في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام،
وبم يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في الغلول
قال الله -﷿-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، وقال -تعالى-: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]، وقال -تعالى-: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠] .
وخرَّج مسلم (١)، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنَّ أحدٌ قبلي: كان كل نبيٍّ يُبعث إلى قومه خاصة؛ وبُعثت إلى كل أحمر وأسود، وأُحلّت لي الغنائم ولم تحل لأحدٍ قبلي، وجُعلت لي الأرض طيِّبة طهورًا ومسجدًا، فأيُّما رجلٍ أدركته الصلاة صلَّى حيث كان، ونُصرت بالرُّعب بين يدي مسيرة شهرٍ، وأُعطيت الشفاعة» .
البخاري (٢)، عن عروة البارقي، عن النبي - ﷺ - قال: «الخيلُ معقودٌ في
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب المساجد (٥٢١) (٣) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب التيمم [الطهارة] (باب التيمم) (رقم ٣٣٥)، وفي كتاب الصلاة (باب قول النبي - ﷺ -: «جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا») (رقم ٤٣٨)، وفي كتاب فرض الخمس (باب قول النبي - ﷺ -: «أحلت لي الغنائم») (رقم ٣١٢٢) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب فرض الخمس (باب قول النبي - ﷺ -: «أحلت لكم الغنائم») (رقم ٣١١٩)، وأخرجه في كتاب الجهاد والسير (باب الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) (رقم ٢٨٥٠)، و(باب الجهاد ماضٍ مع البر والفاجر) (رقم ٢٨٥٢)، وفي كتاب المناقب (باب منه) (رقم ٣٦٤٣) . وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة (باب الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) (١٨٧٣) .
[ ٣٤١ ]
نواصيها الخير: الأجر والمغنم، إلى يوم القيامة» .
ولا خلاف بين الأمة في استباحة أموال الكفار بالاغتنام، وصحة تملك المسلمين ما حازوه منها على وجه الغزو والجهاد.
والأموال التي يحوزها المسلمون على الكفار على ثلاثة أحكام:
منها: ما يجب فيه الخُمسُ الذي سمَّى الله -تعالى-، ويكون سائر ذلك لأهل الجيش الذين حازوه، وهذه هي الغنائم باختصاص.
ومنها: ما يكون لمن حازه وحده، من غير خُمسٍ في ذلك يلزمه.
ومنها: ما لا يتعيَّن فيه حقٌّ لأحدٍ بعينه، وإنما يكون جميعه لمصالح المسلمين عمومًا، وهذا هو الفيء الذي قال الله -تعالى- فيه: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُربَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] إلى آخر الآيات.
والذي يختص به هذا الباب: ذكر الغنائم وقسمها، ونذكر النوعين الآخرين عقب ذلك في (الباب الثامن) بعد هذا، عند ذكر الأنفال والأخماس -إن شاء الله تعالى-؛ فأما:
الغنائم
وهي التي يُستحق فيها الخُمس، ويكون سائرها للغانمين، فيختلف في حدِّها:
فعند المالكية أنه: كلُّ مالٍ حازه المسلمون على المشركين بالقصد إليه، على سبيل المعالجة (١): بقتالٍ، أو احتيال، فيدخل في ذلك السرقة والتلصصُ (٢)، ويخرجُ منه ما جلا عنه الكفار، أو قُدِر عليه بغير علاج.
_________________
(١) المعالجة: الصِّراع والقتال. واعتلج القوم: اتخذوا صراعًا وقتالًا. انظر: «القاموس المحيط» (١/٢٤ و٤/١٥٨)، «لسان العرب» (٢/٣٢٦)، «الفيء والغنيمة» (ص ٢٣) .
(٢) انظر: «البيان والتحصيل» (٣/١٥)، «النوادر والزيادات» (٣/١٩٩) .
[ ٣٤٢ ]
وهي عند الشافعية (١): كلُّ مالٍ حازته الفئة المجاهدة على سبيل
الغَلبة، دون ما يُختلس ويُسرق؛ فإنه خاصٌّ بملك المختلس، وكذلك اللقطة لواجدها، دون ما ينجلي عنه الكفار بغير قتال، فإنه فيءٌ.
فالخلاف بينهم فيما أخذ سرقة واختلاسًا: هل يكون له حكم الغنمية أو لا؟ واتفقوا فيما حيز على وجه المغالبة أنه غنيمةٌ يُخمَّس ويُقسم، وفيما جلا عنه الكفار بغير قتال أنه فيءٌ.
وسنورد في أثناء المسائل من أقوال أهل العلم ما فرَّقوا فيه بين ما يجب فيه الخمس عندهم، وما يكون لمن أخذه، أو يكون فيئًا لجماعة المسلمين، ما يتبيَّن به تفصيل ما ذكرناه في حصْرِ ما ذهبوا إليه -بحول الله تعالى-.
والقول الجامع لأحكام الغنائم التي يجب تخميسها، وقسمُ سائرها على الغانمين يرجع إلى أربعة فصول:
* بيان ما يُستحق قَسمه من أصناف المال، مما لا يُستحق.
* وبيان من يستحق الإسهام من أصناف الناس، ممن لا يَستحق.
* وبيان ما يُستحق به الإسهام من الأفعال.
* وبيان وجوه القسم على الفرسان والرَّجْلِ.
ونحن -إن شاء الله- نذكر ذلك فصلًا فصلًا بمعونة الله وحوله
-تعالى-.
_________________
(١) قال أبو منصور الأزهري في كتابه: «الزاهر في غريب ألفاظ الإمام الشافعي» (ص ١٦٧): «الغنيمة: ما أُوجفَ عليه بالخيل والركاب، وأخذ عنوة» . وانظر: «الأم» (٤/١٤٦)، «مختصر المزني» (ص ١٤٧)، «الشرح الكبير» (١١/٤٢٤)، «الحاوي الكبير» (١٠/٤٢٥)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٦٠)، «تحرير ألفاظ التنبيه» (ص ٣١٧)، «التعريفات» للجرجاني (ص ١٦٨)، «الكليات» (٣/٣٠٦)، «فروق اللغة» (١٤٠)، «المصباح المنير» (مادة غ ن م)، «المفردات» (غ ن م) (٥٤٨)، «التوقيف على مهمات التعاريف» (ص ٥٤٢) .
[ ٣٤٣ ]
فصلٌ: في بيان ما يُستحق قسمه من أصناف المال
مما لا يُستحق
قال الله -﷿-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] .
فكان عموم الآية يقتضي تخميس كل شيءٍ استُولي عليه من الكفار، وقسم سائره في الغانمين؛ إلا أن يخصَّ شيئًا من ذلك دليلٌ فيوقف عنده.
والمستولى عليه صنفان: رِقاب الكفار، وأموالهم.
فأما صِنف الرقاب فنوعان: أسرى -وهم الرجال-، وسبيٌ -وهم النساء والذرية-.
فأما الأسرى؛ فقد تقدم القول فيهم، وتلخيصه: أن لأهل العلم في ذلك ثلاثة مذاهب؛ قول: إنهم يقتلون ولا بُدَّ. وقول: إنهم يُستحيون: للمن أو الفداء. وقول: إنَّ الإمام مخيَّرٌ فيهم على خمسة أحكام: القتل، والمن، والفداء، والاسترقاق، وضرب الجزية.
وأما السَّبيُ من النساء والصبيان، فإنهم بنفس الاستيلاء عليهم يُرقون بما أحكمته السُّنَّة من ذلك، فيصير حكمهم إلى حكم سائر أموال الغنائم في وجوب القسم والتخميس، من غير اختيارٍ يكون في ذلك للإمام؛ لأن التخيير الذي ثبت للإمام بالأدلة المنتزعة على ذلك من القرآن والسنة إنما هو خاص بأسرى الرجال، لكن يكون لمن صار إليه شيءٌ من السَّبي إما بالقسم أو بالشراء أو غير ذلك من وجوه التملك، أن يفدي بهم أو يُفادي، ويمنَّ بالعتق، ويتصرف في ذلك بما أباح له الشرع منه، وكذلك لو استطاب الإمام عنهم نفوس الغانمين. وكلُّ من يتوجه له فيهم حقٌّ، كان له أن يفعل فيهم من ذلك ما شاء على وجه النظر والمصلحة، إلا خلافًا في الأطفال: هل يُباح ردُّهم إلى الكفار؟ وقد مضى الكلام
[ ٣٤٤ ]
في ذلك مستوفىً في (الباب الخامس)، في (فصل: أحكام الأسرى) .
ومما جاء في المنِّ على السبي -النساء والذرية- ما رواه أبو
عبيد في كتاب «الأموال» (١) قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعدٍ، قال: حدثني عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، أن رسول الله - ﷺ - ردَّ ستة الآفٍ من سبي هوازن -من النساء والصبيان والرجال- إلى هوازن حين أسلموا الحديث؛ وفيه قال: وزعم عروة، أن مروان ابن الحكم، والمسور بن مخرمة أخبراه، أن رسول الله - ﷺ - قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يردَّ إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: «معي من ترون، وأحبُّ الحديث إليَّ أصدقُهُ، فاختاروا إحدى الطائفتين: إمَّا السبيُ؛ وإما المال، وقد كنت استأنيتُ بهم» . قال: وكان رسول الله - ﷺ - قد انتظرهم بضع عشرة ليلةً، حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله - ﷺ - غيرُ رادٍّ إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: نختار سَبينا.
فإذا تقرر ذلك، فيجيء على مذهب من رأى تخيير الإمام في الأسرى، منهم: مالكٌ، وغيره، وهو الذي تقدم ترجيحه بالأدلة: أنه متى حكم الإمام باسترقاقهم، توجهت عليهم أحكام الغنائم في القسم والتخميس، هذا لا إشكال فيه، ومهما قتل الإمام من رأى قتله من الرجال، خرج من جملة الغنيمة، وكان له حكم الاستثناء والتخصيص في عموم الآية في القسم والتخميس بما تقرَّر وثبت من الأدلة المتقدمة: أن الإمام مخيّرٌ في ذلك.
_________________
(١) كتاب «الأموال» (ص ١٥٦/رقم ٣١٤) . وأصل الحديث -دون ذكر عدد السَّبي- أخرجه البخاري في «صحيحه» (الأرقام: ٢٣٠٧، ٢٣٠٨، ٢٥٣٩، ٢٥٤٠، ٢٥٨٣، ٢٥٨٤، ٢٦٠٧، ٢٦٠٨، ٣١٣١، ٣١٣٢، ٤٣١٨، ٤٣١٩، ٧١٧٦، ٧١٧٧) . قال ابن القيم في «زاد المعاد» (٣/٤٧٣): «وكان السَّبيُ ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألفًا، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة» .
[ ٣٤٥ ]
واختلف في الوجوه الثلاثة: من المنِّ، والمفاداة به، والإقرار على ضرب الجزية؛ إذا رأى الإمام واحدًا منها:
فقيل: يكون ذلك كالقتل، يُخرجه من جملة الغنيمة.
وقيل: بل يصير له بالاستحياء حكم الغنيمة الواجب قسمها، فإذا فعل ذلك الإمام احتسب به من الخمس، بخلاف القتل، وكلا القولين لأصحاب مذهب مالك.
وسبب الخلاف فيما ذكره بعضهم هو: هل الغنيمة مملوكة بنفس
الأخذ، أو حتى تُقسم؟ (١) وقد كان يجب أن لا يختلفوا أنَّ ذلك كله واحدٌ في خروجه من جملة الغنيمة، سواء قيل: إن الغنمية تملك بالأخذ أو بالقسمة، ويكون له حكم الاستثناء، كقولهم في القتل ولا فَرْق؛ لقيام الأدلة على أن ذلك مُخيَّرٌ فيه الإمام، وليس هناك ما يقتضي أن يحسب ذلك من الخمس، بل الخمس مستحقٌّ -أيضًا- في أصنافٍ سمَّاهم الله -﷿-، كاستحقاق الغانمين للأربعة الأخماس، فكيف يحمل ذلك عليهم خاصة دون مستحقي الأربعة الأخماس، وجميعهم شركاء؟!
ومن الدليل على خروج ذلك من جملة الغنمية، ما خرَّجه البخاري (٢)، عن محمد بن جبير، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - قال في أسارى بدر: «لو كان المُطعم بن
_________________
(١) قال القرافي في «الذخيرة» (٣/٤٢٧) وذكره: «قولان في المذهب، وبالقسمة قال مالك» . وانظر خلاف العلماء في هذه المسألة: «الكافي» (١/٤١٠)، «المنتقى» (٣/١٧٦)، «رؤوس المسائل» لابن القصَّار (٥١)، «عقد الجواهر» (١/٤٧٧)، «تهذيب المسالك في نصرة مذهب الإمام مالك» (٣/٥٨٤)، «التمهيد» (٢٠/٣٨-٣٩)، «القوانين الفقهية» (١٣٠)، «الأم» (٤/١٤٧-١٤٨)، «التنبيه» (٢٣٥)، «الوجيز» (٢/١٩٣)، «مختصر الطحاوي» (٢٨٢)، «القدوري» (١١٤)، «المبسوط» (١٠/ ٣٢)، «رؤوس المسائل» للزمخشري (٣٦٧)، «بدائع الصنائع» (٧/١٢١)، «إيثار الإنصاف» (٢٣٠- ٢٣١)، «طريقة الخلاف» (٢٤٦، ٢٦٢)، «الغرة المنيفة» (١٦٠، ١٧٠)، «المغني» (١٣/١٠٧)، «المحرر» (٢/١٧٣)، «الإنصاف» (٤/١٦٣) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب فرض الخمس (باب ما مَنَّ النبي - ﷺ - على الأسارى من غير أن يخمس) (رقم ٣١٣٩)، وفي كتاب المغازي (باب منه) (رقم ٤٠٢٤) .
[ ٣٤٦ ]
عديٍّ حيًّا، ثم كلَّمني في هؤلاء النَّتنى؛ لتركتهم له» . فهذا سبيل المنِّ عليهم من الجملة، وكذلك بوَّب عليه البخاري: (باب المنّ على الأسرى من غير أن يُخمَّسوا) .
وأمَّا الصنف الثاني، وهو الأموال المستولى عليها، فنوعان: عقار، وأصناف المال غير العقار.
فأمَّا العقار، فاختلف أهل العلم في الأرضين المغنومة عنوة: هل ذلك مما يُخمس ويقسم على الجيش كسائر أصناف المال، أو حكم الأرضين حكم الفيء، لا حقَّ فيها للجيشٍ يخصُّهم، وإنما تكون وقفًا على مصالح المسلمين؟ ففي ذلك ثلاثة أقوال:
قول: إنها تقسم كسائر الأموال، وإليه ذهب الشافعي، وأبو ثور، وغيرهم (١)، ورُوي ذلك عن الزبير بن العوام (٢)، ودليلهم عموم
قوله -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا
_________________
(١) انظر: «الأم» (٤/١٤٤)، «مختصر المزني» (ص ٢٧٥)، «المهذب» (٢/٢٤٧)، «التنبيه» (١٤٧)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٧٥-٢٧٧)، «مغني المحتاج» (٤/٢٣٤)، «المجموع» (٢١/٤٢٠)، «الحاوي الكبير» (١٤/٢٥٥- ط. دار الكتب العلمية)، «مختصر الخلافيات» (٤/٥٠ رقم ١٧٣)، «المحلّى» (٧/٣٤١-٣٤٢) . وهو قول أبي سليمان الخطابي -كما في «المحلى» -. ونقل مذهب أبي ثور: ابن قدامة في «المغني» (٢/٥٨٢- «الشرح الكبير»)، والعيني في «عمدة القاري» (١٥/١٤٤)، وانظر: «فقه الإمام أبي ثور» (ص ٧٩٠) .
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» (١/١٦٦) قال: حدثنا عتّاب، حدثنا عبد الله، قال: أخبرنا عبد الله بن عُقبة -وهو عبد الله بن لهيعة بن عُقبة-، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عمَّن سمع عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة، يقول: سمعت سفيان بن وهب الخولاني يقول: لما افتتحنا مصر بغير عهدٍ قام الزبير بن العوام، فقال: يا عمرو بن العاص، اقسمها. فقال عمرو: لا أقسمها، فقال الزبير: والله لتقسمنّها كما قسم رسول الله - ﷺ - خيبر. قال عمرو: والله لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين. فكتب إلى عمر -﵁-، فكتب إليه عمر: أن أقرَّها حتى يغزو منها حبل الحبَلَةِ. قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة المبهم الذي لم يسمّ. وعبد الله -ويقال له أيضًا عُبيد الله- ابن المغيرة بن أبي بردة، لم يوثقه غير ابن حبان (٥/٥٣) . وسفيان بن وهب الخولاني: صحابي، شهد حجة الوداع وفتح مصر، وعاش حتى ولي الإمرة لعبد العزيز بن مروان على الغزو إلى إفريقية سنة =
[ ٣٤٧ ]
غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، فدخل في ذلك الأرض وغيرها، وما ثبت أن النبي - ﷺ - قسم خيبر على الغانمين (١)، وهذه أدلةٌ ظاهرةٌ قوية.
وقولٌ ثانٍ: إن الأرض لا تقسم، بل تكون وقفًا في مصالح المسلمين، على حكم الفيء، لا يستأثر أحدٌ بملك أعيانها، بل هي لكل من حضر ذلك، ومن لم يحضره، ومن يجيء بَعْدُ من المسلمين إلى يوم القيامة، وهو قول مالكٍ
_________________
(١) = (٧٨)، فبقي بها إلى أن مات سنة (٨٢) . وعبد الله: هو ابن المبارك، وروايته عن ابن لهيعة: مقبولة، فهو من العبادلة الأربعة التي تقبل رواية ابن لهيعة من طريقهم. وكذلك رواه عنه عبد الله بن وهب وهو من العبادلة -كما سيأتي-. وأخرجه ابن عبد الحكم في «فتوح مصر» (ص ٢٦٣)، عن يوسف بن عدي، والبلاذري في «فتوح البلدان» (ص ٢١٩-٢٢٠) من طريق يحيى بن آدم، كلاهما عن عبد الله بن المبارك، بهذا الإسناد. وأخرجه أبو عبيد في «الأموال» (رقم ١٤٩) عن ابن أبي مريم -وهو سعيد بن الحكم-، ومن طريقه الشاشي في «مسنده» (٤٣)، وأخرجه ابن عبد الحكم (ص ٨٨) عن عبد الملك بن مسلمة، وعثمان بن صالح، وابن زنجويه في «الأموال» (رقم ٢٢٧، ٥٧٦)، والبيهقي (٦/٣١٨) من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن ابن وهب، جميعهم عن ابن لهيعة، به. وليس في طريق ابن زنجويه يزيد بن أبي حبيب، ولا من سمع من عبد الله بن المغيرة. وقال عبد الله بن لهيعة -بعدما ذكر ابن عبد الحكم (ص ٢٦٣) رواية ابن المبارك، ورواية عبد الملك بن مسلمة-: وحدثني يحيى بن ميمون، عن عبيد الله بن المُغيرة، عن سفيان بن وهب، نحوه. فإن حفظ ابن لهيعة هذا، فيمكن أن يُحسن الحديث. قوله: «حتى يغزو منها حبل الحبلة»، قال ابن الأثير في «النهاية» (١/٣٣٤): يريد: حتى يغزو منها أولاد الأولاد، ويكون عامًا في الناس والدواب، أي: يكثر المسلمون فيها بالتوالد. وقال أبو عبيد: أراه أراد أن تكون فيئًا موقوفًا للمسلمين ما تناسلوا، يرثه قرنٌ عن قرن، فتكون قوة لهم على عدوهم.
(٢) أخرج البخاري في «الصحيح» في كتاب المغازي (باب في غزوة خيبر) (رقم ٤٢٣٥)، عن عمر قال: «أما والذي نفسي بيده، لولا أن أترك آخر الناس بَبَّانًا -أي: متساوون في الفقر- ليس لهم شيء، ما فُتحت عليَّ قرية إلا قسمتها، كما قسم النبي - ﷺ - خيبر، ولكني أتركها خزانةً لهم يقسمونها» . ونحوه في «صحيح البخاري» -أيضًا- (رقم ٢٣٣٤، ٣١٢٥، ٤٢٣٦)، و«سنن أبي داود» (٣٠١٠)، و«سنن البيهقي» (٦/٣١٦-٣١٨)، و«الأموال» لأبي عبيد (رقم ١٤٩) .
[ ٣٤٨ ]
وأصحابه (١) .
واستدلوا في ذلك بفعل عمر في أرض سواد العراق، وذكروا احتجاجه على ذلك بالآية من سورة الحشر، قوله -تعالى-: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآية كلها، إلى قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٧]، وإلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ إلى آخر الآيات، [الحشر: ١٠]، وقول عمر: ما أحدٌ إلاّ وله في هذا المال! حتَّى الراعي بعدن (٢) .
_________________
(١) انظر: «المدونة» (١/٣٨٦-٣٨٧)، «الكافي» (١/٤٨٢)، «المعونة» (١/٦٢٦)، «أسهل المدارك» (٢/١٣)، «المنتقى» (٣/٢٢١-٢٢٢)، «بداية المجتهد» (١/٤٠١)، «قوانين الأحكام» (١٦٧)، «الذخيرة» (٣/٤١٦-٤١٧)، «الخرشي» (٣/١٢٨-١٢٩)، «الشرح الكبير» (٢/١٨٩)، «الإشراف» (٤/٤٤٩- بتحقيقي) للقاضي عبد الوهاب.
(٢) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٦/٣٥١) من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم، قال: سمعتُ عمر يقول: وذكر أثرًا في قصة، وفي آخره آية الحشر المذكورة، وقول عمر: «والله ما من أحد من المسلمين إلا وله حق في هذا المال، أُعطي منه أو مُنع؛ حتى راعٍ بعَدَن» . وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٤/١٥١/ رقم ٧٢٨٧) عن عبد الله بن عمر، عن زيد بن أسلم: أن عمر جمع أناسًا من المسلمين فقال: «إني أريد أن أضع هذا الفيء موضعه؛ فليغد كل رجل منكم عليَّ برأيه، فلما أصبح قال: إني وجدت آية في كتاب الله -أو قال آيات- لم يترك الله أحدًا من المسلمين له في هذا المال شيء؛ إلا قد سماه» . وذكر جملة من الآيات، ثم قرأ الآية المذكورة، وقال: «فليس في الأرض مسلم إلا له في هذا المال حق، أُعطيه أو حُرِمه» . وإسناد عبد الرزاق ضعيف، فيه عبد الله بن عمر العمري، ضعيف. وزيد بن أسلم لم يسمع عمر، بل ولا من ابنه عبد الله. انظر: «جامع التحصيل» (٢١٦) . والواسطة بينهما أسلم، كما في إسناد البيهقي، وهو العدوي، مولى عمر: ثقة. وله عند البيهقي (٦/٣٥١-٣٥٢) طريق أخرى، وفيه ذكر للآية، وقوله: «فهذه استوعبت الناس، ولم يبق أحد من المسلمين إلا وله في هذا المال حق، إلا ما تملكون من رقيقكم، فإن أعش -إن شاء الله- لم يبق أحدٌ من المسلمين إلا سيأتيه حقُّه، حتى الراعي بسر وحمير؛ يأتيه حقُّه، ولم يعرق فيه جبينه» . وأخرج أبو عبيد في «الأموال» (١٤٩): أن عمر كتب لعمرو بن العاص: «أن دعها -أي: مصر- حتى يغزو منها حبل الحبلة»، قال أبو عبيد: «أراه أراد أن يكون فيئًا موقوفًا للمسلمين ما تناسلوا، يرثه قرن بعد قرن فتكون قوة لهم على عدوهم» .
[ ٣٤٩ ]
قالوا: وكان فعل عمر في توقيف الأرض بمحضر الصحابة، من غير نكير (١)، فدلَّ ذلك على أن معنى قوله -﷿-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]: فيما عدا الأرضين، وأن الأرض لا تدخل في عموم ذلك، واستدلوا بأشياء من هذا الباب، ليس فيها بيانٌ جليٌّ.
وقول ثالث: إن الإمام مخيَّرٌ بين أن يقسمها في المغانم، كما فعل رسول الله - ﷺ - بخيبر، أو يقفها لمصالح المسلمين، كما فعل عمر بأرض السَّواد، وهو قول سفيان الثوري، وأبي عُبيد، وأكثر الكوفيين (٢)، وكأنهم رأوا الآيتين -آية الغنيمة من سورة الأنفال، وآية الفيء من سورة الحشر- واردتين مورد التخيير في حكم الأرض بخاصّة، قال بعضهم: فقسم رسول الله - ﷺ - خيبر اتباعًا لآية الغنيمة، ووقف عمر أرض السواد اتباعًا لآية الفيء، وهذا أيضًا مما لا دليل عليه يوضح دعوى التخيير فيه، والأرجح ما ذهب إليه الشافعي، والله
أعلم (٣) .
_________________
(١) وتلا عمر على ذلك كلٌّ من: عثمان، وعلي -﵄-. فذكر هذا الفعل عن عثمان: أبو يوسف في «الخراج» (٣٥)، وأبو عبيد (ص ١٠٩)، وابن زنجويه (١/٢٥٣) كلاهما في «الأموال» . وأما عن علي: فقد أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١١/١١٠ رقم ١٠٦٥٦)، وأبو عبيد (رقم ٢٠٨)، وابن زنجويه (٣٢٣) كلاهما في «الأموال»، ويحيى بن آدم (١١٣-١١٧)، وأبو يوسف (٣٦-٣٧) كلاهما في «الخراج»، والبلاذري في «فتوح البلدان» (٢٦٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٩/١٣٥) من طرق عنه -وهي لا تسلم من ضعف أو انقطاع، ومجموعها يدلل على أن لها أصلًا- بألفاظ متقاربة، منها: «لولا أن يضرب بعضكم وجوه بعض؛ لقسمت السواد بينكم» .
(٢) وهم: أبو حنيفة وأصحابه، وسيأتي -قريبًا- توثيق ذلك.
(٣) بل الراجح -والله أعلم- أن الإمام مخير في الأرض المفتوحة عنوة؛ بين جعلها فيئًا وبين جعلها غنيمة، فإذا رأى المصلحة في جعلها غنيمة قسمها بين الغانمين؛ كما قسم النبي - ﷺ - خيبر، وإن رأى أن لا يقسمها جاز؛ كما لم يقسم النبي - ﷺ - مكة، مع أنه فتحها عنوة، وهذا مذهب: أبي حنيفة، والثوري، وأبي عبيد -كما ذكر ذلك المصنف-، وكذلك هومذهب: ابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، وأحمد في المشهور عنه. انظر: «الأموال» (١٠٧) لأبي عبيد، «الأموال» لابن زنجويه (١/٢٤٨)، «السير الكبير» (٣/ =
[ ٣٥٠ ]
وقد قيل عن عمر: إنه لم يفعل في أرض السواد ما فعلَ، حتى استطاب على ذلك نفوس أهل الجيش، قاله الشافعي (١)، قال: وكذلك الآن إذا غنموا أرضًا فَخُمِّسَتْ، ثم استطاب الإمام نفوس أهل الجيش عن أربعة الأخماس، فتركوا ذلك بطيب نفوسهم، فالإمام يقفها لمصالح المسلمين، كما فعل عمر، فهذا حكمُ الأرض، والاختلاف فيها.
فصلٌ
وأما أصناف المال غير العقار، وهي: الذهب، والفضة، والعروض: من الأثاث، والحيوان، والأطعمة، وغير ذلك، من سائر الأعيان التي أباح الشرع تملُّكها، فهي على وجهين: أسلابٌ، وغير أسلابٍ، فأما الأسلاب:
فمن رآها تختص ملكًا للقاتل، كما ذهب إليه الشافعي وأهل الظاهر وجماعة من أهل العلم
_________________
(١) = ١٠٣٩)، «مختصر الطحاوي» (ص ٢٨٥)، «الجامع الصغير» (ص ٢٥٤)، «الاختيار» (٤/١٢٤)، «الهداية شرح بداية المبتدي» (٢/٤٣٢)، «فتح القدير» (٥/٤٦٩)، «تبيين الحقائق» (٣/٢٤٨)، «البحر الرائق» (٥/٨٩)، «ملتقى الأبحر» (١/٣٦٠)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٩٤ رقم ١٦٤٤)، «حاشية ابن عابدين» (٤/ ١٣٨-١٣٩)، «المحرر» (٢/١٧٨)، «الفروع» (٦/٢٤٠)، «الهداية» لأبي الخطاب (١/١١٩-١٢٠)، «الإنصاف» (٤/١٩٠)، «منتهى الإرادات» (١/٦٤٧)، «المبدع» (٤/١٨)، «تنقيح التحقيق» (٣/٣٥٩)، «كشاف القناع» (٣/٩٤)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٧٣٧ المسألة رقم ١٩٨٨)، «التمام» للقاضي أبي الحسين الحنبلي (٢/٢١٨)، «الأحكام السلطانية» للقاضي أبي يعلى (ص ١٤٦-١٤٧)، «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٢٨/٥٨٨ و١٧/٤٨٩ و٢٩/٢٠٤-٢٠٧ و٣٤/١١٩) .
(٢) في «الأم» في كتاب الجزية (باب بلادة العنوة) (٤/١٨١)، ونقله عنه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٣١)، وعنه الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٦/٢٢٥)، ثم تعقبه الحافظ بأنه مخالف لتعليل عمر بقوله: «لولا آخر المسلمين»، قال: «لكن يمكن أن يُقال: معناه: لولا آخر المسلمين ما استطبتُ أنفس الغانمين»، ونقل عن الطحاوي أن قول عمر: «كما قسم رسول الله - ﷺ - خيبر»، قال: «فإنه يريد بعض خيبر؛ لا جميعها» . وبيَّن أن المراد بالذي قسمه من أرض خيبر: ما افتتح عنوة، والذي عزله: ما افتتح صلحًا. ا. هـ. قلت: وقال الشافعي في «سير الواقدي» (باب فتح السواد) (٤/٢٧٩- مع «الأم»): «ولا أعرف ما أقول في السواد إلا ظنًّا مقرونًا إلى علم» .
[ ٣٥١ ]
سواهم (١)، فهي عندهم مخصصة -أيضًا- من الآية، لا تدخل في القسم؛ للأدلة التي نَذكر في ذلك، إذا ذكرنا حكم السلب والخلاف فيه في (الباب الثامن) بعد هذا عند ذكر الأنفال -إن شاء الله تعالى-، ومن لم يرَ ذلك لم يحتج إلى هذا التفصيل، وكان حُكم الجميع عنده واحدًا في المقاسم (٢) .
وأما غير الأسلاب فضربان:
* ما تقدم عليه ملكٌ للكفار، وهو جميع ما حازوه، ووضعوا اليد عليه، من
_________________
(١) انظر: «الأم» (٤/١٤٢)، «روضة الطالبين» (٦/٣٦٨)، «اللباب في فقه الإمام الشافعي» (ص ١٨٣)، «المحلَّى» (٧/٣٣٥ المسألة رقم ٩٥٥) . وهو مذهب الحنفية والحنابلة. انظر: «مختصر الطحاوي» (٢٨٤)، «الهداية» (٢/٤٤١)، «بدائع الصنائع» (٧/١١٥)، «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص (٣/٤٥٦ المسألة رقم ١٦١١)، «المقنع» لابن البنا (٣/١١٦٦- ١١٦٧)، «شرح الزركشي على مختصر الخرقي» (٦/٤٧٢، ٤٧٧-٤٧٨)، «المغني» (١٣/٦٩- ط. هجر)، «الإنصاف» (٤/١٤٨) . وبه قال: ابن المنذر، وابن جرير. وروي ذلك عن سعد بن أبي وقاص. انظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/١٠٩)، «عيون المجالس» (٢/٧٣٠ المسألة ٤٧٤)، «المغني» (١٣/٦٩) . وخالف في ذلك المالكية، فقالوا: يُخمَّس. انظر: «المدونة» (١/٣٩٠)، «التفريع» (١/٣٥٨)، «الكافي» (١/٤٧٥)، «النوادر والزيادات» (٣/٢٢١، ٢٢٤) . وبه قال الأوزاعي، ومكحول. وهو قول ابن عباس؛ أخرجه عنه البيهقي (٦/٣١٢)، وابن أبي شيبة (١٢/٣٧٤ رقم ١٤٠٤٢)، وأبو عبيد في «الأموال» (٣٠٤)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/١١٠) . وأخرجه عن مكحول: سعيد بن منصور (٢/٢٨٦ رقم ٢٧١٢) . وانظر: «الأوسط» (١١/١١٠) . وقال إسحاق بن راهويه: إن استكثر الإمام السلب؛ خمَّسه، وذلك إليه. وذكر أثرًا عن البراء بن مالك، وأن سلبه بلغ مالًا كثيرًا، فخمَّسه عمر. رواه عبد الرزاق (٥/٢٣٣ رقم ٩٤٦٨)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/٢٣٢)، وابن أبي شيبة (١٢/٣٧١، ٣٧٢ رقم ١٤٠٣٤ و١٤٠٣٥)، وسعيد بن منصور في «السنن» (٢/٣٠٨ رقم ٢٧٠٨)، والبيهقي (٦/٣١٠، ٣١١)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٠٩-١١٠، ١٢٦-١٢٧) . وانظر: «المغني» (١٣/٧٩-٨٠)، و«الأوسط» (١١/١١٠) .
(٢) وهو مذهب المالكية. كما سيأتي في الباب الثامن -إن شاء الله-.
[ ٣٥٢ ]
ضروب الأموال.
* والثاني: ما كان على حكم الأصل قبل أن يحوزوه بالتملّك، نحو ما يقذف به في البحر من العنبر وغيره، وما يوجد من الجواهر
والأحجار في أرضهم، والخشب والصيد ونحو ذلك.
