن العمل بالدين، بل وعن عمارة الدنيا وفتور هممهم عن الدّين، بل وفساد عقائدهم فيه. قال -تعالى-: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] . إلى غير ذلك من المفاسد الموجودة في كل أمة لا تقاتل عدوها سواء كانت مسلمة أو كافرة. فإنّ كل أمّة لا تقاتل فإنها تهلك هلاكًا عظيمًا باستيلاء العدو عليها وتسّلطه على النفوس والأموال. وترك الجهاد يوجب الهلاك في الدنيا كما يشاهده الناس، وأما في الآخرة فلهم عذاب النّار» .
[ ١٩٠ ]
الكَتِيبة فيها أَلْفٌ؟ قال: لا، ولكن الرجل يذنب، فيلقي بيده ويقول: لا توبة (١) .
وذكر إسماعيل -أيضًا- عن سهل (٢) بن عوفٍ قال: قيل لعمر بن الخطاب: إن مدرك بن عوف سَرى بنفسه يوم نهاوند! قال: فقلتُ: يا أمير المؤمنين: ذلك خالي، وناسٌ يزعمون أنه ألقى بيده إلى التهلكة! فقال عمر: كذب أولئك، ولكنه من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا (٣) .
_________________
(١) أخرجه أبو إسحاق الفزاري في «السير» (رقم ٣٢٣)، وابن أبي حاتم (١/٣٣٢ رقم ١٧٤٨)، وابن جرير (٢/٢٠٢، ٢٠٣) في «تفسيريهما»، والبيهقي في «الكبرى» (١٣٩٧٢- «مهذب السنن»)، وابن حزم في «المحلى» (٧/٢٩٤)؛ من طرقٍ عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء -﵁-. وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (١/٥٠٠) إلى وكيع، وسفيان بن عيينة، والفريابي، وعبد ابن حميد، وابن المنذر في «تفاسيرهم» . وصحَّحه الذهبي في «مهذب السنن» إلى شعبة عن أبي إسحاق. وقال ابن أبي حاتم: وعن النعمان بن بشير، وعبيدة السلماني، والحسن البصري، وأبي قلابة، ومحمد بن سيرين، نحو ذلك. وأثر النعمان بن بشير عند البيهقي في «الكبرى» (١٣٩٧٣- «مهذب السنن»)، والشعب، والطبراني، وعزاه السيوطي في «الدر» (١/٥٠١) إلى ابن المنذر، وابن مردويه. وأثر عَبيدة السلماني أخرجه ابن جرير (٢/٢٠٣)، وأبو إسحاق الفزاري في «السير» (رقم ٣٢٤)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (١/٥٠١) إلى وكيع، وعبد بن حميد في «تفسيرهما» . وانظر: «أحكام القرآن» (١/٣٢٧) للجصاص، و«تفسير مجاهد» (١/٩٩)، و«السير» للفزاري (ص ٢٠٨-٢١٣) .
(٢) كتب الناسخ في الهامش: «لعلها في (الأصل): سعيد، فإنها غير واضحة، أو شُمَيل» . قلت: وسيأتي الصواب في ذكره في التخريج.
(٣) أخرجه البيهقي في «الكبرى» (٩/٤٥-٤٦)؛ من طريق يعلى بن عُبيد، وأحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (رقم ٢١٩٥- مختصرًا)، عن هشيم، ورقم (٢١٩٦) عن يزيد بن هارون، ورقم (٢١٩٧) عن وكيع، وأبو إسحاق الفزاري في «السير» (رقم ٣١٦) جميعهم عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن مدرك بن عوف الأحمسي، عن عمر -ولم يذكر وكيع مدركًا-، به. وفيه: أن مدرك بن عوف هو الذي كان عند عمر، فذكروا رجلًا -وسماه الفزاري (عوف بن =
[ ١٩١ ]
وخرَّج أبو داود (١) عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) = أبي فلان) - شرى نفسه يوم نهاوند، فقال: ذاك والله ياأمير المؤمنين خالي وصحَّح الذهبي إسناده في «مهذب السنن» (٧/٣٥٦٣ رقم ١٣٩٧٤)، إلى يَعْلى بن عُبيد، وصحَّحه ابن حجر في «الإصابة» (٣/١٢٢) وعزاه لابن أبي شيبة. وأخرجه البيهقي -أيضًا- (٩/٤٦) من طريق يعقوب بن سفيان، ثنا ابن عثمان، أنبأ عبد الله، أنبا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن حصين بن عوف، عن عمر، نحوه. وفيه أن الذي كان عند عمر اسمه: مالك بن عوف، وليس مدرك بن عوف. وقال البيهقي: قال يعقوب: مالك أشبه. وتعقبه التركماني في «الجوهر النقي» فقال: قلت: ذكره -أي: مدرك- ابن ابن أبي حاتم في كتابه [٨/٣٢٧]، وابن حبان في «الثقات» [٣/٣٨٢، ٥/٤٤٥]، وأبو عمر في «الاستيعاب» فقال: مدرك بن عوف، ولم يقل أحدٌ منهم: مالك. وعند البيهقي أن المقتول هو: عوف بن أبي حية، وهو: أبو شبل. وقال الذهبي في «مهذب السنن» (٧/٣٥٦٣): «ورواه ابن المبارك عن أبي خالد، وذكره»، واستدل أحمد في «مسائل صالح» (٢/٤٦٩ رقم ١١٧٨) بأثر عمر هذا، وهذا يدل على صحته عنده. وأخرجه ابن جرير (٤/٢٤٩ رقم ٤٠٠٤- ط. شاكر)، وابن أبي حاتم (٢/٣٦٩ رقم ١٩٤٠) من طريق طارق بن عبد الرحمن، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة، به. وعزاه في «كنز العمال» (١١٣٢٨) إلى وكيع وعبد بن حميد -أيضًا-.
(٢) كتاب الجهاد (باب في الرجل يشري نفسه) (رقم ٢٥٣٦) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد -هو ابن سلمة-، أخبرنا عطاء بن السائب، عن مُرَّة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، به. وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢/١١٢)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/٤٩)؛ من طريق حماد، به. وعطاء بن السائب. قال الحافظ في «التقريب»: «صدوق اختلط» . ورواية حماد عنه قبل اختلاطه، إذ سماعه منه قديم. انظر: «المعرفة والتاريخ» (٣/٨٤) . فحديثه حسن -إن شاء الله-. وانظر: «صحيح أبي داود» لشيخنا الألباني -﵀-. وورد الحديث مطولًا من طرقٍ، عن حماد بن سلمة، به. بلفظ: «عجب ربنا من رجلين: رجلٌ ثار من فراشه ولحافه، من بين أهله وحَيِّه إلى صلاته، فيقول ربنا: أيا ملائكتي، انظروا إلى عبدي، ثار من فراشه، ووِطَائِهِ، ومن بين حيِّه وأهله إلى صلاته، رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي، ورجلٌ غزا الحديث» . أخرجه أحمد (١/٤١٦)، وابن أبي شيبة (٥/٣١٣) -ومن طريقه ابن أبي عاصم في «الجهاد» (رقم ١٢٥)، و«السنة» (رقم ٥٦٩)، والحسن بن موسى الأشيب في «أحاديثه» (رقم ٢)، والطبراني في «الكبير» (١٠ رقم ١٠٣٨٣) -. =
[ ١٩٢ ]
«عجب
ربنا من رجلٍ غزا في سبيل الله، فانهزم -يعني: أصحابه- فَعَلِمَ ما عليه، فرجع حتى أهريق دمه، فيقول الله -﷿- لملائكته: انظروا إلى عبدي! رجع رَغْبَةً فيما عندي، وشفقةً مما عندي، حتى أُهريق دَمُه» .
واختلف أهل العلم في حمل الرجل وحده على الجيش والعدد الكثير من العدو؛
فأقول: أحوال الذي يحمل وحده ثلاث:
_________________
(١) = وأخرجه أبو يعلى (٩ رقم ٥٢٧٢، ٥٣٦١)، وعثمان بن سعيد الدارمي في «الرد على المريسي» (ص ٢٠٢)، وابن خزيمة في «التوحيد» (٢/٨٩٥)، وابن حبان (٤ رقم ٢٥٤٨، ٢٥٤٩)، والشاشي في «مسنده» (رقم ٨٧٦)، وأبو نعيم (٤/١٦٧)، والبيهقي (٩/١٦٤)، وفي «الأسماء والصفات» (٢ رقم ٩٨٤)، والبغوي في «شرح السنة» (٤ رقم ٩٣٠)، وفي «التفسير» (٥/٢٢٥)، والمقدسي في «فضل الجهاد والمجاهدين» (٢٠) . قال أبو نعيم عقبه: «هذا حديث غريب، تفرد به عطاء عن مُرَّة، وعنه حماد بن سلمة» . قلت: عارض بعضهم رواية أبي عبيدة الموقوفة برواية حماد المرفوعة، وقدَّم الرفع ورجَّحه بقوة على الوقف!! وقفه خالد بن عبد الله عن عطاء. وروى هذا الحديث قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن مُرّة، عن عبد الله مرفوعًا، تفرَّد به يحيى الحِمَّاني، عن قيس. ورواه إسرائيل، واختلف عنه؛ فقال أحمد بن يونس: عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، وأبي الكنود، عن عبد الله موقوفًا، كما عند الدارمي في «الرد على المريسي» (ص ١٨٠) . وقال يحيى بن آدم: عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة وأبي الكنود موقوفًا، والصحيح هو الموقوف، قاله الدارقطني في «العلل» (٥ رقم ٨٦٩) . وأخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (رقم ٨٦٧) من طريق أبي الأحوص، ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود قوله. قلت: متابعة إسرائيل لشريك تقوي الموقوف، وكذا رواية معمر، عن أبي إسحاق، به، التي أخرجها عبد الرزاق في «المصنف» (١١ رقم ٢٠٢٨١)، ومن طريقه الطبراني في «الكبير» (٩ رقم ٨٧٩٨) . * فائدة مهمة: قال ابن النحاس في «مشارع الأشواق» (١/٥٣٢): «ولو لم يكن في الباب إلا هذا الحديث الصحيح؛ لكفانا في الاستدلال على فضل الانغماس» .
[ ١٩٣ ]
- حال اضطرار، وذلك حيث يحيط به العدو، فهو يخاف تَغَلُّبَهم عليه، وأَسْرَهُم إياه، فذلك جائزٌ أن يحمل عليهم باتفاق.
- وحالٌ يكون فيها في صفِّ المسلمين ومنعتهم، فيحمل؛ إرادةَ السُّمعة والاتصافَ بالشَّجاعة، فهذا حرام باتفاق.
- وحالٌ يكون كذلك مع المسلمين، فيحمل غضبًا لله، مُحتسبًا نفسه عند الله، ففي هذا اختلف أهل العلم، فمنهم من كَرِهَ حَمْلَه وحده، ورآه مما نهى الله عنه من الإلقاء باليد إلى التهلكة، ومنهم من أجاز ذلك واسْتَحْسَنه، إذا كانت به قوة، وفي فِعله ذلك منفعةٌ، إمَّا لنكاية (١) العدوِّ أو تَجرئةِ المسلمينَ؛ حتَى يفعلوا مثل ما فَعَل، أو: إرهابِ العدوِّ؛ ليعلموا صلابة المسلمين في الدِّين (٢) .