فأما الضرب الأول -وهو ما تقدم عليه ملك الكفار- فنوعان: طعام، وما يكون له حكم الطعام: من العلوفة، والأنعام تذبح، وما أشبه ذلك مما تدعو الجيش حاجةٌ في الغالب إليه.
والنوع الثاني: سائر الأموال مما عدا ذلك. وهذا النوع لا يحتاج إلى بيان، فهو مما يستحق قسمه باتفاق، ويحرم أخذ شيءٍ منه قبل القسم، بلا خلاف (١) .
وأما نوع الطعام، فالتبسُّط فيه بالأكل، والارتفاق للغني والفقير من الغزاة جائز، وذلك بشرطين:
أحدهما: الاقتصار بذلك على دار الحرب.
والثاني: أخذ قدر الحاجة هناك دون ما زاد.
خرَّج البخاري (٢)، عن ابن عمر قال: «كنا نُصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه» .
مسلم (٣)، عن عبد الله بن مغفلٍ، قال: أصبت جِرابًا من شحمٍ يوم خيبر،
_________________
(١) انظر: «اختلاف الفقهاء» (١١٠) للطبري، «مراتب الإجماع» (١١٦، ١١٩)، «موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي» (٢/٨٧٢، ٨٧٣) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجزية والموادعة (باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب) (رقم ٣١٥٤) .
(٣) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب) (٧٢) (١٧٧٢) . وأخرجه البخاري (رقم ٣١٥٣، ٥٥٠٨)، ومسلم (٧٣) (١٧٧٢)، وفيه: «فاستحييت منه» بدل: «مُتبسِّمًا» .
[ ٣٥٣ ]
قال: فالتزمته، فقلتُ: لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا، قال: فالتفتُّ، فإذا رسول الله - ﷺ - متبسِّمًا.
أبو داود (١)، عن محمد بن أبي مجالد، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: قلت: هل كنتم تخمِّسون -يعني: الطعام- في عهد رسول الله - ﷺ -؟ فقال: أصبنا طعامًا يوم خيبر، فكان الرجل يجيء ويأخذ منه مقدار ما
يكفيه، ثم ينصرف.
قال ابن عبد البر (٢): «أجمع جمهور علماء المسلمين على إباحة أكل الطعام إذا كان للحربيين، ما دام المسلمون في أرض الحرب، يأخذون منه قدر حاجتهم» .
وجملة قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والليث ابن سعد: أنه لا بأس أن يؤكل الطعام والعلف في دار الحرب بغير إذن الإمام، وكذلك ذبح الأنعام للأكل. وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور.
وكان ابن شهاب لا يرى ذلك إلا بإذن الإمام (٣) .
قال ابن عبد البر: «لا أعلم أحدًا قاله غيره» (٤) .
_________________
(١) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في النهي عن النُّهبى إذا كان في الطعام قلَّةٌ في أرض العدو) (رقم ٢٧٠٤) . وأخرجه أحمد (٤/٣٥٤-٣٥٥)، وعبد الرزاق (٩٣٠٤)، وسعيد بن منصور (رقم ٢٧٤٠)، والطحاوي في «المشكل» (٣٤٥٤)، والحاكم (٢/١٢٦، ١٣٣-١٣٤)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/ ٦٠)، وفي «دلائل النبوة» (٤/٢٤١)، عن عبد الله بن أبي أوفى. وهو صحيح. انظر: «صحيح أبي داود» لشيخنا الألباني -رحمه الله تعالى-.
(٢) «الاستذكار» (١٤/١٢٠ رقم ١٩٦٥٣) . وانظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/٧٧) .
(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (٥/١٧٩ رقم ٩٢٩٧) عن معمر، عنه.
(٤) «الاستذكار» (١٤/١٢١)، وجميع الكلام السابق منه. وانظر: «الأوسط» (١١/٦٩)، «المغني» (٩/٢٦٩، ٢٧٠)، «اختلاف الفقهاء» (٨٦، ٨٨، ٩٤) للطبري، «تحفة الفقهاء» (٣/٢٩٩)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٦٣ المسألة رقم ١٦١٦)، «مختصر المزني» (ص ٢٧١)، «الحاوي الكبير» للماوردي (١٠/١٨٩)، «الإقناع» له -أيضًا- (ص ١٧٨)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٦١)، «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٢/١٠٢)، «مغني =
[ ٣٥٤ ]
فأمَّا أن يُخرج أحدٌ من ذلك شيئًا إلى أرض الإسلام، فجمهور العلماء كرهوا ذلك، إذا كان لذلك الطعام قيمة، أو كانت للناس فيه هناك رَغبةٌ، وحكموا له بحكم الغنمية، فمن أخرج شيئًا من ذلك ردَّه إلى المقاسم إن أمكنه، وإلاَّ باعه وتصدَّق بثمنه.
وخالف في ذلك الأوزاعي، فجعل ما أخرجه من ذلك إلى دار الإسلام،
فهو له -أيضًا- (١) .
قلت: وإنما يكون أخذ الناس لما أخذوا من ذلك على الوجه المعروف، فإن كان انتهابًا فهو حرام. وقد كفأ النبي - ﷺ - قدور ناسٍ كانوا معه في سفرٍ، فأصابوا غنمًا، وقد اشتدت حاجتهم وجهدهم، فانتهبوها، ثم جعل يُرمل اللحم بالتراب، ثم قال: «إن النّهبة ليستِ بأحلَّ من الميتةِ، أو: إنَّ الميتةَ ليست بأحلَّ من النهبة» . ذكره أبو داود (٢) .
_________________
(١) = المحتاج» (٤/٢٣١)، «المعونة» (٢/٦١٠)، «الكافي» (١/٤٧١)، «النوادر والزيادات» (٣/ ٢٠٤-٢٠٥)، «الذخيرة» (٣/٤١٨)، «أسهل المدارك» (٢/١٠، ١١)، «نيل الأوطار» (٧/٢٩٤)، «عون المعبود» (٣/١٩)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤٥٢)، «فقه الإمام أبي ثور» (٧٨٧-٧٨٨) . وممن رخص في الطعام: سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد -أحد فقهاء المدينة السبعة-. أخرجه عبد الرزاق (٥/١٨١-١٨٢ رقم ٩٣٠٧) عن خالد بن أبي عمر، عنهما. ورخص فيه وفي العلف: الحسن، والقاسم، وسالم بن عبد الله بن عمر -﵁-، والشعبي. أخرجه عن الشعبي: عبد الرزاق (١٢/٤٤١ رقم ١٥١٩٠) . وانظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/٦٩) .
(٢) جلُّ الكلام السابق في «الاستذكار» (١٤/١٢١-١٢٢ رقم ١٩٦٦٠، ١٩٦٦١) . وحكى مذهب الأوزاعي: الشافعي في «الأم» (٧/٣١٣)، وابن جرير في «اختلاف الفقهاء» (٨٨) . وانظر: «عون المعبود» (٣/١٩)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤٥٢) . وقال ابن عبد البر: «روى بشر بن عبادة، عن عبادة بن نُسَيٍّ، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ ابن جبل، أنه قال: كلوا لحم الشاة، وردُّوا بها إلى المغنم، فإنَّ لها ثمنًا» .
(٣) في «سننه» في كتاب الجهاد (بابٌ في النهي عن النُّهبى، إذا كان في الطعام قلَّةٌ في أرض العدو) (رقم ٢٧٠٥) عن رجل من الأنصار. والحديث صحيح. =
[ ٣٥٥ ]
وخرَّج الترمذي (١) عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من انتهب؛ فليس منا» . قال فيه: حسنٌ صحيح.
وأما الضرب الثاني، وهو ما أُلْقي في أرض الكفار على حكم الأصل
قبل أن يحوزوه، أو يضعوا عليه يد التملك؛ فهذا الضَّرب: من رآه لواجده، وأنه ليس على حكم الغنائم؛ لأنه لم يكن مُلكًا للكفار قبل، فهو ظاهر، ولا يحتاج إلى تفصيل، ونحو ذلك هو المرويُّ عن الشافعي (٢) .
وأما بعض المالكية فقسموا ذلك على نوعين:
_________________
(١) = وأخرجه الطيالسي (١١٩٥)، وعبد الرزاق (١٨٨٤١)، وابن ماجه (رقم ٣٩٣٨)، وابن حبان (٥١٦٩)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/٤٩)، و«المشكل» (١٣١٨)، والطبراني في «الكبير» (١٣٧١-١٣٨٠)، والحاكم (٢/١٣٤)، والمزي في «تهذيب الكمال» (٤/٣٩١)، من حديث ثعلبة بن الحكم، قال: أصبنا غنمًا للعدو، فانتهبناها، فنصبنا قدورنا، فمرَّ النبي - ﷺ - بالقدور، فأمر بها فأكفئت، ثم قال: «إن النُّهبة؛ لا تَحلُّ»، وإسناده حسن.
(٢) في «جامعه» في كتاب السير (باب ما جاء في كراهية النُّهبة) (رقم ١٦٠١) . وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أنس. ورواه ابن ماجه (رقم ١٨٨٥) بلفظ: «لا شغار في الإسلام» . ورواه أبو داود (رقم ٣٢٢٢) بلفظ: «لا عَقْر في الإسلام» . ورواه النسائي في «المجتبى» (٤/١٦)، وعبد الرزاق (٦٦٩٠)، وابن أبي شيبة (٧/٥٧)، وأحمد (٣/١٤٠، ١٩٧)، وعبد بن حميد (١٢٥٣)، والطحاوي في «المشكل» (١٣١٦، ١٨٩٥)، وفي «الشرح» (٣/٤٩)، وأبو القاسم البغوي في «الجعديات» (٣٠٩١، ٣٠٩٢، ٣٠٩٣، ٣٠٩٤)، والبزار (١٧٣٣- كشف الأستار)، وابن حبان (٣١٤٦)، والبيهقي (٤/٦٢)، والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (٢١٢٤، ٢١٢٥، ٢١٢٦) . والروايات مطولة ومختصرة. والحديث صحيح. انظر: «صحيح سنن الترمذي» .
(٣) انظر: «الأم» (٥/٦٤٨- ط. دار الوفاء)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٦١)، «البيان» للعمراني (١٢/١٨١) . إلا أن يكون الشيء الموجود في أرض الكفار -من حجرٍ، وحطبٍ وصيد برّي وبحري، مصنوعًا، أو صيدًا مقرطًا، أو موسومًا، أي: إلا أن يكون حجرًا مصنوعًا بنقر أو نقش، أو منحوتًا. والمقرط: من في أذنه قرط. قاله الشافعي -كما في «الروضة» -.
[ ٣٥٦ ]
منه ما يكون له في جنسه بال: كالجوهر، والياقوت، والعنبر. قال أبو الوليد الباجي (١): «فهذا قياسه على مذهب أصحابنا، أنه فيءٌ كله كالنساء والصبيان» .
يعني بالفيء: الغنيمة، وأنه يقسم على حكم الغنائم بعد التخميس، ولا يكون لواجده فيه حقٌّ يختصُّ به، إلا ما أوجبه القسم.
والنوع الثاني: ما لا خطر له في جنسه، كطيور الصيد: البازي، والصقر، ونحو ذلك، وكذلك الخشب تُنحت منه السهام، والقتب، والسرج، وكالحجر من الرخامة، والمِسَنِّ (٢)، وشبه ذلك؛ فالذي عليه أكثر المالكية: أنَّ ما كان له من ذلك قيمةٌ بأرض العدو لخفَّة حمله والاغتباط به، فهو في المغانم، ويُحكى نحو ذلك عن مالك، وما لا كبير قيمة له، فلم ير به بأسًا (٣) .
رُوي عن مالك في أخذ العصا والدواء من الشجر، قال: لا أرى بأسًا، وفي الرُّخام والمِسنِّ؛ شكٌّ، قال: لأنه لم يَنَلْ ذلك الموضع إلا بجماعة الجيش؛ فلا أحبّه؛ وسهّل في السرج يصنعه من ذلك والنشّاب، وقال في صيد الطير من أرض العدو: إذا باعه، أدى ثمنه إلى صاحب المقاسم. وأباح القاسم (٤) وسالم في صيد الطير والحيتان: أن يبيعه
ويأكل ثمنه (٥) .
_________________
(١) في «المنتقى شرح موطأ الإمام مالك» (٣/١٧٧- ط. دار الكتاب العربي) .
(٢) المِسنّ: بكسر الميم: وهو كل ما يُسنُّ به أو عليه. انظر: «القاموس المحيط» (٤/٢٣٨) .
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٢٠٩)، «البيان والتحصيل» (٢/٥٥٠)، «الذخيرة» (٣/ ٤١٩-٤٢٠) .
(٤) كذا في الأصل، وأثبتها الناسخ: «ابن القاسم» وكَتَبَ في الهامش ما نصه: «بالأصل: «وأباح القاسم» ولعله أحد الفقهاء السبعة» . قلت: صوابه (القاسم) -كما في الأصل-، ومذهبه في المسألة المزبورة في «المدونة» (١/٥٢٣- ٥٢٤- ط. دار الكتب العلمية)، و«المغني» (١٣/١٢٣)، و«الذخيرة» (٣/٤١٩) .
(٥) وانظر: «النوادر والزيادات» (٣/٢١٣)، «البيان والتحصيل» (٢/٥٥٠)، «الأوسط» (١١/٧٤) .
[ ٣٥٧ ]
وقاله الأوزاعي (١) في الحطب والحشيش: إن أخذه فباعه فله ثمنه، ولا خُمس فيه. وقال فيما لم يحرزوه في بيوتهم؛ نحو: الشجر، والأقلام، والأحجار، والمِسنّ، والأدوية: إن لم يكن لشيءٍ منها ثمن؛ أخذه من شاء، فإن عالجه فصار له ثمن؛ فهو له ليس عليه فيه شيء، وقاله مكحول (٢) .
وقال أحمد بن حنبل (٣): «ما أصاب ببلاد الروم مما ليس له هناك قيمة، فلا بأس بأخذه» .
قال الشافعي (٤): «ما كان مباحًا ليس ملكه لآدمي، أو صيدٍ من برٍّ أو بحر، فأخذه مباح، يدخل في ذلك القوس يقطعها الرجل من الصحراء، أو الجبل، والقدح ينحته، وما شاء من الخشب، وما شاء من الحجارة، للبِرامِ (٥) وغيرها، فكل ما أصيب من هذا؛ فهو لمن أخذه» .
وقال أصحاب الرأي (٦): «كل شيء أصابه المسلمون في دار الحرب له ثمنٌ مما في عسكر أهل الحرب، أو ممَّا في الصحارى والغيطان والغياض، فهو في الغنيمة، لا يحلُّ لرجلٍ كتمه، من قبل أنه
لم يقدر على أخذه إلا بالجند، ولا على
_________________
(١) انظر: «المغني» (١٣/١٢٣، ١٢٤) .
(٢) أسنده عنه سعيد بن منصور في «سننه» (٢/٢٤١-٢٤٢)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٢/٥١١-٥١٢) . وانظر: «المدونة» (١/٥٢٣- ط. دار الكتب العلمية)، «الأوسط» لابن المنذر (١١/٧٤)، «المغني» (١٣/١٢٣، ١٢٤)، «فقه الإمام مكحول» (ص ١٨٥-١٨٦) .
(٣) «المغني» (١٣/١٢٤- ط. هجر)، «الممتع في شرح المقنع» (٢/٥٨١) . وانظر: «الأوسط» (١١/٧٥) .
(٤) في «الأم» . كتاب سير الواقدي (باب إحلال ما يملكه العدو) (٤/٢٨٠) . وانظر: «الأوسط» (١١/٧٥)، «مغني المحتاج» (٤/٢٣٢) .
(٥) كذا في الأصل، وأثبتها الناسخ: «للبدام» بالدال المهملة. وكتب في الهامش ما نصُّه: «للبدام، ولعلها: للبرام جمع برمة» . قلت: وهو الصواب.
(٦) «مختصر الطحاوي» (ص ٢٨٣)، «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠٠)، «اللباب» (٤/١٣٦) . وانظر: «الأوسط» (١١/٧٥) .
[ ٣٥٨ ]
مبلغه حيث بلغ؛ إلا بجماعة أصحابه» .
قلت: فقد عاد الخلاف فيما يوجد بأرض العدو مما لايملكه أحدٌ منهم منحصرًا في ثلاثة أقوال:
إباحة ذلك مطلقًا، على ما ذهب إليه الشافعي، ومنع ذلك مطلقًا، إلا أن يُجعل في الغنائم، على ما ذهب إليه أصحاب الرأي، والتفرقة بين ما لَهُ من ذلك ثمنٌ، وما لا ثمن له، فيباح ما لا خطر له، ويمنع ما له خَطَرٌ، وإليه ذهب: مالكٌ، وأحمدُ بن حنبل، وغيرهم ممن تقدم ذكره.
فأمَّا مستند من منع مطلقًا، فقد أفصحوا بذلك، حيث رأوا أن شيئًا من ذلك لم يقدر عليه إلا بالجيش، فهم شركاؤه، وأما مُستند من أباح ذلك مطلقًا، فإنه لما لم يُضَفْ إلى ملك مالكٍ؛ استحقَّه واجده، كما يكون ذلك في أرض الإسلام، وأوضح من هذا أنه مالٌ: لم يَجْرِ (١) عليه مُلك الكفار، فلم يتناوله حكم الاغتنام، وهذا راجح.
وأما التفرقة بين ما لَهُ ثمنٌ من ذلك، وما لا ثمن له؛ فاستحسان.
* مسألة:
اختلف فيما عجز الجيش عن حمله من المغانم؛ فطرحه الإمام، أو أراد إحراقه، فأخذه رجلٌ من الجيش.
فرُوي عن مالكٍ في مثل ذلك أنه لمن أخذه دون الجيش، ولا خُمس فيه، ونحوه قال الأوزاعي. وقال أشهب: لا يكون لمن أخذه، وهو فيه كرجلٍ من الجيش (٢) .
_________________
(١) كذا في الأصل، وأثبتها الناسخ: يُجْبَر. وكتب في الهامش: «كذا، ولعلها: لم يَجِدْ» . قلت: والمثبت هو الصواب.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٢١٣-٢١٤)، وفيه: «قال محمد بن الموَّاز: وقول أشهب فيما أظن فيما لو تركت السرية مَن ما لَوْ رجعت إليه لحملوه ما داموا بأرض العدو. فأما ما تركوه عند قفولهم مما يُؤَيَّس من الرجعة فيه، فهو لمن أخذه ولا يُخمس، وهو قول مالك»، ومذهب الأوزاعي في «الأوسط» (١١/٨٢) لابن المنذر.
[ ٣٥٩ ]
قال ابن المنذر (١): «كان الليث بن سعد يقول: «من ترك دابة قامت
عليه بمضيعةٍ؛ لا تأكل ولا تشرب، فهي لمن أخذها، إلا أن يكون تركها وهو يريد أن يرجع إليها، فيرجع مكانه فهي له» .
وقال الحسن بن صالح -في الرجل يأكل التمرة ويرمي بالنوى-: «إنَّ النوى لمن أخذه، وكذلك كل شيء سوى النَّوى خلَّى عنه وتركه وأباحه للناس من دابةٍ، أو غير ذلك، فإن أخذه إنسانٌ، فليس لربِّ المال أن يرجع فيه» .
وقاله الشعبي -فيمن قامت عليه دابته فتركها-: «هي لمن أحياها»، قيل: عمَّن هذا يا أبا عمرو؟ فقال: «إن شئت عددتُ لك كذا وكذا من أصحاب رسول الله - ﷺ -» (٢) .
_________________
(١) في «الأوسط» (١١/٨١)، وكل الذي بعده من كلام ابن المنذر، إلى قول المصنف: «قلت .
(٢) أخرجه البيهقي في «الكبرى» (٦/١٩٨) بسنده إلى عبيد الله بن حميد الحميري، قال: سمعت الشعبي، فذكره. فقوله: «قيل» القائل هو: عبيد الله. لكن قال البيهقي: «هذا حديث مختلف في رفعه، وهو عن النبي - ﷺ - منقطع، وكل واحدٍ أحقُّ بماله، حتى يجعله لغيره، والله أعلم» . ووافقه الذهبي في «مهذب السنن الكبرى» . وتعقب التركماني في «الجوهر النقي» كلام البيهقي، فقال: «قلت: قد قدّمنا في باب: فضل المحدث، أن مثل هذا ليس بمنقطع، بل هو موصول، وإن الصحابة كلهم عدول، وقد ذكرنا في ذلك الباب من كلام البيهقي ما يدل على ذلك» . وقد أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/١٩٨)، وأبو داود في «سننه» (رقم ٣٥٢٤) بإسناد حسن -ومن طريقه البيهقي (٦/١٩٨) -، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/٨٣) عن عبيد الله بن حميد ابن عبد الرحمن الحميري، عن الشعبي حدثه: أن رسول الله - ﷺ - قال: «من وجدَ دابةً، قد عجز عنها أهلها أن يعلفوها فسيَّبوها، فأخذها، فأحياها، فهي له» . قال عبيد الله: فقلتُ: عمَّن؟ قال: عن غير واحدٍ من أصحاب النبي - ﷺ -. وأخرج أبو داود -أيضًا- (برقم ٣٥٢٥) ومن طريقه البيهقي (٦/١٩٨) نحوه مرفوعًا. والحديث حسن -كما قال شيخنا الألباني ﵀-. انظر: «صحيح أبي داود» . وأورد ابن حزم في «المحلّى» (٨/٢٠٨) عدة آثار عن الصحابة في أجرة من يردّ عبدًا آبقًا =
[ ٣٦٠ ]
وقال مالك -في القوم في البحر يلقون بعض متاعهم خشية الغرق فيأخذه غيرهم، أو الدابة تقوم على الرجل فيتركها بالفلاة، فيأخذها بعض من مرَّ بها فيصلحها، ثم يأتي صاحبها فيريد أخذها-: «إنَّ ذلك
يردُّ إلى صاحبه، فإن كان أنفق عليه شيئًا أخذ منه» (١) .
فَفَرَّق مالكٌ بين هذا وبين ما يلقيه صاحب المقاسم.
وفي مذهب الشافعي: يأخذه صاحبه، ولا شيء للذي أنفق عليه؛ لأنه متطوع لم يؤمر بذلك (٢) .
وقال الليث: ليس لمن ترك ذلك من أهل المركب، ولا صاحب الدابة شيء؛ لأنهم طرحوه على وجه الإياس منه (٣) .
وفرَّق أحمد بن حنبل، فقال في الدابة: هي لمن أحياها، وفي المتاع يلقيه الرجل فيأخذه آخر: يعطى كراءه، ويُردُّ على صاحبه» (٤) .
قلت: وجه ما ذهب إليه مالك، في أن جميع ذلك لصاحبه: هو أن ملكه على ذلك ثابت بالشرع، فلا يذهب إلا بمزيل شرعيٍّ، وليس تركه ذلك لغير مالكٍ سوَّغه
_________________
(١) = لسيده، ثم قال: «كل ذلك لا يصح» . وقال: «وأمَّا التابعون؛ فصحَّ عن شريح وزياد ورُوي هذا عن الشعبي، وبه يقول إسحاق بن راهويه وصحَّ عن عمر بن عبد العزيز» . ومذهب الشعبي عند أبي إسحاق الفزاري في «السير» (رقم ١١٨) .
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» (١٠/٤٨٠-٤٨١، ٤٨٣) .
(٣) انظر: «روضة الطالبين» (٥/٤٠٣)، «البيان» للعمراني (٧/٥٤٠، ٥٤١) .
(٤) ووافقه ابن وهب في الدابة، ومذهب الليث في «المغني» (٦/٤٠٠)، «المحلّى» (٧/ ٤٨٠ مسألة رقم ٩٣١)، «فقه الإمام الليث بن سعد» (ص ٢٧٨) .
(٥) إلى هنا انتهى كلام ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٨١-٨٢) . قال في «المغني» (٦/٤٠٠ رقم ٤٥٥٤- ط. دار الفكر): «وله أخذ العبد والمتاع ليخلِّصه لصاحبه، وله أجر مثله في تخليص المتاع، نُصَّ عليه، وكذلك في العبد على قياسه» . وقد ذكر المسألة بتفصيل بديع: ابن رجب في «تقرير القواعد» (٢/٦٩-٧٠- بتحقيقي) فارجع إليه. ووافق أحمد في هذا التفريق: إسحاق بن راهويه، واحتج بما روي عن الشعبي -وقد مضى-.
[ ٣٦١ ]
إياه بمزيلٍ عنه ملكه بحال، فمن أخذه بَعدُ، فإنما أخذه على ملك الأول، فوجب أن يرد عليه. ووجه تفريق مالك بين ما تركه الرجل من ماله وبين ما طرحه الإمام من المغانم عجزًا عن حمله، حيث رأى ذلك لمن أخذه: أن ملك الجيش لما غنموه لم يتقرَّر تقرر الأملاك المُتعيّنة بأيدي أربابها، فلم يلزم فيها مثل ذلك.
ووجه ما ذهب إليه الليث، والشعبي، وحكى مثله عن بعض الصحابة في إباحة ذلك لمن أخذه وأصلحه، أنَّ مالكه حين تركه يائسًا منه فقد أباحه لكل من أخذه، فإذا حازه إنسان، فقد خرج عن ملك صاحبه بإباحته إياه، وقبض الثاني له.
وأما تَفْرِقةُ من فرَّق بين الدابة والمتاع، فهو غير خارجٍ عن هذا
الأصل، إلا أنه غلَّب في تارك الدابة حين يئس منها، أن ذلك لايكون إلا تخلِّيًا عنها وإباحةً لمن شاء أخذها؛ لأن بقاءها دون قيٍّم عليها لا يكون معه حياتها، بخلاف المتاع وشبهه، قد يبقى المدة حتى يرجع إليه صاحبه، فلم يكن في تخليته إياه دليل على يَأْسِه منه، وإباحته لمن أخذه.
وأما اختلاف مالكٍ والشافعي في النفقة: هل يرجع بها على صاحب الدابة والسلعة، أو لا؟ فكلاهما ينتزع من قوله -تعالى-: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، فمن رأى أنه لا رجوع له بما أنفق، قال: لأنه أنفق ماله متطوعًا، فلم يكن له الرجوع على غيره، وهو لم يأمره، ولا التزمه له؛ لأنه أكل مالٍ بالباطل، ومن رأى له الرجوع بما أنفق قال: لأن إنفاقه لم يكن تطوعًا محضًا، لكن بشرط أن يتم له الملك، فلما لم يتم له ذلك، وحَصَلَ للآخر انتفاعٌ بما أنفق، كان لازمًا له الغرم، وإلا فهو أكل مالٍ بالباطل.
* مسألة:
إذا غلب الكفار على شيء من أموال المسلمين، ثم غنمه المسلمون في جملة أموال الكفار، ففي ذلك خلاف بين أهل العلم يرجع إلى ثلاثة أقوال:
قول: إنه مِلْكٌ لصاحبه كما كان، يأخذه متى وجده، قبل القسم وبعده،
[ ٣٦٢ ]
تداولته الأملاك، أو لم تتداوله؛ كالحال في المغصوب بين المسلمين ولا فرق، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وأهل الظاهر (١) .
ودليلهم: قول الله -تعالى-: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وغير ذلك من الأدلة التي بها يستحق المغصوبات، ويُسترجع كل مالٍ أُخذ من مالكه على غير وجه الشرع، ولا فرق بين أخذ الكفار له كذلك أو المسلمين، وأخصُّ من هذا بالمسألة ما احتجَّ به الشافعي في قصّة العضباء.
خرَّج مسلم (٢)، عن عمران بن حصين قال: أُسرت امرأة من الأنصار، وأُصيبت العضباء، فكانت المرأة في الوثاق، وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم، فانفلتت ذات ليلة من الوثاق، فأتت الإبل، فجعلت إذا دنت من البعير رَغَا
_________________
(١) انظر: «الأم» (٤/٢٧٦- ط. دار الفكر)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٩٣-٢٩٤)، «مختصر المزني» (٢٧٣)، «الحاوي الكبير» (١٨/٢٤٩-٢٥٠)، «التنبيه في الفقه الشافعي» (ص ٢٣٥)، «المهذب» (٢/٢٤٣)، «السنن الكبرى» للبيهقي (٩/١٠٩)، «الأحكام السلطانية» للماوردي (١٣٤-١٣٥)، «حلية العلماء» (٧/٦٧٢) -وفيه: «وبه قال ربيعة» -، «المحلّى» (٧/٣٠٠ المسألة رقم ٩٣١) . وانظر -في قول ربيعة-: «المدونة» (١/٣٧٦) . لكن على أن يدفع السلطان إلى الغانم قيمته من مال المصالح. وانظر في قول أبي ثور: «الاستذكار» (١٤/١٢٥)، «بداية المجتهد» (٢/٤٨٨)، «فقه الإمام أبي ثور» (ص ٧٨٨) . وهو مرويٌّ عن أبي بكر، وعليٍّ، وعبادة بن الصامت -رضي الله تعالى عنهم أجمعين-، -كما في «عيون المجالس» (٢/٦٩٥) -. وانظر: «مصنف عبد الرزاق» (٥/١٩٣-١٩٤)، «السنن الكبرى» للبيهقي (٩/١١١-١١٢) . ومن التابعين: عطاء وربيعة. انظر: «رؤوس المسائل» لابن القصَّار (٥٢) . ويُروى عن عليٍّ -﵁- خلاف هذا القول -كما سيأتي-. وهو القول الثاني الذي يذكره المصنف بعدُ.
(٢) في «صحيحه» في كتاب النذر (باب لا وفاء في معصية الله ولا فيما لا يملك العبد) (٨) (١٦٤١) .
[ ٣٦٣ ]
فتتركه، حتى تنتهي إلى العضباء، فلم تَرغُ -قال: وهي ناقةٌ مُنوَّقة- (١) فقعدت في عجزها، ثم زجرتها، فانطلقت، ونَذِرُوا بها فطلبوها، فأعجزتهم، قال: ونذرت لله: إن نجَّاها الله عليها لتنحرنَّها، فلما قدمت المدينة رآها الناس، فقالوا: العَضباء: ناقة رسول الله - ﷺ -، فقالت: إنها نذرت إن نجَّاها الله عليها لتنحرنَّها، فأتوا رسول الله - ﷺ - فذكروا ذلك له، فقال: «سبحان الله! بئس ما جَزَتْها! نذرت لله إن نجَّاها الله عليها لتنحرنَّها؟!، لا وفاء لنذرٍ في معصية، ولا فيما لا يملك» .
قال: فهذا دليل على أن أهل الحرب لا يملكون علينا بالغَلبة، ولا بغيرها، ولو ملكوها لكانت المرأة قد مَلَكتها كسائر أموالهم، وكان يصحُّ نذرها.
وفي البخاري (٢)، عن ابن عمر قال: ذهب فرس له، فأخذه العدو، فظهر عليهم المسلمون، فرُدَّ عليه في زمان رسول الله - ﷺ -، وأبَق عبدٌ له، فلحق بالروم، فظهر عليه المسلمون، فردَّه عليه خالد بن الوليد بعد النبي - ﷺ -.
وقول ثانٍ: إن ما حازه العدو من ذلك فقد ملكوه، فإذا استولى عليه
_________________
(١) منوَّقة: أي: ذلول مُجرَّسة. أو: هي المدرَّبة. كما في بعض روايات الحديث.
(٢) علَّقه في «صحيحه» . في كتاب الجهاد والسير (باب إذا غنم المشركون مال المسلم، ثم وجده المسلم) (رقم ٣٠٦٧) . ووصله ابن أبي شيبة (١٢/٤٤٥)، وعبد الرزاق (٩٣٥٢، ٩٣٥٣) في «مصنفيهما»، وسعيد بن منصور (٢٧٩٧)، وأبو إسحاق الفزاري في «السير» (رقم ١١٩، ١٢٠)، وأبو داود (٢٦٩٨، ٢٦٩٩)، وابن ماجه (٢٨٤٧) في «سننيهما»، وابن الجارود في «المنتقى» (١٠٦٨)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٨٤٦- «الإحسان»)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/٢٦٤)، والبيهقي (٩/١١٠-١١١) في «الكبرى»، والبغوي في «شرح السنة» (٢٧٣٤)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/١٢٤ رقم ١٩٦٦٩) عن ابن عمر، بنحوه. ووصله البخاري في «صحيحه» (٣٠٦٨، ٣٠٦٩)، ولكنه جعله في زمن أبي بكر، وليس في زمن النبي - ﷺ -، وكذا أخرجه الإسماعيلي، وفيه -أيضًا- أن الرادَّ للفرس هو خالد بن الوليد. وانظر: «فتح الباري» (٦/١٢٦) .
[ ٣٦٤ ]
المسلمون؛ كان غنيمة لمن استولى عليه، كسائر أموالهم، ولا حقَّ في ذلك لصاحبه بحال؛ قاله الزهري (١)، ورُوي مثله عن علي (٢) .
وقولٌ ثالث: يُفرَّق فيه بين إدراك صاحبه إيَّاه قبل القسم أو بعده؛ قال مالك، والليث، وأحمد بن حنبل: يُردُّ ذلك إلى صاحبه قبل
القسم بغير ثمن، ويُخيَّر بعد القسم فيه بالغنيمة (٣) . وكذلك قال
أبو حنيفة (٤) فيما صار إلى الكفار
_________________
(١) انظر: «مصنف عبد الرزاق» (٥/١٩٣ رقم ٩٣٤٨)، «الاستذكار» (١٤/١٣١) . وحكي ذلك عن عمرو بن دينار. انظر: «السير» (رقم ١٢٢) للفزاري، «المغني» (٨/٤٣٠)، «البناية» (٥/٧٥٧)، «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (٤/٤٢٥)، «عمدة القاري» (١٥/٢-٣) .