_________________
(١) مكتوب في هامش المنسوخ: «لعلها: بنكاية» .
(٢) تكاد تجمع كلمة الفقهاء على جواز ذلك، بل حكى ابن أبي زمنين في «قدوة الغازي» (ص ١٩٨) الإجماع عليه، ونصّ عبارته: «قال ابن حبيب: ولا بأس أن يحمل الرجل وحده على الكتيبة وعلى الجيش إذا كان ذلك منه لله، وكانت فيه شجاعة وجلدٌ وقوةٌ على ذلك، وذلك حسن جميل لم يكرهه أحد من أهل العلم، وليس ذلك من التهلكة، وإذا كان ذلك منه للفخر والذكر فلا يفعل وإن كانت به عليه قوة، وإذا لم يكن به عليه قوةٌ فلا يفعل وإن أراد به الله؛ لأنه حينئذٍ يلقي بيده إلى التهلكة» . وجاء في «البيان والتحصيل» (٢/٥٦٤) ما يلي: «قال أشهب: وسئل مالك عن رجل من المسلمين يحمل على الجيش من العدو وحده، قال: قال الله -تعالى-: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ فجعل كل رجلٍ برجلين بعد أن كان كل رجل بعشرة، فأخاف هذا يلقي بيده إلى التهكلة وليس ذلك بسواءٍ أن يكون الرجل في الجيش الكثيف فيحمل وحده على الجيش، وأن يكون الرجل قد خلفه أصحابه بأرض الروم أحاطوه فتركوه بين ظهراني الروم، فهو يخاف الأسر فيستقتل فيحمل عليهم، فهذا عندي خفيف، والأول عندي في كثفٍ وقوة، وليس إلى ذلك بمضطر، يختلف أن يكون الرجل يحمل احتسابًا بنفسه على الله، كما قال عمر بن الخطاب: الشهيد من احتسب نفسه على الله، أو يكون يريد بذلك السمعة والشجاعة. قال محمد بن رشد: أما إذا فعل ذلك إرادة السمعة والشجاعة، فلا إشكال ولا اختلاف في أن ذلك من الفعل المكروه، وأما إن اضطر إلى ذلك بإحاطة العدو به، ففعله مخافة الأسر، فلا اختلاف في أن ذلك من الفعل الجائز، إن شاء أن يستأثر، وإن شاء أن يحمل على العدو ويحتسب نفسه على الله، =
[ ١٩٤ ]
وبالجملة، فكل من بَذَلَ نَفْسهُ لإعزازِ الدِّين، وتوهين أهل الكفرِ؛ فهو المقامُ
_________________
(١) = وأما إذا كان في صف المسلمين وأراد أن يحمل على الجيش من العدو وحده محتسبًا بنفسه على الله ليقوي بذلك نفوس المسلمين ويلقي الرعب في قلوب المشركين، فمن أهل العلم من كرهه ورآه مما نهى الله عنه من الإلقاء إلى التهكلة لقوله -﷿-: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وممن روى ذلك عمرو بن العاص، ومنهم من أجازه واستحبه لمن كانت به قوة عليه وهو الصحيح» . فالخلاف في المسألة ضعيف، قال ابن تيمية في «قاعدة في الانغماس في العدو، وهل يباح» (ص ٢٤): «والرجل ينهزم أصحابه، فيقاتل وحده، أو هو وطائفة معه العدو، وفي ذلك نكاية في العدو، ولكن يظنون أنهم يُقْتلون، فهذا كله جائز عند عامة علماء الإسلام من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، وليس في ذلك إلا خلاف شاذ. وأما الأئمة المتبوعون كالشافعي وأحمد وغيرهما؛ فقد نصوا على جواز ذلك، وكذلك هو مذهب أبي حنيفة ومالك وغيرهما»، ودلل عليه بتطويل من الكتاب والسنة وإجماع السلف، ونحوه في «مجوع الفتاوى» (٢٨/٥٤٠) له. وكلام الشافعي الذي أشار إليه في «الأم» (٤/٩٢) قال -﵀-: «لا أرى ضيقًا على الرجل أن يحمل على الجماعة حاسرًا، أو يبادر الرجل، وإن كان الأغلب أنه مقتول؛ لأنه قد بودر بين يدي رسول الله - ﷺ -، وحمل رجلٌ من الأنصار حاسرًا على جماعة من المشركين يوم بدر، بعد إعلام النبي - ﷺ - بما في ذلك من الخير فقتل» . وانظر: «الأوسط» (١١/٣٠٦-٣٠٧) . وكلام أحمد في «مسائل صالح» (٢/٤٦٩) قال: «قلت: الأسير يجد السيف أو السلاح فيحمل علهيم وهو لا يعلم أنه لا ينجو، أعانَ على نفسه؟ قال: أما سمعت قول عمر حين سأله الرجل فقال: إنّ أبي أو خالي ألقى بيده إلى التهلكة؟ فقال عمر: «ذلك اشترى الآخرة بالدنيا»» . وقال أبو داود في «مسائله» (٢٤٧): «سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا علم أنه يؤسر فليقاتل حتى يقتل أحب إليَّ» . وقال: «لا يستأسر، الأسر شديد» . وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل سأل عن الأسير إذا أُسر؛ له أن يقاتلهم؟ قال: «إذا علم أنه يقوى بهم» . وانظر: «المغني» (٩/١٧٦)، و«كشاف القناع» (٣/٧٠)، «الإنصاف» (٤/١٢٥) . وانظر مذهب الحنفية في: «أحكام القرآن» للجصاص (١/٣٢٧-٣٢٨)، «حاشية ابن عابدين» (٤/١٢٧) . وانظر للمالكية: «الذخيرة» (٣/٤١٠)، «النوادر والزيادات» (٣/٥٢، ٥٣)، «الفروق» (٤/ ١٤٠١- ط. دار السلام)، «التاج والإكليل» (٣/٣٠٧)، «الخرشي» (٣/١٢٠)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٦٣-٣٦٤)، «حاشية الدسوقي» (٢/١٧٨) .
[ ١٩٥ ]
الشريفُ الذي تتوجه إليه مدْحَةُ الله -تعالى-، وكريمُ وعده في قوله -سبحانه-: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [التوبة: ١١١]، وقال -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] .
وفي «الموطأ» (١) ذِكرُ الأنصاري: رَمَى مافي يده من تمراتٍ حين رغَّب رسول الله - ﷺ - في الجهاد، فقال: إني لحريصٌ على الدنيا إن جلسْتُ حتى أفرغ منهن، فحمل بسيفه، فقاتل حتى قُتِلَ.
ما جاء في المبارزة، وحكمها، وإذن الإمام
رُوي عن علي وأبي ذر، أن قوله -تعالى-: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]، نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر؛ حمزة؛ وعلي؛ وعبيدة، مع عتبة بن ربيعة؛ وشيبة بن ربيعة؛ والوليد بن عتبة، وكان أبو ذر يقسم على
ذلك (٢) .
خرّج أبو داود (٣)، عن عليٍّ، قال: تقدم -يعني: عتبةَ بن ربيعة، وتَبعه ابنه
_________________
(١) مَضَى. وقد أخرجه البخاري (٤٠٤٦)، ومسلم (١٨٩٩) .
(٢) أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب التفسير (باب ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾) (رقم ٤٧٤٣)؛ بسنده إلى قيس بن عُبادِ، عن أبي ذرٍ -﵁-. وأخرجه البخاري في كتاب المغازي (باب قتل أبي جهل) (الأرقام ٣٩٦٦، ٣٩٦٨، ٣٩٦٩)، ومسلم في كتاب التفسير (باب قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ ﴾) (٣٠٣٣) . وأخرجه البخاري في كتاب التفسير (باب ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾) (رقم ٤٧٤٤)؛ بسنده إلى قيسٍ عن علي بن أبي طالبٍ -﵁-، قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. قال قيس: وفيهم نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، قال: هم الذين بارزوا يوم بدرٍ: عليٌّ؛ وحمزة؛ وعُبيدة، وشيبة بن ربيعة؛ وعتبة بن ربيعة؛ والوليد بن عتبة. وأخرجه في كتاب المغازي (باب قتل أبي جهل) (رقم ٣٩٦٧) .
(٣) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في المبارزة) (رقم ٢٦٦٥) . وأخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٣/٢٧٦ و٩/١٣١) . وأخرجه مطولًا وفيه قصة: ابن أبي شيبة (١٤/٣٦٢-٣٦٤)، وأحمد (١/١١٧)، والبزار في =
[ ١٩٦ ]
وأخوه- فنادَى: من يُبارِزْ؟ فانتدب له شبابٌ من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه، فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمِّنا، فقال رسول الله - ﷺ -: «قم يا حمزة، قُمْ يا علي، قم يا عُبيدة بن الحارث»، فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلتُ إلى شيبة، واختلفت بين عُبيدةَ (١) والوليد ضربتان، فأثخن كل واحدٍ منهما صاحبه، ثم مِلْنا على الوليد فقتلناه، واحتملنا عبيدة.
قال أبو بكر بن المنذر (٢): «أجمع كُل من يحفظ عنه من أهل العلم، على أن للمرء أن يبارز، ويدعو إلى البراز بإذن الإمام (٣)، غير الحسن البصري، فإنه كان يكره المبارزة ولا يعرفها» .
قال: «واختلفوا في المبارزة بغير إذن الإمام؛ فكرهته طائفة، منهم:
الثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق (٤)، وأباحته طائفةٌ مطلقًا، لم يذكروا إذن الإمام ولا غير
_________________
(١) = «البحر الزخار» (٧١٩)، والطبري في «التاريخ» (٢/٤٢٤-٤٢٦)، وغيرهم. وقال الهيثمي في «المجمع» (٦/٧٦): «رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح، غير حارثة بن مضرّب، وهو ثقة» . وانظر: «صحيح أبي داود» لشيخنا الألباني -رحمه الله تعالى-.
(٢) في الأصل والمنسوخ: «عُتبة» . وهو خطأ ظاهر.
(٣) في كتابه «الإجماع» (ص ٥٨ رقم ٢٢٨) . وانظر: «المغني» (٨/٣٦٦)، و«الإقناع» (٦٦ ب)، و«اختلاف الفقهاء» (٣/١٢- تحقيق يوسف شخت) .
(٤) إلا أبا حنيفة؛ فإنه منع من البدء بالدعاء إلى المبارزة؛ لأنه تطاول وبغي. وجوّز ذلك الشافعي؛ لأن فيه إظهارًا لدين الله، ونصرة رسوله - ﷺ -، وأن النبي - ﷺ - ندب إلى مثله، وحث عليه. ومنع من ابتداء المبارزة: الحسن البصري -﵀-، كما ذكر ذلك المصنف. انظر: «اختلاف الفقهاء» للطبري (١٢)، «عمدة القاري» (١٤/٢٧٤)، «المغني» (١٠/٣٩٤)، «تحرير الأحكام» (ص ١٨٢) لابن جماعة -ففيها مذهب الحسن- «موسوعة فقة الحسن البصري» (١/٣٠٤) .
(٥) انظر: «المغني» (١٠/٣٩٤-٣٩٦)، «الإقناع» (٦٦ ب)، «الأحكام السلطانية» للماوردي (٤٠)، «اختلاف الفقهاء» (١٢- تحقيق يوسف شخت)، «موسوعة فقه سفيان الثوري» (ص ٣١٥) . وحكى البغوي في «شرح السنة» (١١/٦٧) مذهب أحمد وإسحاق وسفيان، وكذا في «المغني» (١٠/٣٩٤-٣٩٥)، و«نيل الأوطار» (٨/٨٧) .