(٢) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٥/١٩٤ رقم ٩٣٥٥)، وأبو إسحاق الفزاري في «السير» (رقم ١٣٤)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/١١٢) من طريق قتادة، عن علي -﵁-. وقال البيهقي: «قتادة عن علي -﵁-: منقطع» . وسكت عنه الذهبي في «تهذيب السنن»، وناقش البيهقيَّ فيه: ابنُ التركمانيِّ في «الجوهر النقي» (١١/١١٢) أنه مرويٌ عن علي من ثلاثة أوجه يقوي بعضها بعضًا، والله أعلم. وانظر: «المحلّى» (٧/٣٠٠) .
(٣) انظر: «المدونة» (١/٣٧٥)، «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (٤/٤٢٤- بتحقيقي)، «التلقين» (٧٢- ط. مطبعة فضالة- وزارة أوقاف المغرب)، «الذخيرة» (٣/٤٣٤)، «شرح الزرقاني» (٣/ ١٣٣-١٣٤)، «المعونة» (١/٦٠٨)، «جامع الأمهات» (٢٥٢)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٧٤)، «المنتقى» (٣/١٨٥-١٨٦)، «تهذيب المسالك» لأبي الحجاج الفندلاوي المالكي (٣/٦٠٠)، «القوانين الفقهية» (ص ١٤٩)، «فتاوى البرزلي» (٢/٢٢، ٢٤)، «الأوسط» لابن المنذر (١١/١٨٨)، «فقه الإمام الليث بن سعد» (ص ٢٧٨- ٢٧٩) . وبه قال النخعي، وسفيان، والثوري، والأوزاعي. انظر: «عيون المجالس» (٢/٦٩٣)، «رؤوس المسائل» لابن القصَّار (٥١-٥٢) . ولكن عند الحنابلة أنَّ لهم بعد القسم فيه روايتان: الأولى: إن صاحبه أحقُّ به بالثمن، والثانية: لا حَقَّ لصاحبه بعد القسمة فيه. والأولى هي المذهب عندهم. انظر: «المقنع» لابن قدامة (١/٥٠١)، «المغني» (١٣/١٢١-١٢٢)، «الواضح» (٢/٢٦٧)، «المبدع» (٣/٣٥٤-٣٥٥)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٥٥٩)، «مسائل أحمد» (١/٢٠٥-٢٠٨- رواية الكوسج، ٢/٤٥٣ و٤٧١- رواية صالح، ٢٤٣- رواية أبي داود، ٢/١٢٣-١٢٤- رواية ابن هانئ)، «الإنصاف» (٤/١٥٧)، «المقنع» لابن البنا (٣/١١٧٦-١١٧٧)، «شرح الزركشي» (٦/ ٥٠٨-٥٠٩) . =
[ ٣٦٥ ]
بغَلَبة، وفرَّق بينه وبين ما صار إليهم بغير غلبة: كالعبد يأبق إليهم، ونحو ذلك، فقال في هذا كقول الشافعي: هو لصاحبه قبل القسم وبعده بغير شيءٍ.
والأظهر قول الشافعي فيما حازوه: أن جميعه لمالكه على الإطلاق، يؤيده الكتاب والسنة والنَّظر (١) .
_________________
(١) = مع أن العكبريَّ -من الحنابلة- في كتابه «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٧١٦) ذكر هذه المسألة، فقال: «وإن جاؤوا بعد القسمة؛ لم يكن لهم أخذها بحال» . قلت: فلعلّه يعني: لم يكن لهم أخذها بغير شيء، كما هو الحال قبل القسمة. والله أعلم. واستدل المالكية على أنه قَبْلَ القسم لمالكه بغير عوض، ولا يكون له بعد القسم إلا بالثمن: بحديث ابن عباس، أن رجلًا من المسلمين وجد بعيرًا له في المغنم قد كان أصابه المشركون، فقال له النبي - ﷺ -: «إن وجدته في المغنم فخذه، وإن وجدته قد قسم فأنت أحق به بالثمن»، وبحديث ابن عمر المذكور آنفًا. فاستدلوا بحديث ابن عمر -وفي ردِّ النبي - ﷺ - عليه فرسه بعد ما أخذه العدو-، على أنه -أي: الفرس- على أصل ملكه، لم يزل عنه بقسم ولا استهلاك، ولا باستلامٍ ممَّن هو في يده، وقد زالت شبهة الملك عمَّن كان في يده بعَوده إلى المغانم، فكان صاحبه أحقَّ به. وهذا ما قرره القاضي عبد الوهاب في «الإشراف» (٤/٤٢٦- بتحقيقي) وهو صحيح. أما تفريقهم بين ما أخذ قبل القسم، وبعده، بحديث ابن عباس المذكور؛ فالحديث أخرجه: البيهقي (٩/١١١) من حديث ابن عباس، وابن عدي في «الكامل» (٧/٢٦٤٢)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (رقم ٨٤٤٤)، والدارقطني (٤/١١٤) -ومن طريقه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٤/٣٠٢-٣٠٣) - من حديث ابن عمر، وكلاهما ضعيف. وانظر: «نصب الراية» (٣/٤٣٤)، «مجمع الزوائد» (٦/٢)، وتعليقي على «سنن الدارقطني» (رقم ٤١١٩) . وذكروا كلامًا مفاده: أنه لما جاز أن يملك المسلم على الكافر بالقهر والغلبة، جاز أن يملكه الكافر بمثل ذلك . وذكروا تأويلات للحديث وتكلفات لا داعي لذكرها. انظر: «الإشراف» (٤/ ٤٢٦-٤٢٧- بتحقيقي) .
(٢) انظر: «الجامع الصغير» (ص ٢٥٥)، «مختصر الطحاوي» (ص ٢٨٦)، «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠٤)، «القدوري» (ص ١١٤)، «الهداية» (٢/٤٤٣)، «البناية» (٥/٧٥٣)، «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص (٣/٤٦٦) .
(٣) قلت: ومذهب الشافعي هذا؛ اختاره أبو الخطاب، وقال أحمد في رواية أبي طالب: هذا =
[ ٣٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = هو القياس؛ لأن الملك لا يزول بهبة أو صدقة، ولكن قال عمر: لا حق له. نقله ابن رجب في «تقرير القواعد» (٣/٤١٣- بتحقيقي) . والصواب مذهب الشافعية ومن وافقهم. وهو مذهب أهل الظاهر كما في «المحلّى» (٧/٣٠٠ المسألة رقم ٩٣١)، والله أعلم. ويشير المصنِّف في قوله: «يؤيده الكتاب والسنة والنظر» إلى ما أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٥/ رقم ٩٣٥٩) بسنده إلى مكحول، أن عمر بن الخطاب قال: «ما أصاب المشركون من مال المسلمين، ثم أصابه المسلمون بعد، فإن أصابه صاحبه قبل أن تجري عليه سهام المسلمين؛ فهو أحق به، وإن جرت عليه سهام المسلمين؛ فلا سبيل إليه إلا بالقيمة» . وأخرجه أبو إسحاق الفزاري في «السير» (رقم ١٢٦)، والدارقطني (٤/١١٤) -وقال: «مرسل» -، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/٢٦٣)، والبيهقي (٩/١١٢)، وابن حزم (٧/٣٠١)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٨٨) عن قبيصة بن ذؤيب، عن عمر، بنحوه، وقال: «هذا منقطع، قبيصة لم يدرك عمر»، ثم أخرجه بعضهم بطرق أخرى عن عمر، وحكم بانقطاعها، وعزاه ابن قدامة في «المغني» لسعيد والأثرم. وحديث عمران نصٌّ في المسألة، فلو ملكها المشركون ما أخذها رسول الله - ﷺ - وأبطل نذرها، وقد بحث هذه المسألة أستاذنا فتحي الدريني في كتابه «المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي» (١/ ٢٨٩-٢٩١) وردها على أصولها وبينها أحسن بيان، قال -حفظه الله-: «ولخطورة هذه المسألة، وأهميتها البالغة في كل من العلاقات الدولية، والقانون الدولي العام، لا بد أن نقرر ما هو الحق فيها، مؤيدًا بالأدلة، وبروح التشريع الإسلامي. إن منطق القوة لم يعهد في الشرع مزيلًا ليد محقّة، ومقررًا ليد مبطلة؛ لأنه محض بغي وعدوان، وذلك بالبداهة لا يصلح سندًا للملكية، لكونه محرمًا في الشريعة تحريمًا قاطعًا. ولو أقر مبدأ العدوان هذا، لانخرم أصل الحق والعدل، ولاضطرب حبل الأمن في العالم كله، وما أنزلت الشرائع، وأرسل الرسل، إلا لاجتثاث أصول العدوان، ولإقرار الحق والعدل بين البشر، لقوله -تعالى-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] . وأيضًا لو كان الاستيلاء القهري بقوة السلاح من قبل الأعداء وسيلة معترفًا بها شرعًا، لامتلاكهم أموال المسلمين، واستيطان ديارهم بعد إخراجهم منها، لما وجب الجهاد -في مثل هذه الحالة- فرضًا عينيًا على كل قادر على حمل السلاح رجالًا ونساءً، بالإجماع، من أجل استرداد ما استولى عليه العدو عنوة! والله -تعالى- يقول: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] . ونظير هذا في عصرنا الحاضر، استيلاء اليهود على الأراضي العربية، عدوانًا وظلمًا بعد إخراج أهلها منها. =
[ ٣٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = هذا والاستيلاء والإحراز، عهد طريقًا مكسبًا للملكية الفردية في المباحات، وذلك تشجيعًا للجهد الإنساني الفردي للانتفاع بما وجد في الطبيعة من خيرات واستثمارها، وذلك معقول، لأنَّ من بذل جهدًا فاجتنى مما وجد في الطبيعة من خير مباح لا مالك له، كان أولى من غيره بامتلاكه، ممن لم يبذل أدنى مشقة في هذا السبيل، وهذا أمر وراء استلاب الحقوق والثروات، واغتصاب الديار والأوطان بعد تشريد أهلها منها بقوة السلاح. وقد تضافرت نصوص القرآن الكريم على وجوب دفع العدوان قبل وقوعه بالجهاد بالأنفس والأموال، وعلى وجوب إزالته بعد الوقوع، ولم يعهد أنه سبيل لتملك الأعداء ديار المسلمين وأموالهم. قال -تعالى-: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] . وإذا حرم الإسلام على أهله الاعتداء، فأحرى أن يحرم عدوان غيرهم عليهم، ولا يجعله سبيلًا لامتلاك أموالهم وديارهم! وقال -تعالى-: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] . لا يقال إن الآية تدل على أن الله -تعالى- لن يجعل للأعداء سبيلًا على نفوس المسلمين دون أموالهم، لأنا نقول: إن كلمة ﴿سَبِيلًا﴾ نكرة في سياق النفي، فتعم كل سبيل سواء أكان واقعًا على نفوسهم أو أموالهم أو ديارهم. ولا يقال كذلك إن الله لم يجعل للكافرين على المسلمين حجة؛ لأن الصيغة عامة فيجب إجراؤها على العموم -كما هو الأصل- إذ لا دليل على التأويل أو التخصيص. انظر: «كشف الأسرار» (١/٦٨ وما بعدها)، «التوضيح» (١/١٣١ وما بعدها)، «أصول السرخسي» (١/٢٣٦) . كذلك لا يقال إنه لو كانت أموال المسلمين باقية على ملكهم، رغم إخراجهم من ديارهم، لأطلق عليهم القرآن الكريم كلمة «أبناء السبيل» وهم من انقطعت بهم صلتهم بأموالهم لبعدهم عنها، ولم يسمهم «فقراء» فدل ذلك على أنهم فقراء حقيقة قد زالت ملكيتهم عنها، لأنا نقول: إن ابن السبيل هو «المسافر» الذي انقطعت به الطريق، ونفذ ماله، وله طماعية في الرجوع إلى بلده، لتمكنه من ذلك، وهذا مفهوم يختلف عمن أُخرج من دياره وأمواله عنوة، وليس في وسعه أن يعود إليها، لذا صح اعتباره كأنه فقير، أضف إلى ذلك أنهم قد توطنوا بالمدينة. انظر: «كشف الأسرار» (١/٦٩)، «حاشية الإزميري على المرآة» (٢/٧٦) . ووصفهم بكونهم فقراء مجازًا، لا يشعر بزوال ملكيتهم عن ديارهم وأموالهم، بل يفيد ثبوتها لهم، بقرينة إضافتها إليهم، ولأن في إطلاق هذه الكلمة عليهم، إثارة للتعطف الداعي إلى رعايتهم، وتدبير مصالحهم، والاهتمام بشؤونهم، تخفيفًا لوطأة الظلم عنهم، وتحقيقًا لما تقتضيه الأخوة نحوهم» . قلت: وانظر نصرة هذا الاختيار في «أحكام أهل الذمة» (١/٢٩١)، «الزاد» (٥/٧٦)؛ كلاهما لابن =
[ ٣٦٨ ]
* مسألة:
إذا غلب الكفار على الحرَّة المسلمة؛ فولدت لهم الأولاد، ثم ظهر عليهم المسلمون، ففي ولدها الذين أُخذوا معها خلاف:
قيل: هم على حكمها: أحرارٌ مسلمون، كِبارًا كانوا أو صغارًا، ويُجبرون على الإسلام، ومن أبى منهم الإسلام كان كالمُرتدّ، يُقْتَل إن كان كبيرًا، ويُنتظر به البلوغ إن كان صغيرًا، يُروى ذلك عن مالك (١)، وهو مذهب الظاهري، وعليه يجيء مذهب الشافعي (٢) .
ورُوي عن أشهب: أن جميع أولادها من كبير وصغير فيءٌ، وكذلك حملها منهم، فأجراهم على حُكم الأب (٣) .
وقولٌ ثالث: إن الصغير بمنزلتها، والكبير فيءٌ، يُروى ذلك عن ابن القاسم (٤) .
والأرجح ما ذهب إليه مالك، ومن قال بمثله؛ لأن الأصل الفطرةُ على الإسلام، وإنما ينتقل حكم الولد عن ذلك حتى يجوز سِباؤه واسترقاقه إذا كان بين كافِرَيْن؛ بما أحكمته السنة من ذلك، فأما أن يكون أحدهما مسلمًا فلا يكون له في ذلك إلا حكم الإسلام؛ ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ﴿وَلَن
_________________
(١) = القيم، وهو اختيار ابن حزم وابن تيمية، انظر: «الاختيارات الفقهية» (ص ٣١٢)، «المحلى» (٧/ ٣٠١)، «الفيء والغنيمة» (١٦١-١٦٥)، «نصب الراية» (٣/٤٣٣-٤٣٥)، «فتح الباري» (٦/١٨٣) . وانظر: «اختلاف العلماء» (٢٨٩-٢٩٠)، «الاستذكار» (١٤/١٢٥-١٢٩)، «نوادر الفقهاء» (١٧١-١٧٢)، «سير الأوزاعي» (٧/٣٤٧- آخر «الأم»)، «الأحكام السلطانية» (١٤٤) لأبي يعلى، «الأوسط» (١١/١٨٨) .
(٢) وقاله ابن وهب، وابن حبيب. انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٢٨١، ٢٨٢)، «الكافي» (١/٤٧٤)، «الذخيرة» (٣/٤٣٩) .
(٣) «روضة الطالبين» (١٠/٢٩٤) .
(٤) «النوادر والزيادات» (٣/٢٨٢)، «الذخيرة» (٣/٤٣٩) -وفيه: «ومنشأ الخلاف في هذه الفروع: النظر إلى تغليب الدار، أو تغليب الإسلام، أو تغليب النسب» -، ووافقه عليه ابن الماجشون.
(٥) «النوادر والزيادات» (٣/٢٨١) .
[ ٣٦٩ ]
يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] . وهذا الاستدلال على طريقة أهل الظاهر، وهو صحيح.
فإذا كانت المرأة التي غلب عليها الكفار ذِمِّية رُدت إلى ذمتها، وكان ولدها فيئًا؛ لأنه بين كافِرَيْن، هذا هو الأظهر، وهو قول مالك (١)، وفيه -أيضًا- اختلاف.
فإن كانت أَمَة، فهي وبنوها لسيدها، لأنه استحقاق، هذا هو الأرجح، وقاله ابن القاسم (٢)، وفيه -أيضًا- خلاف (٣) .
فصل: في صفة من يستحق الإسهام من الغانمين
قال الله -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] . فلما أضاف -تعالى- الأموال المقدور عليها في الجهاد إلى الغانمين، ثم عيَّن من ذلك الخمس خاصة في مصرفه، وأقرَّ سائره على إضافته، كان كالنصِّ في أنَّ ما بقي بعد ذلك لهم، وإن لم يعيَّن بالقول؛ لأن ذلك هو نمط الكلام، كقوله
-تعالى-: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُث﴾ [النساء: ١١]، فأضاف الوراثة إلى الأبوين، ثم عيَّن من ذلك حظَّ الأم، فكان ذلك نصًَّا في أن الباقي للأب، وإن لم يعرض له بالتعيين.
وأجمع أهل العلم على أنَّ من كان: حرًّا، ذكرًا، بالغًا، عاقلًا، مسلمًا، صحيحًا؛ فإنه يستحق أن يسهم له في المغنم إذا شهد مع الناس، ولم يكن تاجرًا، ولا أجيرًا (٤) .
_________________
(١) انظر: «الموطأ» (٤٥٣)، «الاستذكار» (١٤/١٣٠)، «النوادر والزيادات» (٣/٢٨١)، «الكافي» (١/٤٧٤)، «الذخيرة» (٣/٤٣٩) .
(٢) انظر: «الكافي» (١/٤٧٤)، «التفريع» (١/٣٥٩)، «النوادر والزيادات» (٣/٢٨١)، «الذخيرة» (٣/٤٣٩)، «الأوسط» لابن المنذر (١١/١٩٤) .
(٣) انظر: «روضة الطالبين» (١٠/٢٩٤)، «الكافي» (١/٤٧٤)، «المغني» (١٣/١٢٢-١٢٣) .
(٤) انظر: «مراتب الإجماع» لابن حزم (ص ١٣٦)، «بداية المجتهد» (١/٣٧٩)، «اختلاف الفقهاء» (٧٨) للطبري، «موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي» (٢/٨٧٤-٨٧٥) .
[ ٣٧٠ ]
واختلفوا في: العبد، والمرأة، والصبي، والذِّمي، والمجنون، والمريض، والتاجر، والأجير، على ما نذكره.
فأما العبد ففيه ثلاثة أقوال:
قول: إنه لا حظّ له في الغنمية من سهم ولا غيره، رُوي ذلك
عن مالك، قال: «لا أعلم العبد يُعطى من الغنيمة شيئًا» (١)، وكذلك يُروى عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، أنهما قالا: «لا يسهم للعبد، وليس له في الغنمية نصيب» (٢) .
وقول ثانٍ: إنه يُسهم له كالحُرِّ؛ رُوي عن الحكم بن عُتيبة، والحسن، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وعمرو بن شعيب: أن العبد إذا حضر القتال أُسهم له، وإليه ذهب أهل الظاهر (٣) .
_________________
(١) انظر: «المدونة» (٣/٣٣)، «التفريع» (١/٣٦٠)، «التلقين» (١/٢٤٣)، «شرح الزرقاني» (٣/١٣٠)، «عقد الجواهر» (١/٥٠٣)، «الاستذكار» (١٤/١١٢)، «حاشية البناني على شرح الزرقاني» (٣/١١٠)، «النوادر والزيادات» (٣/١٨٦، ١٨٧، ١٨٩)، «عيون المجالس» (٢/٧٢٥)، «بداية المجتهد» (١/٣٩٢)، «المنتقى» للباجي (٣/١٧٩) . وانظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/١٨٠) .
(٢) أخرجه عنهما: عبد الرزاق (٥/٢٢٨ رقم ٩٤٥٣)، وابن أبي شيبة (١٢/٤٠٦ رقم ١٥٠٥٥) في «مصنفيهما»، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٨٠) من طريقين عن الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن عمر. قال الحجاج: وأخبرني عطاء، عن ابن عباس، مثله. وأخرجه ابن المنذر (١١/١٨٠) عن الحجاج، عن عطاء، عن ابن عباس، مثله.
(٣) مذهب الحسن البصري. رواه عنه ابن أبي شيبة (١٢/٤٠٧ رقم ١٥٠٥٧ و١٥٠٥٨) من طريق أشعث عنه. ومذهب إبراهيم النخعي. رواه عنه -أيضًا- ابن أبي شيبة (١٢/٤٠٧ رقم ١٥٠٥٩) من طريق حماد عنه، وسعيد بن منصور في «سننه» (٢/٣٠٥ رقم ٢٧٨١) من طريق مغيرة عنه. ومذهب عمرو بن شعيب. رواه عنه عبد الرزاق (٥/٢٢٦ رقم ٩٤٤٧) عن ابن جريج قال: قال لنا عمرو بن شعيب: لا سهم لعبدٍ مع المسلمين. وفيه (٥/٢٢٧ رقم ٩٤٤٨) عن ابن جريج قال: قال لي عطاء: بلغنا أنه يقال: لا يُلحق عبدٌ في ديوان. ونقله عنه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٨١) . فمذهب عمرو بن شعيب -كما في ظاهر كلامه- أنه لا يسهم له، لم ينفِ أنه يرضخُ له، لذا وضع ابن المنذر كلامه مع من قال: أنه لا يسهم للعبد، ولكن يرضخ له -كما في القول الثالث-. =
[ ٣٧١ ]
وقول ثالث: إنه لا يُسهم للعبد ولكن يُرضخ (١) له، وإليه ذهب الجمهور؛ رُوي ذلك عن الشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهما،
والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق (٢) .
فمستند من لم ير له حقًّا في الغنيمة من سهمٍ، ولا من غيره: حَملُ الخطاب بالجهاد وما يتعلق بذلك من الغنائم وسائر الأحكام: على أنَّ ذلك مختصٌّ بالأحرار، لا مدخل في شيءٍ منه للعبيد، فلم يستحقوا معهم في ذلك شيئًا.
ودليل من أسهم لهم كالأحرار: حمل الخطاب في ذلك كلِّه عامًّا في
_________________
(١) = ونقل عنه وعن سعيد بن المسيب قالا: ليس للعبد من المغنم شيء. وانظر: «المحلَّى» (٧/٣٣٢ المسألة رقم ٩٥٢) . وهذا القول هو مذهب الحسن بن صالح بن حيي. كما نقله عنه الجصاص في: «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٣١) . وذكر جميع مذاهب المذكورين عند المصنف: ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/١١٢) .
(٢) الرضخ، هو: العطاء من غير سهم مقدَّر.
(٣) قال الإمام الترمذي في «جامعه» في كتاب السير (باب هل يسهم للعبد؟) تحت الحديث رقم (١٥٥٧) قال: «والعمل على هذا عند بعض أهل العلم: لا يسهم للمملوك، ولكن يُرضخ له بشيء، وهو قول الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق» . وهو مذهب: الليث بن سعد، والأوزاعي. انظر: «سير الأوزاعي» (٧/٣٤٢-٣٤٣- «الأم»)، «الأوسط» (١١/١٨١)، «الاستذكار» (١٤/ ١١٠، ١١٢) -وحكى مذهب المذكورين جميعًا-، «النوادر والزيادات» (٣/١٨٦)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤٤١-٤٤٤)، «موسوعة فقه إبراهيم النخعي» (٢/٥٤٢) . وانظر في مذهب الحنفية: «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠٠)، «الهداية» (٢/٤٣٩)، «البناية» (٥/٧٣١)، «اللباب» (٤/١٣٢)، «المبسوط» (١٠/١٧)، «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص (٣/٤٣١) . وفي مذهب الشافعية: «الأم» (٤/١٧٤)، «روضة الطالبين» (٦/٣٧٠)، «الحاوي الكبير» (١٠/ ٤٤٦)، «حلية العلماء» للشاشي (٧/٦٨١)، «تكملة المجموع» (١٩/٣٦٢) . وفي مذهب الحنابلة: «المغني» (٨/٤١٠-٤١٢)، «الشرح الكبير» (٥/٥٦٣)، «الإنصاف» (٤/ ١٧٠)، «كشاف القناع» (٣/٨٦) . وانظر: «نوادر الفقهاء» (ص ١٦٧-١٦٩)، «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٢/١٩٠-١٩١)، «القوانين الفقهية» (ص ١٤٧)، «زاد المعاد» (٣/١٠٠)، «نيل الأوطار» (٨/١١٤) .
[ ٣٧٢ ]
الأحرار والعبيد؛ لأن خطاب الشرع بالأمر والنهي والإثبات والنفي وسائر أسباب التكليف لا يخُصُّ حرًّا من عبدٍ، ولا ذكرًا من أنثى، إلا ما خرج من ذلك بدليل؛ فالمرأة ممن خرج -بدليل السنة الصحيحة والإجماع- من الخطاب بالجهاد، وبقي العبد؛ فكلُّ ما أضيف من الأحكام للمجاهدين، وأثبت لهم من الغنائم، دخل فيها العبد إذا حضر الجهاد.
وحُجَّة من لم يُسْهِم للعبد، ورأى أن يُرضخ له: ما خرَّجه مسلم (١) فيما كتب به ابن عباس إلى نجدة بن عامر الخارجي، فقال: «وسألتَ عن المرأة والعبد، هل كان لهما سهمٌ معلومٌ إذا حضروا البأس؟! وإنهم لم يكن لهم سهمٌ معلوم، إلا أن يُحذيا من غنائم القوم» .
وفي الترمذي (٢)، عن عُمير مولى آبي اللحم قال: شهدت خيبر مع ساداتي،
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب النساء الغازيات يُرضخ لهن، ولا يُسهم، والنهي عن قتل صبيان أهل الحرب) (١٤٠) (١٨١٢) .
(٢) في «جامعه» في كتاب السير (باب هل يُسهم للعبد) (رقم ١٥٥٧) . وأخرجه النسائي في «الكبرى» (٧٥٣٥)، وأحمد (٥/٢٢٣)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٥٢٩٧)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٨٢)، والحاكم (١/٣٢٧)، والبيهقي (٩/٣١)، وابن الأثير في «أسد الغابة» (٤/٢٨٤) . ولم يذكر: الطحاوي، والبيهقي، وابن الأثير، وابن المنذر: قصة الرقية. وأخرجه أبو داود (٢٧٣٠)، وأبو عوانة في «مسنده» -كما في «إتحاف المهرة» (١٢/٥٣٠) -، والبيهقي (٩/٥٣) من طريق أحمد بن حنبل، به. وقال أبو دواد بإثره: معناه: أنه لم يسهم له. وأخرجه الحاكم (٢/١٣١) من طريق الإمام أحمد. غير أنه ذكر (حُنينًا) بدل (خيبر) . وأخرجه الطيالسي في «مسنده» (١٢١٥)، وعبد الرزاق (٩٤٥٤)، وأبو عبيد في «الأموال» (٨٨٢)، وابن سعد في «طبقاته» (٢/١١٤)، وابن أبي شيبة (١٢/٤٠٦ و١٤/٤٦٦)، وحميد بن زنجويه في «الأموال» (٨٨٩ و١٢٨٥)، والدارمي (٢٤٧٥)، وابن ماجه (٢٨٥٥)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢٦٧١)، وابن الجارود في «المنتقى» (١٠٨٧)، وأبو عوانة في «مسنده» -كما في «إتحاف المهرة» (١٢/٥٣٠) -، والطحاوي في «المشكل» (٥٢٩٤ و٥٢٩٥)، وابن حبان (٤٨٣١)، والطبراني في «الكبير» (١٧ رقم ١٣١، ١٣٢)، والبيهقي (٩/٣١)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/١١٢ رقم =
[ ٣٧٣ ]
فكلَّموا فيَّ رسول الله - ﷺ -، وكلَّموه أني مملوك، فأمر بي فقُلِّدت السَّيف، فإذا أنا أجرُّه، فأمر لي بشيء من خُرْثيِّ المتاع، وعرضت عليه رقية كنت أرقي بها المجانين، فأمرني بطرح بعضها وحبس بعضها. قال فيه: حسن صحيح.
قوله: الخُرْثيُّ: هو أردأ المتاع وأهونه.
فصلٌ
وأما المرأة ففي حكمها -أيضًا- ثلاثة أقوال:
قول: إنه لا شيء لها من الغنيمة بإسهام ولا رضخٍ. قال ابن وهب: سألت مالكًا عن النساء: هل يُحذين من الغنائم في الغزو؟ قال: ما علمت ذلك (١) .
ومستند هذا القول مثل ما ذكرنا في منع العبد من الغنمية: أنه صنف لا مدخل له في الخطاب بالغزو، فلم يكن له في الغنيمة حظٌّ.
وقول ثانٍ: أن يُسهم للنساء، قاله الأوزاعي، وزعم أن رسول الله - ﷺ - أسهم للنساء بخيبر، قال الأوزاعي: «وأخذ بذلك المسلمون عندنا» (٢) . وبذلك قال ابن
_________________
(١) = ١٩٦٢١) من طرق عن محمد بن زيد بن المهاجر، به. ولم يذكر الدارمي قوله: فأخبر أني مملوك إلخ. وذكر ابن حبان (حُنينًا) بدل (خيبر) . * فائدة: قوله: «فإذا أنا أجرّه» بتشديد الراء، أي: أجرُّ السيف على الأرض من قِصر قامتي لصغر سني، أو هو كناية عن كونه لا يحسن أن يتقلَّد السيف، ولم يكن من أهله. «من خُرثي المتاع» بضم الخاء المعجمة، وسكون الراء المهملة، وكسر المثلثة، وتشديد الياء: أثاث البيت، أو: أراد المتاع والغنائم. قال البغوي في «شرح السنة» (١١/١٠٤): والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم: أن العبيد، والصبيان، والنسوان، إذا حضروا القتال يُرضخ لهم، ولا يُسهم لهم.
(٢) انظر: «المدونة» (٢/٣٣)، «النوادر والزيادات» (٣/١٨٦، ١٨٧)، «الاستذكار» (١٤/ ٢٨٥)، «أصول الفتيا» (٤٣٠)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٥٠٤)، «الذخيرة» (٣/٤٢٥)، «الفواكه الدواني» (١/٤١٨) .
(٣) ذكره عنه الترمذي في «جامعه» في كتاب السير (باب من ما يُعطى الفيء) تحت الرقم =
[ ٣٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = (١٥٥٦) . قال: قال الأوزاعي: فذكره. قال الترمذي: حدثنا بذلك علي بن خشرم، حدثنا عيسى ابن يونس عن الأوزاعي هذا. وذكره ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٨٦)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/٢٨٥)، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» (١٣ رقم ١٧٨٢١) عن الأوزاعي. وقال شيخنا الألباني عنه: صحيح الإسناد مقطوع. وانظر -أيضًا-: «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٣١) . والخبر الذي أشار إليه المصنف عن الأوزاعي: أن النبي - ﷺ - أسهم للنساء يوم خيبر، هو ما أخرجه ابن أبي شيبة (١٢/٥٢٥ و١٤/٤٦٦)، وأبو داود (رقم ٢٧٢٩)، والنسائي في «الكبرى» (٨٨٧٩)، وأحمد (٥/٢٧١)، والبيهقي (٦/٣٣٢-٣٣٣)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/ ١٨٢ رقم ٦٥٧٤)، من طرقٍ عن رافع بن سلمة، عن حشرج بن زياد الأشجعي، عن جدته أم أبيه، أنها قالت: خرجت مع رسول الله - ﷺ - في غزاة خيبر، وأنا سادسة ستِّ نسوةٍ، فبلغ رسول الله - ﷺ - أن معه نساءً، فأرسل إلينا، فقال: «ما أخرجكنَّ؟ وبأمر من خرجتنَّ؟»، فقلنا: خرجنا نناول السهام، ونسقي الناس السويق، ومعنا ما نداوي به الجرحى، ونعزل الشعر، ونُعين به في سبيل الله. قال: «قمن فانصرفن» . فلما فتح الله عليه خيبر، أخرج لنا سهامًا كسهام الرجال. قلتُ: يا جدة، ما أخرج لكنَّ؟ قالت: تمرًا. وإسناده ضعيف؛ لجهالة حشرج بن زياد، فهو مقبول كما قال الحافظ في «التقريب»، لكن إذا توبع، وإلا؛ فلين الحديث. وذكره ابن حزم في «المحلى» (٧/٥٤١ المسألة رقم ٩٥٣)، وقال: «هذا إسناد مظلم، رافع وحشرج مجهولان» . وضعَّف هذا الإسناد: الخطابي في «معالم السنن» (٢/٣٠٧)، وقال: «قد ذهب أكثر الفقهاء إلى أن النساء، والعبيد، والصبيان؛ لا يُسهم لهم، وإنما يُرضخ لهم» (والرضخ: العطية القليلة) . إلا أن الأوزاعي قال: «يسهم لهنَّ»، وأحسبه ذهب إلى هذا الحديث، وإسناده ضعيف لا تقوم الحجة بمثله. وقد قيل -أيضًا-: إن المرأة إذا كانت تقاتل أسهم لها، وكذلك المراهق إذا قوي على القتال أُسهم له» . قلت: وقد صح في غير حديث أن النساء في زمن النبي - ﷺ - كنَّ يجاهدن مع الرجال، فيسقين الماء، ويداوين الجرحى، ويحملن السلاح ليدافعن عن أنفسهن، ويرضخ لهنّ، ولا يُسهم. وجدَّة حشرج هي: أم زياد الأشجعية. وانظر: «نصب الراية» (٣/٤٢١)، «نيل الأوطار» (٨/١١٣)، «الفيء والغنيمة ومصارفهما» لمحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الربيع (ص ١٢٨) .
[ ٣٧٥ ]
حبيب من أصحاب مالك؛ إلا أنه شَرطَ أن تقاتل
كقتال الرجال (١) .
وقول ثالث: إنه لا يُسهم للمرأة، ويُرضخ لها، وإليه ذهب الجمهور، رُوي ذلك عن الشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، والليث، وقاله أهل الظاهر (٢) .