[ ١٩٧ ]
إذنه؛ منهم: مالك، والشافعي (١)، واختلف في ذلك عن الأوزاعي: فرُوِي عنه الجواز والمنع» (٢) .
قلت: وجه ماذهب إليه من كره ذلك إلا بإذن الإمام، هو أن لا يتسارع إلى ذلك الضَّعيف، ومن يغترُّ من نفسه، فربَّما قُتل أو هُزم، فكان في ذلك تجرئةٌ للمشركين، وتوهينٌ على المسلمين، ووجه من أباح ذلك مطلقًا، أنه جهاد في الله، فإذا انبعثت لذلك نيّة المسلم، خالصةً لله -﷿-، لم يكن به بأس، قال الله
-تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، ولم يُنقل أن النبي - ﷺ - نَهَى عن ذلك في موطنٍ من المواطن، بل ظواهِر الأخبار في مواضِعَ من ذلك تدلُّ على أن بعضهم قد كان يبارز ولا يستأذنه، فلا يُنكر ذلك عليه؛ من ذلك: ما رُوي أن أبا قتادة قال: بارزتُ رجلًا يوم حُنين فقتلتُه، فأعطاني النبي - ﷺ - سلَبَه (٣)، ذكره ابن المنذر مسندًا (٤)، وهذا الوجه أظهر، والله أعلم.
* مسألة:
اختلف العلماء في إعانة المسلمين الرجل منهم إذا بارز مشركًا، فأرخص
_________________
(١) انظر: «البيان والتحصيل» (٣/٦٣-٦٤)، «الذخيرة» (٣/٤١٠)، و«النوادر والزيادات» (٣/٢٨، ٥٤-٥٥)، «منح الجليل» (٣/١٦٧)، «الأم» (٤/١٦٠)، «مختصر المزني» (٢٧٤)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٥٠)، «مغني المحتاج» (٤/٢٢٦)، «تحرير الأحكام» لابن جماعة (ص ١٨١) .
(٢) قال البغوي في «شرح السنة» (١١/٦٧): «وحُكي عن الأوزاعي كل واحد من القولين»، وحكى الطبري في «اختلاف الفقهاء» (ص ١٢)، والقرطبي في «تفسيره» (٣/٢٥٨)، والحطاب في «مواهب الجليل» (٣/٣٩)، والشوكاني في «النيل» (٧/٢١٧) عنه المنع، وحكى الخطابي في «معالم السنن» (٢/٢٧٩) والقرطبي عنه الجواز، وانظر: «فقه الأوزاعي» (٢/٣٩٤) .
(٣) أخرجه البخاري في كتاب فرض الخمس (باب من لم يخمِّس الأسلاب، ومن قتل قتيلًا فله سَلَبه من غير أن يخمّس، وحكم الإمام فيه) (رقم ٣١٤٢) . ومسلم في كتاب الجهاد والسير (باب استحقاق القاتل سلب القتيل) (١٧٥١) (٤١) .
(٤) في «الأوسط» (١١/١٠٩ رقم ٦٤٩٣) .
[ ١٩٨ ]
في ذلك قوم؛ منهم: أحمد، وإسحاق (١)، واحتجوا بإعانة حمزةَ وعليٍّ لعبيدةَ في المبارزة يوم بدر (٢)، وأَبَى ذلك قوم؛ منهم: الأوزاعي (٣)؛ قيل له في رجلٍ بارز علجًا فخافَ المسلمون على صاحبهم، قال: فلا يعينوه عليه، قيل: وإن لم يكن اشترط ألا يخرج إليه غيره؟ قال: وإنْ؛ لأن المبارزة لا تكون إلا هكذا، ولكن لو حجزوا بينهما، ثم خلُّوا سبيل العلج، قال: فإن أعان العدوُّ صاحبهم، فلا بأس أن يعين المسلمون صاحبهم، وفرَّق الشافعي بين أن يكون ثَمَّ اشتراطُ ألاَّ يقاتل غيرُ المبارز، وكذلك إن كان ذلك يعرف من أحوال الدعاء إلى المبارزة، فتكون كالأمنِ بين الفريقين معًا سوى المتبارزين، فلم يرَ في مثل ذلك أن يعينه غيره، وبين ألاَّ يكون ثَمَّ اشتراط، ولا أمر يعرف ذلك منه، فلم ير بالإعانة في هذا الوجه بأسًا، واحتجَّ بإعانة حمزة وعلي (٤) .
واختلف أصحاب مالكٍ في ذلك؛ قال عبد الملك بن حبيب: ولا بأس أن يُعضد إذا خيف عليه الغلبة مِمَّن بارزه، ولو بِقتلِ العلج، قال: وقد قيل: لا يُعضد؛ لأنه إن عُضدَ لم يُوف للمشرك، قال: وليس يُعجبنا، قال: ومن الدليل على ذلك، أنهم لو رأوه قد أُسِرَ، لحَقَّ عليهم إن قدروا على استنقاذه منهم أن يَسْتَنْقِذُوه، وَذَكرَ معاونة المتبارزين يوم بدرٍ، قال:
فصلٌ
حكى ابن سحنون: قال أصحابنا جميعًا؛ سحنون وغيره: لو أن عشرةً من المسلمين بارزوا مثلهم من المشركين، فقتل بعض العشرة صاحبه الذي يليه من
_________________
(١) انظر: «المغني» (١٠/٣٩٦) .
(٢) مضى تخريج ذلك قريبًا.
(٣) نقل مذهبه: الطبري في «اختلاف الفقهاء» (١٢)، وابن قدامة في «المغني» (١٠/٣٩٦)، وانظر: «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٣٩٥) .
(٤) انظر: «مختصر المزني» (٢٧٤)، «تحرير الأحكام» (ص ١٨٢) .
[ ١٩٩ ]
المشركين، فلا بأس أن يُعينَ أصحابه، ولا يجوز أن يُعينَ المبارز، ولا يعضُده
من المسلمين من لم يخرج معه، ويبرز في المبارزة (١) .
قلت: وإنما استندوا في ذلك إلى أن مبارزة الجملة للجملة، لها حكم الواحد للواحد، فمن فرغ من شيء رجع مع أصحابه الباقين، وعلى ذلك يُخَرَّجُ عندهم إعانةُ حمزة وعليٍّ لعُبيدة؛ فأمرهم في ذلك بخلاف من لم يتعيَّن للبراز؛ لأنه تَخلَّى، وأعطى من نفسه الأمان.
والأظهر -إن شاء الله تعالى- أن يُعان المسلم إذا خُشي عليه الهلاك على كل حال، يعينه كل من تمكَّن له ذلك ممَّن بارز معه، أو كان في الجيش، وسواء شرط الكافر أن لا يعينه أحدٌ أو لم يشرط، ولا وفاء في معصية، إلا أنه إن قَدَرَ في إعانته على تخليصه من القِرْنِ إذا ظهرَ عليه، من غير التعرض لإصابة الكافر؛ لَمْ يَنْبَغِ التعدي عليه، وإنْ لم يمكن ذلك إلا بالحملِ عليه، فإنه يبلغ من ذلك إلى حيثُ يكون فيه خلاص المسلم، ولو أفضى إلى قتل من بارزه؛ قال الله -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، وقال -تعالى-: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] .
وخرّج مسلم (٢)، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يُسلمه» . وفي رواية عن أبي هريرة: «لا يظلمه، ولا يخذله» (٣) .
_________________
(١) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٥٥-٥٦)، «الذخيرة» (٣/٤١٠)، «منح الجليل» (٣/ ١٦٧-١٦٨) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب البر والصلة والآداب (باب تحريم الظلم) (٢٥٨٠) (٥٨) . وأخرجه البخاري في كتاب المظالم والغصب (باب لا يظلم المسلمُ المسلمَ ولا يسلمه) (رقم ٢٤٤٢)، وفي كتاب الإكراه (باب يمين الرجل لصاحبه: إنه أخوه، إذا خاف عليه القتل، أو نحوه) (رقم ٦٩٥١) .
(٣) مسلم في «صحيحه» في كتاب البر والصلة والآداب (باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله) (٢٥٦٤) (٣٢) .
[ ٢٠٠ ]
وفي حديث عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي - ﷺ -: «المؤمنون يدٌ على من سواهم» (١) .
وفي حديث أبي سعيدٍ: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده» (٢) . ولا منكرٌ أعظم وأكبر من قتل المسلم ظلمًا. فأمّا ما لم يُخْشَ الهلاكُ على المسلم المبارز، فلا يعرض لهم بحال، كذلك فعلَ المسلمون يوم بدر.
فصلٌ: في تحريم الانهزام، وما يجوز من التحيُّز عند القتال
قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ. وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ
_________________
(١) هو قطعة من حديث أخرجه أبو داود في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في السرية تُردُّ على أهل العسكر) (رقم ٢٧٥١) من طريقين عن ابن إسحاق، ويحيى بن سعيد، كليهما عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويُجير عليهم أقصاهم، وهم يدٌ على من سواهم، يَرُدُّ مُشِدُّهم على مُضعِفِهم، ومُتسريِّهم على قاعدهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهدٍ في عهده» . ولم يذكر ابن إسحاق القودَ والتكافؤ. وأخرجه الطيالسي (٢٢٥٨)، وأحمد (٢/١٩٢، ٢١١) من طريق خليفة بن خياط، عن عمرو بن شعيب، به. وأخرجه مطولًا: أحمد (٢/١٨٠)، والبيهقي في «الكبرى» (٨/٢٩)، وابن الجارود في «المنتقى» (١٠٥٢)، والبغوي في «شرح السنة» (٢٥٤٢)؛ من طرقٍ عن ابن إسحاق، به. وفي الباب عن ابن عباس عند أحمد (رقم ٢٩١١ و٣٠٤٦)، وعن أنس عند البخاري (٢٢٩٤)، ومسلم (٢٥٢٩)، وعن قيس بن عاصم عند أحمد (٥/٦١)، وعن علي عند أحمد (١/١١٩)، وعن جبير ابن مطعم عند مسلم (٢٥٣٠)، وأحمد (٤/٨٣)، وعن أم سلمة عند الطبري (٩٢٩٣) . والحديث صحيح. انظر: «صحيح سنن أبي داود» لشيخنا الألباني -﵀-.
(٢) هو قطعة من حديث أخرجه مسلم في كتاب الإيمان (باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان) (٤٩) (٧٨ و٧٩)، وفيه قصة إنكار أبي سعيد الخدري -﵁- على مروان ابن الحكم أمير المدينة آنذاك، في ابتدائه الخطبة -يوم العيد- قبل الصلاة.
[ ٢٠١ ]
بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥-١٦] .
في هذه الآية لأهل العلم ثلاثة أقوال:
قول: إنَّها منسوخة؛ نسخها قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنينَ عَلَى القِتَالِ إِن يَكُن مِنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] إلى تمام الآيتين، فنسخ بالتخفيف عنهم، وأطلق لهم أن يُوَلّوا عمَّن هو أكثر من هذا العدد، وإليه ذهب عطاء بن أبي رباح (١) .