والدليل على ما ذهبوا إليه: ما خرَّجه مسلم (٣)، عن ابن عباس،
أن رسول الله - ﷺ - كان يغزو بهنَّ، فيداوين الجرحى، ويُحْذَيْنَ من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهنَّ.
فصلٌ
وأمَّا الصَّبيُّ؛ فذهب الجمهور إلى أنه لا يُسهم إلا لبالغ، روي ذلك عن الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل (٤)، وهو مذهب أهل الظاهر، ويُرضخ له
_________________
(١) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/١٨٨) . قال: ألا ترى أن المرأة من العدو إذا قاتلت: قُتلت؟
(٢) انظر: «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠٠)، «الهداية» (٢/٤٣٩)، «اللباب» (٤/١٣٢)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٣١)، «الأم» (٤/١٧٤)، «روضة الطالبين» (٦/٣٧٠)، «الحاوي الكبير» (١٠/٤٤٦)، «حلية العلماء» (٧/٦٨١)، «المحلى» (٧/٣٣٣ المسألة رقم ٩٥٣) . وحكاه ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/٢٨٥) عن المذكورين جميعًا عدا أهل الظاهر.
(٣) مضى قريبًا طرفٌ منه، وقال عنه ابن عبد البر: «أحسن شيء في هذا الباب» .
(٤) انظر: «الأم» (٤/١٧٠)، «الإقناع» للماوردي (ص ١٧٥)، «مختصر المزني» (٢٧٠)، «روضة الطالبين» (٦/٣٧٠)، «الحاوي الكبير» (١٨/١٨٥)، «تكملة المجموع» (١٩/٣٦٠)، «حلية العلماء» (٧/٦٨١)، «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٢/١٩٠-١٩١)، «مغني المحتاج» (٣/ ١٠٥)، «مختصر الطحاوي» (٢٨٦)، «الهداية» (٢/٤٣٩)، «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠٠)، «اللُّباب» (٤/ ١٣٢)، «البناية» (٥/٧٣١)، «الرد على سير الأوزاعي» لأبي يوسف (٣٨)، «عمدة القاري» (١٤/ ١٦٧)، «المغني» (١٣/٩٥-٩٦- ط. هجر)، «المقنع» لابن البنا (٣/١١٧٢)، «شرح الزركشي» (٦/ ٤٩٧)، «المحرر» (٢/١٧٦)، «الإنصاف» (٤/١٧٠-١٧١)، «الإفصاح» (٢/٢٧٩، ٢٨٦) . وهو مذهب: سفيان الثوري، والليث بن سعد. انظر: «جامع الترمذي» . كتاب السير (باب من يُعطى من الفيء)، «مختصر اختلاف العلماء» =
[ ٣٧٦ ]
عندهم إذا قاتل، قاله أبو محمد بن حزم (١) . ودليل ذلك: أنه غير مخاطبٍ باتفاق، فلم يكن من أهل الجهاد الذين وجبت لهم الغنائم.
وحديث ابن عمر، خرَّجه مسلم (٢) عنه، قال: عَرَضني رسول الله - ﷺ - يوم أحد في القتال، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يُجزني، وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنةً، فأجازني.
وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أن هذا حدٌّ ما بين الصغير
والكبير، رُوي ذلك عن عمر بن عبد العزيز (٣)، وكتب به إلى عُمَّاله، وهو قول الشافعي وغيره (٤) . وقال مالكٌ في المراهق: «إذا أطاق القتال؛ يُسهم له» (٥) . وكذلك قال الأوزاعي:
_________________
(١) = للجصاص (٣/٤٣٢)، «موسوعة فقه إبراهيم النخعي» (٢/٥٤٢) .
(٢) في «المحلّى» (٧/٣٣٣ المسألة رقم ٩٥٣) .
(٣) في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب بيان سِنِّ البلوغ) (٩١) (١٨٦٨) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الشهادات (باب بلوغ الصبيان وشهادتهم) (رقم ٢٦٦٤)، وكتاب المغازي (باب غزوة الخندق، وهي الأحزاب) (رقم ٤٠٩٧) .
(٤) ومذهب عمر بن عبد العزيز؛ ذكره البخاري ومسلم في «صحيحيهما» . ففيهما: قال نافع: فقدمت على عمر بن عبد العزيز -وهو يومئذٍ خليفة- فحدثته هذا الحديث، فقال: إن هذا لَحَدٌّ بين الصغير والكبير، فكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن كان ابن خمس عشرة سنةً، ومن كان دون ذلك فاجعلوه في العيال.
(٥) انظر: «الأم» (٤/١٧٠، ٢٧٥-٢٧٦) . وهذا مذهب الحنابلة ومكحول والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد، وهو رواية عن أبي حنيفة، وانظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٩/٤٨٩)، «الإفصاح» (١/٣٧٥)، «الإنصاف» (٥/٣٢٠)، «معالم السنن» (٦/٢٣٢)، «تفسير القرطبي» (٢/١٦٠٤)، «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٣/١٢)، «المغني» (٦/٥٩٧)، «بدائع الصنائع» (٧/١٧١)، «فتح الباري» (٥/٢٧٧)، «السيل الجرار» (١/١٥٥) . والمسألة مبحوثة بتفصيل وتدليل، مع ذكر سائر الأقوال في «التعريف بعلامات بلوغ التكليف» (ص ٣١-٦٩) .
(٦) انظر: «المدونة» (٣/٣٤) . بابٌ في سهمان النساء والتجار والعبيد، «النوادر والزيادات» (٣/ ١٨٧)، «التفريع» (١/٣٦٠)، «الكافي» (١/٤٧٥)، «المعونة» (١/٦١٤)، «التلقين» (١/٢٤٣)، =
[ ٣٧٧ ]
يُسهم لغير البالغ؛ إذا حضر
القتال (١) .
فصلٌ
وأما الذِّمي، فلا يصح أن يُسهم له؛ لأن الإسلام شرط في استحقاق الغنيمة عند الجميع إلا من شذَّ.
ذكر الترمذي أن بعض أهل العلم رأى أن يُسهم للذمي إذا شهد القتال مع المسلمين، وروى حديثًا عن الزهري: أن النبي - ﷺ - أسهم لقومٍ من اليهود قاتلوا معه (٢) .
_________________
(١) = «الرسالة» (ص ١٩٠)، «عقد الجواهر» (١/٥٠٤)، «أسهل المدارك» (٢/١٢)، «عيون المجالس» (٢/٧٢٥)، «الذخيرة» (٣/٤٢٥) . واستدل المالكية بحديث سمرة بن جندب قال: «كان رسول الله - ﷺ - يعرض عليه صبيان المدينة من الأنصار، فيلحق من أدرك منهم، فعرضت عليه عامًا، فألحق غلامًا وردَّني، فقلت: يا رسول الله! ألحقته ورددتني؟! ولو صارعني؛ لصرعته، قال: فصارعني، فصرعته، فألحقني» . والحديث: أخرجه الطبراني في «الكبير» (٦٧٤٩)، والحاكم في «المستدرك» (٢/٦٠)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/٢٢ و١٠/١٨)، بسندٍ حسنٍ؛ عن جعفر بن عبد الحكم الأنصاري مرسلًا. وانظر: «مجمع الزوائد» (٥/٣١٩)، «المسارعة إلى المصارعة» للسيوطي (ص ٨٠-٨١- بتحقيقي)، وعزاه لابن سعد. وقد اعتنى القاضي عبد الوهاب في «الإشراف» بأحكام المراهق على وجه تكاد لا تظفر بها عند غيره، وهي تحتاج إلى جمع مفرد، والله الموفق. وانظر: «المحلى» (٧/٣٣٢-٣٣٣)، «نوادر الفقهاء» (١٦٧-١٦٩)، «نيل الأوطار» (٨/١٤٤-١٤٥) .
(٢) انظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/١٧٨)، «الرد على سير الأوزاعي» (ص ٣٨)، «فقه الأوزاعي» (٢/٤٤١-٤٤٤) .
(٣) أخرجه الترمذي. كتاب السير (باب ما جاء في أهل الذمة يغزون مع المسلمين، هل يُسهم لهم؟) (رقم ١٥٥٨/م) من طريق عزرة بن ثابت، عن الزهري، به. مرسلًا. وقد تابعه: حيوة بن شريح الحضرمي، في الرواية عن الزهري. أخرجه أبو داود في «المراسيل» (رقم ٢٨٢) عن القعنبي، وهنّاد، عن عبد الله بن المبارك، عنه. وتابعه: يزيد بن يزيد بن جابر. =
[ ٣٧٨ ]
وذكر أبو بكر بن المنذر، أنه قول الزهري، والأوزاعي، وقاله إسحاق بن راهويه، وكره أن يُستعان بهم أولًا، فإن وقع ذلك أُسهم لهم (١) .
وكذلك وقع في مسائل لبعض المالكية: أنه يُسهم للذمي إذا أذن
له الإمام في الغزو معه (٢) . وكل ذلك لا يستقيم، ولا يثبت له دليل.
_________________
(١) = أخرجه أبو داود -أيضًا- في «المراسيل» (رقم ٢٨١) -ومن طريقه ابن الجوزي في «التحقيق» (١٠/١٤٨) -. وتابعه: ابن جريج -أيضًا-. أخرجه ابن أبي شيبة (١٢/٣٩٥) -ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» (٩/٥٣) - عن حفص، وعبد الرزاق (٥/١٨٨ رقم ٩٣٢٨) في «مصنفيهما»، كليهما عن ابن جريج، عن الزهري، به. وزاد هنا في روايته: مثل سهمان المسلمين. قال البيهقي: «إسناده ضعيف، ومنقطع» . وقال الذهبي في «التنقيح» (١٠/١٤٨- مع «التحقيق»): «مراسيل الزهري ضعيفة» . وانظر: «نصب الراية» (٤/٤٢٢-٤٢٣)، «ضعيف سنن الترمذي» .
(٢) انظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/١٧٦-١٧٧) .
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/١٨٢، ١٨٨) . قلت: وقع الخلاف فيما إذا خرج الكفار مع الإمام للغزو بإذنه، هل يسهم لهم كالمسلمين؟ أو يرضخ لهم على حسب ما يراه الإمام؟ فروي عن أحمد أنه يُسهم له كالمسلم، وقال به: الأوزاعي، والزهري، وإسحاق -كما نقل المصنف ذلك عن ابن المنذر-، والثوري. وقال الجوزجاني: «هذا مذهب أهل الثغور، وأهل العلم بالصوائف والبعوث» . وروي عن أحمد رواية أخرى، وهو أنه لا سهم له، ولكن يُرضخ له بحسب ما يراه الإمام، وهو مذهب: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة. وانظر: «المغني» لابن قدامة (١٣/٩٧-٩٨)، «الشرح الكبير» (٥/٥٦٥)، «المقنع» لابن البنّا (٣/١١٧٢-١١٧٣)، «الإنصاف» (٤/١٧١-١٧٢)، «شرح الزركشي» (٦/٤٩٧-٤٩٨)، «رؤوس المسائل الخلافية» للعكبري (٥/٧٥٩)، «كشاف القناع» (٣/٨٧)، «الكافي» لابن عبد البر (١/٤٧٥)، «عقد الجواهر» (١/٥٠٤)، «الرد على سير الأوزاعي» للقاضي أبي يوسف (ص ٣٩)، «مختصر المزني» (ص ٢٧٠)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٣٠)، «الإفصاح» (٢/٢٧٩)، «التنبيه في الفقه الشافعي» (ص ٢٣٥)، «حلية العلماء» (٧/٦٨٣) .
[ ٣٧٩ ]
أما حديث الترمذي فمنقطع لا يثبت بمثله العمل، بل لو صح لما أمكن أن تُترك له ظواهرُ القرآن، وصحيحُ السنة، وسديدُ النظر المبنيُّ على القواعد المحكمة في الشرع، وكان يكون ذلك محمولًا على الخصوص في نازلة؛ لأنه حكاية فعلٍ لا يتعدى. والدليل على صحة ذلك: أن الله -تعالى- يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، وهذا إضافةٌ للغنيمة إلى المؤمنين بيقين، فلم يكن لغيرهم فيها حقٌّ. وقال -تعالى-: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]، ولا مدخل هنا للكافر بحال، وقال النبي - ﷺ -: «أُحِلَّت لي الغنائم، ولم تحِلَّ لأحدٍ قبلي» (١) . فهذا نصٌّ في خصوصية ذلك
بهذه الأمة، والحمد لله.
ولما جعل الله ذلك مما فضَّل به نبيه - ﷺ - وخصَّه به وأمَّته، استحال أن
_________________
(١) وهو حديث صحيح مرويٌّ عن عدَّةٍ من الصحابة -مطولًا ومختصرًا-، ومنه ما هو في «الصحيحين» . فقد أخرجه البخاري (٣٣٥، ٤٣٨، ٣١٢٢)، ومسلم (٥٢١)، وغيرهما من حديث جابر بن عبد الله. وأخرجه مسلم (٥٢٣) (٥) من حديث أبي هريرة -﵁-. وأخرجه مسلم (٥٢٢) (٤) من حديث حذيفة بن اليمان -﵁-، ولم يسق الشاهد منه. وأخرجه أحمد (١/٣٠١)، وابن أبي شيبة في «المصنّف» (٢/٤٠٢ و٤٣٢-٤٣٣)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٨٠٣)، والبزار (٣٤٦٠- كشف الأستار)، والطبراني (١١٠٤٧) من طرقٍ عن ابن عباس -﵁-. وأخرجه أحمد (٤/٤١٦)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١١/٤٣٣) من طرقٍ عن أبي موسى الأشعري -﵁-. وقال الهيثمي في «المجمع» (٨/٢٥٨): «رواه أحمد -متصلًا ومرسلًا-، والطبراني، ورجاله رجال الصحيح» . وأخرجه أحمد (٥/١٤٥، ١٤٧، ١٦١)، والدارمي (٢٤٧٠)، وأبو داود (٤٨٩)، وابن صاعد في زوائده على «الزهد» لابن المبارك (١٠٦٩)، والحاكم (٢/٤٢٤)، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/٢٧٧)، والبيهقي في «الدلائل» (٥/٤٧٣) من طرقٍ، عن أبي ذر -﵁-. وأخرجه أحمد (٢/٢٢٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵁-. ولفظ حديث ابن عمرو: «وأحلت لي الغنائم كلها، وكان من قبلي يعظّمون أكلها، كانوا يحرقونها» .
[ ٣٨٠ ]
يشاركهم فيه غيرهم ممَّن لا يلفظ بالإسلام.
فصلٌ
وأمَّا المجنون، فإن كان مُطبقًا، لم يسهم له، وهو كالصبي في عدم التكليف، بل هو في هذا الباب أسوأ حالًا منه؛ لأنه لا يَتَأتَّى منه فعل الجهاد، كما قد يتأتى بعض ذلك من الصَّبيِّ إذا اشتدَّ، وكان مراهقًا، والإسهام إنما يستحقه المسهم له بفعل الجهاد: من قتالٍ، أو لزوم ساقة، أو انتصابٍ في كمين، أو حراسة أحوال المقاتلين، وما أشبه ذلك، فإذا لم تكن فيه أهلية ذلك فِعلًا ولا قصدًا، فأنَّى يَستحقُّ حظًّا، فإن كان عنده من العقل ما يمكنه به القتال، فقيل: إنه يسهم له، وذلك ظاهرٌ إن كان عقله مما يُنَزَّلُ عليه التكليف، مثل أن يكون أخرق، أو أهوجَ -وهما أول مراتبِ ضعفِ العقل وعدم التثبت والرفق-، ونحو ذلك مما لا يُسقط عنه الأحكام، وأما إن كان بحيث لا يُكلَّف مثله، وهو مع ذلك يمكن أن يُفاد لبعض كفاية المقاتلين، فيغنى فيه؛ فالإسهام له
إنما يكون نحوًا من الإسهام للمراهق إذا أطاق القتال فقاتل مع الجيش، فمن رأى الإسهام لذلك، أمكن أن يراه لهذا، والظاهر أن لا سهم لهما، لما تقدَّم، والله أعلم (١) .
فصلٌ
وأمَّا المريض، فإن كان زمِنًا لا يستطيع شيئًا في الحال، ولا يُرجى في المآل، ولا ينتفع منه في عمل الجهاد بأمر، فالمروي عن أصحاب مالك: أنه لا يُسهم له، وذلك كالمفلوج اليائس (٢) .
_________________
(١) قال ابن شاس في «عقد الجواهر الثمينة» (١/٥٠٦) -ونقله عنه القرافي في «الذخيرة» (٣/٤٢٥) -: «وأمّا فقد العقل؛ فإن كان مطبقًا، فلا يسهم له إذا خرج كذلك من دار الإسلام، وإن كان ذلك طارئًا عليه في دار الحرب، ففي الإسهام له خلاف»، قال: «وإن كان يفيق، فإن كان بحيث يتأتّى منه القتال أسهم له، وإلا فلا» .
(٢) قال القاضي عبد الوهاب في «المعونة» (١/٦١١): «وإن حَضَرَ مريضًا لا يمكنه القتال =
[ ٣٨١ ]
واختلفوا في: الأعمى، والمقعد، وأقطع اليدين؛ لاختلافهما: هل يتمكن لهم نوعٌ من أنواع القتال: كإدارة الرأي إن كانوا من أهل المعرفة والدَّهاء في الحرب، وقتال المقعد راكبًا، والأعمى يُناول النبلَ، ونحو ذلك، ويُكثِّرون السواد؟ فمن رأى لمثل ذلك أثرًا في استحقاق الغنيمة أسهم له، ومن لم يَرَه؛ منعَ (١) .
وأمَّا من كان به مرض يُرجى زواله، فله ثلاثة أحوال: إما أن يخرج مريضًا، وإما أن يمرض بعد الإدراب، وقبل حضور القتال، وإما أن يمرض بعد القتال.
فأمَّا الذي يخرج مريضًا، فعند المالكية فيه خلاف: هل يُسهم له، أو لا يُسهم له؟ قال اللخْمي: أرى أن لا شيء له، إلا أن يُقْتدى برأيه، فرُبَّ رأيٍ أنفعُ من قتالٍ (٢) .
وكذلك اختلف فيه إذا مرض بعد الإدراب: وهو أن يُفارق أرض الإسلام، ويدخل في بلاد الكفر وحوزتهم، والقول في هذا، أنه يُسهم له: أكثر عندهم وأقرب.
ولم يختلفوا أن من مرض بعد القتال يُسهم له، وإن كان مرضه قبل حوز الغنيمة، وهذا صحيح؛ لما نذكره بعدُ في (فصل: الأفعال التي يُستحق بها
_________________
(١) = حتى انقضت (أي الحرب)، فله سهمه» . وقال (ص ٦١٢): ولذلك قلنا: إنَّ المريض يسهم له؛ لأنه قد شهد الوقعة، وحصل منه التكثير، وقيل في قوله -تعالى-: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧]، أي: كَثِّروا.
(٢) انظر: «المعونة» (١/٦١٢)، «جامع الأمهات» (ص ٢٥٠)، «التلقين» (١/٢٤٢)، «النوادر والزيادات» (٣/١٦٨)، «الفواكه الدواني» للشيخ أحمد بن غنيم النفراوي المالكي (١/٤٧١) .
(٣) قال القاضي عبد الوهاب في «التلقين» (١/٢٤٢): «يسهم لمن حضر من صحيحٍ ومريضٍ، قاتل أو لم يُقاتل، قاتل في أولهما، أو بقي إلى انقضائها» . وقال في «الرسالة»: «ويسهم للمريض، وللفرس الرَّهيص -أي المريض- » . انظر: «الفواكه الدواني» (١/٤٧١)، «النوادر والزيادات» (٣/١٥٨، ١٥٩) . وروي عن أشهب، وابن نافع، أنه: لا يُسهم له.
[ ٣٨٢ ]
الإسهام)، ذِكرًا يأتي على توجيه ما مضى في هذا الضرب من الأقوال، وما يتبيَّن به في ذلك وجه الصواب إن شاء الله تعالى- (١) .
فصلٌ
وأما التاجر والأجير يكونان في الجيش، فاختلف أهل العلم فيهما على ثلاثة أقوال:
قيل: يُسهم لهما إذا شهدا مع الناس القتال، قاتَلا، أو لم يُقاتِلا (٢) .
وقيل: لا (٣) يُسهم لهما، قاتَلا، أو لم يُقاتِلا (٤) .
وقيل: إن قاتَلا، أسهمَ لهما، وإلا؛ فلا (٥) .
_________________
(١) من حضر القتال، مريضًا كان، أو صحيحًا، ممن لا يقاتل، أو ممن يقاتل؛ فلم يقاتل: فلهم سهم المقاتل. وهذا قول مالك، والليث بن سعد، والشافعي. وقال سفيان الثوري: «كل من حضر القتال يُسهم له» . قاله ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٦٨) . وانظر: «الأم» (٤/١٦٤)، «المجموع شرح المهذب» (١٨/١٤٢)، «الفيء والغنيمة» (ص ١٣٩) .
(٢) وهذا مذهب: الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وسفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، في: التاجر؛ حضر القتال، قاتل، أو لم يقاتل. وقاله الأوزاعي كذلك، إلا القديديين، وهم: السفار، والبيطار، والحداد، ونحوهم. ذكر ذلك ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٦٨) . وهو إحدى الروايتين عن أحمد في الأجير، كما سنذكره بعد. وانظر: «الاستذكار» (١٤/١١٠) .
(٣) أثبتها أبو خبزة: «لم» . وكتب في الهامش: «كذا، ولعلَّ الصواب: يُسهم »، والكلام قبلها وبعدها مطموس.
(٤) أي: لا يُسهم لهما إذا كانوا مشتغلين باكتسابهم. كما سينقله المصنف عن القاضي عبد الوهاب. انظر: «الرسالة» (ص ١٩٠)، «التفريع» (١/٣٦٠)، «المعونة» (١/٦١٣)، «الذخيرة» (٣/ ٤٢٩)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٥٠٦)، «البيان والتحصيل» (٢/٥٧١)، «تفسير القرطبي» (٨/١٦-١٧) . وهي رواية أخرى عن أحمد؛ كما في «المغني» (٨/٤٦٧) . وبه قال أشهب. وقاله ابن القصَّار في الأجير. أفاده القرطبي في «التفسير» (٨/١٧) .
(٥) لأنه ممن خوطب بالجهاد، فإذا قاتل أسهم له، كغير الأجير، ولأنه ليس في كونه أجيرًا أكثر من أنه عاوض على منافعه، وذلك لا يمنع السهم له إذا قاتل، كالذي يحج ومعه تجارة، أو يؤاجر نفسه للخدمة في ذلك لا يمنعه صحة الحج. انظر: «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (٤/٤٣٦- بتحقيقي) . وهو مذهب مالك، في التاجر خاصَّة.
[ ٣٨٣ ]
وقد روي عن مالكٍ في الأجير هذه الأقوال الثلاثة (١) . ولم يُختلف عنه أنه إن لم يقاتل ولم يشهد، فلا شيء له، وقول مالك في إحدى الروايات عنه: لا يُسهم للأجير والتاجر إلا أن يُقاتِلا (٢)، هو قول أبي حنيفة وأصحابه (٣) .
ومن قول مالك: إنه يُسهم لكلِّ من قاتل إذا كان حُرًّا (٤)، وهو قول أحمد بن حنبل (٥)،
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في: «النوادر والزيادات» (٣/١٨٧-١٨٩) .
(٢) انظر: «المدونة» (١/٣٩٣)، «التفريع» (١/٣٦٠)، «الكافي» لابن عبد البر (٢١٤) . فإن كان التاجر خرج للجهاد والتجارة معًا، فينبغي أن يُسهم له إذ حضر الوقعة، سواء قاتل، أم لا. وانظر: «عيون المجالس» (٢/٧٢٠)، «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٢/١٩٢)، «أحكام القرآن» لابن العربي (١/١٩٢) .
(٣) انظر: «الرد على سير الأوزاعي» لأبي يوسف (ص ٤٤)، «بدائع الصنائع» (٧/١٢٦)، «الاستذكار» (١٤/١١٠) . وهو قول الشافعي في التاجر؛ قال: «ويُسهم للتاجر إذا قاتل» . انظر: «مختصر المزني» (ص ٢٧٠) .
(٤) قال مالك في «الموطأ» (ص ٢٨٧-ط. دار إحياء التراث العربي) في كتاب الجهاد (باب جامع النفل في الغزو)، قال في الأجير في الغزو: «إنه إن كان شهد القتال، وكان مع الناس عند القتال، وكان حُرًّا: فله سهمه، وإن لم يفعل ذلك: فلا سهم له، وأرى أن لا يُقسم إلا لمن شهد القتال من الأحرار» ا. هـ. كلامه -﵀-. وهذا مذهب الليث بن سعد. انظر: «النوادر والزيادات» (٣/١٨٨، ١٨٩)، «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص (٣/٤٤٢)، «الاستذكار» (١٤/١٠٩-١١٠)، «تفسير القرطبي» (٨/١٦، ١٧)، «نيل الأوطار» (٧/٣٠٣)، «الفيء والغنيمة» (ص ١٣٦) .
(٥) هذه إحدى الروايتين عنه. انظر: «الإنصاف» (٤/١٦٣-١٦٤)، «المحرر» (٢/١٧٦) . وفي رواية عنه: لا يُسهم له على كل وجه. انظر: «المغني» (٨/٤٦٧-٤٦٩) . وبه -أي: الرواية الأخرى عن أحمد- قال أشهب، وقال ابن القصار في الأجير: لا يُسهم له وإن قاتل. أفاده القرطبي في «التفسير»، ثم قال: «وهذا يرُدّه »، وذكر حديثًا، أخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب غزوة ذي قرد وغيرها) (رقم ١٨٠٧) عن سلمة بن الأكوع، ضمن حديثٍ طويل، قال فيه سلمة: «كنت تبيعًا لطلحة بن عبيد الله، أسقي فرسه، وأحسُّه، وأخدمه، وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي، مهاجرًا إلى الله ورسوله - ﷺ -»، وذكر حديثًا طويلًا جدًّا، في آخره: «ثم أعطاني رسول الله - ﷺ - سهمين، سهم الفارس، وسهم الرَّاجل، فجمعهما لي جميعًا» . =
[ ٣٨٤ ]
وقال الحسن بن حيّ: يسهم للأجير (١) .
وروي مثل ذلك عن الحسن، وابن سيرين؛ في التاجر والأجير: أن يُسهم لهما إذا حضرا القتال، قاتلا، أو لم يُقاتِلا (٢) .
وقال الشافعي: «لو كان لرجلٍ أجيرٌ يريد الجهاد معه، فقد قيل: يُسهم له، وقيل: لا يُسهم له، إلا أن يكون قتالٌ فيقاتل، وكذلك التجَّار إن قاتلوا، قيل: يُسهم لهم، وقيل: لا يُسهم لهم» (٣) .
قال ابن عبد البر (٤): «جمهور العلماء يرون: أن يُسهم للتجار إذا حضروا القتال. وقال الأوزاعي، وإسحاق: لا يُسهم للعبد ولا للأجير المستأجَر على خدمة القوم» .
قال ابن عبد البر (٥): «من جعل الأجير كالعبد لم يُسهِمْ له، حضر القتال أو لم يحضر، وجعل ما أخذه من الأجرة مانعًا له من الإسهام» .
قال: ومن حجته ما رواه عبد الرزاق (٦)، من حديث عبد الرحمن بن عوف،
_________________
(١) = فهذا نصٌّ في المسألة أن الأجير إذا قاتل يُسهم له من الغنيمة، كما قرره القاضي عبد الوهاب -فيما يأتي بعد- ووافقه عليه المصنِّف -وأفاده القرطبي -كما سبق بيانه-، والله الموفق. وانظر: «الأوسط» (١١/١٦٩)، «نصب الراية» (٣/٤٢٠)، «نيل الأوطار» (٧/٢٠٢-٢٠٣)، «الفيء والغنيمة» (ص ١٣٦-١٣٨) .
(٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص (٣/٤٤٢) .
(٣) انظر: «الأوسط» (١١/١٦٨)، «الاستذكار» (١٤/١١٠) .
(٤) انظر: «الأم» (٤/١٤٦-ط. دار المعرفة)، «روضة الطالبين» (٧/٣٨١-٣٨٢)، «المجموع» (١٨/١٤٥)، «مغني المحتاج» (٣/١٠٤)، «الاستذكار» (١٤/١١٠) .
(٥) في «الاستذكار» (١٤/١١٠، ١١١) .
(٦) المرجع السابق.
(٧) في «مصنفه» (٥/٢٢٩ رقم ٩٤٥٧) عن عبد العزيز بن أبي رواد، قال: أخبرني أبو سلمة الحمصي، أن عبد الرحمن بن عوف، أنه قال لرجل من فقراء المهاجرين الحديث. ورجاله ثقات؛ إلا أن فيه عبد العزيز بن أبي رواد، وهو صدوق عابد، ربما وهم، ورمي بالإرجاء. كما قال الحافظ في «التقريب» . =
[ ٣٨٥ ]
أنه قال لرجلٍ من فقراء المهاجرين: اخرج معي إلى الغزو، فوعده بذلك، ثم إنَّ هذا امتنع عن الخروج حتى أرضاه بثلاثة دنانير، فلما هزموا العدو، وأصابوا المغنم، ذكر أمره لرسول الله - ﷺ -، فقال: «هذه الثلاثة الدنانير حظُّه ونصيبه من غزوته؛ في أمر دنياه وآخرته» . والحديث اختصرته هنا.
قال القاضي عبد الوهاب (١): «لا يُسهم للأجراء والصُّنَّاع المتشاغلين بأكسابهم (٢)؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ
_________________
(١) = وله شاهد من حديث يعلى ابن مُنْيَة -بمثناة من تحت- قال: آذن رسول الله - ﷺ - بالغزو وأنا شيخ كبير، ليس لي خادم، فالتمست أجيرًا يكفيني، وأُجري له سهمه، فوجدت رجلًا، فلما دنا الرحيل أتاني، فقال: ما أدري ما السُّهمان، وما يبلغ سهمي، فسمِّ لي شيئًا، كان السهم أو لم يكن، فسمَّيت له ثلاثة دنانير، فلما حضرت غنيمته أردت أن أُجري له سهمه فذكرت الدنانير، فجئت النبي - ﷺ - فذكرت له أمره، فقال: وذكر نحو حديث عبد الرحمن بن عوف. أخرجه أبو داود (رقم ٢٥٢٧)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/٣٣١) من حديث يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن عبد الله بن فيروز الديلمي، والبيهقي -أيضًا- (٩/٢٩) من حديث خالد بن دُريك، كلاهما عن يعلى بن منيَّة، به. والحديث سكت عنه الذهبي في «المهذب لسنن البيهقي» في الموطن الأول، فهو صحيح عنده. وقال في الموطن الثاني في إسناد خالد بن دريك: «إن كان خالد لقي يعلى؛ فإسناده جيد» . وانظر: «صحيح أبي داود» لشيخنا الألباني -﵀-. وقال أبو حاتم في «المراسيل» (٤٩): «ما أحسب خالد بن الدريك لقي يعلى بن مُنيَّة» . وأخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (رقم ٢٣٦٣) من طريق يحيى بن أبي عمرو، عن يعلى ابن منية، به. فسقط من إسناده عبد الله الديلمي، وهو الواسطة بين يحيى ويعلى. وذكر الهيثمي في «المجمع» (٥/٣٢٣) نحوه عن عوف بن مالك عن النبي - ﷺ -. وعزاه للطبراني. وعلى أية حال فالحديث صحيح بمتابعاته.
(٢) في «الإشراف» (٤/٤٣٥-٤٣٦- بتحقيقي) .
(٣) انظر: «التفريع» (١/٣٦٠)، «الرسالة» (١٩٠)، «المعونة» (١/٦١٣)، «الذخيرة» (٣/٤٢٩)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٥٠٦)، «النوادر والزيادات» (٣/١٨٧)، «تفسير القرطبي» (٨/ ١٦-١٧) .
[ ٣٨٦ ]
اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، ففرق بين حكميهما (١) . قال: فأما إن قاتلوا فلهم سهمهم؛ لأنهم ممن خوطب بالجهاد، فإذا قاتلوا أسهم لهم كغيرهم» .
هذا قول صحيح، واستدلالٌ ظاهر، وهو الأرجح، والله أعلم.
* مسألة:
إذا حاز أحد الأصناف الذين لا يُسهم لهم: كالعبيد، وأهل الذمة غنيمةً، فإما أن يكونوا تولوا ذلك بانفرادهم، لم يخالطهم غيرهم من أحرار المسلمين الذين يُسهم لهم، وإما أن يكون معهم من يُسهم لهم؛ فإن كانوا بانفرادهم، دفع ذلك إليهم، ولا خُمس فيما صار من ذلك لأهل الذمة (٢) .
وقال سفيان الثوريُّ في المشركين يخرجون بغير إذن الإمام؛ فيصيبون غنيمة: حالهم في ذلك كحال المسلمين، يعني: إن ذلك يخمس، ويكون الباقي لهم (٣) .
_________________
(١) انظر لمزيد إيضاح هذا التوجيه: «تفسير القرطبي» (٨/١٧) .
(٢) انظر: «المغني» (١٣/٩٨- ط. هجر) .