_________________
(١) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١٠/٣٨- ط. دار الفكر): حدثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن حبيب، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن عطاء، قال: كان الواحد لعشرة، ثم جعل الواحد باثنين، لا ينبغي أن يَفِرَّ منهما. ونقله عنه مكي بن أبي طالب في «الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه» (ص ٢٩٧)، وأبو بكر بن العربي في «الناسخ والمنسوخ» (٢/٢٢٨)، وأبو جعفر النحاس في «الناسخ والمنسوخ» (ص ١٨٤)، وابن البارزي في «ناسخ القرآن ومنسوخه» (٣٥)، وابن سلامة في «الناسخ والمنسوخ» (٩٤) . وانظر: «المحرر الوجيز» (٦/٣٧١)، «زاد المسير» (٣/٣٧٧)، «المحصول» للرازي (١/٣/ ٤٦٣) . وهو مذهب ابن عباس. فقد أخرج أبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ» (رقم ٣٥٨)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (٥/ ١٧٢٨ رقم ٩١٤٠) بسنديهما إلى عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِن يَكُن مِنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ..﴾ الآية، قال: فنسخها قوله -﷿-: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أنَّ فِيكُمْ ضَعفًا﴾ [الأنفال: ٦٦] إلى قوله ﴿مَعَ الصَّابِريِن﴾ . وروى نحوه الطبري في «التفسير» (١٤ رقم ١٦٢٧٢- ط. شاكر)؛ من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وعليٌّ لم يسمع من ابن عباس. لكن لعليِّ بن أبي طلحة صحيفةٌ عن ابن عباس، يروي منها، فروايته صحيحة عن ابن عباس -﵄-. انظر: «جامع التحصيل» (٢٤٠)، و«تحفة التحصيل» (٢٣٤)، «العجاب في بيان الأسباب» للحافظ ابن حجر (ص ٥٨- ط. ابن حزم)، «الإتقان» للسيوطي (٢/٤٧٠- ط. دار الكتاب العربي) . وروى نحوه الشافعي في «الرسالة» (ص ١٢٧-١٢٨)، و«الأم» (٤/٩٢، ١٦٠) -ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» (٩/٧٦)، و«أحكام القرآن» (ص ٣٩)، و«الشعب» (٤٠٠١) -، وسعيد بن منصور «سننه» (رقم ١٠٠٠- ط. الحميد ورقم ٢٥٣٧- ط. الأعظمي)، وابن الجارود (١٠٤٩)، والطبراني =
[ ٢٠٢ ]
وقولٌ ثانٍ: إنها مقصورة على أهل بدرٍ خاصة، وإليه ذهب الحسن، ورُوي مثل ذلك عن أبي سعيدٍ، وأبي نَضْرةَ، ونافعٍ، وعكرمةَ، وغيرهم، وكان الحسن يقول: ليس الفرار من الزحف من الكبائر (١) .
_________________
(١) = (١١٢١١)، وأصل الحديث عند البخاري في «صحيحه» في كتاب التفسير (باب قوله -تعالى-: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُم﴾) (رقم ٤٦٥٣) . وليس في رواية البيهقي، ولا البخاري ذِكْرُ النَّسْخ، وإنما فيهما ذكر التخفيف. والمعنى متقارب. والمراد -هنا- التخفيف، لا الفرار من الزحف. وأخرج سعيد بن منصور في «سننه» (١٠٠١- ط. الحميد، ورقم ٢٥٣٨- ط. الأعظمي)، وابن المبارك في «الجهاد» (رقم ٢٣٥)، والشافعي في «الأم» (٤/١٦٠)، و«مسنده» (رقم ٣٨٨)، والبيهقي (٩/٧٦) من طريق سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن ابن عباس، قال: من فرَّ من ثلاثة فلم يفر، ومن فرَّ من اثنين فقد فرَّ. وسنده ضعيف، فابن أبي نجيح هو عبد الله بن يسار؛ مدلس، وقد عنعن، ثم هو لم يلحق أحدًا من الصحابة. قاله علي بن المديني. انظر: «جامع التحصيل» (ص ٢١٨) . فالحديث منقطع. لكن يبدو أن في الإسناد سقطًا؛ فقد رواه البيهقي في «الكبرى» (٩/٧٦)؛ من طريق أحمد بن شيبان، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: إن فرَّ رجلٌ من اثنين فقد فَرَّ، وإن فرَّ من ثلاثة لم يفر. وأحمد بن شيبان هو الرَّملي، ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/٥٥)، وقال: «صدوق» . وقال العقيلي: «لم يكن ممن يفهم الحديث، وحدَّث بمناكير» . وقال ابن حبَّان في «الثقات»: «يخطئ» . وقال صالح الطرابلسي: «ثقة مأمون، أخطأ في حديث واحد» . وقال الذهبي في «الميزان» (١/١٠٣) بعد ذكر كلام ابن أبي حاتم، وابن حبان، قال: «فالصدوق يخطئ» . وقد خالف أحمدُ بن شيبان الشافعيَّ في روايته، حيث زاد (عطاءً) في الإسناد، وإن سلَّمنا بزيادته، فإن ابن أبي نجيح مدلس. وقد عنعن. وقد صحَّح شيخنا الألباني -﵀- في «الإرواء» (٥/٢٨-٢٩) هذا الأثر، وجزم أن السقط الواقع في سند الشافعي إنما هو خطأ مطبعيٌّ. ثم قال: وهو إن كان موقوفًا، فله حكم المرفوع، بدليل القرآن وسبب النزول، الذي حفظه لنا ابن عباس. وحديث ابن عباس، رواه البخاري وغيره، وسيأتي تخريجه.
(٢) أخرجه أبو جعفر النحاس في «الناسخ والمنسوخ» (ص ١٨٤) بسنده إلى الربيع بن صبيح، عن الحسن. ونقله عنه مكي بن أبي طالب في «الإيضاح» (ص ٢٩٧) . وانظر: «الآيات المنسوخة في =
[ ٢٠٣ ]
وقولٌ ثالث: إنها محكمة عامَّةٌ في خطاب جميع المسلمين؛ أهل بدرٍ وغيرهم، ثابتة الحكم في ذلك إلى يوم القيامة، والفرارُ من الزحف كبيرةٌ من الكبائر، وإليه ذهب ابن عباسٍ (١) وجماعةٌ من أهل العلم.
وهذا القول أولى الأقوال وأرجحها -إن شاء الله تعالى-.
_________________
(١) = القرآن الكريم» للشيخ عبد الله بن الشيخ محمد الأمين بن المختار الشنقيطي -﵀- (ص ١٠١) . ومذهب أبي سعيد الخدري، والحسن، وعكرمة؛ أخرجه عنهم أحمد -ولم أجده في «المسند»، ولا في «مسائله» المطبوعة باختلاف رواتها-، ومن طريقه ابن الجوزي في «نواسخ القرآن» (ص ١٦٥) . وقال ابن أبي زيد القيرواني في «النوادر والزيادات» (٣/٥٠): «قال الحسن: لم يكن الفِرار من الزحف كبيرة إلا يوم بدرٍ، لأن تلك العصابة لو أصيبت ذهب الإسلام» . وانظر: «تفسير ابن أبي حاتم» (٥/١٧٢٩رقم ٩١٤٠)، و«مرويات الإمام أحمد في التفسير» (٢/٢٦٣) . وقد ردَّ المصنف هذا القول، كما ردَّه ابن حزم وناقشه. فانظر: «المحلى» (٧/٢٩٣) .
(٢) أخرجه البخاري (رقم ٤٦٥٣) . وفيه التصريح بالتخفيف فقط، وأنها محكمة غير منوسخة. وقد مضى قريبًا. وأخرج أبو جعفر النحاس في «الناسخ والمنسوخ» (ص ١٨٥) عن ابن عباس قال: «الفرار من الزحف من الكبائر» . ونقله عنه القاضي ابن العربي في «الناسخ والمنسوخ» (٢/٢٢٨) . والصحيح كما قال المصنف -﵀- أن الآية على عمومها؛ لأنها ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ ﴾ يعني: يوم الزحف، وماثبت عنه - ﷺ - أنه عدَّ الكبائر فقال: «والتولي من الزحف» . أخرجه البخاري (٢٧٦٦، ٦٨٥٧)، ومسلم (٨٩) . وهذا نصٌ لا غبار عليه، وسيذكره المصنف قريبًا. وانظر: «الناسخ والمنسوخ» لابن العربي (٢/٢٢٩)، ولأبي جعفر النحاس (ص ١٨٥)، و«الإيضاح» لمكِّي بن أبي طالب (ص ٢٩٧)، و«نواسخ القرآن» لابن الجوزي (ص ١٦٦)، و«تفسير ابن جرير» (٩/٣٨- وما بعدها) . وانظر تفصيل مناقشة هذه الأقوال في: «الآيات المنسوخة في القرآن الكريم»، للشيخ عبد الله ابن محمد الأمين الشنقيطي (ص ٩٩-١٠٤) . ومال فيها إلى النسخ، أي: التخفيف عن المؤمنين، وليس الفرار أو التحيز. وانظر: «البيان والتحصيل» لابن رشد (١٠/٤٩) .
[ ٢٠٤ ]
أما دعوى النسخ فلا دليل عليه؛ لأن الجمع بين آية النهي عن التولية، وآية ثبوت المئة للمئتين واضح، بل لا تعارض بينهما البتَّة؛ لأن آية الثبوت للضِّعف لم يُبَحْ فيها بحالٍ الانهزامُ والتوليةُ أمام الكفار، وهل تَضَمَّنتْ من دليل الخطاب الترخيصَ فيما فوق الضِّعف؟ هذا فيه لأهل العلم خلاف نذكره بعد هذا -إن شاء الله-.
فإذًا، حُكمُ الآية في النهي عن التولية باقٍ مُحْكم، وإنما كان يكون النَّسْخُ لو رُفِعَ حُكْمُ النّهي عن الفرار البتة، لكن تكون الآية المأمور فيها بالثبوت للضِّعف
مخصصة عند قوم؛ لعموم النهي عن التولية مطلقًا، اللهم إلا أن يقال: إن آية النهي عن التولية كانت عامة في اللفظ والمعنى، فكان الفرض أولًا إيجاب الثبوت مطلقًا، والنهي عن التولية في لقاء الكثرة والقلَّة، ثم نسخ عموم ذلك بآية الثبوت للضِّعف دون ما زاد عليه، فهذا وجه من النَّسْخ صحيحٌ إن سَلِم فيه أمران:
أحدهما: إن الفرض كذلك كان على العموم في أول الإسلام.
والثاني: إن في آية الثبوت للضِّعف ما يدلُّ على إباحة التولية عمَّا فوق الضِّعف، وعلى هذا يجيء مذهب من قال بالنَّسخ؛ لأنه لا يصح القول به إلا كذلك، وإذا حُمِلَت الآية في النهي عن التولية على ظاهرها من الإطلاق والعموم في اللفظ والمعنى، فَعَنْه ينشأ الخلاف الذي أشرنا إليه، فيكون عند قوم ذلك باقيًا مُحكمًا على كل حال، ولا نسلِّم ما يُدَّعى في ذلك من نسخ ذلك العمومِ، أو تخصيصه عند قوم بأنه الثبوت للضِّعف؛ لأن آية الثبوت للضِّعف لم يُتعرَّض فيها لشيءٍ من ذلك بنسخٍ ولا تخصيص، فيكون هذا قولًا رابعًا في الآية، وعليه يجيءُ مذهب أهل الظاهر (١) .
وأما قول من ذهب إلى أن الآية في أهل بدرٍ خاصَّة، وأن حكم ذلك لا يتناول غيرهم، فدعوى من غير دليل؛ لأنَّ الخطاب بذلك عامٌّ في جميع المؤمنين،
_________________
(١) انظر: «المحلى» (٧/٢٩٢-٢٩٣) .
[ ٢٠٥ ]
وما رُوِي أن سبب نزولها وقعة بدرٍ ليس هو مما يوجب تخصيصها في الحكم بأهل بدر، وقصر ذلك عليهم؛ لأن أكثر أحكام القرآن والسُّنة إنما جاءت على أسباب، ثُمَّ هي بَعْدُ عامَّة، وقد قال الله -تعالى- في غير أهل بدر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥]، فأخبر الله -تعالى- أن التولي معصية، واستزلالٌ من الشيطان، ثم منَّ عليهم سبحانه بالعفو. قال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، فهذا هو معنى قوله -تعالى- في الموَلّي: ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦]، معناه -والله أعلم-: إن لم يُغفر له. قال الله
-﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]، فهذا يبين لك أن تحريم التولي ليس مخصوصًا به أهل بدر، بل هو في الجميع، والتولي كبيرة من الكبائر في جميع المسلمين إلى يوم القيامة.
خرَّج مسلم (١)، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قيل: يا رسول الله، وما هُنَّ؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولِّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» .
وإلى أن الآيةَ محكمةٌ، عامَّةُ الحكم في سائر المسلمين: ذهب مالك (٢)
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الإيمان (باب بيان الكبائر وأكبرها) (٨٩) . من حديث أبي هريرة -﵁-. وأخرجه البخاري في كتاب الوصايا (باب قول الله -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ﴾) (رقم ٢٧٦٦) . وفي كتاب الحدود (المحاربين) (باب رَمي المحصنات) (رقم ٦٨٥٧) . وفي كتاب الطب (باب الشرك والسحر من الموبقات) (رقم ٥٧٦٤- مختصرًا) .
(٢) انظر: «قدوة الغازي» (ص ١٩٦-١٩٧)، «أحكام القرآن» (٢/٨٧٨) لابن العربي، «البيان والتحصيل» (٢/٥٦٤ و١٧/٣٠)، «المقدمات» (٢٦٣)، «النوادر والزيادات» (٣/٥٠، ٥٤) .
[ ٢٠٦ ]
والشافعي (١)، وأبو حنيفة (٢)، وأهل الظاهر (٣)، وعامةُ أهل التحقيق، واختلفوا بعد ذلك في مواضع نذكرها في: (فصل: الثبوت للضِّعف)، بعد هذا -إن شاء الله تعالى-.
فصلٌ
ذكر القاضي إسماعيلُ حديثَ عبدِالله بنِ عُمر؛ وخرَّجه أبو داود وغيره (٤)،
_________________
(١) انظر: «الرسالة» (ص ١٢٧-١٢٨)، «الأم» (٤/٩٢)، «أحكام القرآن» (ص ٤٠) .
(٢) انظر: «أحكام القرآن» (٤/٢٢٧) للجصاص.
(٣) انظر: «الإحكام» (٤/٨٩)، «المحلى» (٧/٢٩٢)، «معجم فقه ابن حزم الظاهري» (٢/ ٢٥٢) .
(٤) أخرجه أبو داود (رقم ٢٦٤٧، ٥٢٢٣)، وابن ماجه (٣٧٠٤)، والترمذي (١٧١٦)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٩٧٢)، والحميدي (٦٨٧)، وأحمد (٢/٢٣، ٥٨، ٧٠، ٨٦، ٩٩، ١٠٠، ١١٠)، وابن أبي شيبة (٨/٧٤٩، ٧٥٠ أو ١٢/٥٣٥-٥٣٦- ط. الهندية)، وأبو إسحاق الفزاري في «السير» (رقم ٣١٢)، وابن سعد في «الطبقات» (٤/١٤٥)، وسعيد بن منصور في «سننه» (رقم ٢٥٣٩- ط. الأعظمي، ورقم ٩٨٥- ط. الحميد)، والشافعي في «الأم» (٤/١٨٠- ط. دار الفكر)، وأبو يعلى (٩ رقم ٥٥٩٦ و١٠ رقم ٥٧٨١)، وابن الجارود في «المنتقى» (رقم ١٠٥٠)، والطحاوي في «المشكل» (رقم ٩٠٠ و٩٠١ و٩٠٢)، والنحَّاس في «الناسخ والمنسوخ» (ص ١٨٥)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/٧٦-٧٧)، وفي «شعب الأيمان» (٨/٢٤٧-٢٤٨ رقم ٤٠٠٢)، والبغوي في «شرح السنة» (٢٧٠٨)، وأبو نعيم (٩/٥٧) من طرقٍ عديدة عن يزيد بن أبي زياد، أن عبد الرحمن ابن أبي ليلىحدثه، أن عبد الله بن عمر حدَّثه، فذكره. وبعض الروايات مطولة، وبعضها مختصرة. وقال الترمذي: «هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد» . وإسناده ضعيف؛ فيزيد بن أبي زياد الهاشمي، مولاهم، الكوفي: ضعيف. كبر فتغير، وصار يتلقَّن، وكان شيعيًا. قاله الحافظ في «التقريب» . وضعفه أحمد، وابن معين، ولينه أبو زرعة، ووصفه ابن حبان بأنه: «كان يلقن فيتلقن» . وانظر: «ضعيف سنن أبي داود» لشيخنا الألباني -﵀-. وقوله: «فحاص الناس حيصة»، بحاء وصاد مهملتين، أي: جالوا جولة يطلبون الفرار. وفي بعض طرقه: «فجاض الناس جيضةً» -بجيم وضاد معجمتين-، قال ابن الأثير في «النهاية» (١/٣٢٤): جاض في القتال: إذا فرَّ، وجاض عن الحق: عدل. وأصل الجيض: الميل عن الشيء. وقوله: «بل أنتم العكَّارون»: هو بالعين المهملة وتشديد الكاف. قال ابن الأثير: أي: الكرارون =
[ ٢٠٧ ]
قال: كنتُ في جيشٍ، فلقينا العدو، فحاصَ الناس حَيْصَةً، فكنتُ فيمن انحاز، فقلنا: لا ندخل المدينة، وننظر في وجوه الناس، وقد بؤنا بغضبٍ من الله، فأقمنا بجنبَاتِها، فقلنا: لو دخلناها فَنَتَثَبَّتُ منها -وفي رواية: فامْتَرْنا منها، وفي كتاب أبي داود: فنثبُتُ فيها (١) - نذهب فلا يرانا أحدٌ، فدخلناها ليلًا، فقلنا: لو عرضنا أنفسنا
على نبي الله - ﷺ -، فإن كانت لنا توبةٌ تُبنَا، قال: فقعدنا له في الطريق، فخرج لصلاة الغداة، فقلنا: يارسول الله، نحن الفرَّارون، قال: «بل أنتم العَكَّارون»، قال: قلنا: يا رسول الله، نحن الفرَّارون، قال: «بل أنتم العكَّارون» -ثلاث مرار- فأخبرناه ما أردنا أن نصنع، قال: «فلا تفعلوا، أنا فئتكم»، وفي كتاب أبي داود: فأقبل إلينا فقال: «لا، بل أنتم العكّارون»، قال: فَدَنونَا، فَقَبَّلْنا يده، فقال: «أنا فئة المسلمين» .
ففي حديث ابن عمر هذا زيادةُ بيانٍ في عموم حكم آية النهي عن التولّي يوم الزحف، إلاّ إلى فئةٍ، وأن ذلك ليس مخصوصًا ببدر، وابن عمر لم يقبله رسول الله - ﷺ - للحرب، إلا بعد يوم بدر.
قوله: «العكَّارون» هم الكرَّارون، الرَّاجعون. يقال: عَكَرَ واعْتكر إذا كرَّ ورجع، فكان رجوعهم إلى النبي - ﷺ - وإلى ما كانوا عليه من بذل أنفسهم في
_________________
(١) = إلى الحرب، العطَّافون نحوها، يقال للرجل يولّي عن الحرب، ثم يكرُّ راجعًا إليها: عكر واعتكر، وعكرتُ عليه: إذا حَمَلْتُ. لطيفة: أسند الخطابي في «المعالم» (٢/٢٣٦) إلى الأصمعي، قال: رأيت أعرابيًا يغلي ثيابه، فيقتل البراغيث، ويترك القمل، فقلت: لم تصنع هذا؟ قال: أقتل الفرسان، ثم أُعَكِّرُ على الرَّجَّالة. وقوله: «أنا فئتكم» . قال ابن الأثير: الفئة: الفرقة والجماعة من النَّاس في الأصل، والطائفة التي تقيم وراء الجيش، فإن كان عليهم خوفٌ أو هزيمة التجؤوا إليهم.
(٢) في الأصل: «منها» والكلمة التي قبلها محتملة، والمثبت من «سنن أبي داود»، وفي رواية ابن الأعرابي: «فننبتُّ»، وفي رواية ابن داسة: «فننبثّ» وفي بعضها: «فَنَتَثَبَّت»، وفي بعضها: «فنبيت» .
[ ٢٠٨ ]
الجهاد، وقبول ماجاء به - ﷺ - هو معنى ذلك، والله أعلم. قاله النَّحاس (١) .
وقال الترمذي: العكّار: الذي يفر إلى إمامه لينصره، ليس يريد به الفرار من الزَّحف (٢) .
واختلف أهل العلم في معنى التولِّي، وما الفئة التي يُتَحيَّزُ إليها إذا خيف العدو؟ فروي عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه قال: «أنا فئة كل مسلم» (٣) . وروي عن الشافعي أنه قال (٤): التَّحرفُ للقتال: الاستطرادُ، إلى أن
يُمكن المُسْتَطردُ الكَرَّةَ في أي حالٍ، ما كان الإمكان، والتَّحيزُ إلى فئة: الانضمامُ
_________________
(١) في «الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم» (ص ١٨٥- بتصرف) .
(٢) قاله بعد الحديث (رقم ١٧١٦) .
(٣) رواه سفيان الثوري في «تفسيره» (ص ١١٦-١١٧ رقم ٣٠٢)، والشافعي في «الأم» (٤/ ١٨٠)، وعبد الرزاق (٥/٢٥٢ رقم ٩٥٢٤)، وابن أبي شيبة (١٢/٥٣٦ رقم ١٥٥٣٥)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٣ رقم ٢٥٤٠- ط. الأعظمي، ورقم ٩٨٦- ط. الحميّد)، وابن المبارك في «كتاب الجهاد» (رقم ٢٦٢) -ومن طريقه الطبري في «التفسير» (١٣/٤٤٠ رقم ١٥٨١٥- ط. شاكر) -، والبيهقي في «الكبرى» (٩/٧٧)؛ من طرقٍ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عمر. وذكر الماوردي في «الحاوي الكبير» (١٨/٢٠٩) أنه قاله يوم القادسية. ومجاهد لم يدرك عمر. قال أبو زرعة وغيره: «مجاهد عن عمر: مرسل» . فالأثر ضعيف. وانظر: «تهذيب الكمال» (٢٧/٢٣٢- وما بعدها)، «جامع التحصيل» (٢٧٣)، «تحفة التحصيل» (٢٩٤) . وله طرق مرسلة كثيرة، فأخرجه ابن أبي شيبة (١٢/٥٣٦ رقم ١٥٥٣٤)، وابن جرير (١٣/٤٣٩ رقم ١٥٨١٢) من طريق ابن سيرين، وعبد الرزاق (٥/٢٥٢ رقم ٩٥٢٣) من طريق أبي الزبير عن غير واحد، وعبد الرزاق (٩٥٢٢) عن قتادة، وابن أبي شيبة (١٢/٥٣٧ رقم ١٥٥٣٩) عن براهيم النخعي. وأخرجه ابن المبارك في «الجهاد» (رقم ٢٣٣) -ومن طريقه ابن جرير (رقم ١٥٨١٤) - من طريق سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي قال: لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر، فقال: يا أيها الناس أنا فئتكم، وسنده صحيح متصل. وأخرجه -أيضًا- البيهقي (٩/٧٧) بسندٍ صحيح على شرط مسلم، قاله شيخنا الألباني في «الإرواء» (٥/٢٨) .