(٣) انظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/١٨٧)، «المحلّى» (٧/٣٣٤)، «تفسير القرطبي» (٨/ ١٨)، «موسوعة فقه سفيان الثوري» (ص ٦٧٤) . وهومذهب الحنابلة، وبه قال: الأوزاعي، والزهري، وإسحاق بن راهويه. وقل الجوزجاني: هذا مذهب أهل الثغور، وأهل العلم بالصوائف والبعوث. وفي رواية عن أحمد: لا يسهم له. والمذهب الراجح عند الحنابلة أنه يسهم لهم. انظر: «المغني» (١٣/٩٧- ط. هجر)، «المقنع» (٣/١١٧٢)، «شرح المختصر» (٢/٥٥٢)، «الواضح» (٢/٢٦٤)، «المبدع» (٣/٣٦٦)، «الإنصاف» (٤/١٧١-١٧٢)، «شرح الزركشي» (٦/٤٩٧) . واستدلَّ الحنابلة بما رواه مسلم في «صحيحه» في كتاب الفضائل (باب ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا قط فقال: لا. وكثرةعطائه) (رقم ٢٣١٣) من حديث ابن شهاب الزهري قال: وذكر غزوة حنين، وقال: وأعطى رسول الله - ﷺ - يومئذٍ صفوان بن أمية مئة من النَّعم، ثم مئة، ثم مئة. قالوا: ولأنه من أهل القتال، فأسهم له كالمسلم، وصفوان خرج مع النبي - ﷺ - يوم حنين، وهو على شركه. =
[ ٣٨٧ ]
واختلف أصحاب مالك في العبيد: هل يخمس ما يصير إليهم، أو لا؟ فقال ابن القاسم: يخمس، وقال سحنون: لا يخمس (١)، قال: إنما ورد الخطاب بالخمس فيمن خوطب بالجهاد، وأما إن خالطهم غيرهم ممن يسهم لهم، فذلك له حالان:
إحداهما: أن يكون من يُسهم له فيهم قليلًا تبعًا، ليس مثلهم، كأن يُقدر على ذلك لو انفردوا، فهذا قال فيه سحنون وغيره: تقسم الغنيمة في جميعهم، يعني: ويُخمَّس ما صار من ذلك لأهل الخطاب بالجهاد (٢) .
والحال الثانية: أن يكون الذين يُسهم لهم هم المُعظم، ويكون من لا يُسهم لهم تبعًا، كالجيوش يكون فيها العبيد وغيرهم، فقد مضى الكلام في حكم ذلك، وأنه لا يُسهم لهم، على ما ذهب إليه الجمهور: مالكٌ، والشافعي، وأبو حنيفة، وغيرهم، والغنيمة لأهل الجيش دونهم (٣) .
_________________
(١) = واستدلوا -أيضًا- بما روى الزهري، أن رسول الله - ﷺ - استعان بناسٍ من اليهود في حَرْبه، فأسهم لهم. قلت: ترجم الحافظ ابن حجر في «الإصابة» (٣/٤٣٢- ط. البجاوي) لصفوان بن أمية، وذكر أنه حَضَرَ وقعة حنين قبل أن يسلم، ثم أسلم. أما رواية الزهري أن النبي - ﷺ - استعان بناسٍ من اليهود في حربه، فأسهم لهم؛ فقد رواها سعيد ابن منصور في «سننه» (٢/٢٨٤)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٢/٣٩٥)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/٥٣)، قال البيهقي: هذا منقطع. وروى قبله بإسناده إلى الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مِقْسم، عن ابن عباس -﵄- قال: استعان رسول الله - ﷺ - بيهود بني قينقاع، فرضخ لهم، ولم يسهم لهم. ثم قال: تفرد به الحسن بن عمارة، وهو متروك، ولم يبلغنا في هذا حديث صحيح، وقد روينا قبل هذا كراهية الاستعانة بالمشركين. اهـ. قلت: يشير إلى قول النبي - ﷺ - للمشرك الذي جاء -وهو على شركه- للقتال مع رسول الله - ﷺ - فقال له: «ارجع! فلن أستعين بمشرك» . والحديث صحيح، والله أعلم.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/١٩٩، ٢٠١)، «البيان والتحصيل» (٣/١٥) .
(٣) المراجع السابقة.
(٤) انظر: «المنتقى شرح الموطأ» (٣/١٧٩) .
[ ٣٨٨ ]
وقال ابن حبيب: إن كان أذن الإمام لقومٍ من أهل الذمة في غزو العدو معه: أسهم بينهم وبين المسلمين (١) .
قلت: هذا لا يصلح؛ من وجهين: أحدهما: إذنه للذمِّي في الغزو معه، والثاني: الإسهام لهم مع المسلمين، وقد تقدم القول في منع ذلك كلِّه، وقيام الأدلة عليه.
قال أبو الوليد الباجي (٢): أما ما أخذ على وجه السرقة والتلصص، فحكم أهل السهم وغيرهم فيه سواء، يأخذ كل واحدٍ منهم حصته، بخلاف ما أخذ على وجه المدافعة والمغالبة، فذلك لأهل الإسهام دون من شركهم. ومثل هذه التفرقة بين حال الغزو والتلصص مروي عن ابن القاسم (٣)، وذلك جنوح إلى أن حكم ما يُسرق ويُتلصص عليه غير حكم الغنائم، وأنه
يختصُّ به من أخذه، كما يقوله الشافعية وغيرهم، وكان يلزم على ذلك أن لا يكون فيه خمس، وهو كله عند المالكية يُخمس؛ إن كان أهل السرقة والتلصص الذين حازوه ممن يسهم لهم، لم يختلفوا في ذلك، وفي أنه لا يُخمس إن كانوا من أهل الذمة، والخلاف عندهم إن كانوا عبيدًا -كما تقدم-. قال اللخمي في الصبي والمرأة: «يلزم على قول سحنون أنه لا يُخمس ما حصل لهم في ذلك -أيضًا-؛ لأنه رأى التخميس إنما خوطب به من خوطب بالجهاد» .
فصلٌ: في بيان ما يُستحق به الإسهام من العمل
قال الله -تعالى-: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٩] . فكان الأصل في استحقاق الغنيمة، ما به تُحاز وتُغنم، وهو: القتال، إلا أن القتال يكون من لواحقه
_________________
(١) «النوادر والزيادات» (٣/٢٠٠)، «المنتقى شرح موطأ مالك» (٣/١٧٩) .
(٢) في «المنتقى شرح موطأ مالك» (٣/١٧٩) .
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/١٩٩) .
[ ٣٨٩ ]
وضروراته أعمالٌ يتقسمها (١) الجيش، كلها ترجع إلى إنجادهم، وإعانتهم، وتدبير أحوالهم، وتفرغهم للإقبال على القتال؛ فمن ذلك الوقوف في الساقة (٢) رِدءًا لهم، ومن ذلك الخروج في الكمين؛ لانتهاز الفرصة، والدفع في موضع الحاجة، ومن ذلك التقدم في السرايا والمسالح (٣) أمامهم وخلفهم، ومن ذلك حراستهم في رحالهم وأحوالهم، والنظر فيما يصلحهم من العَلُوفة وغيرها، مما فيه معونتهم على ما هم بصدده، فكان جميع هؤلاء شركاء في المغنم؛ لأنه بذلك تمَّ أمرهم.
قال القاضي عبد الوهاب (٤): «من شهد القتال فله سهمه، قاتل أو لم يقاتل؛ لأنه قد حضر سبب الغنمية وهو القتال؛ ولأنه ليس كل الجيش يقاتل؛ لأن ذلك خلاف مصلحة الحرب؛ لأنه يحتاج إلى أن يكون
بعضهم في الرِّدء، وبعضهم يحفظون السواد، وبعضهم في العَلُوفة، على حسب ما يحتاج إليه في الحرب.
فلو قلنا: إنهم يقاتلون كلهم لم يستمر؛ لما بينَّاه، ولو قلنا: إنه لا يستحق إلا من قاتل، لكان كل الجيش يقاتل، فيبطل التدبير. قال: وقيل في قوله -تعالى-: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧]، أي: كَثِّروا» .
قلت: فإذا تقرَّر ذلك، فمن خرج في الجيش برسم الجهاد، فكان من فريق من ذكرنا للتعاون على الحرب، فلا خلاف أعلمه في أنه يسهم له، إذا كان في نفسه على الصفات التي قدَّمنا، حسبما مضى في بعضها من الخلاف، فإن صدّه عن
_________________
(١) كذا في الأصل والمنسوخ، ولعلَّ صوابها: «يقتسمها» .
(٢) الساقة، ساقة الجيش: مُؤَخَّرُهُ. وفي الحديث: « إن كان في الساقة كان فيها » . وهي جمع سائق، وهم الذين يسوقون جيش الغزاة، ويكونون من ورائه يحفظونه، ومنه: ساقة الحاجّ. انظر: «لسان العرب» (١٠/١٥١-ط. دار الفكر) .
(٣) المسالح: مواضع المخافة. والمَسْلحة: قوم ذو سلاح، أو: قوم في عُدَّةٍ بموضع رصدٍ قد وُكِّلوا به بإزاء ثَغْر، واحدهم: مَسْلحيٌّ، والجمع: المسالح. انظر: «لسان العرب» (٢/٤٨٧) .
(٤) في «المعونة» (١/٦١٢) . وانظر: «التلقين» (١/٢٤٢)، «الكافي» (١/٤٧٥) . وانظر في تفسير الآية: «تفسير الطبري» (٧/٣٨٠) .
[ ٣٩٠ ]
فعل شيءٍ مما ذكرنا صادٌّ، مثل أن يمرض أو يموت (١) أو يضلّ في طريقه عن الوصول ويبدع به، وما أشبه ذلك من الأعذار التي لا يكون له فيها اختيار، ففي ذلك خلافٌ، نذكر منه -إن شاء الله- ما تمكن (٢) .
وأما من خرج في الجيش لعملٍ يخصُّه؛ من تجارةٍ أو إجارة، وغير ذلك مما لا يكون سبب شخوصه فيه الغزو، لكن طلبُ كسبٍ، كما كان يفعل في غير سفر الغزو، فلا شيء لواحدٍ من هؤلاء -كما تقدم- إلا أن يحضروا القتال مباشرة مع المقاتلين أو شهودًا فيه، وإن لم يقاتلوا، ففيه من الخلاف: هل يُسهم لهم أو لا؟ ما تقدم ذكره في فصل التجار والأُجَراء.
فأما اختلافهم فيمن خرج غازيًا، فاعترضه عن تمام ما نوى من ذلك عارضٌ لا اختيار له فيه، فنذكر -كما قلنا- مما نقل عنهم في ذلك ما فيه غُنية، ثم نُنَبِّه على ما يظهر لنا أنه سبب الخلاف، ونشير إلى توجيه كلِّ مذهب، وإلى ما نرى أنه الأرجح -بحول الله تعالى-.
فمن ذلك ما روي عن مالكٍ، والشافعي، والليث بن سعد، والثوري، قالوا: كلُّ من حضر القتال، مريضًا (٣) أو صحيحًا، فلم
يقاتل: فله سهم المقاتل (٤) .
وفي «المدونة» (٥) عن مالكٍ، فيمن خرج غازيًا، فلم يزل مريضًا حتى شهدوا القتال، وحازوا الغنيمة: أنه له سهمه، وكذلك لو شهد القتال بفرسٍ رَهيصٍ (٦)،
_________________
(١) أثبتها ناسخ الأصل: «ويموت» بالعطف.
(٢) كذا في الأصل، وكتب الناسخ في هامش نسخته: «كذا، ولعلها: يمكن» .
(٣) كتب الناسخ في هامش نسخته: «كذا، ولعله سقطت من هنا كلمةٌ معطوفٌ عليها» والمثبت من الأصل المخطوط، وجُلُّه من «الأوسط» لابن المنذر وكلامه في الهامش الآتي.
(٤) انظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/١٦٨)، وفيه: «فأما من حَضَر القتال مريضًا، أو كان صحيحًا ممن لا يقاتل، أو ممن يقاتل فلم يقاتل، فله سهم المقاتل » .
(٥) «المدونة» (١/٥٢٠-ط. دار الكتب العلمية) .
(٦) قال ابن الأثير في «النهاية» (٢/٢٨٢): «أصل الرَّهص: أن يصيب باطن حافر الدابة شيءٌ =
[ ٣٩١ ]
فله سهمه -يعني: سهم الفرس-.
قال ابن حبيب: بخلاف الحطيم والكسير (١) .
وقال مالك: ما كلُّ من حضر يقاتِل، ولا كُلُّ فرسٍ يقاتَل عليه. وروى عنه أشهب وابن نافع، أنه: لا يسهم له (٢) .
وفي «المدونة» (٣) عن ابن القاسم فيمنَّ ضلَّ بأرض العدو، فغنموا بعده، فله سهمه. وكذلك روي عن مالك في الذين [يغزون في البحر، فيرد الريح] (٤) بعضهم إلى بلاد الإسلام، أن لهم سُهْمانهم، وكذلك قال في المراكب إذا وافت أرض الروم ثم انكسرت، أو مرِضَ أهلها، فرجعوا إلى الشام، ثم غنمَ الذين مضوا، فللآخرين سُهمانهم إذا رجعوا خوفًا على أنفسهم (٥) .
وكان ابن الماجشون يُثبت السهمان لمن مات، أو قُتِل، أو أُسِر، أو ضلَّ، أو فلَّ، أو غاب، بعد أن أوجف ودخل المخافة، وجاوز الأمن. وبه قال عبد الملك ابن حبيب (٦) .
يُريد بالإيجاف: الفصلَ عن بلاد المسلمين، والدخولَ في بلاد العدو وحيث يخاف؛ فهذا كله قول بإثبات سُهمان من صدَّه أمرٌ غالب، إذا كان خروجه بنية الغزو.
_________________
(١) = يوهنه، أو ينزل فيه الماء من الإعياء، وأصل الرهص: شدَّة العصر. قال: ومنه الحديث: «فرمينا الصيد حتَّى رهصناه»؛ أي: أوهنَّاه» . وانظر: «لسان العرب» (٧/٤٣-ط. دار الفكر) .
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/١٥٨) وتتمة كلامه فيه: « هذا لا يُسهم له، وكأنه مات قبل الإدراب، وأما لو أوْجَفَ عليه صحيحًا ثم أصابه الكسر؛ لكان له سهمه، كما لو مات بعد الإيجاف» . وانظر: «عقد الجواهر الثمينة» (١/٥٠٧)، «الأوسط» (١١/١٦٧) .
(٣) «النوادر والزيادات» (٣/١٥٨) .
(٤) «المدونة» (١/٥٢٠- ط. دار الكتب العلمية) .
(٥) أثبتها الناسخ في نستخته: «يغزون في الحر، فيرد الحريم »، ولعله سبق قلمٍ منه.
(٦) انظر: «المدونة» (١/٥٢٠)، «النوادر والزيادات» (٣/١٦٩) .
(٧) انظر: «البيان والتحصيل» (٢/٥٩٦)، «النوادر والزيادات» (٣/١٦٨) . والإيجاف: الوصول إلى أرض العدو، ومفارقة أرض الإسلام.
[ ٣٩٢ ]
وفيه قول ثانٍ: أن لا شيء لهم.
روى ابن نافع عن مالك في كتاب ابن سحنون فيمن ضلَّ عن الجيش حتى غنموا: أنهم لا سهم لهم (١) .
وعن سحنون فيمن ردَّته الريح، أو رجع لمرض: أنه لا سهم له (٢) .
قال اللخمي: هذا أحسن. قال: ولا أرى أن يستحقَّ السُّهمان إلا بشهودِ القتال، فمن لم يشهد لمرضٍ أو موت، أو لأنه ضلَّ، أو ردَّته الريح، أو غير ذلك، فلا شيء له.
وعن مالكٍ فيمن دخل أرض العدو غازيًا، فمات قبل لقاء العدو، ثم غنموا بَعْدُ فلا سهم له، ولو مات بعد القتال، ثم غنموا بعد موته، فله سهمه، قاتل أو لم يُقاتل، إذا كان في حين القتال حيًّا (٣) .
وقال الشافعي، وأبو ثور: إذا حضر القتال، ومات بعد أن تُحاز الغنيمة، ضُرب له سهمه، يعطاه ورثته من بعده، وإن مات قبل القتال؛ فلا شيء له عندهما (٤) . وقال
_________________
(١) «النوادر والزيادات» (٣/١٧٠) . وفيه: وقال ابن نافع: «له سهمه» . وبه قال ابن القاسم. انظر: «المدونة» (١/٥٢٠)، «عقد الجواهر» (١/٥٠٦)، «الذخيرة» (٣/٤٢٦) .
(٢) «النوادر» (٣/١٦٩، ١٧٠) . وفيه: قال ابن سحنون: «اختلف قول سحنون في الذين ردتهم الريح فقال: لا سهم لهم مع الذين غنموا، وهذه الرواية على معنى من يقول بالإدراب، ثم رجع فقال: لهم سهمهم؛ لأنهم مغلوبون كما قال مالك» ا. هـ. كلامه. والإدراب: دخول أرض العدو. يقال: أدرب القوم: إذا دخلوا أرض العدو من بلاد الروم، وكل مدخل إلى الروم: دَربٌ من دروبها. (انظر: «لسان العرب» مادة: درب) . وسيذكر المصنف معناه قريبًا.
(٣) انظر: «المدونة» (١/٥١٩)، «المعونة» (١/٦١١)، «التفريع» (١/٣٦٠)، «الرسالة» (ص ١٩٠)، «التلقين» (١/٢٤١-٢٤٢)، «الفواكه الدواني» (١/٤٧٠)، «أسهل المدارك» (٢/١٢)، «روضة المستبين» (١/١٣٣)، «الشرح الصغير» (٢/١٧٨)، «الكافي» (١/٤٧٥)، «الذخيرة» (٣/٤٢٦)، «النوادر والزيادات» (٣/١٦٧) . وانظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/١٦٥) .
(٤) «الأم» (٤/١٥٣)، «مغني المحتاج» (٣/١٠٣)، «إرشاد السالك» (٢/١٣) . وانظر: «الأوسط» (١١/١٦٥)، «فقه الإمام أبي ثور» (ص ٧٨١)، وفيه -أي «الأوسط» -: «وقد حُكي عن =
[ ٣٩٣ ]
الأوزاعي: «إن مات أو قُتل بعد ما يُدربُ فاصلًا (١)
في سبيل الله، أُسهم له» (٢) .
قال عبد الملك بن حبيب: «اجتمع أصحاب مالكٍ على أن من مات قبل مشاهدة القتال، فلا حظَّ له في الغنيمة وإن مات بعد الإيجاف؛ إلا ابن الماجشون، فإني سمعته يقول: من مات بعد الإيجاف: فحظه قائم، يورث عنه، ويُقضى به دينه» (٣) .
وَحَدُّه: الإدراب، وهو: أن يفارق أرض الإسلام، ويدخل أرض الشرك، ويزايل الأمن، ويدخل في المخافة؛ لأنه صار في جملة من اعتُدَّ به في الدخول لذلك، وما لعلَّه بسبب ذلك؛ نِيلَ الفتح الذي كان بَعْدُ.
ومن مذهب ابن الماجشون أنه يقسم له في كلِّ ما غنم الجيش إلى حين قفولهم، وإن لم يحضر شيئًا من ذلك، وكان موته قبل لقاء العدو، إذا مات بعد الإدراب (٤) .
_________________
(١) = الثوري أنه قال: لا شيء له إن مات قبل القتال» . وهو مذهب مالك المذكور آنفًا.
(٢) أي: قاصدًا.
(٣) انظر: «الأوسط» (١١/١٦٥)، «سير الأوزاعي»: (باب سهم الفارس والراجل وتفضيل الخيل) (٧/٣٥٧- مع «الأم»)، «اختلاف الفقهاء» للطبري (٧٧)، «المغني» (١٠/٤٥٠)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤٤٢) . واستدل -﵀- أن رسول الله - ﷺ - أسهم لرجلٍ من المسلمين قتل بخيبر. وانظر: «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٤٢ رقم ١٥٨٩)، وفيه: «وهو قول الليث» . وهو مذهب الحنابلة -أيضًا-. انظر: «المغني» (١٣/٩١-ط. دار هجر) . ونقل كلام الشافعي، وأبي ثور. ومذهب الحنفية فيمن يموت غازيًا في دار الحرب: أن لا شيء له في الغنيمة؛ لأن ملك المسلمين -عنده- لا يتم إلا في دار الإسلام. انظر: «الجامع الصغير» (ص ٢٦٢)، «الرد على سير الأوزاعي» (ص ٢٣)، «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص (٣/٤٤٢) .
(٤) انظر: «البيان والتحصيل» (٢/٥٩٦)، «النوادر والزيادات» (٣/١٦٨) .
(٥) «النوادر والزيادات» (٣/١٦١) .
[ ٣٩٤ ]
قال سحنون: إذا شهد أول القتال، أو كانوا قد ناشبوا القتال وهو حيٌّ، ثم مات بعد المناشبة؛ فحقه فيه ثابت، وكلُّ قتالٍ ابتدؤوه في حصنٍ ثانٍ، أو مغارٍ أحدثوه بعد موته، فلا حقَّ للميت فيه (١) .
قال عبد الملك بن حبيب: وسمعت أصحاب مالكٍ يقولون فيمن أُسِرَ في القتال: فله سهمه فيما غنم قبل القتال وبعده، بمنزلة من مات أو قتل، ومن أُسِرَ قبل القتال فلا سهم له فيما غنم بعده، إلاّ أن تكون
الغنيمة في فورة ذلك وبحضرته، ومن أُسر بعد القتال فله سهمه فيما غنم قبله وبعده، يُقسم له ولفرسه: أصيب معه، أو عُقر تحته، أو خلَّفه عند أصحابه، ومشاهدة القرية، أو الحصن، أو العسكر بمنزلة القتال، وإن لم يكن قتال.
وقال محمد بن الموَّاز: لو بعث الإمام قومًا من الجيش قبل أن يصل إلى بلد العدو في أمرٍ من مصلحة الجيش، من حشدٍ وإقامة سوق، أو غير ذلك، فاشتغلوا في ذلك حتى غنم الجيش؛ فلهم معهم سهمهم (٢) .
وروى ابن وهب، وابن نافعٍ مثل ذلك عن مالك. وفي روايةٍ أخرى عن مالك: لا شيء لهم (٣) .
ومنشأ الخلاف عندي في جميع ذلك، والذي إليه ترجع المسائل على تبدُّدها هو: هل يوجد دليلٌ على أن للقصد والنيِّة أثرًا إذا أخذ في الشروع، ثم قطعه عن تمام العمل في ذلك أمرٌ غالبٌ لا اختيار له فيه؟ فهل هناك دليلٌ
أنه يستحقُّ بذلك صاحبه ما يستحقه بالعمل، أو لا؟ فمن توجَّه عنده: أن ذلك يقوم مقام العمل شرعًا وإن لم يكمله، بما ثبت أنَّ له في ذلك مِثل أجر العامل، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ
_________________
(١) «النوادر والزيادات» (٣/١٧٣) .
(٢) «النوادر والزيادات» (٣/١٧١) .
(٣) «النوادر والزيادات» (٣/١٧١) .
[ ٣٩٥ ]
الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] .
وخرَّج أبو داود (١) عن أبي مالكٍ الأشعري: سمعت رسول الله - ﷺ -
يقول:
_________________
(١) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب فيمن مات غازيًا) (رقم ٢٤٩٩) حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا بقية بن الوليد، عن ابن ثوبان، عن أبيه، يَردُّ إلى مكحولٍ، إلى عبد الرحمن بن غنمٍ الأشعري، عن أبي مالكٍ الأشعري، به، وتمامه: «أو وقصه: فرسُه، أو بعيره، أو لدغته هامَّة، أو مات على فراشه، أو بأي حتفٍ شاء الله؛ فإنه شهيد، وإن له الجنة» . وأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٣/٣٢٠ رقم ٣٤١٨)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٧٨)، وابن أبي عاصم في «كتاب الجهاد» (رقم ٥٤ و٢٣٥)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/١٦٦)، وفي «الشعب» (رقم ٤٢٤٨) كلهم من طريق بقية بن الوليد، به. وقال الحاكم على إثر الحديث: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه» . وتعقبه الذهبي بقوله: «ابن ثوبان لم يحتج به مسلم، وليس بذاك، وبقية ثقة، وعبد الرحمن بن غنم لم يدركه مكحول فيما أظن» . قلت: وبقية يدلس على شيوخه وشيوخ شيوخه. فانظر: «العلل» لابن أبي حاتم (٢/١٥٤-١٥٥)، و«جامع التحصيل» للعلائي (ص ١١٩)، و«التبيين لأسماء المدلسين» (ص ٣٤٥)، «شرح ألفية العراقي» (١/١٩٠-١٩١)، «فتح المغيث» (١/١٨٣) وغيرها. وابن ثوبان. قال الحافظ في «التقريب» (٣٨٢٠): «صدوق يخطئ، ورمي بالقدر، وتغير بأخرة» . فالحديث بهذا الإسناد ضعيف. وانظر: «ضعيف سنن أبي داود» لشيخنا الألباني -رحمه الله تعالى-. ولكن له شاهد من حديث عبد الله بن عتيك. أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في «المسند» (رقم ٨٩٧)، وفي «المصنف» (٥/٢٩٣-٢٩٤)، والطبراني في «الكبير» (٢/١٩١ رقم ١٧٧٨)، وأحمد في «المسند» (٤/٣٦)، وأحمد بن منيع في «مسنده» -كما في «إتحاف الخيرة» (٦/٢٦٣ رقم ٥٨٦٣- ط. مكتبة الرشد) -، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٣/١/١٤)، ويعقوب بن سفيان في «تاريخه» (١/٢٦١)، وأبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (٤/٨٠ رقم ١٦١٨)، والحاكم في «المستدرك» (٢/٨٨)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/١٦٦)، وأبو نعيم في «المعرفة» (٣/١٧٢٨ رقم ٤٣٧٤)، وابن أبي خيثمة، وابن شاهين -كما في «الإصابة» (٤/١٦٨) -، وابن أبي عاصم في «كتاب الجهاد» (رقم ٢٣٦)، وفي «الآحاد والمثاني» (رقم ٢١٤٣)، وابن الأثير في «أسد الغابة» (٣/٢٠٣) من طرقٍ عن ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن عتيك، عن أبيه، به. مرفوعًا بلفظ: «من خرج مجاهدًا في سبيل الله» الحديث. قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ فابن عبد الله بن عتيك مجهول. ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح =
[ ٣٩٦ ]
«من فَصَلَ في سبيل الله، فمات، أو قتل؛ فهو شهيد» .
فمن سلك هذا المسلك، وبخاصة في باب الإسهام من الغنيمة، فإن ذلك يستحقُّه من قاتل من الجيش ومن لم يقاتل، والكثيرُ الغَنَاء، ومن لا كبير غَنَاء عنده، والقويُّ والضعيف على حدٍّ سواء، وفَهِمَ بذلك من الشرع سقوطَ المُشاحة في هذا الباب؛ رأى أن هذه الأعذار
المانعةَ عن الإتمام بعد وجود العَزمِ والشروع لا تُحبط حظهم من السهمان، ومن لم ير ذلك فحجته أن العمل لا يُعَادَلُ بمجرد النيّة على الإطلاق، وهو وإن جعل الشرعُ النيةَ حكمًا، فقد جعل لوجود العمل مزيةً وفضلًا؛ كما ثبت في الفرق بين مقدار ما يكتب لمن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها، وما كُتب لمن همَّ بذلك فَعَمِل (١)؛ ولقوله - ﷺ - للمهاجرين -وقد اجتهدوا في إدراك ما فاتهم به الأنصار من أجر الصدقة، حين لم يجدوا مالًا فيتصدَّقوا كما يتصدَّقون-: «ذلك
_________________
(١) = والتعديل» (٣/٢/٣٠١) ولم يَحْكِ فيه جرحًا ولا تعديلًا. وأشار الذهبي في «الميزان» (٣/٥٩٥) بأنه لا يُعرف، فقال: «عن أبيه، وعنه محمد بن إبراهيم التيمي وحده» . وفي الإسناد علَّةٌ أخرى، وهي عنعنة ابن إسحاق، وهو معروف بالتدليس. وبه أعلَّه البوصيري في «إتحاف الخيرة» (٢/ق ٥٧/ب) أو (٦/٢٦٤) . ولكنه صرَّح بالتحديث عند أبي نعيم في «المعرفة» فزالت شبهة تدليسه. وللحديث شاهدٌ آخر، من حديث أبي هريرة -﵁-؛ مرفوعًا بلفظ: «ما تعدون الشهيد فيكم»؟ قالوا: يا رسول الله! من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: «إن شهداء أمتي إذًا لقليل»، قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: «من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد» . أخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الإمارة (٣/١٥٢١-ط. عبد الباقي) وغيره.
(٢) أخرج البخاري في «صحيحه» في كتاب الرقاق (باب من همَّ بحسنةٍ أو بسيئةٍ) (رقم ٦٤٩١)، ومسلم في «صحيحه» في كتاب الإيمان (باب إذا همَّ العبد بحسنة ) (رقم ١٣١) من حديث ابن عباس -﵄-، عن النبي - ﷺ - فيما يروي عن ربِّه -﷿- قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بيَّن ذلك، فمن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها، كتبها الله له عنده عشر حسناتٍ إلى سبع مئة ضعفٍ إلى أضعاف كثيرة، ومن همَّ بسيئةٍ فلم يعملها؛ كتبها الله عنده حسنةً كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها؛ كتبها الله له سيئة واحدة» .
[ ٣٩٧ ]
فضل الله يؤتيه من يشاء» (١) . فكان للعمل مزية وحظٌّ لا يُدرك بمجرد النيّة.
وأيضًا: فإن الله -تعالى- أضاف الغنيمة إلى من غنمها، وملَّكها لهم بذلك دون من سواهم، فكان الحق في ذلك لمن عمل فغنم، دون من اعْتُرِضَ فلم يتصف بذلك، فنقول -والله تعالى الموفق بمنّه-:
الخارجون في الجيش على أربعة أحوال:
- رجل نوى الغزو، وعمل في مشاهد الحرب، إما في أضعفها رتبة كملازمة الجيش، وتكثير السواد، وإما فوق ذلك إلى أعلاها رتبة: وهو مباشرة القتال، فهذا لا خلاف ولا إشكال أنه يُسهم له؛ للأدلة التي
قدَّمنا، ويدخل في ذلك المريض إذا حضر القتال، وإن لم يُقاتل.
- ورجلٌ لم ينو الغزو، ولا عمل في شيءٍ من مشاهده، كالتاجر والأجير يشتغلان بالكسب والاحتراف فقط، فهذا لا خلاف ولا إشكال أنه لا حقَّ له.
- ورجلٌ لم ينو في خروجه غزوًا، فلما حضر القتال قاتل، أو شهد من مواطن الحرب المخصوصة، بعملٍ من أعمال الجهاد على حسب ما فصَّلنا ما يكون له فيه عمل مع المجاهدين، فالظاهر أن لهذا سهمه، وإن كان في ذلك خلافٌ تقدم ذكره في (فصل: التاجر والأجير)؛ لأنه لما حضر القتال فعمل فيه؛
_________________
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب المساجد (باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفته) (رقم ٥٩٥) من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة: أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله - ﷺ -، فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال: «وما ذاك؟» . قالوا: يُصلُّون كما نصلِّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويُعْتِقون ولا نُعْتِق، فقال رسول الله - ﷺ -: «أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم؟ ولا يكون أحدٌ أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم»؟! قالوا: بلى، يا رسول الله! قال: «تسبحون وتكبرون وتحمدون، دبر كل صلاة؛ ثلاثًا وثلاثين مرة» . قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله - ﷺ -. فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله. فقال رسول الله - ﷺ -: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» .
[ ٣٩٨ ]
حصل منه ساعتئذٍ النِّيَّة والعمل، وذلك هو حقيقة الجهاد، ودخل بذلك في جملة من تنسب الغنيمة إليهم، فكان الوجه أن يُسهم له.
- ورجلٌ نوى الغزو فانْقُطِعَ به قبل مَشَاهِدِ القتال، فهذا الذي جرى فيه ذكر الخلاف في هذا الفصل، والذي يترجح -إن شاء الله- ألاّ يكون له في الغنيمة حقٌّ إن (١) لم يحضر من مشاهد الحرب شيئًا، ويدخل في ذلك المريض الذي لا يستطيع شيئًا من الحضور والتكثير فما فوق ذلك، فإن شهد هؤلاء شيئًا من ذلك،
-وإن قلَّ زمانه- فلهم سهمهم، أعني: فيما غنم عن ذلك الموطن، أو كان لذلك الموطن في أسباب اغتنامه أَثَرٌ؛ وذلك أن الذي أثبَته الشرع للنيات من الحظِّ، وإدراك بعضها رُتبةَ العمل، إنما جاء النص به فيما يرجع إلى ثواب الله -تعالى- وجزيل ما عنده.
وأمَّا أحكام الدنيا وما يستحق فيها بالعمل، فلم يرد الشرع في شيء من ذلك بأنَّ للناوي فيه مثل ما للعامل، بل لعلَّه مما يستحيل (٢) التكليف به؛ لأنَّ الاطلاع على النية لا يعلمه إلا الله -﷿-.
ولما جعل الله -تعالى- الغنائم لمن غنمها دون من سواهم من المسلمين، وكان هذا لم يغنم، ولم يشارك في شيءٍ من أسباب الاغتنام؛ بطل أن يكون له معهم فيما ملَّكهم الله من ذلك شيء، ونيته على الله الذي وسع كلَّ مخلوقٍ فَضْلًا، والله أعلم.
وأمَّا من فرَّق من الفقهاء بين الإدراب وما قبله، فأوجب لمن دخل مع الجيش أرض العدو، وحيث تبتدئ الشدةُ والمخافةُ أن يُسهم له، وإن صدَّه عن التمام أمرٌ غالبٌ، ولم يوجب ذلك لمن اعْتُرِضَ قبله، فسببه: أن الإدراب عنده نوعٌ من مشاهد الحرب التي ينتفع الناس فيها بعضهم ببعض في القوة على التقدم، فإنَّ الجمع هناك إنما يحملهم على الدخول: الاعتدادُ بمن معهم، فيكون ذلك
_________________
(١) كتب الناسخ في هامش نسخته: «كذا، ولعلها: وإن»، والمثبت هو الصواب.
(٢) في المنسوخة: «يستحب» !!.