(٤) في كتابه «الأم» (٤/١٨٠- ط. دار الفكر) . وليس في المطبوع: والانضمام إليها.
[ ٢٠٩ ]
إليها، أين كانت الفئة ببلاد العدو، أو ببلاد الإسلام، بَعُدَ ذلك أو قَرُبَ، إنما يأثم بالتولية مَنْ لم يَنْوِ واحدًا من المَعنيَيْن.
وقال بعض الشافعية (١): التحرف للقتال: أن ينتقل من مكانٍ إلى مكان أمكن للقتال، والتحيز إلى فئة: أن يَنضم إلى قومٍ ليعود معهم إلى القتال.
وروي عن مالكٍ (٢) أنه كان يقول: ليس العمل عندنا على قول عمر: «أنا فئة من تحيَّز إلي»، وهو بالمدينة، وإنما ذلك إلى ولاة الجيش، دون والي الصائفة، فَتَتَحيَّزُ السَّريةُ أو الخيل إلى الجيش، دون من هو أبعد منه، ومُتحيَّز الصوائف والجيوش إلى من بعدها، وهو أقرب إليها من أهل الإسلام. وقيل: التحيزُ المأذون فيه: إنما هو الانحيازُ إلى الجماعة الحاضرين قِبَالَ العدو، دون من وراءهم مِمَّن لم يحضر.
وقال أبو محمد بن حزم (٣): «لا يحلُّ للمسلم الفرار أمام المشركين، وإن كثروا، إلا أن ينوي التَّحيُّزَ إلى جماعةٍ من المسلمين، إنْ رجا إدراك تلك الجماعة، قبل أن يلحقه الكفار، أو ينوي بانحرافه الكرَّ لقتالهم، وإلاَّ فهو عاصٍ لله -﷿-
» .
واختلفوا فيمن نكَصَ على عقبيه من غير أنْ يُولِّي العدوَّ ظهره، فقيل: إنه لا
_________________
(١) انظر: «الأم» (٤/١٧٩)، «الحاوي الكبير» (١٨/٢٠٩)، «نظم الدرر» (٨/٢٤٠)، «محاسن التأويل» (٨/٢٩٦)، «النكت والعيون» (٢/٨٩) .
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» لابن أبي زيد القيرواني (٣/٥١)، و«الذخيرة» للقرافي (٣/٤١٠) . واختار أبو الوليد بن رشد في «البيان والتحصيل» (١٧/٣١) أن التحيز إلى الفئة -في حديث ابن عمر المذكور آنفًا- هو خاص برسول الله - ﷺ - وهو بالمدينة، فقال: «وهذا عندي من خواص رسول الله - ﷺ -، لا يكون الإمام فئةً للسرية إذا خرجت من عنده، فأقام هو -يعني: الإمام- في بلده، وإنما يكون فئة لها إذا أخرجها من عسكره، فلقيت جماعة، وإن كانت أقَلَّ من مِثْلَيْها فانحازت إلى الفئة التي خرجت منها. والله الموفق» .
(٣) في «المحلى» (٧/٢٩٢ المسألة رقم ٩٢٣) .
[ ٢١٠ ]
يكون له حكم مُولِّي الدُّبر.
وقال الشافعي (١): إذا رجعَ القوم القَهْقَرَى بلا نيةٍ لأحد الأمرين، يعني: التحرف أو التحيز، كانوا كالمُولِّين؛ لأنه إنِّما أُريد بالتحريم: الهزيمةُ عن المشركين.
فصلٌ: في الثبوت للضِّعف، وهل يباح الفرار إذا زاد على ذلك؟
قال الله -﷿-: ﴿يَا أيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنينَ عَلَى القِتَالِ إِن يَكُن مِنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وإِن يَكُن مِنكُم مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَيَفْقَهُونَ. الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكمُ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإن يَكُن مِنكُم مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مائَتَيْنِ وإِن يَكُن مِنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذنْ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرينَ﴾ [الأنفال: ٦٥-٦٦] .
فاتفق أهل العلم (٢)، ومن يُعْتَدُّ برأيهم، على أن الثبوت إذا كان المشركون ضِعْفَ المسلمين فأقلَّ: واجبٌ، والفرارَ عنهم حرامٌ، أو: معصيةٌ، وكبيرةٌ من جملة الكبائر (٣) .
واختلفوا بعد ذلك في ثلاثة مواضع:
أحدها: إذا زاد المشركون على الضِّعف، هل يباح الفرار أو لا؟
والثاني: هل يعتبر الضِّعف في العدد أو في القوة والجَلَد؟
والثالث: هل للجَمع الذي يُباح له الفرار عند الزيادة على الضِّعف حَدٌّ، إذا انتهى إليه كان الفِرارُ محرَّمًا بَعْدُ على كلِّ حال، وإنْ زاد عدد المشركين أضعافًا، أو لا حَدَّ له؟
_________________
(١) في «الأم» (٤/١٧٩- ط. دار الفكر)، وانظر: «مشارع الأشواق» (١/٥٦٦) .
(٢) جاء في «حاشية الروض المربع» (٤/٢٦٧): «اتفقوا على أنه إذا التقى الزحفان وجب على المسلمين الحاضرين الثبات، وحرم عليهم الانصراف والفرار» .
(٣) انظر كتاب «الكبائر» للذهبي (الكبيرة الحادية عشرة: الفرار من الزحف) .
[ ٢١١ ]
فأمَّا الأول؛ وهو إذا كثر عدد المشركين، فكانوا فوق الضِّعف، فذهب قوم إلى أن الفرار محرمٌ -أيضًا- على كل حال، ولا يحلُّ التولي عنهم إلا لمتحرفٍ لقتال، أو متحيزٍ إلى فئةٍ يستنصر بها من المسلمين، وإليه ذهب أبو محمد بن حزم (١)، وأظنُّه قول جماعة أهل الظاهر، ودليلهم على ذلك: عمومُ آية النهي عن التولِّي عند الزحف، وإطلاقُ الوعيد كذلك على من ولَّى عمومًا، من أي عددٍ
كان، ولم يَرَوْا آيتي التحريض في الصبر، ووعدِ الغلب تعرَّضتا لذلك بنسخٍ ولا تخصيص، بل هو عندهم باقٍ على عمومه، كما قد أشرنا إليه في الفصل قبل هذا.
وذهب مالكٌ (٢)، والشافعي (٣)، وأبو حنيفة (٤)، وجمهور أهل العلم إلى أنه لا حَرجَ على من ولَّى أمام عَدَدٍ فوق ضِعْفَ المسلمين، إذا خشوا الغَلبة، وهم في سَعَةٍ من الفرار، إذا زاد المشركون على الضِّعف.
ومستند هؤلاء ما دلَّ عليه ظاهر قوله -تعالى-: ﴿إِن يَكُن مِنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مائَتَيْنِ﴾ إلى قوله -تعالى-: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكمُ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإن يَكُن مِنكُم مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مائَتَيْنِ وإِن يَكُن مِنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذنْ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦٥-٦٦]، فحملوا هذا على أنه مخصوصٌ؛ لعموم النهي عن التولِّي عند الزحف، وبَيَّنَتْ عندهم هذه الآياتُ أن ذلك ليس على الإطلاق في لقاء كل عدوٍّ من الكفار، بل هو في حال كون العدد على مبلغ ما ذُكِرَ في الآيتين فأقلَّ، فأما ما زاد على ذلك، فظاهر الآية، وما ذُكِرَ من التخفيف يدل
_________________
(١) في «المحلى» (٧/٢٩٢)، وقد مَضَى كلامه.
(٢) انظر: «الذخيرة» (٣/٤١٠)، «البيان والتحصيل» (١٧/٣٠)، «النوادر والزيادات» (٣/ ٥٠)، «الخرشي» (٤/١٩)، «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٢/١٧٨) .
(٣) انظر: «الأم» (٤/١٦٩)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٤٨) .
(٤) انظر: «شرح السير الكبير» (١/٨٩)، «أحكام القرآن» (٤/٢٢٧) للجصاص، «الفتاوى الهندية» (٢/١٩٣) . وهذا مذهب الحنابلة، انظر: «المغني» (١٣/١٨٧)، «كشاف القناع» (٢/٣٧٤) .
[ ٢١٢ ]
على السَّعة في التولّي عنهم، وهذا مسلكٌ سديدٌ في حمل الآية في تحريم التولِّي على أنها مُحْكَمةٌ غير منسوخة، كما ذهب إليه عطاء، وأنها عامة في خطاب جميع المسلمين، لا مقصورة على أهل بدر، كما ذهب إليه جماعة (١)، ثم كون الآيةُ بَعْدُ مخصصة الإطلاقِ بالآية الأخرى، في بيان ما أريد بها من مبلغ عدد الكفَّار الذين يحرم التولي عنهم. قال ابن عباس: «إنْ فَرَّ رجلٌ من رَجْلين فقد فَرَّ، وإن فَرَّ من ثلاثة فلم يَفرَّ» (٢) . قال ابن شُبْرمة (٣): وكذلك النهي عن المنكر، لا يحلُّ له أن يَفِرَّ
_________________
(١) مضى تحقيق مذهب عطاء ومن قال: إنها مقصورة على أهل بدر.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (رقم ١٠٠١- ط. الحميد، ورقم ٢٥٣٨- ط. الأعظمي)، وابن المبارك في «الجهاد» (رقم ٢٣٥)، وأحمد بن منيع في «مسنده» -كما في «إتحاف الخيرة المهرة» (٣/ ق ٧٧/أ) -، والبيهقي في «الكبرى» (٩/٧٦) من طريق ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، به. ورواه الطبراني باللفظ الذي عند البيهقي عن ابن عباس مرفوعًا، ورجاله ثقات. قاله الهيثمي في «المجمع» (٥/٣٣١) . قلت: ولا يصحَّ المرفوع. انظر: «الضعيفة» (رقم ٦١٨٢) . وأخرجه عبد الرزاق (٥/٢٥٢/ رقم ٩٥٢٥) عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أنه بلغه أن ابن عباسٍ قال: جُعل على المسلمين على الرجل عشرة من الكفار، في قوله: ﴿إِن يَكُن مِنكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإِن يَكُن مِنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ فإن لقي رجلٌ رجلين فَفَرَّ، أو رجلًا ففرَّ، فهي كبيرة، وإن لقي ثلاثة فَفَرَّ منهم، فلا بأس. وأخرجه سعيد بن منصور (رقم ١٠٠٠- ط. الحميد، ورقم ٢٥٣٧- ط. الأعظمي)، والشافعي في «الأم» (٤/٩٢)، والطبراني (١١٢١١)، وابن الجارود (١٠٤٩)، والبيهقي (٩/٧٦)، وفي «الشعب» (٨ رقم ٤٠٠١)، والطحاوي بسندٍ صحيح عنه، وكذا ابن أبي شيبة (١٢/٥٣٧)، وزاد: «يعني من الزحف» .