[ ٣٩٩ ]
سببَ الجُرأة على الإقدام، الذي هو سبب الغنيمة، فرأى من ذهب إلى ذلك أن لدخوله معهم حظًّا في الإعانة، وتسبيبًا للمغنم، فهذا وجه من فرَّق، وعلى هذا المسلك والقانون الذي ذكرناه تدور جملة المسائل المبدَّدة -في هذا الفصل- عنهم، وترجع أسباب الخلاف في ذلك عندهم، والله أعلم.
* مسألة:
إذا لحق بالجيش مددٌ، أو أفلت من دار الحرب أسير، فاتَّصل بهم؛ فلهم ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يدركوا الوقعة من قبل انقضاء الحرب، فهؤلاء يُسهم لهم؛ لما تقدَّم من الأدلة.
والثاني: أن يكون بعد انقضاء الحرب وحوز الغنيمة، فلا حقَّ لهؤلاء، لما تقدَّم -أيضًا- من الأدلة.
والثالث: أن يكون بعد انقضاء الحرب، وقبل حوز الغنيمة.
فمن اعتبر انفصال القتال، لم يُسهِمْ لهم، وهو الأرجح، ومن اعتبر حضورهم في الغنيمة قبل مِلْكِ الغانمين، ورأى في مشاهدة حوزِ الغنيمة ما يوجب الاشتراك، أَسْهَمَ لهم، وكلا القولين للشافعية (١) .
_________________
(١) انظر: «روضة الطالبين» (٦/٣٧٧)، «البيان» للعمراني (١٢/ ٢٢٣)، «المجموع» (٢١/ ٢٤٩) . ومذهب المالكية في ذلك: أنهم إن جاؤوا بعد انقضاء الحرب لم يسهم لهم؛ لأنهم لم يحضروا الحرب، ولم يحصل منهم قتال ولا معاونة عليه، وإن جاؤوا قبل قسم الغنيمة. قال مالك: أرى أن لا يُقسم إلا لمن شهد القتال من الأحرار. وانظر: «الموطأ» . كتاب الجهاد (باب جامع النفل في الغزو)، «المدونة» (١/٣٩١-٣٩٤)، «التفريع» (١/٣٦٠)، «الرسالة» (١٩٠)، «المعونة» (١/٦١١)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٥٠٥)، «الإشراف» (٤/٤٣٤- بتحقيقي)، «عيون المجالس» (٢/٦٨٩) . ومذهب المالكية هذا؛ قوي وراجح -إن شاء الله-. =
[ ٤٠٠ ]
وذهب أبو حنيفة إلى أن كلَّ مددٍ ونحوهم أدرك الجيش في دار الحرب قبل الخروج، فإن لهم معهم سُهمانهم، سواءٌ أدركوا حوز الغنيمة، أو لم يدركوا شيئًا بحال (١) .
_________________
(١) = وهو مذهب الشافعية في إحدى القولين -كما ذكر المصنف-، ومذهب: أحمد، والليث بن سعد، والأوزاعي، وأبي ثور -رحم الله الجميع-. وانظر: «المغني» (١٣/١١٤- ط. هجر)، «المحرر» (٢/١٧٦-١٧٧)، «الأوسط» لابن المنذر (١١/١٤٩) . وهذا مذهب عمر؛ فقد رُوي عنه أنه قال: «الغنيمة لمن شهد الوقعة» . أخرجه ابن أبي شيبة (٧/٦٦٨)، وعبد الرزاق (٥/٣٠٢-٣٠٣ رقم ٩٦٨٩) في «مصنفيهما»، والطبراني في «الكبير» (٨/٣٢١ رقم ٨٢٠٣)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/٣٣٥ و٩/٥٠)، وإسناده صحيح. قال البيهقي: «إسناده صحيح لا شكَّ فيه»، وصححه الحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٣/١٠٢، ١٠٨)، و«فتح الباري» (٦/٢٢٤)، وابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/٤٧٣) . وروي عن أبي بكر، ذكره عنه الشافعي في «الأم» (٨/٣٤١)، ووصله البيهقي (٩/٥٠) بسند منقطع، كما في «التلخيص الحبير» (٣/٢٠٨) . وقال الشافعي: «وقد روي عن النبي - ﷺ - شيء يثبت في معنى ما روي عن أبي بكر وعمر -﵄- لا يحضرني حفظه» . قال البيهقي (٩/٥١) عقبه: «إنما أراد -والله أعلم- حديث أبي هريرة في قصة أبان بن سعيد حين وقع مع أصحابه على النبي - ﷺ - بخيبر، بعد أن فتحها ولم يقسم لهم، وقد مضى ذلك بأسانيده مع مع سائر ما روي في هذا الباب في كتاب القسم» . قلت: انظره في «سنن أبي داود» (٢٧٢٣)، و«سنن البيهقي» (٦/٣٣٣)، وعلقها البخاري (قبل رقم ٤٢٣٨)، ووصلها (٢٨٢٧) . وروي هذا اللفظ بعينه -أي: قول عمر- عن علي قوله، بسند فيه لين، أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٢/٤٩٠)، ومن طريقه البيهقي (٩/٥١)، وانظر: «التلخيص الحبير» (٣/١٠٢) . * تنبيه: عزى القرطبي في «تفسيره» (٨/١٦) -وتبعه صاحب كتاب «الفيء والغنيمة» (ص ١٣٧) - هذا الحديث مرفوعًا للبخاري!! وإنما بوب البخاري في «صحيحه» في كتاب فرض الخمس (باب الغنيمة لمن شهد الوقعة) (٦/٢٢٤- مع «الفتح»)، وأشار ابن حجر إلى أثر عمر، وعزاه فقط لعبد الرزاق وصححه، وتبويبات البخاري المأخوذة من الأحاديث والآثار تحتاج إلى إفراد بمصنف خاص مع تخريجها، فلله دره، ما أوسع اطلاعه، وأدق صنيعه! وأتبعه للآثار!.
(٢) لأن الغنيمة عند أبي حنيفة لا يمتلكها الغانمون ما دامت في دار الحرب، فإذا نُقِلت إلى =
[ ٤٠١ ]
* مسألة:
ما غنمت السّرية الخارجة من جُملة الجيش، فهم والجيش فيه سواء في القسم.
خرَّج أبو داود (١)، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «المؤمنون تَكَافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يدٌ على من سواهم، يردُّ مشدهم على مُضعفهم، ومُتسرِّيهم على قاعدهم» .
المُشدُّ: من كانت دوابه أشدَّاء. والمُضعف: من كانت دوابه ضعافًا. والمُتسرِّي: الخارج في السَّريَّة.
وخرَّج أبو داود (٢) -أيضًا-، عن ابن عمر قال: «بعثنا رسول الله - ﷺ - في جيشٍ قِبَل نجد، وانبعثت سريةٌ من الجيش، فكان سُهمان الجيش اثني عشر بعيرًا، اثني
_________________
(١) = دار الإسلام فهي لهم، لا يشاركهم فيها غيرهم. انظر: «مختصر الطحاوي» (ص ٢٨٥)، «اللباب» (٤/١٢٥)، «فتح القدير» (٥/٤٧٨)، «تحفة الفقهاء» (٣/٥١١-٥١٢)، «بدائع الصنائع» (٩/٤٣٥٣)، «رؤوس المسائل» (ص ٣٦٦-٣٦٧)، وانظر: «حلية العلماء» (٧/٦٨٤-٦٨٥)، «عيون المجالس» (٢/٦٩٠) . واحتج أبو حنيفة بخبر عن عمر، أنه كتب إلى سعد بن أبي وقاص: أن أسهم لمن أتاك قبل أن يتفقأ قتلى فارس. وهذا الخبر: أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٥/٣٠٣ رقم ٩٦٩٠)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٢/٣٣٣ رقم ٢٧٩٥)، من طريق مجالد، عن الشعبي، عن عمر، به. وهذا منقطع، والشعبي لم يلق عمر. وانظر: «جامع التحصيل» (ص ٢٠٤)، «الأوسط» (١١/١٤٩) .
(٢) في «سننه» (رقم ٢٧٥١)، وفيه: (المسلمون) بدل (المؤمنون) . وأخرجه ابن ماجه (رقم ٢٦٨٥)، وابن أبي شيبة (٩/٤٣٢ رقم ٨٠١٧)، والبيهقي (٨/٢٩)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/ ١٥١-١٥٢) . وقد مضى تخريجه.
(٣) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في نفل السرية تخرج من العسكر) (رقم ٢٧٤١) . وأخرجه البخاري في كتاب فرض الخمس (باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين (رقم ٣١٣٤) . وفي كتاب المغازي (باب السرية التي قبل نجد) (رقم ٤٣٣٨) . ومسلم في كتاب الجهاد والسير (باب الأنفال) (رقم ١٧٤٩) .
[ ٤٠٢ ]
عشر بعيرًا، ونفل أهل السرية بعيرًا بعيرًا، فكانت سُهمانهم ثلاثة عشر، ثلاثة عشر» .
قال ابن عبد البر (١): «لم يختلف العلماءُ أن السّرية إذا خرجت من العسكر فغنمت: أنَّ أهل العسكر شركاؤهم فيما غنموا» .
قال ابن المنذر (٢): «قول مالكٍ، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي: أن ما أصابت السرية دون الجيش، أو أصابه الجيش دون السرية؛ هم كلهم في ذلك شركاء؛
لأن كل فريق رِدْءٌ لصاحبه (٣)، وقال الحسن البصري غير ذلك؛ قال: إذا خرجت السرية بإذن الأمير، فما أصابوا من شيءٍ خمَّسه الإمام، وما بقي فهو لتلك السَّريَّة، وإذا خرجوا بغير إذنه خمَّسه الإمام، وكان ما بقي بين الجيش كلهم» (٤) .
* مسألة:
ومما يلحق في الحكم بالسريَّة والجيش: الجماعة تخرج من الحصن ونحوه إلى عدوٍّ أتاهم أو مرَّ بهم، فيغنمون منهم؛ قال اللخمي: إن كانوا لم يقدروا على
_________________
(١) في «الاستذكار» (١٤/١٠٠ رقم ١٩٥٤٢) .
(٢) في «الأوسط» (١١/١٥٢) .
(٣) وهو مذهب حماد بن أبي سليمان؛ فقد قال ابن المنذر: «وروينا ذلك عن الضحاك بن مزاحم. وقال حماد بن أبي سليمان: إذا أصابت السرية الغنيمة وخلفهم الجيش؛ ردوا على الجيش؛ لأنهم ردءٌ لهم، إلا أن يقول الإمام: من أخذ شيئًا فهو له» . قلت: خبر الضحاك بن مزاحم: أخرجه عنه عبد الرزاق في «المصنف» (٥/١٩١ رقم ٩٣٤٠) من طريق جويبر، عنه.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٥/١٩١ رقم ٩٣٣٨)، وسعيد بن منصور في «سننه» (رقم ٢٦٨٤) كلاهما من طريق هشام، عن الحسن، به. قلت: وجعل إبراهيم النخعي ذلك راجعًا إلى الإمام فهو بالخيار: «إن شاء خمَّسه، وإن شاء نفلهم كلهم» . رواه عنه عبد الرزاق (٥/١٩١ رقم ٩٣٣٩)، وسعيد بن منصور (رقم ٢٦٨٥، ٢٦٨٧)، من طريق منصور (بن المعتمر)، عن إبراهيم، به.
[ ٤٠٣ ]
ذلك إلا لمكان جملة المسلمين بالموضع، ولولا ذلك ما قدروا عليهم بانفرادهم، فالغنيمة لجميعهم كالسرية مع الجيش، وإن كان مثلهم لا يحتاجون في أمرهم والإقدام عليهم إلى تقوية من في الحصن، كان ذلك لهم خاصَّة بعد الخمس.
وروى ابن حبيب مسندًا إلى الأوزاعي، أنه سئل عن العدو ينزلون قريةً أو مدينةً للمسلمين، فيخرج إليهم بعضهم فيصيبون منهم، فقال: «إذا كان القوم الذين لقوا العدو منهم، لو استغاثوا بأهل القرية أغاثوهم لقربهم منهم، فهم شركاء جميعًا فيما أصابوا بعد الخمس، ونَرى أن يُنفَّل الخارجون دون أهل القرية، وإن كانوا بموضع لا ينالهم غوثهم، فهو للخارجين منهم دونهم» .
قال ابن حبيب: وقال لي من لقيت من أصحاب مالك مثله. قال: ويسهم لخيلهم التي معهم في المدينة إذا كانوا قريبًا، بحيث ينالهم غوثهم، وكانوا ارتبطوها في سبيل الله، ويقبل في ذلك قول
أهلها الذين ارتبطوها (١) .
*****
_________________
(١) انظر: «المدونة» (١/٣٩٠)، «المعونة» (١/٦١٦)، «التفريع» (١/٣٥٨)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٥٠٧) .
[ ٤٠٤ ]
فصلٌ: في بيان وجوه القسم وسُهمان الخيل
والنظر من هذا الفصل في ثلاثة أشياء: موضع القسم، وكيفية القسم، ومقادير القسم.
فأما موضع قسم الغنائم، فاختلف: هل يكون في دار الحرب أو الإسلام؟ فذهب مالكٌ (١)، والشافعي (٢)، والأوزاعي (٣)، وأصحابهم: إلى أن الغنائم يقسمها الإمام على العسكر في دار الحرب إن شاء. قال مالك (٤): وهم أولى برخصها هنالك.
وذهب أبو حنيفة إلى أن لا تُقسم الغنائم في دار الحرب (٥) . وقال أبو
_________________
(١) انظر: «المدونة» (١/٥٠٣)، «الكافي» (١/٤٧٦)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٥٠٥)، «المنتقى» (٣/١٧٦)، «رؤوس المسائل» لابن القصَّار (٥١)، «تهذيب المسالك في نصرة مذهب الإمام مالك» (٣/٥٨٤)، «جامع الأمهات» (ص ٢٥٢)، «الذخيرة» (٣/٤٢٤)، «النوادر والزيادات» (٣/١٩٤، ١٩٥)، «أسهل المدارك» (٢/١١)، «القوانين الفقهية» (١٣٠) . وهو مذهب الحنابلة. انظر: «المحرر» (٢/١٧٣)، «الإنصاف» (٤/١٦٣)، «المغني» (١٣/ ١٠٧-ط. هجر) . وقال به أبو ثور. انظر: «الأوسط» (١١/١٩٦)، «عيون المجالس» (٢/٦٨٦)، «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص (٣/٤٦٥) .
(٢) انظر: «الأم» (٤/١٤٠-١٤١)، «مختصر المزني» (٢٧٠)، «الإقناع» للماوردي (ص ١٧٨)، «البيان» للعمراني (١٢/٢٠٧-٢٠٨)، «المجموع» (٢١/٢٣٤)، «مغني المحتاج» (٣/١٠١) . وانظر: «الأوسط» (١١/١٩٦) .
(٣) نقله عنه الشافعي في «الأم» (٧/٣٠٢- ط. دار الشعب) . وانظر: «اختلاف الفقهاء» (١٢٩) للطبري، «الأوسط» (١١/١٩٦) لابن المنذر، «الرد على سير الأوزاعي» (١٠)، «الاستذكار» (١٤/١٨٢)، «المغني» (١٠/٤٦٦- ط. دار المنار) .
(٤) انظر: «المدونة» (١/٥٠٣) .
(٥) حكى ذلك عنه: محمد بن الحسن في كتاب «الأصل» (٦/٩١/أ) . وانظر: «مختصر الطحاوي» (ص ٢٨٢)، «الهداية شرح بداية المبتدي» (٢/٤٣٤)، «تحفة الفقهاء» (٣/٢٩٨)، «اللباب» (٤/١٢٥)، «رؤوس المسائل» (ص ٣٦٧)، «المبسوط» (١٠/٣٢)، =
[ ٤٠٥ ]
يوسف: «أحبُّ إليَّ أن لا تُقسم الغنائم في دار الحرب، إلا أن لا يجد حمولةً، فيقسمها هنالك» (١) .
وحجة ما ذهب إليه مالكٌ، والشافعي، ومن قال بقولهما: ما ثبت أن رسول
الله - ﷺ - قسم غنائم حنين بالجعرانة (٢)، وكانت يومئذٍ من دار الحرب، كذلك استدل ابن عبد البر (٣) .
قال أبو بكر بن المنذر (٤) في الاستدلال هنا: «وذلك للثابت عن النبي - ﷺ -، أنه قسم يوم خيبر: للفَرَس سهمين؛ ولصاحبه سهمًا» . وجعل ابن المنذر حديث قسم غنائم حنين بالجعرانة دليلًا على أن للإمام أن يؤخر القسم إن شاء حتى يرجع إلى بلد الإسلام، ولأنه بالخيار في ذلك، على حسب ما يرجوه من المصلحة، ويراه من الاجتهاد، ويتمكن له من التفرغ.
وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة، فلا أعلم ما وجه ما ذهبَ إليه، إلا أن يريد أنهم ماداموا في دار الحرب، فلم يستقر لهم ملك الغنيمة بعدُ؛ لإمكان كرَّة العدو ونحو ذلك، فكان الأمر على مثل حال المدافعة، ولهذا كان من مذهبه أنَّ من لحق الجيش من مددٍ ونحوهم، بعد انقضاء القتال، وحرز الغنيمة، وقبل الخروج من دار الحرب؛ فإنه يُسهم له مع الجيش، وهم في ذلك شركاء، ما لم يكن
_________________
(١) = «بدائع الصنائع» (٧/١٢١)، «إيثار الإنصاف» (٢٣٠-٢٣١)، «الغرة المنيفة» (١٦٠، ١٧٠) .
(٢) انظر: «الرد على سير الأوزاعي» للقاضي أبي يوسف (ص ١)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٦٥) .
(٣) أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب فرض الخمس (باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين) (رقم ٣١٣٨)، ومسلم في «صحيحه» في كتاب الزكاة (باب ذكر الخوارج وصفاتهم) (رقم ١٠٦٣)، من حديث جابر -﵁- قال: بينما رسول الله - ﷺ - يقسم غنمية بالجِعرانة، إذ قال له رجل: اعْدِلْ، فقال له: «شقيتُ إن لم أعدل» . وهذا لفظ البخاري.
(٤) في «الاستذكار» (١٤/١٨٢ رقم ١٩٩٢٥)، والكلام السابق منه.
(٥) «الأوسط» (١١/١٩٦) .
[ ٤٠٦ ]
لحاقهم بهم بعد أن خرجوا من دار الحرب (١)، فلا يكون لهم حينئذٍ شيءٌ.
وإذا قيل بالقسم في دار الحرب فذلك إنما يكون حيث يأمن الجيش، ولا يمنع منه خوف عدوٍّ، ولا عدم فوتٍ للمقام على القسم إن احتيج فيه إلى إقامة.
فصلٌ
وأما كيفية القسم: فللمالكية في ذلك ثلاثة أقوال (٢):
قيل: تقسم أعيان الغنائم، ولا تُباع، فإن كانت أجناسًا مختلفة، قُوِّم كل شيء منها على حدته، ثم عدلت بالقيمة.
وقيل: تباع، وتقسم الأثمان.
وقيل (٣): ذلك مصروفٌ إلى نظر الإمام، فما رأى من ذلك أنه أفضل لأهل الجيش؛ فعله.
فوجه قسم الأعيان من غير بيعٍ: أنه كذلك رُوي في قسم الغنائم في مغازي رسول الله - ﷺ -، وعلى ذلك جرى فعل الصحابة.
روى مالكٌ عن يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: «كان الناس في الغزو إذا اقتسموا غنائمهم يعدلون البعير بعشرة شياه» (٤) .
_________________
(١) وعندهم -أي: الحنفية-: إن قسمت الغنيمة في دار الحرب مضت، كحكم الحاكم: لا يُنْقض. انظر: «مختصر الطحاوي» (ص ٢٨٢)، «الهداية» (٢/٤٣٤)، «تحفة الفقهاء» (٣/٢٩٨)، «اللباب» (٤/١٢٥) .
(٢) «المدونة» (١/٥٠٣) .
(٣) قال به مالك. ونقله ابن جزي عن أبي حنيفة. انظر: «المنتقى» (٣/١٧٨)، «القوانين الفقهية» (١٤٩) .
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» في كتاب الجهاد (باب جامع النفل في الغزو) (ص ٢٨٧ رقم ٤٥٥- ط. دار إحياء التراث العربي) . ونقل مذهب سعيد في قسم الأعيان دون البيع: ابن حزم في «المحلَّى» (٧/٣٤٢) . =
[ ٤٠٧ ]
قال ابن القاسم (١): «ليس على هذا العمل، لكن تُقسم الإبل على حدة، والغنم على حِدة بالقيمة، وكذلك سائر العروض، يقسم كل جنس على حدته بالقيمة، ولا يقسم شيء منها بالسهم، ولا يجعل جزءٌ من جنسٍ بجزءٍ من غيره، ذلك مكروه؛ لأنه لا يدري أين يقع سهمه»، فرأى ذلك من باب الغَرَر.
وخرَّج الترمذي (٢) عن أبي سعيد الخدري قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن
_________________
(١) = وأخرج نحوه البخاري في «صحيحه» في كتاب الشركة (باب قسمة الغنم) (رقم ٢٨٤٤) وفي مواطن أخرى، ومسلم في «صحيحه» في كتاب الأضاحي (باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم) (١٩٦٨) (٢١) من حديث رافع بن خديج -﵁-، وفيه: « ثم قًسَم، فعَدَل عشرة من الغنم ببعير » . واختار أبو الوليد الباجي -من المالكية- في «المنتقى» (٣/١٧٨) هذا القول، وهو قسم الأعيان دون البيع.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/١٩٤) .
(٣) في «جامعه» في أبواب السِّير (باب في كراهية بيع المغانم حتى تُقسم) (رقم ١٥٦٣) عن هناد، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جهضم بن عبد الله، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن زيد، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد الخدري. وقال: حديث غريب. وهذا إسناد ضعيف جدًا لجهالة محمد بن إبراهيم، وهو: الباهلي، ومحمد بن زيد، وهو: العبدي، ولضعف: شهر بن حوشب. وجهضم اليمامي، وهو: ابن عبد الله بن أبي الطفيل: ثقة، إلا أن حديثه منكر فيما روى عن المجهولين، وهذا منها. وأخرجه عبد الرزاق (١٤٩٢٣)، وابن أبي شيبة -مطولًا ومختصرًا- (٣/١٨٩، ٦/١٣١، ١٢/ ٤٣٦)، وأحمد (٣/٤٢)، وابن ماجه (٢١٩٦)، وأبو يعلى (١٠٩٣)، وابن زنجويه في «الأموال» (٣/ ٨٩٨ رقم ١٥٩٣)، والدارقطني في «السنن» (٣/ ١٥)، والبيهقي في «السنن» (٥/٣٣٨) من طرق عن جهضم، به. قال البيهقي عقبه: «وهذه المناهي وإن كانت في هذا الحديث بإسنادٍ غير قوي، فهي داخلة في بيع الغرر الذي نهى عنه في الحديث الثابت عن رسول الله - ﷺ -» . وعزاه ابن رجب في «قواعده» (١/٣٩٩- بتحقيقي) إلى ابن راهويه والبزار، وضعّفه. والحديث صحيح بشواهده. ففي الباب عن رويفع بن ثابت، وابن عباس، وروي عنه مرفوعًا =
[ ٤٠٨ ]
شراء المغانم حتى تقسم. قال فيه: حديث غريب.
ولا يوجد هذا الحديث من طريق قوي، وفي سنده عند الترمذي شهر بن حوشب.
ووجه من ذهب إلى بيع الغنائم، وقسمِ أثمانها، هو فيما أرى -والله أعلم- فِرارٌ من تعذُّرِ العدل في قسم الأعيان؛ لاختلافها، وما يُتَّقى من عدم التعادل فيها.
ووجه من ذهب إلى أن ذلك للإمام، يرى فيه الأفضل للجيش: ملاحظته هاتين الطريقتين، فوكَّل أمر ذلك إلى الإمام، فإن رأى الإمامُ قَسْمَ الأعيان ممكنًا التعادل فيه، وغير متخوف الغرر؛ لإمكان ذلك في الغنيمة الحاضرة: قسم الأعيان، وإن خشي ذلك في قسم الأعيان، لاختلافها وتشتت أموال الغنيمة، باعها وقسَّم الأثمان، وهذا نظرٌ سديد، والله أعلم.
فصلٌ
وأما مقادير القسم على الفرسان والرّجل، ففي ذلك لأهل العلم قولان:
أما الجمهور، فذهبوا إلى أنه يُقسم للفارس ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه، وهو قول مالكٍ، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وداود، وقاله صاحبا أبي حنيفة: أبو يوسف، ومحمد (١)،
_________________
(١) = وموقوفًا، وأبي هريرة، ومرسل مكحول وأبي قلابة، وغير ذلك. وقد خرجت ذلك بالتفصيل في تعليقي على «قواعد ابن رجب» (١/٣٩٩-٤٠٤)، وتعليقي على «سنن الدارمي» (رقم ٢٦٣٣) .
(٢) انظر في مذهب المالكية: «المدونة» (١/٥١٨-ط. دار الكتب العلمية)، «التفريع» (١/ ٣٦٠)، «الرسالة» (ص ١٩٠)، «المعونة» (١/٦١٤)، «الكافي» (١/٤٧٥)، «التلقين» (١/٢٤٣)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٥٠٧)، «رؤوس المسائل» لابن القصَّار (٥٢) -وذكر فيه مذاهب الصحابة والتابعين والأئمة-، «تهذيب المسالك إلى مذهب الإمام مالك» (٣/٥٨٩)، «أسهل المدارك» (٢/١٢)، «الإشراف» (٤/٤٣٨- بتحقيقي)، «الذخيرة» (٣/٤٢٤)، «قوانين الأحكام» (٦٩)، «بداية المجتهد» (١/٣٩٤)، «جامع الأمهات» (ص ٢٥١)، «تفسير القرطبي» (٨/١٤-١٥)، «البيان والتحصيل» (٣/٣٧-٣٨)، =
[ ٤٠٩ ]
ورُوي كذلك عن جماعةٍ من الصحابة والتابعين (١) .
وذهب أبو حنيفة إلى أن الفارس له سهمان: سهم له، وسهم لفرسه (٢)،
_________________
(١) = «عيون المسائل» (٢/٦٩٩)، «القوانين الفقهية» (١٣١)، «شرح الزرقاني» (٣/١٣١)، «الأموال» (٣٣-٣٤) للداودي، «الاستذكار» (١٤/١٧٠) . وفي مذهب الشافعية: «الأم» (٤/١٤٤-١٤٥)، «مختصر المزني» (ص ٢٧٠)، «الحاوي الكبير» (١٤/١٦-ط. دار الكتب العلمية)، «المجموع» (٢١/٢٣٤)، «حلية العلماء» (٧/٦٧٨)، «الأوسط» (١١/١٥٦) . وفي مذهب الحنابلة: «المقنع» لابن البنا (٣/١١٧٠)، «المغني» (١٣/٨٥-٨٦)، «شرح الزركشي» (٦/٤٨٩، ٤٩٢)، «منتهى الإرادات» (١/٦٤٤)، «الإنصاف» (٤/١٧٣-١٧٤)، «الفروع» (٦/٢٣٢)، «كشاف القناع» (٣/٨٨)، «الشرح الكبير» (٥/٥٦٨)، «المبدع» (٣/٣٦٧)، «الإفصاح» (٢/٢٧٨) . وانظر في مذهب أبي يوسف، ومحمد: كتب الحنفية المذكورة بَعْدُ في الهامش بَعْدَ الآتي. وانظر: «الآثار» (رقم ٧٨٠)، «الخراج» (١/١٦٠- مع «شرحه») كلاهما لأبي يوسف. وانظر لبقية المذاهب: «السير» للفزاري (ص ١٨٥-١٨٧)، «شرح السنة» (١١/١٠١)، «الاستذكار» (١٤/١٧٠)، «أحكام القرآن» للجصاص (٣/٥٨)، «تفسير القرطبي» (٨/١٥)، «المنتقى» للباجي (٣/١٩٦)، «المحلَّى» (٧/٣٣٠)، «رحمة الأمة» (٢٩٦)، «الميزان» (٢/١٧٨) للشعراني، «اختلاف الفقهاء» (٨٠-٨١) للطبري، «عمدة القاري» (١٤/١٥٦)، «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٢/٨٣)، «تحفة الأحوذي» (٢/٣٧٩)، «نيل الأوطار» (٧/٢٣٨)، «فقه الإمام أبي ثور» (ص ٧٨٣)، «فقه الإمام الليث بن سعد» (٢٧٣)، «موسوعة فقه سفيان الثوري» (ص ٦٧٥)، «الإمام داود الظاهري وأثره في الفقه» (ص ٦٧٤)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٥٠٠) . وقال ابن قدامة: وعليه عامة أهل العلم.
(٢) حكاه ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/١٧٢) عن ابن عباس، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وابن سيرين، والحكم بن عُتَيْبة، وعن عمرو بن ميمون. ثم سمّى المذكورين عند المصنّف، وزاد عليهم: الطبري.
(٣) انظر: «مختصر الطحاوي» (ص ٢٨٥)، «مختصر القدوري» (٤/١٣١- مع «اللباب»)، «فتح القدير» (٥/٤٩٣)، «الاختيار» (٤/١٢٩)، «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠١)، «بدائع الصنائع» (٩/ ٤٣٦٤)، «تبيين الحقائق» (٣/٥٤)، «البحر الرائق» (٥/٨٨، ٩٥)، «المبسوط» (١٠/٤١)، «أحكام القرآن» (٣/٥٨)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٣٧ رقم ١٥٨٥)، «مجمع الأنهر» (١/٦٨٠)، «عقود الجواهر المنيفة» (١/٣٣٢-٣٣٥)، «حاشية ابن عابدين» (٤/١٤٦) -وفيه: أن مذهب أبي يوسف، ومحمد، كمذهب مالك، والجمهور-.
[ ٤١٠ ]
وروي مثل ذلك عن عليٍّ، وأبي موسى (١) .
والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور: ما خرَّجه مسلم (٢) عن ابن
عمر، أن رسول الله - ﷺ - قسم للفرس سهمين، وللرَّجلِ سهمًا.
وخرَّجه أبو داود (٣) بأوضح لفظًا من هذا؛ قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا عبيد الله، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - أسهم لرجلٍ ولفرسه ثلاثة أسهم، سهمًا له، وسهمين لفرسه.
وفي البخاري (٤)، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - جعلَ للفرس سهمين،
_________________
(١) وقال النووي في «شرح صحيح مسلم» (١٢/١٢٠- ط. قرطبة): «ولم يقل بقول أبي حنيفة هذا أحد، إلا ما رُوي عن علي، وأبي موسى» . وفي «مختصر عيون المجالس» للقاضي عبد الوهاب (٢/٧٠٠) لما ذكر سهمان الفارس والراجل، قال: «وبه قال: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب -﵄-، ولا مخالف لهما من الصحابة. ومن التابعين: عمر بن عبد العزيز، والحسن، وابن سيرين» . ثم ذكر أنه مذهب كافة علماء الأمصار، وخلاف أبي حنيفة.
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجهاد (باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين) (رقم ١٧٦٢) . وأخرجه البخاري -أيضًا- في «صحيحه» في كتاب الجهاد (باب سهام الفرس) (رقم ٢٨٦٣) من حديث ابن عمر -﵄-. ولفظ البخاري: أن رسول الله - ﷺ - جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا، وسيأتي ذكره.
(٣) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في سهمان الخيل) (رقم ٢٧٣٣) -ومن طريقه ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/١٦٩) -، وهو صحيح، أصله في «الصحيحين» كما سيأتي. وأخرجه الشافعي في «المسند» (٢/١٢٤)، والبيهقي (٦/٣٢٥)، وفي «المعرفة» (٩ رقم ١٣٠٢٠) . وانظر: «صحيح سنن أبي داود» لشيخنا الألباني -﵀-.
(٤) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب سهام الفرس) (رقم ٢٨٦٣) . وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير (باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين) (١٧٦٢) (٥٧) . وأخرجه البخاري في كتاب المغازي (باب غزوة خيبر) (رقم ٤٢٢٨) بلفظ: قسم رسول الله - ﷺ - يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهمًا. قال: فسَّره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرسٌ فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم.
[ ٤١١ ]
ولصاحبه سهمًا.
وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة فربما استندوا (١) إلى أثرٍ جاء في ذلك (٢)،
وشدُّوا مذهبهم بوجهٍ من النظر، أَضْربْنا عن الخوض فيه؛ لصحة الأدلة في المذهب الأول، وأنها لا تُعارض بالرأي (٣) .
واختلف أهل العلم بعد ذلك في موضعين: وهما: هل يسهم لأكثر من فرس واحد؟ وهل يستوي حظُّ العِراب والهُجْن؟.
فأما اختلافهم في الفارس يحضر الغزو ومعه عدَّة أفراس، ففي ذلك ثلاثة أقوال:
قول: إنه لا يسهم منها إلا لفرسٍ واحد، وإليه ذهب: مالكٌ، والشافعي،
_________________
(١) كذا في الأصل والمنسوخ، والأصوب: «استند» . أو يقول: وأما ما ذهب إليه الحنفية.
(٢) لعله يقصد حديث مجمِّع بن جارية الأنصاري في قسمة خيبر. وفيه: وكان الجيش ألفًا وخمس مئة، فيهم ثلاث مئة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهمًا. وهذا الحديث ضعيف. وذكر السهمين وهم من بعض الرواة، انظر في الكشف عنها: «سنن أبي داود» (٢٧٣٦)، «الاستذكار» (١٤/١٧١)، «السنن الكبرى» (٦/٣٢٧)، «معرفة السنن والآثار» (٩/٢٤٧-٢٤٩)، «تنقيح التحقيق» (٣/٣٤٩-٣٥١)، «نصب الراية» (٣/٤١٣-٤١٦)، «نيل الأوطار» (٨/١١٥-١١٦) . وانظر -أيضًا-: «المحلى» (٧/٣٣٠)، «الإجماع» (٦٠ رقم ٢٣٨ -ط. فؤاد)، «مراتب الإجماع» (١١٦)، «فتح الباري» (٦/٥١-٥٢)، «نوادر الفقهاء» (١٦٩)، «أضواء البيان» (٢/٣٥٤-٣٥٥، ٣٩٨-٤٠٠)، «الفتح الرباني» (١٤/٧٨-٨٠)، «الفيء والغنيمة» (١٠٧-١١٣)، «بذل المجهود» (١٢/٣٣٣-٣٣٦)، «اللباب في الجمع بين السنة والكتاب» (٢/٨٠١) .
(٣) ما قرَّره المصنف: «هو الذي دلت عليه السنة الصحيحة، فهكذا قسم النبي - ﷺ - عام خيبر؛ لأن الفرس يحتاج إلى مؤنة نفسه وسائسه، ومنفعة الفارس به أكثر من منفعة راجليْن»، قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٨/٢٧٢) . وانظر: «الأوسط» (١١/١٥٦) في ردّ الشافعي على أبي حنيفة. وقد قاله الشافعي في «سير الأوزاعي» (باب سهم الفارس، والراجل، وتفضيل الخيل) . من «الأم» (٧/٣٣٧) .
[ ٤١٢ ]
وأبو حنيفة، وأهل الظاهر، وغيرهم (١) .
وقولٌ ثانٍ: إنه يسهم لفرسين، ولا يُسهم لما زاد عليهما؛ قاله: الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، واختاره محمد بن الجهم المالكي، وإليه ذهب ابن وهب (٢) .
_________________
(١) انظر في مذهب المالكية: «الموطأ» (١/٤٥٦-٤٥٧)، «التفريع» (١/٣٦٠)، «المعونة» (١/٦١٥)، «الكافي» (٢١٤)، «البيان والتحصيل» (٢/٥٧٠)، «قوانين الأحكام» (١٦٩)، «جامع الأمهات» (ص ٢٥١)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٥٠٧)، «الأموال» (ص ٣٤) للداودي، «الذخيرة» (٣/٤٢٥)، «عيون المجالس» (٢/٧٠٣ رقم ٤٥٦)، «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب المالكي (٤/٤٣٩- بتحقيقي)، «المنتقى» للباجي (٣/١٩٦)، «أحكام القرآن» (٢/٨٦٢) لابن العربي. وفي مذهب الشافعية، انظر: «الأم» (٤/١٥٢)، «روضة الطالبين» (٦/٣٨٤)، «المجموع» (٢١/ ٢٣٥)، «الأحكام السلطانية» (ص ١٧٩)، «الحاوي الكبير» (١٤/١٦٢-ط. دار الكتب العلمية) . وفي مذهب الحنفية، انظر: «مختصر الطحاوي» (ص ٢٨٥)، «الهداية» (٢/٤٣٨)، «فتح القدير» (٥/٤٩٦)، «الاختيار» (٤/١٣٠)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٤١ رقم ١٥٨٧)، «اللباب» (٤/١٣٢)، «تبيين الحقائق» (٣/٢٥٤)، «البحر الرائق» (٥/٩٦) . وهو مذهب: الحسن، ومحمد بن الحسن، وغيرهم. وانظر في مذهب أهل الظاهر: «المحلى» (٧/٣٣١) . وانظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/١٥٧) .
(٢) انظر: «الاستذكار» (١٤/١٧٣)، «المغني» (١٣/٨٩)، «الإنصاف» (٤/١٧٤)، «منتهى الإرادات» (١/٦٤٤-٦٤٥)، «كشاف القناع» (٣/٨٩)، «الشرح الكبير» (٥/٥٦٩)، «العدة» (٦٠٠)، «الإفصاح» (٢/٢٧٨) . وهو مذهب: الثوري، والأوزاعي، وزيد بن علي، والصادق، والناصر، والليث، ومكحول، ويحيى الأنصاري، وابن وهب، وغيره من المالكية، أفاده: ابن قدامة، والجصاص، والشوكاني في «النيل» (٨/١١٨-١١٩) . انظر: «اختلاف الفقهاء» (ص ٨٢) للطبري، «الاستذكار» (١٤/١٧٣)، «أحكام الجصاص» (٣/ ٦٠)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٥٠٧)، «فقه سفيان الثوري» (ص ٦٧٦)، «فقه مكحول» (ص ١٨٤)، «مصنف عبد الرزاق» (٥/١٨٤ رقم ٩١٣٤)، «السير» للفزاري (ص ١٨٣، ١٨٥، ١٨٦) -وفيه مذهب الثوري والأوزاعي-، «نيل الأوطار» (٧/٣٢٤) . وهو مذهب أبي يوسف، من الحنفية. انظر: «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص (٣/٤٤١) . =
[ ٤١٣ ]
وقولٌ ثالث شاذ: أن يسهم لكل فرس مما دخل به سهمان؛ روي ذلك عن سليمان بن موسى (١) .
فأقول: قسم الغنيمة إنما هو على ما ملَّكه الله -تعالى- الغانمين، وإنما ملكهم ذلك على حدِّ السواء، حيث أضافه إلى جملتهم من غير تفصيل، فوجب أن يكون القسم على التسوية؛ إلا حيث خُصص من الدليل الشرعي، وقد ثبت بالسنة والإجماع أن يسهم لفرسٍ واحد (٢)، فكان إخراج أكثر من ذلك من جملة
_________________
(١) = ونقل القاضي عبد الوهاب في «المعونة» (١/٦١٥)، وفي مختصر «عيون المجالس» (٢/ ٧٠٤) خلاف أبي بكر -محمد بن أحمد بن الجهم- (ت ٣٢٩هـ) من المالكية.
(٢) وصرَّح بشذوذ قول سليمان بن موسى: أبو العباس القرطبي في «المفهم» (٣/٥٥٩) . وانظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (١٢/٤٠٥)، «مصنف عبد الرزاق» (٥/١٨٦)، «السير» للفزاري (ص ١٨٢)، «الاستذكار» (١٤/١٧٣)، «الأوسط» لابن المنذر (١١/١٥٧)، «أضواء البيان» (٢/٤٠٠) .
(٣) ذكر القاضي عبد الوهاب في «الإشراف» (٤/٤٤٠- بتحقيقي): أن النبي - ﷺ - لم يسهم إلا لفرسٍ واحدٍ في حروبه كلِّها، وكذلك الأئمة بعده. قلت: ورد في «مغازي الواقدي» (٢/٦٨٨ و٣/٩٤٩) في خبرين: أحدهما: في (غزوة خيبر) بسنده عن الحارث بن عبد الله بن كعب، ضمن خبر فيه: «وما كان أكثر من فرسين لم يسهم له، ويقال: إنه لم يسهم إلا لفرس واحد»، وفيه -أيضًا-: «ولم يسمع أن رسول الله - ﷺ - ضرب لمن كان معه من الخيل لنفسه إلا لفرس واحد، وهو معروف سهم الفرس» . والآخر: في (غزوة حنين) وفيه: «ثم أمر رسول الله - ﷺ - زيد بن ثابت بإحصاء الناس والغنائم، ثم فضها على الناس، فكانت سهامهم: لكل رجل أربعة من الإبل، أو أربعون شاة، فإن كان فارسًا أخذ اثنتي عشرة من الإبل، أو عشرين ومئة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس واحدٍ لم يسهم له»، ونقله عنه المقريزي في «إمتاع الأسماع» (٤٢٦) . والواقدي متروك، ولذا لم يعتد العلماء الأثبات بما نقل، ففي «الموطأ» (٢/٤٥٦-٤٥٧): «وسئل مالك عن رجل يحضر بأفراس كثيرة، فهل يقسم لها كلها؟ فقال: لم أسمع بذلك، ولا أرى أن يقسم إلا لفرسٍ واحد، الذي يقاتل عليه» . وقال الشافعي في «الأم» (٤/١٤٥): «إنه ليس هناك خبر يثبت في الإسهام لفرس واحد، أو لأكثر من واحد» . وقال ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٣/١٠٦) عند قول الرافعي: روي أنه - ﷺ - لم يعط =
[ ٤١٤ ]
الغنيمة التي ملَّكها الله -تعالى- الغانمين: لا يباح، إذ لا دليل عليه، والله أعلم.
وأما اختلافهم في البراذين والهجن (١): هل يُسهم لها كما يُسهم للعراب
_________________
(١) = الزبير إلا لفرس واحد، وقد حضر يوم خيبر بأفراس، قال: «الشافعي من حديث الزبير بسندٍ منقطع» . وانظر: «سنن البيهقي» (٦/٣٢٨ و٩/٥٢)، «الاستذكار» (١٤/١٧٢-١٧٣) . وقد ورد عن عمر في كتابه لأبي عبيدة: «أن أسهم للفرس سهمين، وللفرسين أربعة أسهم، ولصاحبها سهمًا، فذلك خمسة أسهم، وما كان فوق الفرسين فيه جنائب»، وهذا يخالف ما نقله القاضي عبد الوهاب! فتأمل! وورد من مرسل الأوزاعي: أن رسول الله - ﷺ - كان يسهم للخيل، وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين، وإن كان معه عشرة أفراس. أخرجهما بإسنادين -على الترتيب- سعيد بن منصور في «سننه» (٢٧٧٦، ٢٧٧٤)، وانظر: «مصنف عبد الرزاق» (٥/١٨٤-١٨٥ رقم ٩٣١٦)، «نصب الراية» (٣/٤١٩) . وقال القاضي عبد الوهاب -أيضًا-: «ولأن العدوَّ لا يمكن أن يقاتل إلا على فرسٍ واحدٍ، وما زاد على ذلك رفاهةً وزيادة عدة، وذلك لا يؤثر في زيادة السهمين، كزيادة السلاح، قياسًا على الثالث والرابع» . قلت: لم يصح شيء مرفوعًا في المسألة، وفات من صنف في هذا الباب التنبيه عليه، وأثر عمر أعلا ما ورد فيها، وبه يؤخذ، وقال به جماعة، وقد مضى ذكره قريبًا، وهو القول الثاني الذي ذكره المصنف، والله أعلم. انظر: «نيل الأوطار» (٨/١١٨-١١٩)، «الفيء والغنيمة» (١١٤-١١٦) . وانظر: «الإجماع» لابن المنذر (ص ٦٠)، و«مراتب الإجماع» لابن حزم (ص ١٣٦) .
(٢) الخيول إما أن تكون عربية، أو هجينًا، أو مقْرِفًا، أو برذونًا. فالعربي: هو ما يكون أبوه عربيًا وأمه عربية. والهجين: أمه عربية وأبوه نبطي. انظر: «القاموس المحيط» (ص ١٥٩٩)، «لسان العرب» (٣/٧٧٧)، «المنتقى» (٣/١٩٧)، «مواهب الجليل» (٣/٣٧٢) . والنبط: بياضٌ تحت إبط الفرس وبطنه، وكل دابة. انظر: «لسان العرب» (٣/٥٦٨)، «القاموس المحيط» (ص ٨٩٠) . والمُقْرف: هو الذي أبوه برذون وأمه عربية. قالت هند بنت النعمان بن بشر: =
[ ٤١٥ ]
-وهي عِتاق الخيل-، أو لا؟ ففي ذلك ثلاثة أقوال:
قولٌ: إنها كلها في ذلك سواء، وهو قول مالكٍ، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي (١)، واحتج مالك لذلك، قال: «لأن الله -﵎- قال في كتابه: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، وقال -تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]»، قال: «فأنا أرى البراذين والهُجن من الخيل إذا أجازها
الوالي» (٢) .
قال بعض الفقهاء: لا ينبغي للإمام أن يُجيز ما لا منفعة فيه منها، ولا يصلح للقتال.
_________________
(١) = وما هند إلا مهرة عربية سليلة أفراسٍ تجلَّلَها بغل فإن ولدت مُهْرًا كريمًا فبالحرى وإن يك إقراف، فما أنجبَ الفَحْلُ والبرذون: أبوه وأمه نبطيان. انظر: «لسان العرب» (١/١٩٠)، «المنتقى» (٣/١٩٧)، «مواهب الجليل» (٣/٣٧٢) . والفرس من الخيل، هي: العِراب، أو العربي. انظر: «لسان العرب» (٢/١٠٧) . والمعرب: أبوه عربي وأمه نبيطة. وسيأتي التعريف بها عند المصنف.
(٢) انظر في مذهب المالكية: «المدونة» (١/٥١٨- ط. دار الكتب العلمية)، «التفريع» (١/ ٣٦١)، «الكافي» (١/٤٧٥)، «الذخيرة» (٣/٤٢٦)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٥٠٧)، «المعونة» (١/ ٦١٥)، «التلقين» (١/٢٤٣-٢٤٤)، «عيون المجالس» (٢/٧٠١)، «الشرح الصغير» (٢/١٧٩) . وفي مذهب الحنفية: «مختصر الطحاوي» (ص ٢٨٥)، «الرد على سير الأوزاعي» لأبي يوسف (ص ٢٠)، «بدائع الصنائع» (٧/١٢٦)، «الهداية» (٢/٤٣٨)، «البناية» (٥/٧٢٥-٧٢٦)، «اللباب» (٤/١٣٢)، «فتح القدير» (٥/ ٤٩٨)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٤٠) . وفي مذهب الشافعية: «الأم» (٤/١٤٥)، «مختصر المزني» (ص ٢٧٠)، «المهذب» (٢/٣١٣)، «المجموع» (١٩/ ٣٦٠)، «حلية العلماء» (٧/٦٧٩) . وانظر: «الاستذكار» (١٤/١٧٣)، «السير» (ص ١٧٩) للفزاري، «المغني» (١٣/٨٧)، «أحكام القرآن» للجصاص (٣/٥٩)، «موسوعة فقه سفيان الثوري» (ص ٦٧٦) .
(٣) انظر: «الموطأ» . كتاب الجهاد (باب القسم للخيل في الغزو) (ص ٢٩١ رقم ٤٥٨- ط. دار إحياء التراث)، و«المنتقى» (٣/١٩٧) للباجي، و«الاستذكار» (١٤/١٧٣) .
[ ٤١٦ ]
وقال الشافعي (١): «ينبغي للإمام أن يتعاهد الخيل، فلا يُدخل إلا شديدًا، ولا يدخل حطيمًا، ولا قحمًا ضعيفًا، ولا ضَرَعًا ولا أعجف رَازِحًا، فإن غفل، وشهد رجلٌ على واحدٍ من هذه؛ فقد قيل: لا يسهم له؛ لأنه ليس لها غَنَاء الخيل، ولو قال قائل: يسهم للفرس كما يسهم للرَّجْلِ ولم يقاتل، كانت شبهة» .
قوله: حَطيمًا، نحو: الكسير. والقَحْمُ: الكسير. والضَّرَع: الصغير الضعيف. والأعجف: الهزيل. والرَّازح: الذي لا يستطيع النهوض إعياءً وضعفًا.
وقول ثانٍ في البراذين والهجن: أنها على النّصف من حظ العِراب، رُوي ذلك عن الحسن البصري (٢)، وقاله أحمد بن حنبل (٣) .
_________________
(١) في «الأم» في كتاب قسم الفيء والغنيمة (باب كيف تفريق القسم؟) (٥/٣٢٠-ط. دار الوفاء) .
(٢) رواه عنه سعيد بن منصور في «سننه» (باب ما جاء في تفضيل الخيل على البراذين) (رقم ٢٧٧١) عن هشيم، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٢/٤٠٣) عن حفص بن غياث؛ كلاهما عن أشعث بن سوَّار، عن الحسن. وأشعث: ضعيف. وهشيم -هو ابن بُشير السُّلمي- كثير التدليس والإرسال الخفي. وفي «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص (٣/٤٤٠): «وعن الحسن: البراذين بمنزلة الخيل إذا أدركت ما يدرك الخيل» . وأخرج الفزاري في «السير» (رقم ٢٤١) -واللفظ له-، وعبد الرزاق في «المصنف» (٥/١٨٤ رقم ٩٣١٥)، عن الثوري؛ كلاهما عن هشام، عن الحسن قال: الخيل والبراذين سهمانها سواء، فإذا غزا الرجل معه بأفراس، قسم لفرسين، فأخذ خمسة أسهم. وهذا الذي حكاه عنه ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/١٧٣) .
(٣) انظر: «المغني» (١٣/٨٦-٨٧)، «الإنصاف» (٤/١٧٣)، «المقنع» لابن البنا (٣/١١٧٠)، «شرح الزركشي» (٦/٤٨٩-٤٩٢)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٥٤٨)، «الواضح» (٢/٢٦٢، ٢٦٣)، «مسائل الإمام أحمد» (١/٢٣٩- رواية أبي داود، ١/١٩٦- رواية الكوسج، ٢/١١٠-١١١- رواية ابن هانئ، ٢/٨٢٠-٨٢١- رواية عبد الله)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٧٥٠ رقم ١٩٩٣) . وذكر ابن قدامة في «المغني» أربع روايات عن أحمد -هذه أحدها- وهي الأشهر عنه. واستدلوا بما روى مكحول: «أن النبي - ﷺ - عَرَّب العربي، وهجَّن الهجين، للفرس سهمان، وللهجين سهم» . =
[ ٤١٧ ]
وقيل: لا يسهم لها أصلًا. وروي عن الأوزاعيِّ قال: لم يكن أحدٌ من علمائنا يسهمون لبرذون (١) .
قال مكحول: «أول من أسهم للبراذين خالد بن الوليد يوم دمشق؛ أسهم لها نصف سُهمان الخيل؛ لما رأى من جُرأتها وقوتها، وكان يعطي البرذون سهمًا والفرس سهمين» (٢) .
وقيل: إن أول من فعل ذلك رجلٌ من همدان يقال له: المُنيذر الوادعي؛ خرج على خيلٍ في طلب العدوِّ، فلحقت العتاق، وتقطعت البراذين، فأسهم للعِراب سهمين، وللبراذين سهمًا، ثم كتب بذلك إلى عمر فأعجبه ذلك؛ فجرت سنَّة للخيل والبراذين (٣) .
_________________
(١) = أخرجه أبو داود في «مسائل أحمد» (ص ٢٣٩)، وابن عدي في «الكامل» (١/١٧٥)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/٣٢٨) . وهو مرسل. وضعّفه ابن عدي براوٍ فيه اسمه أحمد بن أبي أحمد. وانظر: «إرواء الغليل» (٥/٦٥) .
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٢/٤٠٣) . وانظر: «الاستذكار» (١٤/١٧٧)، «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص (٣/٤٤٠) وفيه: «وقال الأوزاعي: كان أئمة المسلمين فيما سَلَفَ لا يسهمون للبراذين، حتى هاجت الفتنة من بعد قتل الوليد بن يزيد» . قلت: وكان مقتل الوليد بن يزيد (سنة ١٢٦هـ) . انظر: «شذرات الذهب» (١/١٦٧)، «مروج الذهب» (٢/١٤٥) . وانظر: «الأم» (٧/٣٠٦)، «اختلاف الفقهاء» للطبري (٨٣- تحقيق يوسف شخت)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٥٠٨)، «الرد على سير الأوزاعي» (ص ٢٠)، «الأوسط» (١١/١٦٢)، «حلية العلماء» (٧/٦٧٩)، «عمدة القاري» (١٤/١٥٦)، «نيل الأوطار» (٧/٢٣٨)، «الفيء والغنيمة» (١١٧-١٢١) .
(٣) حكاه ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/١٧٤)، وقال على إثره: «هذا حديث منقطع، لم يسمعه مكحول من خالدٍ، ولا أدركه» . وانظر: «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص (٣/٤٤٠-٤٤١)، «الأوسط» (١١/١٦٢)، «الآثار» لأبي يوسف (٧٨٠)، «عيون المجالس» (٢/٧٠٣)، «فقه مكحول» (ص ١٨٥) .
(٤) رواه سعيد بن منصور في «سننه» (٢/٣٢٦ رقم ٢٧٧٢)، وابن أبي شيبة في «المصنف» =
[ ٤١٨ ]
وقال في ذلك شاعرٌ من همدان:
ومنَّا الذي قد سنَّ في الخيل سنَّةً وكانت سواء قبل ذلك سهامها (١)
المُعْرِبْ من الخيل: الذي خلصت عربيته، وكلا أبويه عربي، وكذلك العتيق: وهو الرائع الحسن. والبرذون: هو الذي أبواه عجميَّان. والمقرف: الذي
_________________
(١) = (١٢/٤٠٣) -ومن طريقه ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/١٧٥) -، وعبد الرزاق في «المصنف» (٥/١٨٣ رقم ٩٣١٣)، وأبو إسحاق الفزاري في «السير» (رقم ٢٤٣، ٢٤٤)، -ومن طريقه أبو هلال العسكري في «الأوائل» (ص ٢١٠) -، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٦٢)، وابن عبد البر (١٤/ ١٧٦)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/٥١) من طريق سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، أو عن ابن الأقمر، وعن الأسود بن قيس، عن ابن الأقمر، قال: أوَّل من عرَّب العِراب، رجل مِنّا يقال له: منذر الوادعي، كان عاملًا لعمر -﵁-، على بعض الشام، فطلب العدو، فلحقت الخيل، وتقطعت البراذين، فأسهم للخيل، وترك البراذين، وكتب إلى عمر -﵁-، فكتب عمر -﵁-: «نِعمَّا رأيتَ»، فصارت سُنَّة. هذا لفظ البيهقي، وعنده أن اسم ابنَ الأقمر: كلثوم. وليس في رواية ابن المنذر ذكر للأسود بن قيس. قال المنذر: لا أجعل ما أدرك منها مثل الذي لم يدرك، ففضَّل الخيل، فكتب في ذلك إلى عمر ابن الخطاب، فقال: هبلتْ الوادعيَّ أمُّه، لقد أذكرت به، امضوها على ما قال. وفي «كتاب الخيل» لابن دريد -كما في «الإصابة» (٣/٥٠٣) -: «لقد أذكرني أمرًا كنت أنسيته» . وقال البيهقي بعد روايته الحديث: قال الشافعي: والذي نذهب إليه من هذا: التسوية بين الخيل، والعراب، والبراذين، والمقاريف، ولو كنا نثبت مثل هذا ما خالفناه. وحكم البيهقي في «المعرفة» (٩/٢٤٩)، وابن حجر في «الإصابة» و«الفتح» (٦/٦٧) بانقطاعه! وكلثوم بن الأقمر الوادعي. قال الذهبي في «الميزان» (٣/٤١٢ رقم ٦٩٦٦): قال ابن المديني: مجهول. وفي كتاب «الآثار» (رقم ٧٨٠) لأبي يوسف: أنه قسم للفارس سهمين، وللراجل سهمًا، فبلغ ذلك عمر، فرضي به. وللأثر شاهد، انظره وتخريجه في «المجالسة» (رقم ٩٣٩) وتعليقي عليه. وانظر: «أحكام القرآن» للجصاص (٣/٦٠)، و«موسوعة فقه عمر» (ص ٥٢٦)، «الوسائل إلى معرفة الأوائل» (ص ٧٨) .
(٢) أثبتها الناسخ: «سهاما» ! والمثبت من الأصل، ومصادر التخريج، وهو الصواب.
[ ٤١٩ ]
أمه عربية وأبوه عجمي. والهجين: الذي أبوه عربي وأمه عجمية.
ولم يختلف المسلمون أن راكب البغل والحمار كالرَّاجل، لا يسهم لواحد منهم إلا سهم واحد، ولا اعتبار بما رُكِبَ، وكذلك اتفقوا أنه لا يسهم لراكب الجمل ثلاثة أسهم، واختلفوا: هل يسهم له سهمان أو سهم واحد؟ ذكره أبو محمد بن حزم، في
«مراتب الإجماع» (١)، وقال في كتاب «المحلَّى» (٢): قال أحمد: لراكب البعير سهمان.
_________________
(١) «مراتب الإجماع» (ص ١٣٦) .
(٢) «المحلَّى» (٧/٣٣٠ رقم ٩٥٠) . ثم قال ابن حزم: «أما قول أحمد فما نعلم له حُجَّة» . وانظر في مذهب الحنابلة: «المقنع» لابن البنا (٣/١١٧١)، «المغني» (١٣/٨٩-٩٠- ط. دار هجر)، «شرح الزركشي» (٦/ ٤٩٣)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٥٤٨)، «الواضح» (٢/٢٦٣)، «المبدع» (٣/٣٦٨)، «الإنصاف» (٤/١٧٥)، «الفروع» (٦/٢٣٢)، «كشاف القناع» (٣/٨٩)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٧٥٢ رقم ١٩٩٥) . واحتجوا أنه حيوان يجوز عقد المسابقة عليه، فجاز أن يُسهم له من الغنيمة، قالوا: ولا يلزم عليه البغل والحمار؛ لأنه لا تجوز المسابقة عليه. قاله العكبري في «رؤوس المسائل» . وهذا فيه نظر، ولعلَّ المراد أنه لا تجوز المسابقة على البغل والحمار بعوض. انظر: «المغني» (١٣/٤٠٧) . ورجَّح ابن قدامة عَدَم الإسهام للبعير. -كالجمهور-، وهو المشهور من المذهب. وانظر في مذهب المالكية: «المدونة» (١/٥١٨)، «التفريع» (١/٣٦١)، «المعونة» (١/٦١٦)، «التلقين» (١/٢٤٤)، «عقد الجواهر» (١/٥٠٧)، «الذخيرة» (٣/٤٢٦)، «الكافي» (١/٤٧٥)، «جامع الأمهات» (ص ٢٥١)، «الرسالة» (١٩٠)، «أسهل المدارك» (٢/١٢)، «قوانين الأحكام» (٦٩)، «بداية المجتهد» (١/٣٩٤)، «تفسير القرطبي» (٨/١٤-١٥)، «شرح الزرقاني» (٣/١٣١)، «الأموال» للداودي (٣٣-٣٤) . وفي مذهب الشافعية: «الأم» كتاب قسم الفيء والغنيمة (باب كيف تفريق القسم؟) (٥/٣٢٠- ط. دار الوفاء)، «مختصر المزني» (ص ٢٧٠)، «المجموع» (٢١/٢٣٤)، «الحاوي الكبير» (١٠/٤٦٦- ط. دار الفكر)، «حلية العلماء» (٧/٦٧٨) . وفي مذهب الحنفية: «مختصر الطحاوي» (ص ٢٨٥)، «اللباب» (٤/١٣٢)، «الاختيار» (٤/ ١٢٩)، «فتح القدير» (٤٩٣)، «بدائع الصنائع» (٩/٤٣٦٤)، «تبيين الحقائق» (٣/٥٤)، «المبسوط» (١٠/٤١)، «أحكام القرآن» (٣/٥٨)، «عقد الجواهر المنيفة» (١/٣٣٢-٣٣٥) . =
[ ٤٢٠ ]
* مسائل في الإسهام للخيل:
قال مالك: إذا كان المسلمون في سفن، فلقوا العدو فغنموا، أنه يُضرب للخيل التي معهم في السُّفن. وهو قول الشافعي، والأوزاعي، وأبي ثور (١) .
وقال بعض الفقهاء: القياس أن لا يقسم للخيل في مثل هذا؛ لأنها لم تستعد للبحر، ولم تبلغ الموضع الذي يصح القتال بها فيه.
ويحتمل أن يكون وجه ترجيح القول الأول: أنها استُصْحِبَتْ في البحر للغزو بها؛ إذا انتهوا إلى موضع يمكنهم النزول، وليس من شرط الإسهام للخيل أن يكون ثَمَّ قتالٌ عليها، لكن إعدادها لذلك، وإحضارها لموضع الحاجة إليها في المغازي هو المعتمد، وكما أنهم في البرِّ لو قاتلوا حصنًا لا يتمكن أصحاب الخيل من قتاله، فاقتحمه الرجالة، فهو يقسم لجميعهم، ويكون للفارس سهمه، وسهم فرسه (٢)، فأما إن لم تكن في السفن مُعدّة للغزو بها إذا نزلوا، وكان غزوهم إنما هو في المراكب لا ينزلون إلى البرِّ، ولا يطلبون عدوّ البر، فهم لا يحتاجون إليها بحال، فها هنا يصلح أن يقال: لا يُسهم لها.
_________________
(١) = وهو مذهب: الحسن البصري، ومكحول، وسفيان الثوري. انظر: «الأوسط» (١/١٦٢-١٦٣)، «الإجماع» (ص ٧٢ رقم ٢٤٠) كلاهما لابن المنذر، «الإفصاح» لابن هبيرة (٩/١٨٢) .
(٢) انظر في مذهب المالكية: «المدونة» (١/٥١٨)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٥٠٨)، «الذخيرة» (٣/٤٢٦)، «النوادر والزيادات» (٣/١٨٤)، «تفسير القرطبي» (٨/١٦) . وفي مذهب الشافعية: «الحاوي الكبير» (١٠/٤٦٨- ط. دار الفكر)، «البيان» للعمراني (١٢/ ٢١٤)، «السير» للفزاري (ص ١٨٦) . وفاتت هذه المسألة من جمع فقه أبي ثور وفقه الأوزاعي، ومثلها كثير، وأمارة ذلك في كتابنا كل مسألة ذكرت عنهما، ولم يشر إلى الكتب المفردة في فقههما. وانظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/١٦٣) .
(٣) قال ابن المنذر في «الأوسط» (١١/١٦٣): «وقال الوليد بن مسلم: سألت أبا عمرو -يريد الأوزاعي- عن إسهام الخيل من غنائم الحصون؟ فقال: كانت الولاة قبل عمر بن عبد العزيز: -الوليد، وسليمان-: لا يسهمون الخيل من الحصون، ويجعلون الناس كلهم رجالة، حتى ولي عمر ابن عبد العزيز؛ فأنكر ذلك، وأمر بإسهامها من فتح الحصون، والمدائن» .
[ ٤٢١ ]
* مسألة:
واختلف أهل العلم في الإسهام للفرس يموت بعد الإدراب وقبل حضور القتال، فقال الشافعي (١): لا يُسهم لصاحبه سهم الفرس، إلا إذا حضر به القتال، وقاله: أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وهو قول مالك، وقاله من أصحابه: ابن القاسم (٢) . وقال أشهب، وعبد الملك بن الماجشون: بالإدراب يستحق الفرسُ الإسهامَ وإن مات -يعني: قبل حضور القتال-، وإليه ذهب ابن حبيب؛ قال: ومن حُطم فرسه، أو كُسر بعد الإيجاف أُسهم له، بمنزلة موت الفرس بعد الإيجاف، وأما إن أوجف عليه وهو حطيمٌ أو كسير لا يقاتل على مثله، فلا يُسهم له، إذا
لم يزل كذلك حتى كان الفتح؛ لأن ذلك بُطْلانٌ، وليس مرضًا يُرْجى بُرؤه، وأما الرهيص: فمريضٌ يُرجى برؤه، مثل المريض من الرجال، قال: وكذلك قال مالك: يسهم للرهيص من الخيل، وإن لم يزل رهيصًا، من حين دخل إلى أن خرج، بمنزلة المريض من الرجال، وقاله: ابن الماجشون، وأشهب، وأصبغ (٣) .
_________________
(١) في «الأم» (٤/١٤٥) . وانظر: «المجموع» (١٩/٣٥٥)، «البيان» (١٢/٢١٤)، «مغني المحتاج» (٣/١٠٤) . وحكى القفال عن الشافعي: أنه يُسهم له إذا نَفَق. قال: والمشهور الأول. قلت: وهو مشهور مذهب الشافعية الذي ذكره المصنف.
(٢) انظر في مذهب المالكية: «المدونة» (١/٥١٩- ط. دار الكتب العلمية)، «التفريع» (١/ ٣٦٠)، «الذخيرة» (٣/٤٢٦)، «عيون المجالس» (٢/٧٠٥)، «النوادر والزيادات» (٣/١٥٨، ١٥٩، ١٦٠، ١٦١، ١٦٧)؛ وذكر فيه قول ابن القاسم، وابن حبيب، وابن الماجشون، وأشهب، وأصبغ. وهو مذهب الحنابلة، انظر: «المغني» (١٣/٨٤-٨٥)، «شرح الزركشي» (٦/٤٨٨)، «المقنع» لابن البنا (٣/١١٦٩-١١٧٠)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٥٤٨)، «الواضح» (٢/٢٦١)، «المبدع» (٣/٣٦٩)، «الإنصاف» (٤/١٧٦)، «مسائل الإمام أحمد» (٢/١١٠- رواية ابن هانئ)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٧٥٥) . خلافًا لأبي حنيفة، حيث أسهم للفرس. انظر: «مختصر الطحاوي» (٢٨٥)، «الهداية» (٢/٤٣٩)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٤٤١)، «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠١) .
(٣) «النوادر والزيادات» (٣/١٥٨)، «البيان والتحصيل» (٢/٥٦٩) .
[ ٤٢٢ ]
قال اللخمي: وقد روي عن مالك أنه لا يُسهم للمريض من الخيل، قال: وعلى هذا لا يسهم للرهيص. قال: وهو أحسن أن لا يُسهم للمريض من الخيل. قال: وبه أخذ محمد بن عبد الحكم، وقال: بخلاف الرجل العليل؛ لأن فيه المشورة والرأي (١) .
قال ابن المنذر (٢): وقال إسحاق في رجلٍ جاوز الدَّرب وباع فرسه من راجل: أن سهم الفرس لمن اشترى الفرس، وهو قول الأوزاعي.
وقال الأوزاعي في رجل دخل دار الحرب بفرسه، ثم باعه من رجلٍ دخل دار الحرب راجلًا، وقد غنم المسلمون غنائم قبل شرائه وبعده: أنه يسهم للفرس (٣) مما غنموا قبل الشراء للبائع، وما غنموا بعد الشراء فسهمه للمشتري، فما اشتبه من ذلك قسم بينهما، وبه قال: أحمد، وإسحاق.