(٣) أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب التفسير (باب ﴿يَا أيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنينَ عَلَى القِتَالِ ﴾ الآية) بعد رقم (٤٦٥٢)، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن ابن عباس. في ذكر آية التخفيف. ثم قال: قال سفيان: وقال ابن شبرمة: «وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا» . قال الحافظ في «الفتح» (٨/٣١٢): «وهو موصول، ووهم من زعم أنَّه معلَّق، فإن في رواية ابن أبي عمر عن سفيان، عند أبي نعيم في «المستخرج»: قال سفيان: فذكرته لابن شبرمة، فذكر مثله» . وقول ابن شبرمة: «وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا» . قال الحافظ: «أي أنه =
[ ٢١٣ ]
من
اثنين إذا كانا على منكر، وله أن يَفِرَّ من أكثر منهما.
وأما الموضع الثاني الذي اختلفوا فيه من هذا الفصل؛ وهو اعتبار الضِّعف، هل يرجع إلى العَدَد أو إلى القوة؟ فقول أكثر أهل العلم أنه في العدد،
واحدٌ لاثْنين، فيلزم المسلمين الثبوتُ لمثلي عددهم من الكفَّار، وإن كانوا أقوى في السلاح والشِّدَّة والجَلَد، وهو المرويُّ عن مالكٍ (١)، وغيره من أهل العلم (٢)،
_________________
(١) = عنده في حكم الجهاد، لجامع ما بينهما من إعلاء كلمة الحق، وإخماد كلمة الباطل» . وقال معلِّقًا على حديث الباب عند البخاري (٨/٣١٣): «واستدل بهذا الحديث على وجوب ثبات الواحد المسلم إذا قاوم رجلين من الكفار وتحريم الفرار عليه منهما، سواء طلباه أو طلبهما، سواء وقع ذلك وهو واقف في الصف مع العسكر أو لم يكن هناك عسكر، وهذا هو ظاهر تفسير ابن عباس، ورجحه ابن الصباغ من الشافعية، وهو المعتمد لوجود نص الشافعي عليه في «الرسالة» الجديدة رواية الربيع ولفظه، ومن نسخة عليها خط الربيع نقلت، قال بعد أن ذكر آيات في كتابه: أنه وضع عنهم أن يقوم الواحد بقتال العشرة، وأثبت عليهم أن يقوم الواحد بقتال الاثنين، ثم ذكر حديث ابن عباس المذكور في الباب، وساق الكلام عليه، لكن المنفرد لو طلباه وهو على غير أهبة، جاز له التولي عنهما جزمًا، وإن طلبهما فهل يحرم؟ وجهان: أصحهما عند المتأخرين: لا، لكن ظاهر هذه الآثار المتضافرة عن ابن عباس يأباه، وهو ترجمان القرآن، وأعرف الناس بالمراد، لكن يحتمل أن يكون ما أطلقه إنما هو في صورة ما إذا قاوم الواحد المسلم من جملة الصف في عسكر المسلمين اثنين من الكفار، أما المنفرد وحده بغير العسكر: فلا؛ لأن الجهاد إنما عهد بالجماعة دون الشخص المنفرد، وهذا فيه نظر، فقد أرسل النبي - ﷺ - بعض أصحابه سرية وحده. وقد استوعب الطبري وابن مردويه طرق هذا الحديث عن ابن عباس، وفي غالبهما التصريح بمنع تولي الواحد عن الاثنين، واستدل ابن عباس في بعضها بقوله -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، وبقوله -تعالى-: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤]» .
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» لابن أبي زيد القيرواني (٣/٥٠)، و«الذخيرة» (٣/٤١٠)، و«البيان والتحصيل» (١٧/٣٠) .
(٣) قاله الحنفية بقيد يأتي تنبيه المصنف عليه. انظر: «شرح السير الكبير» (١/٨٩)، «أحكام القرآن» (٤/٢٢٧) للجصاص، «الفتاوى الهندية» (٢/١٩٣)، والحنابلة، انظر: «كشاف القناع» (٢/ ٣٧٤) .
[ ٢١٤ ]
وهذا هو الصحيح؛ لأن نَصَّ القرآن إنما جاء بالعدد.
وقيل: إن ذلك راجعٌ إلى الجَلَد والقوة، فإذا كان المشركون أشدَّ سلاحًا، وأظْهَرَ جَلَدًا وقوة، والمسلمون في ضَعْفٍ من أبدانهم، ودوابهم، وسلاحهم، بالأمر البيِّنِ المجاوزِ لحدِّ المثلين في القوة، فخافوا أن يغلبوهم؛ لم يجب عليهم الثبوت، وكانوا في سعةٍ من التولِّي عنهم، وإن كان المشركون أقل من مثليهم عددًا، وهو قول ابن الماجشون، ورواية عن مالك، وبه قال عبد الملك بن حبيب (١) .
وأما الموضع الثالث؛ وهو: هل لجمع المسلمين الذين يباح لهم الفرار عند زيادة المشركين على مثلهم (٢) حَدٌّ (٣)، إذا انتهى المسلمون إليه، حَرُمَ الفرار أبدًا، وإن عظمَ جمعُ الكفار، أو ذلك مطلق لكلِّ جَمعٍ من غير تحديد؟
فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ ذلك مُطْلق، وأنَّ كُلَّ جَمعٍ من المسلمين بالغًا من العدَّة والكثرة ما بلَغَ، إذا لاقوا أكثر من ضِعْفهم من الكُفَّار، لهم سَعَةٌ في أن يُوَلُّوا إذا خشوا الغلبة، وعليه مذهب الشافعي وأصحابه (٤)، ودليل هؤلاء، أن الله -تعالى- فَرضَ الصَّبر على المثلين دون ما زاد على ذلك فَرْضًا مُطلقًا، لا يختصُّ به عددٌ دون عدد، وذهب قومٌ إلى أنه لا يُباح الفرار عَمَّا فوق الضِّعف من الكفار، إلا لمن لم يبلغ جمعهم من المسلمين اثني عشر ألفًا، فإذا بلغ جمع
المسلمين اثني عشر ألفًا، فقد انْحَتَم العَزْمُ، ولزم الصَّبْر، وحَرُمَ حينئذٍ الفرار، بالغًا
_________________
(١) انظر: «قدوة الغازي» (١٩٧-١٩٨)، «النوادر والزيادات» (٣/٥٠)، و«الذخيرة» (٣/ ٤١٠)، وإليه ذهب ابن الماجشون في «الواضحة» . نقله ابن رشد في «بداية المجتهد» (١/٣٨٧)، والقرطبي في «تفسيره» (٧/٣٨٩)، وانظر: «التحرير والتنوير» (٢١/٢١٥) . وهو مذهب الشافعية -أي: اعتبار الضعف راجع إلى الجلد والقوة-، انظر: «روضة الطالبين» (١٠/٢٤٨-٢٤٩)، «مغني المحتاج» (٤/٢٢٦)، «تحرير الأحكام» لابن جماعة (ص ١٨٠) .
(٢) كذا في الأصل والمنسوخ، والأصوب أن يقال: «مثليهم» .
(٣) في الأصل: «حدًّا»، ومصححة في المنسوخ: «حدٌّ» .
(٤) «الأم» (٤/١٦٩)، «روضة الطالبين» «١٠/٢٤٨)، «مغني المحتاج» (٤/٢٢٦) .
[ ٢١٥ ]
عدد المشركين من الزيادة على الضِّعف ما بَلَغ، وهو قول محمد بن الحسن، وسائر أصحاب أبي حنيفة (١) .
ودليل هؤلاء: ما خرَّجه الترمذيُّ، وأبو داود، كلاهما عن ابن عباسٍ، عن النبي - ﷺ - قال: «خير الصحابة أربعة، وخير السَّرايا أربع مئة، وخير الجيوش أربعة الآف، ولن يُغلب اثنا عَشَرَ ألفًا من قِلَّة» (٢) . قال فيه الترمذي: «حسن
غريب» .
_________________
(١) انظر: «شرح السير الكبير» (١/٨٩)، «أحكام القرآن» (٤/٢٢٧) للجصاص، «الفتاوى الهندية» (٢/١٩٣) . وقال ابن القاسم: «.. وإن بلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفًا؛ لا يجوز التولي، وإن كان العدد زائدًا على الضعف» [«الذخيرة» (٣/٤١١)] .
(٢) أخرجه عبد بن حميد (٦٥٢)، وأبو داود (٢٦١١)، والترمذي (١٥٥٥)، وأحمد (١/ ٢٩٤)، وأبو يعلى (٢٥٨٧)، وابن خزيمة (٢٥٣٨)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١/٢٣٨)، وابن حبان (٤٧١٧)، والحاكم (١/٤٤٣ و٢/١٠١)، والبيهقي (٩/١٥٦)، ومحمد بن مخلد في «المنتقى من حديثه» (٢/٣/٢)؛ من طرق عن وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت يونس يحدث عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، مرفوعًا. وقد اختلف في وصله وإرساله، قال أبو داود: «الصحيح أنه مرسل»، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب، لا يسنده كبير أحد غير جرير بن حازم، وإنما روي هذا الحديث عن الزهري عن النبي - ﷺ - مرسلًا»، وقال أبو حاتم الرازي -كما في «العلل» لابنه (١/٣٤٧) -: «مرسل أشبه، لا يحتمل هذا الكلام أن يكون كلام النبي - ﷺ -» . وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه؛ لخلاف بين الناقلين فيه عن الزهري»، ووافقه الذهبي، وقال البيهقي: «تفرد به جرير بن حازم موصولًا»، وتعقبه ابن التركماني بقوله: «هذا ممنوع؛ لأن جريرًا ثقة، وقد زاد في الإسناد فيقبل قوله، كيف وقد تابعه عليه غيره»، وقال المناوي في «فيض القدر» (٣/٤٧٤): «ولم يصححه الترمذي؛ لأنه يروى مسندًا ومرسلًا ومعضلًا»، قال ابن القطان: «لكن هذا ليس بعلة، فالأقرب صحته»، ونقل تصحيحَ ابن القطانِ: الحافظُ ابنُ حجر في «إتحاف المهرة» (٣/٦٠)، قال: «وصححه ابن القطان؛ لأنه لا يرى الاختلاف في الإرسال والوصل علّة، كما هو رأي أبي محمد بن حزم» . قلت: وصححه -أيضًا- الضياء المقدسي في «المختارة» (٦٢/٢٩٢/٢) . وأخرجه الدارمي (٢٤٣٨) من طريق حبان بن علي، عن يونس، عن الزهري، به، وقرن بيونس: عُقيل بن خالد. =
[ ٢١٦ ]
ووجه الدليل من هذا الحديث في قوله - ﷺ -: «ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفًا من قِلَّة»، أنه يدلُّ على أنَّ مراعاة العدد فوق ذلك لا أثر له، إمَّا عادةً وإمَّا شرعًا، وأنه متى غُلِبَ هذا العدد، فلمْ يُؤت عليه من وجه القِلَّة، وإنما يكون ذلك من جهة التقصير، إما بالجُبن، أو التخاذل، وعدم الصدق، وفساد النِّيَّة، وتفرق الكلمة، وكلُّ ذلك ملوم صاحبه، فوجب أن لا يُعْذر، ولا يعتبر عند الانتهاء إلى هذا
_________________
(١) = وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف حبان بن علي. وأخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» (١/٢٣٩) والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٢٣٧) من طريق مندلٍ، وحبانَ ابني علي، عن يونس بن يزيد، عن عقيل بن خالد، عن الزهري، به. وهذا إسناد ضعيف لضعف مندل وحبان. وأخرجه أحمد (١/٢٩٩) وأيو يعلى (٢٧١٤) عن حبان -وحده -، عن عقيل -وحده-، به. وأخرجه الدارمي (٢٤٣٨) عن محمد بن الصلت، ولُوين في «حديثه» (ق٢/ ٢) -ومن طريقه القضاعي (١٢٣٩) -، وابن عدي في «الكامل» (٢/٨٣٣) من طريق داود بن عمرو، ثلاثتهم، عن عقيل بن خالد، به. وأخرجه أبو داود في «المراسيل» (٣١٤)؛ من طريق عثمان بن عمر، عن يونس بن يزيد، عن عقيل، عن الزهري، عن النبي - ﷺ -.. بمعناه مرسلًا. وقال: «قد أُسند هذا، ولا يصح» . وأخرجه عبد الرزاق (٩٦٩٩) عن معمر، عن الزهري، مرسلًا. وأخرجه كذلك سعيد بن منصور في «سننه» (٢٣٨٧)، وعنه أبو داود في «المراسيل» (٣١٣) عن عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن عقيل بن خالد، عن الزهري، مرسلًا، دون قوله: «لن يغلب اثنا عشر ألفًا من قِلَّة» . ورجال المرسَلَيْن ثقات من رجال الشيخين. وأخرجه -أيضًا- الطحاوي في «مشكل الآثار» (١/٢٣٩) من طريق عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن الزهري، مرسلًا. وعبد الله بن صالح حسن الحديث في المتابعات، ومن فوقه ثقات رجال الشيخين. وله شاهد من حديث أنس بن مالك عند ابن ماجه (٢٨٢٧)، والقضاعي (١٢٣٦)، و(١٢٣٨)، وإسناده ضعيف جدًا، وأورده ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/٥٨٠) . وآخر من حديث أكثم بن الجون عند البيهقي (٩/١٥٧)، وإسناده ضعيف جدًا. وعلى أيٍّ فالحديث لا يصح، وهو مرسل ضعيف. * تنبيه: كان شيخنا الألباني قد صحح الحديث في «الصحيحة» (٩٨٦)، و«صحيح أبي داود» و«صحيح الترمذي»، ثم تراجع عن تصحيحه -﵀-.
[ ٢١٧ ]
العدد (١) من مادة العدو على الضِّعف بحال، والحكمة في هذا ظاهرة في عُرْفِ القتال؛ لأن الجموع إذا انتهت إلى هذا القدر؛ لم يكن لمن زاد على ذلك أَثَرٌ في معالجة القتال؛ لأنهم كلهم لا يتمكنون من الكرِّ والحمل والمجالدة، بل لا يجدون مجالًا في الغالب، قال النابغة -يَصِفُ عظم الجيش، وتضييق بعضهم على بعض في النفوذ والسَّير-:
جَمْعًا يظلُّ به الفضاءُ مُعَضِّلًا يَدَعُ الإكامَ كَأنَّهنَّ صَحارِي (٢)
فصار الزائدُ في محل اللقاء، كأنه لم يكن، إذْ لا أثر يوجد منه في المحاولة والمغالبة.
فإن قيل: إنهم وإن لم يتمكنوا كلهم من القتال، فلهم من الغَناء أنَّ القَتْلَ إذا انْتَقَصَ شيئًا من عدد أصحابهم المقاتلين خَلَفه غيره، فلا يزالون موفورين،
وينقُص عدد الآخرين، فلا يوجد من يَسُدُّ مكانه في القتال.
قيل: إذا نقصوا عن اثني عشر ألفًا بالقتل ونحوه؛ لم يكن لمن بقي حكم الاثني عشر ألفًا، وعلى ماذهب إليه من ذلك أصحاب مذهب أبي حنيفة (٣) هو ظاهر ما يروى عن مالكٍ، حُكي عنه أنَّ سائلًا سأله، فقال: أَيَسْعُنَا التخلُّف عن قتال من خرج عن أحكام الله -تعالى-، وحكم بغيرها؟ فقال له مالك: إن كان معك اثنا عشر ألفًا مِثْلكَ؛ لم يَسعكَ التخلف، وإلا فأنت في سَعَة (٤) .
_________________
(١) رَسَمها الناسخ: «الحدد» .
(٢) «ديوان النابغة» (ص ١٠٥- ط. دار الكتاب العربي) . المعضل: الضيِّق. والإكام: مرتفع من الأرض، الواحدة (أَكَمة) . وهو يصف قومه وكثرة عددهم، فالمعنى: إن هؤلاء القومَ يضيقُ الفضاء بهم لكثرة عددهم، وتصبح المرتفعات الوعرة أرضًا مستويةً كالصحراء، بكثرة مرورهم بها.
(٣) انظر: «شرح السير الكبير» (١/٨٩)، «أحكام القرآن» (٤/٢٢٧) للجصاص، «الفتاوى الهندية» (٢/١٩٣) .
(٤) انظر: «الخرشي» (٤/١٩)، «حاشية الدسوقي» (٢/١٧٨)، وانظر توجيه الحديث في: «عون المعبود» (٧/١٩٣)، ورد ابن العربي في «العارضة» (٧/٤٤-٤٥) الاستدلال بهذا الحديث بأنَّ =
[ ٢١٨ ]
* مسألة:
إذا شَكَّ المسلمون في عدد عدوهم؛ هل زاد على الضِّعف أو لا؟ حَرُمَ التولّي -أيضًا-، حتى يقع اليقين الذي لا شكَّ فيه أنهم أكثر من مثليهم، والدليل على ذلك: أن الله -تعالى- أوجب الثبوت عند اللقاء، وحرَّم التولي، ولم يجعل في ذلك رخصةً إلا بعد الزيادة على الضِّعف، فما لم يُحقَّق ذلك فلم ينتقل عن الأصل، ولا وجد شرط الرخصة؛ فكان التولي ممنوعًا (١) .
* مسألة:
إذا زاد العدو على الضِّعف في العدد، إلا أنهم مع ذلك ضعفاء في أبدانهم، ودوابهم، وسلاحهم، ضَعْفًا بيِّنًا، أو كانوا ممن لا يعرف الحرب، ولا كبير غناء عندهم، وما أشبه ذلك، مما يُعلم في العادة أن المسلمين الذين لَقوهم لا يشقُّ عليهم مغالبتهم مع كثرة عددهم، ولا يضعفون عن مقاومتهم، لما هم عليه من القوّة والشوكة والقيام بالحرب، وما أشبه ذلك؛ فالتولي عنهم والفرار أمامهم حرامٌ -أيضًا- (٢)، والدليل عليه: أن الله -تعالى- أمر بالثبوت عند اللِّقاء، وإنَّما أرخص فيما زاد على الضِّعف تخفيفًا، إذا كان في المسلمين الذين لقوهم ضعْفٌ عن مقاومتهم. قال الله -سبحانه-: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكمُ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦]، فإذا لم يكن فيهم ضَعْفٌ عن لقاء مثلهم، بل ربّما شهدت الحال باستيلاء المسلمين عليهم إذا صدفوهم، فالتولي حرام؛ لأن علَّة التخفيف هنا لم توجد، مع ما في الفرار عن مثل
هؤلاء من التهاونِ بالدِّين، وتجرئةِ الكفار على المسلمين.
_________________
(١) = المراد: لا يُغلب اثنا عشر ألفًا من قلة بالنسبة لزمن النبي - ﷺ -، فاثنا عشر ألفًا في ذلك الزمن يعتبرون في حدّ الكثرة، ولذلك ضمن له النصر إذا صحّت النيات.
(٢) يخرَّج هذا الفرع على قاعدة (اليقين لا يزول بالشك) .
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٥٠)، وتقرير المصنف يدل على أنه يرجح أن الضِّعْفَ يكون في القوة والجَلَد، لا في العدد ، «الذخيرة» (٣/٤١١) -وفيه: «قال إمام الحرمين من الشافعية: إذا تيقن المسلمون أنهم لا يؤثرون شيئًا ألبتة، وأنهم يقتلون من غير نكاية العدو، ولا أثر أصلًا، وجبت الهزيمة من غير خلاف بين العلماء، وهو متّجه» -.
[ ٢١٩ ]
ولهذا المعنى نقول: إن الفرار أبدًا لا يحل، وإن زاد المشركون على الضِّعف، ما دام المسلمون بهم قوة عليهم، ولهم رجاء في الإحاطة بهم، والامتناع منهم؛ لأن التخفيف إنما جعل لما يكون من الضَّعْفِ عنهم، ورَفْعًا لتكليف ما يشق من الصَّبْر على مقاومتهم، والله أعلم.
وروي عن مالكٍ أنه قال: «لا يجوز الانحياز إلا عن خوفٍ بَيِّنٍ وضَعف» (١) .
وأما على مذهب من يعتبر في مراعاة المثلين: القوة والجَلَد (٢)، فلا يخفَى أن الثبوت واجبٌ في مثل هؤلاء، وإن زادوا في العدد على الضِّعف، والفرار عنهم حرام.
* مسألة:
إذا لَقي المسلمون مِثْلي عددهم من الكفار، دون زائدٍ عليهم، لكن كان لقاؤهم إياهم بأرض العدو، وفي موضع تكاثر جَمْعهم، وإمدادِ بعضهم بعضًا؛ لتعاقب ديارهم، وتضافر أعدادهم، فهم يخافون استجاشتهم عليهم وإجلابهم؛ فقد قيل: إن لهم في التولية سعَة (٣) .
وأقول: إنه لا يباح لهم الفرار، ولا سَعَة لهم في التولِّي عنهم، إلا أن يتزايد جمعهم، حتى يزيدوا على الضِّعف، والدليل على ذلك: أن التخفيف والرخصة في التولِّي إنما أبيح فيما زاد على الضِّعف، وما لم ينتهِ العدد إلى ذلك؛ فهم مخاطبون بالثبوت والصبر، والله أعلم.
*****
_________________
(١) «النوادر والزيادات» (٣/٥١)، وفيه: «وقال ابن المواز، عن مالك: لا يجوز الانحياز إلا عن خوفٍ بَيِّن، وعن جيش مستطلع، وضعفٍ من السلطان، فأمَّا عن أمر متناصفٍ في الغلبة لهم طمع؛ فلا، ولا يكون لأمير الجيش ما يكون للسرايا من الانحراف والتولِّي عنهم. قال: ولهم سعةٌ أن يثبتوا لقتال أكثر من الضعفين والثلاثة، وأكثر من أضعاف كثيرة، وهم يجدون مصرفًا عنهم» .
(٢) كما هو مذهب الشافعية. وقد مضى ذكر ذلك.
(٣) «النوادر والزيادات» (٣/٥٠) .
[ ٢٢٠ ]