قال ابن المنذر (٤): وعلى هذا مذهب الشافعي، إلا فيما اشتبه، فمذهب الشافعي: أن يوقف الذي أشكل من ذلك بينهما حتى يصطلحا.
وقال أبو حنيفة (٥): إذا دخل أرض العدو غازيًا راجلًا، ثم ابتاع فرسًا فقاتل عليه، وأحرزت الغنيمة، وهو فارس: أنه لا يُضرب له إلا بسهم
راجلٍ (٦) .
قال سحنون: ومن حضر القتال على فرسٍ فلم يفتح لهم في يومهم، فباعه،
_________________
(١) انظر: «البيان والتحصيل» (٣/٢٢) .
(٢) في «الأوسط» (١١/١٦٤) .
(٣) كذا في الأصل، وفي مطبوع «الأوسط» (١١/١٦٤) لابن المنذر: «سهم الفرس » .
(٤) في «الأوسط» (١١/١٦٤) .
(٥) انظر: «مختصر الطحاوي» (٢٨٥)، «الهداية» (٢/٤٣٩)، «اللباب» (٤/١٣٢)، «الرد على سير الأوزاعي» (ص ٢٢، ٢٣)، «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠١)، «شرح فتح القدير» (٥/٥٠٠)، «مختصر اختلاف العلماء» للجصّاص (٣/٤٤١) .
(٦) إلى هنا انتهى الكلام من «الأوسط» لابن المنذر.
[ ٤٢٣ ]
فقاتل عليه مبتاعُهُ اليوم الثاني، فلم يكن فتح، فباعه الثاني، فقاتل عليه الثالث يومًا ثالثًا، ففتح لهم: أن سهم الفرس لبائعه الأول؛ لأنه قتالٌ واحد، كما لو ماتَ بعد أول يومٍ، وقاتل عليه أحد ورثته في اليومين، أو لم يقاتل، أنَّ سهمه لورثته (١) .
فنقول: إن مرجع الخلاف في الفرس يموت أو يمرض بعد الإدراب به، وقبل حضور القتال عائدٌ إلى الأصل الذي نبَّهنا عليه في سبب اختلافهم في الغازي نفسه يموت بعد الإدراب، أو يمرض، أو يعترضه عائقٌ دون الإتمام، والظاهر هنا أن لا حقَّ لصاحب الفرس في سُهمان الخيل، إلا بعد أن يشهد به القتال حيًّا صحيحًا، أو مريضًا مرضًا لا يقطع الانتفاع به في بعض مشاهد الحرب، على ما فصَّلناه قبل هذا، وكما رجَّحنا هناك في حكم الغازي نفسه يعترض عن الإتمام: أن لا شيء له في الغنيمة، إن لم يحضر من مشاهد الحرب شيئًا.
فأما من باع فرسه بعد الإدراب، وقبل شهود القتال، فقد كان يجب أن لا يخفى على كلِّ قولٍ: أنه لاحقَّ لبائعه في سُهمان الخيل؛ لأنه لم يكن مغلوبًا في خروجه عن يده، كما يكون ذلك في موت الفرس، أو مرضه، عند من رأى أن يُسهم لصاحبه، إذا كان قد أدرب به، وإنما هذا بمثابة ما لو رجع الغازي مُختارًا عن تمام غَزْوِهِ بعد الإدراب، وقبل القتال، فإنه لا حقَّ له في الغنيمة باتفاق، فإن خالف هنا أحدٌ فأوجب له سهمَ فارسٍ؛ فليس له على ذلك دليل، ولا نظرٌ يستقيم، بل هو خطأٌ محضٌ، وهو ظاهر ما ذهب إليه أبو حنيفة، حيث قال فيمن دخل أرض العدوِّ غازيًا راجلًا، ثم ابتاع فرسًا فقاتل عليه، فغنموا وهو فارس: أنه لا يضرب له إلا بسهم راجلٍ، فراعى حالة دخوله أرض العدو دون ما انتقلت حاله إليه بَعدُ، وكذلك يجيء على مذهبه هذا أن يكون له سهم الفارس إذا دخل بفرسه، ثم باعه قبل شهود القتال، وكل ذلك غير سديد.
أما بائع فرسه قبل شهود القتال به، فقد بَيَّنَّا وجه سقوط حظه؛ لأنه لم
_________________
(١) انظر: «الذخيرة» (٣/٤٢٨) .
[ ٤٢٤ ]
يحصل منه في الجهاد فعل الفارس، ولا الإعداد له، لاختياره الرَّجلة ببيع فرسه قَبْلُ. قال الله -تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فهذا لم يحصل منه في ذلك إعداد، ولا للعدوِّ إرهاب، فلم يكن من فوارس الجهاد.
وأما من دخل راجلًا، ثم اشترى فرسًا، فقاتل عليه حتى غنموا، فهو داخلٌ تحت أمره -تعالى- بإعداد الخيل وإرهاب العدوِّ بها في الغزو، فقد حصل منه في الجهاد عمل الفارس، في الوقت الذي يحتاج إليه فيه باتفاق، فكان له سهم الفارس بالكتاب والسنة والنظر الصحيح، خلافًا لنظر أبي حنيفة.
وأما قول سحنون فيمن حضر القتال على فرسٍ يومًا ثم باعه من آخر فقاتل عليه، ثم باعه من ثالثٍ فقاتل عليه يومًا ثالثًا، فكان الفتح؛ أن سهم الفرس للبائع الأول: فغير متوجّه؛ لأن البائع الأول باعه قبل حضور القتال المسبِّب لإحراز الغنيمة، فلم يكن من فرسان الغنيمة، بخلاف من مات فرسه بعد شهود شيءٍ من مشاهد القتال؛ لأنه مجتهدٌ معدٌّ، عَمِلَ في أصحاب الخيل بحسب وسعه، ثم هو مغلوب في هلاكه، لم يكن منه نكولٌ ولا إسقاطٌ، لما تصدَّى للعمل فيه، والبائع مختارٌ راجع عن عمل الفارس قبل الإتمام، وكذلك يكون الحكم في البائع الثاني، وإنما يستحق سهم الفرس من هو مالكه، والمقاتِل عليه إلى حين إحراز الغنيمة، وهذا ظاهرٌ إن لم يكن في شيءٍ من ذلك -القتال الذي حضره بالفرس بائعه- أثرٌ يُعرفُ في تسبيب الاغتنام، مثل أن يكون ذلك القتال من نحو التَّرامي والمطاردة، ثم يتحاجزون على غير نكايةٍ تؤثر في العدو وتكسر منه، فأما إن كان لكل مشهدٍ من مشاهد تلك الأيام أثرٌ في ذلك الفتح والاغتنام يُعرف، كما لو كان يُنكى فيها العدوُّ، ويُنتهك منه شيءٌ بعد شيء، حتى حصل الاستيلاء بذلك عليه في اليوم الثالث أو بعده؛ فهذا يشبه أن يقال فيه: إن سهم الفرس يقسم بينهم ثلاثتهم؛ لأن كل واحدٍ منهم قاتل عليه بملكٍ صحيحٍ قتالًا مؤثرًا في إحراز
[ ٤٢٥ ]
الغنيمة، فثبت له بذلك حقٌّ، ولما بطل أن يكون للفرس الواحد سُهمان ثلاثةٍ من الخيل؛ قسم بينهم سهمه الذي يجب في ذلك؛ لاشتراكهم في العمل به على حدٍّ سواء، من الملك له، والإرهاب به على العدو، والنيل منه.
ولو قال قائل: إنه لا يكون لواحدٍ من البائعين في ذلك حقٌّ، وإنما سهم الفرس على كلِّ حالٍ للمشتري الأخير، الذي كان الفتح والاغتنام وهو في يده، معدودًا به في فوارس الغنيمة؛ لكان عندي هو الوجه (١)؛ لأنه لما بطل أن يُسهم للثلاثة سُهمان الخيل على فرسٍ واحد، كان سهم الفرس لفارسه، المُتَّصِفِ بِمِلْكِهِ وعمله حال الاستيلاء، وحين إصابة الغنيمة إلى الغانمين، واستحقاقهم ملكها على حسب أحوالهم من فارسٍ وراجل؛ لأن من باع فرسه قبل ذلك، فقد رجع عن نِيَّة الفارس، واختار الرَّجلة، وأسقطَ حظَّه من حقِّ الخيل. وقياس
سحنون هذه المسألة على من حضر القتال فارسًا ثم مات: باطلٌ؛ لأن ذلك مغلوبٌ غير مختارٍ، ولا راجعٍ عن نِيَّةِ ما ابتدأ به العمل، وكذلك لو مات الفرس تحته على حسب ما بيَّناه، فأمرهما مختلف، والله أعلم.
* مسألة:
قال سحنون في الفرس المحبَّس سهمه للغازي عليه: وكذلك من أكرى فرسًا أو استعاره، فله سهم فارس (٢) .
وقال ابن القاسم (٣) في فرسٍ انْفلتَ من ربِّه بأرض العدو، فأخذه آخر فقاتل حتى غنموا، أو: لما شدَّ القوم على دوابهم للقتال؛ عدا على فرسٍ آخر، فقاتل عليه، فغنموا: أن سهم الفرس في ذلك كلِّه لربِّه.
_________________
(١) يتأكد ذلك بما قاله أبو إسحاق الفزاري في «السير» (رقم ٢٥٤) عن سفيان أنه سئل عن رجلٍ ابتاع فرسًا، فغزا عليه. فأخذ سهمه، ثم ردّ الفرس من عيبٍ به؟ قال: السهم له بضمانه.
(٢) انظر: «الذخيرة» (٣/٤٢٨)، «البيان والتحصيل» (٢/٥٦٩) .
(٣) المرجعان السابقان.
[ ٤٢٦ ]
قال سحنون في المتعدِّي (١): سهم الفرس له، وعليه لربِّه أجر مثله، إلا أن يأخذه بعد إنشاب القتال، فيكون سهم الفرس لربِّه، وكلا القولين للشافعية (٢) في استحقاق سهم الفرس المغصوب.
قال سحنون: ومن صرع رجلًا من العدو عن فرسه، وركبه وقاتل عليه، فلا سهم للفرس فيما غنموا في قتالهم هذا، ويُسهم له فيما حضر عليه بعد ذلك من السرايا وغيرها (٣) .
فأقول: قول سحنون في الفرس الحبيس والمَكْرِيِّ والمستعار: أن سهمه للغازي عليه ظاهرٌ؛ لأنه تَصرَّفَ في قتال العدو تصرُّفَ الفارس بوجهٍ صحيحٍ على وفق الشرع، فوجب له سهمه؛ لعموم القرآن وظاهر السُّنَّة، وقوله في المتعدِّي: أنَّ سهم الفرس له، وعليه لربِّه أجْرُ مثله غَيْرُ سديد، والأرجح ما ذهب إليه ابن القاسم؛ لأن المتعدِّي عمل بالفرس على غير وجه الشرع، فلم يستحق له شيئًا؛ لقوله - ﷺ -: «وليس لعِرقٍ ظالمٍ حقٌّ» (٤) . خرَّجه أبو داود والترمذي. وقال
فيه: حسن غريب.
_________________
(١) المرجعان السابقان.
(٢) انظر: «البيان» للعمراني (١٢/٢١٤)، «المجموع» (٢١/٢٤١)، «مغني المحتاج» (٣/١٠٤) .
(٣) «الذخيرة» (٣/٤٢٨) .
(٤) أخرجه أبو داود في «سننه» في كتاب الخراج (باب في إحياء الموات) (رقم ٣٠٧٣)، والترمذي في «جامعه» في أبواب الأحكام (باب ما ذكر في إحياء أرض الموات) (رقم ١٣٧٨)، والنسائي في «الكبرى» (٣/٤٠٥ رقم ٥٧٦١)، وأبو يعلى في «المسند» (رقم ٩٥٧) من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعيد بن زيد، عن النبي - ﷺ - قال: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ» . وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب. وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -، مرسلًا» . قلت: أخرجه مرسلًا من حديث عروة بن الزبير: مالك في «الموطأ» (٢٨٩٣)، والنسائي في «الكبرى» (رقم ٥٧٦٢)، والدارقطني (٣/٣٦)، والبغوي (٢١٦٧ و٢١٨٩)، وأبو عبيد في «الأموال» (٧٠٤)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/١٤٢) . وهي رواية الأكثرين الذين خالفوا أيوبًا في وصله. قال الدارقطني في «العلل» (٤/٤١٤-٤١٥): «تفرد به عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن =
[ ٤٢٧ ]
قال أبو الوليد الطيالسي: العِرْق الظالم: الغاصب. ذكره الترمذي (١) .
وإذا لم يجب ذلك له، فيحتمل أن يقال: لا يسهم لذلك الفرس؛ لأن المقاتل عليه لا يستحقه، ومالكه لم يشهد القتال عليه، بناءً على أحد القولين: أن لا سهم للفرس حتى يشهد به القتال، ويحتمل أن يقال: يسهم له؛ لأن القتال عليه قد وُجد، فوجب الإسهام، وبطل أن يكون في ذلك حقٌّ للمتعدِّي، فاستحقَّه مالكه الذي أدخله وأعدّه لذلك، ومَلَك منافعه المتعدّى فيها، كما ذهب إليه ابن القاسم.
وأما ما ذهب إليه سحنون فيمن صرع رجلًا من العدوِّ عن فرسه، ثم قاتل عليه: أنه لا سهم للفرس فيما غنموا في ذلك القتال، فيفتقر إلى تفصيل، فإن قيل: إنَّ السلب لا يختصُّ به القاتل كما يقوله مالكٌ وجميع أصحابه، فيتوجَّه أن يكون الجواب فيه كذلك؛ لأنه قاتل على فرسٍ لجماعة الجيش؛ فلم يستحقَّ له حقًا دونهم، ويلزم على هذا أن لا يفرق فيه بين قتالهم ذلك وما بعده. وإن قيل: إنَّ السَّلب للقاتل، مُلكًا يختصُّ به -كما يقول الشافعي وغيره- فهو بقتله فارسه استحقَّ الفرس، فإذا قاتل عليه وقد ملكه، وكان القتال على أوله، لم يظهر للفتح أثر، ولا لإحراز (٢) الغنمية سبب؛ فالقول بالإسهام له مُتوجَّهٌ، والله أعلم، وبه التوفيق.
_________________
(١) = هشام، عن أبيه، عن سعيد بن زيد. واختلف فيه على هشام؛ فرواه الثوري عن هشام، عن أبيه، قال: حدثني من لا أتهم عن النبي - ﷺ -. وتابعه: جرير بن عبد الحميد. وقال يحيى بن سعيد، ومالك بن أنس، وعبد الله بن إدريس، ويحيى بن سعيد الأموي: عن هشام، عن أبيه، مرسلًا» . اهـ كلامه -﵀-. والطريق الموصولة رجالها ثقات، فهي صحيحة. انظر: «فتح الباري» (٥/١٩)، «نصب الراية» (٤/١٧٠)، «إرواء الغليل» (٥/٣٥٣)، «صحيح سنن أبي داود» (٣٠٧٣) . وللحديث شواهد من حديث عائشة، وسمرة بن جندب، وجابر، وعبادة بن الصامت، وغيرهم. انظر: «الإرواء» (رقم ١٥٢٠، ١٥٥٠، ١٥٥١)، و«نصب الراية» (٤/١٧٠) .
(٢) بعد الحديث رقم (١٣٧٩) . قال: حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: سألت أبا الوليد الطيالسي عن قوله: «وليس لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ»، فقال: العرق الظالم: الغاصب الذي يأخذ ما ليس له. قلت: هو الرجل الذي يَغرس في أرض غيره؟ قال: هو ذاك.
(٣) أثبتها الناسخ في نسخته: «ولا إحراز»، وهو سبق قلم منه.
[ ٤٢٨ ]
مسائل من أحكام الغنائم تفترق فيها أحوال الاستيلاء
* مسألة:
اختلفوا في الحربيِّ يسلم في دار الحرب وله بها مالٌ، ثم يظهر المسلمون على تلك الدار؛ فقال أبو حنيفة (١): يترك له ما كان في يديه من ماله، ورقيقه، ومتاعه، وولدٍ صِغارٍ، وأما ما كان من أرضٍ، أو دارٍ؛ فهو فيءٌ، وامرأته فيءٌ؛ إذا كانت كافرة، وإن كانت حُبلى فما في بطنها كذلك فيءٌ.
وقال الشافعي (٢): إن جميع ماله من دارٍ، وأرضٍ، وغير ذلك، فهو كله له، ولا يجوز أن يكون مال مسلمٍ مغنومًا بحال، وولده الصغار عنده أحرار مسلمون، لأنهم تبعٌ له، فأما زوجته وولده الكبار، فحكمهم حكم أنفسهم، يجري عليهم ما يجري على أهل الحرب من القتل والسِّباء، وإن سُبيت امرأته حاملًا منه (٣)، فليس
_________________
(١) انظر: «الجامع الصغير» (ص ٢٥٩، ٢٦٠)، «مختصر الطحاوي» (٢٨٩-٢٩٠) -وذكر عن أبي يوسف -وليس بالمشهور عنه-: أنه يكون مُحرزًا لها بإسلامه كسائر أمواله سواها-، ثم قال الطحاوي: وبه نأخذُ. وانظر: «الهداية» (٢/٤٤٨)، «اللباب» (٤/١٢٢)، «فتح القدير» (٥/٤٨٨) وذكر -أيضًا- قول أبي يوسف -السابق-، «ملتقى الأبحر» (١/٣٦١)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٥٢ رقم ١٦٠٥) .
(٢) في «الأم» في كتاب سير الواقدي (باب الحربي يدخل بأمان، وله مال في دار الحرب) (٤/ ٢٩٦- ط. دار الفكر) . ونقله عنه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٧٣)، وانظر: «روضة الطالبين» (١٠/ ٢٥٢)، «المهذب» (٥/٢٧٢)، «مختصر المزني» (٢٧٣)، «الحاوي الكبير» (١٨/٢٥٤)، «الأحكام السلطانية» (١٣٤-١٣٥) للماوردي، «حلية العلماء» (٧/٦٦٢) . وهو قول الأوزاعي. نقله عنه الطبري في «اختلاف الفقهاء» (٤٨- تحقيق يوسف شخت) . وانظر: «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤١٧) . واستدلَّ الأوزاعي أن النبي - ﷺ - بعدما فتح مكة عنوة: ترك لمن معه من المسلمين أهلهم، وعيالهم، ومالهم، ولم يقبض منها شيئًا. بينما خالفه الشافعي في بيان حجَّته: وهو أن ابني سَعْية القُرظيان أسلما، ورسول الله - ﷺ - محاصرٌ بني قُريظة، فأحرز لهما إسلامهما: أنفسهما، وأموالهما: دورًا، وعقارًا، وغيره. وانظر: «الأوسط» (١١/٢٧٢) .
(٣) في منسوخ الأصل: «امرأة حاملٌ»، وما أثبتناه من المطبوع «الأم»، وهو الأليق بالسياق.
[ ٤٢٩ ]
إلى إرقاق ذي بطنها سبيل، من قبل أنه إذا خرج فهو مسلم بإسلام أبيه، ولا يجوز السِّباء على مسلم، وعلى ذلك أهل الظاهر (١) .
فأمَّا الحربيُّ المستأمن يسلم في دار الإسلام، وله في دار الحرب مالٌ وعقار، فيغنمه المسلمون بعد إسلامه، فقال مالكٌ، والليث، وأبو حنيفة (٢): كل
ذلك فيءٌ، وكذلك أولاده الذين بدار الحرب، صغارًا كانوا أو كبارًا، وكذلك امرأته وما في بطنها، إن كانت حاملًا.
ولم يفرِّق مالك بين إسلامه في دار الكفر ودار الإسلام، وفرَّق أبو حنيفة (٣) . وقال الشافعي: كل ذلك سواء، لا سبيل عليه في شيء من ماله، ولا صِغار ولده، كما قال فيمن أسلم في دار الحرب، ولم يُفرِّق، والحجة له في ذلك كالحجَّة في الأول، وهو الأرجح، والله أعلم (٤) .
_________________
(١) انظر: «المحلى» (٧/٣٠٩-٣١٠) .
(٢) في مذهب أبي حنيفة، في التفريق بين أموال الحربي إذا أسلم، وكانت في دار الحرب، أو في دار الإسلام؛ انظر: «الهداية» (٢/٤٤٨)، «فتح القدير» (٥/٤٨٨)، «اللباب» (٤/١٢٢)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٥٢)، «البناية» (٥/٧١٤)، «ملتقى الأبحر» (١/٣٦١) . ومذهب مالك عدم التفريق، وأن كل أمواله وأولاده فيء. انظر: «المدونة» (١/٥٠٨- ط. دار الكتب العلمية)، «التفريع» (١/٣٥٩)، «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب البغدادي (٤/٤٢٧- بتحقيقي)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٧٦)، «جامع الأمهات» (ص ٢٥٤)، «الذخيرة» (٣/٤٣٩)، «الكافي» (١/٤٨١)، «النوادر والزيادات» (٣/٢٨٢)، «عيون المجالس» (٢/٧٢٥-٧٢٧) . وهذا مذهب الحنابلة. انظر: «المغني» (١٣/١١٥)، «المقنع» (١/٤٩١- ط. مكتبة الرشد. الطبعة الأولى)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٧١٩-٧٢٠) .
(٣) وقد ردَّ ابن حزم بغلظة شديدة على أبي حنيفة. انظر: «المحلى» (٧/٣١٠-٣١١) .
(٤) ما قرَّره المصنف صحيح ووجيه، والله أعلم. وانظر: «البناية» (٥/٧١٤)، «سير الأوزاعي» (٧/٣٦١- مع «الأم»)، «المحلى» (٧/٣٠٩)، «نوادر الفقهاء» (١٧٢)، «الفتح الرباني» (١٤/١١٣) للساعاتي، «نصب الراية» (٣/٤١١)، «فتح الباري» (٨/٣٢-٣٣)، «الأوسط» (١١/٢٧٢-٢٧٣، ٢٧٦) .
[ ٤٣٠ ]
* مسألة:
اختلفوا في الحربيِّ المستأمن يخلف ودائع وديونًا في دار الإسلام، ويلحق بدار الحرب، فيغزوها المسلمون، فيُقتل فيمن أُصيب، فقال الشافعي (١): دَيْنه وودائعه، وما كان له من مالٍ: مغنوم عنه.
وقال الأوزاعي (٢): يوضع ماله كلُّه في بيت مال المسلمين.
وقال أصحاب الرأي (٣): ما أودع كان فيئًا للمسلمين، وأما الديون فتبطل
عن الذي هي عليه، ولا تكون فيئًا، وكذلك ما كان عليه من دينٍ لمسلم، قد بطل ما عليه من الدَّين إذا قُتل أو أُسِر.
قال ابن المنذر (٤): إذا مات المستأمن في أرض الإسلام، وخَلَّف مالًا قدم به، أو أصابه في دار الإسلام، وخلف ورثةً في دار الحرب، فإنَّ كلَّ من أحفظُ عنه يقول: إن ماله يُردُّ إلى ورثته، غير الأوزاعي؛ فإن الأخبار جاءت عنه في ذلك مختلفة.
_________________
(١) «الأم» (٤/٢٩٦) ولم يفرق -﵀- بين الدَّين والوديعة. وهناك قولٌ آخر للشافعي، وهو أن الوديعة تصير فيئًا. وهذا الذي رجحه المزني في «مختصره» (ص ٢٧٣) . وانظر: «روضة الطالبين» (١٠/٢٩٠)، «الحاوي الكبير» (١٤/٢٢٠) . وقال: «وإذا قدم الحربي دار الإسلام بأمان فمات، فالأمان لنفسه وماله، ولا يجوز أن يؤخذ من ماله شيء، وعلى الحاكم أن يَردَّه إلى ورثته حيث كانوا » . وهو مذهب المالكية. انظر: «المدونة» (١/٥١٢)، «الكافي» (١/٤٨١-٤٨٢)، «النوادر والزيادات» (٣/١٤٥)، «عيون المجالس» (٢/٧١٢ رقم ٤٦٤) . وكذلك هو مذهب الحنابلة. انظر: «المقنع» (١/٥١٩)، «المغني» (١٣/٨٠-٨١)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٧٢٢-٧٢٣) .
(٢) انظر: «اختلاف الفقهاء» للطبري (٥١)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤١٨) .
(٣) انظر: «الجامع الصغير» (ص ٢٥٨)، «الهداية» (٢/٤٤٧)، «البناية» (٥/٧٨١)، «مختصر الطحاوي» (ص ٢٩٠)، «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص (٣/٤٥١)، «ملتقى الأبحر» (١/٣٦٨) .
(٤) في «الأوسط» (١١/٢٧٣) نحوه.
[ ٤٣١ ]
فأقول: المستأمنُ يموتُ ويخلِّف مالًا في أرض الإسلام، له ثلاثة أحوال:
- فإن مات من غير أن يصيبه جيش المسلمين في دار الحرب، فسواءٌ كان موته في دار الإسلام، أو دار الحرب -إن لم يكن توجهه إليها نقضًا-، حُكمُ ماله حُكمُ الأمان، فهو يُردُّ إلى ورثته من أهل دينه، قال الله -تعالى-: ﴿لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] .
- وإن كان أصابه جيش المسلمين لما رجع إلى دار الحرب، فكانت إصابتهم إيَّاه في حَوْمَةِ القتال قبل أن يأسروه، فهذا بَطَلَ أن يكون لِمالِه حُكمُ الأمان بعد أن قُتِلَ في حضوره مع أهل الحرب قتالَ المسلمين، فهو يحتمل أن يقال: ماله غنيمةٌ للجيش كسائر ما ظهروا عليه؛ لأنه بغزوهم وإيجافهم انتقل من الأمانة إلى المَغْنم، ويحتمل أن يقال: هو فيءٌ في بيت المال، لا يختصُّ به الجيش، كما قال الأوزاعي.
وقاله ابن حبيب -وعزاه إلى ابن القاسم من أصحاب مالك-؛ لأنه مال كافرٍ استحقَّه المسلمون بعد استقراره بدار الإسلام من غير إيجاف (١) .
وقد قيل: يُردُّ المال إلى ورثته، بمنزلة ما لو مات عَفْوًا بأرضه، وهو قول ابن القاسم المشهور عنه، قال: لأنه ائتمن عليه، ثم لم يملك المسلمون رقبة مالكه بعد ذلك.
- وأما إن كان المسلمون أسروه فيمن أُسِر، ثم قتل بَعْدُ، فالأظهر أن ماله مغنومٌ للجيش؛ لأنه بعد الإسار له حكم الرِّقِّ لذلك الجيش، فمالُه قد ملكوه بذلك على حسب اشتراكهم، فهو يخمس، ثم يقسم على الغانمين، والله أعلم. وهو قول ابن القاسم، وقاله عبد الملك بن حبيب، وحكاه عن ابن الماجشون، وأصبغ (٢) .
_________________
(١) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/١٤٥)، «البيان والتحصيل» (٣/٢٨)، «الذخيرة» (٣/٤٤٦- ٤٤٧) .
(٢) «النوادر والزيادات» (٣/١٤٥) .
[ ٤٣٢ ]
وكذلك لو استُحْيِيَ بعد الإسار، فَبِيعَ أو قُسِم، فمالُهُ غنميةٌ لذلك الجيش؛
لأنهم ملكوا رقبة مالكه (١)، وليس لمشتريه حقٌّ في ماله، كالسُّنَّة فيمن باع عبدًا وله مال. وقال الشافعي (٢): مالُه فيءٌ لجماعة المسلمين.
* مسألة:
إذا لحق عبدُ الحربيِّ بدار الإسلام؛ فأسلم، أو جاء مسلمًا: كان حُرًّا، لا حقَّ لسيده فيه، وكذلك لو أسلم سيِّده بَعدُ: لم يكن له إليه سبيل؛ لأنه بإسلامه ولحوقه بدار الإسلام سقط ملكه عنه؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٣) [النساء: ١٤١] .
وخرَّج أبو داود (٤) عن عليٍّ بن أبي طالبٍ قال: خرج
_________________
(١) «البيان والتحصيل» (٣/٢٧-٢٨) .
(٢) «الأم» (٤/٢٩٦)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٩٠) .
(٣) «المدونة» (١/٥١٠-٥١١- ط. دار الكتب العلمية) . وهو مذهب الحنفية والشافعية. وقال به: الأوزاعي، وسفيان الثوري، والليث بن سعد. وانظر: «الأوسط» (١١/٢٤٧) .
(٤) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في عبيد المشركين يلحقون بالمسلمين فيسلمون) (رقم ٢٧٠٠) عن عبد العزيز بن يحيى، حدثني محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبان ابن صالح، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، عن علي بن أبي طالب -﵁-. وأخرجه الحاكم (٢/١٢٥)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٤٦-٢٤٧) من طريق عبد العزيز، به. وأخرجه ابن الجارود في «المنتقى» (ص ٣٦٧) من طريق محمد بن سلمة، به. وأخرجه الترمذي (رقم ٣٧١٥) -أتمَّ منه-، وأحمد (١/١٥٥)، وابن جرير في «تهذيب الآثار» -كما في «إتحاف المهرة» (١١/٣٧٦-٣٧٧) - من طريق شريك، عن منصور، به. وفي بعض ألفاظه حديث: «لا تكذبوا عليَّ، فإنه من يكذب عليَّ يلج النار» . وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم»، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، من حديث ربعيٍّ عن عليٍّ»، قال: «وسمعت الجارود يقول: سمعت وكيعًا يقول: لم يكذب ربعيُّ بن حراش في الإسلام كذبة» . =
[ ٤٣٣ ]
عُبدان (١) إلى رسول الله - ﷺ - -يعني: يوم الحديبية قبل الصلح-، فكتب إليه مواليهم، فقالوا: يا محمد، والله ما خرجوا إليك رغبةً في دينك، وإنما خرجوا هربوا (٢) من الرقِّ، فقال ناسٌ: صدقوا يا رسول الله، رُدَّهم إليهم، فغضب رسول الله - ﷺ -، وقال: «ما أراكم تنتهون يا معشر قريشٍ حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا»، وأَبَى أن يرُدَّهم، وقال: «هم عتقاء الله» .
واختلف أصحاب مذهب مالكٍ فيه إذا أسلم، وبقي في دار الحرب حتى أسلم سيِّده، أو قدم به مستأمنًا وإن لم يسلم، أو دخل جيشُ المسلمين فغنموه فيما أصابوا من المشركين، فقيل: إنه في ذلك كله على حكم الرِّقِّ، وهو لسيده في إسلامه واستئمانه، وللجيش في اغتنامه، وإليه ذهب ابن حبيب (٣) .
وقيل: هو حُرٌّ من إسلامه في يد الكافر الحربيِّ، وإسلامُه في دار الحرب
_________________
(١) = قال: «وأخبرني محمد بن إسماعيل عن عبد الله بن أبي الأسود قال: «سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: منصور بن المعتمر أثبت أهل الكوفة» . وشريك: سيء الحفظ، ومن بعده في الإسناد رجال الشيخين. ولكن تابعه أبان بن صالح -كما عند أبي داود- وهو: ثقة. وربعيٌّ: تابعي مخضرم، وهو ثقةٌ عابدٌ. وعلى أيٍّ؛ فالحديث صحيح. انظر: «صحيح أبي داود» لشيخنا الألباني -رحمه الله تعالى-. وأخرجه البزار في «البحر الزخار» (٣/١١٨ رقم ٩٠٥) من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن منصورٍ، به. ويحيى بن سلمة: متروك، وكان شيعيًا. كما في «التقريب» . وقال البزار: «ولا نعلمه يروى عن علي إلا من حديث ربعي -﵁-» . وانظر: «أطراف الغرائب والأفراد» (١/٢٠٤-٢٠٥) .
(٢) عبدان: بضمٍّ العين أو كسرها، جمع عبد، أي: الإنسان المملوك. انظر: «القاموس المحيط» (١/٣٢٢) .
(٣) كذا في الأصل: (هربوا) . وكتب أبو خبزة في هامش نسخته: لعلها (هَرَبًا) . قلت: وهو الصواب، كما في مصادر التخريج.
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٢٨٣) .
[ ٤٣٤ ]
يزيل ملك سيده عنه، خرجَ أو أقامَ، ويكون حكمه في يد الحربيِّ بعد إسلامه حُكم الأسير، فإن اشتراه أحدٌ منه بعد إسلامه كان كالحرِّ يُفدى، وهو قول أشهب، إلا أنه يزعم أن سيده إذا أسلم بعد ذلك وهو في يديه، كان له ملكًا، وهو ناقص (١) . وفرَّق ابن القاسم فقال (٢): إن بقي حتَّى أسلم عليه سيده، أو قدم به مستأمنًا، فملكه باقٍ عليه، وإن غنمه عليه المسلمون: سقط ملكه، وكان حرًا، لا حقَّ لذلك الجيش فيه، كما لو أسلم ثم لحِقَ بدار الإسلام.
والأرجح القول بحريته بإسلامه (٣) مطلقًا؛ لأن الإسلام الذي رفع عنه ملك الحربيّ إذا خرجَ إلى دار الإسلام، هو الذي يرفع ملكه على كلِّ حال، ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، ولذلك قال النبي - ﷺ - فيهم: «هم عتقاء الله»، وذلك بالإسلام، لا بالخروج، وهو قول أبي محمد بن حزم (٤) .
* مسألة:
إذا أسلم عبد الحربي، ثم فرَّ إلى أرض الإسلام بمال، فعند المالكية: يكون المال له ولا يُخمس، سواءٌ كان في يديه من تجارةٍ لسيده، أو كان من خراج
العبد، أو كان سرقةً، لا خمس في ذلك؛ لأنه مما لم يُوجف عليه، وإن كان في يديه أمانة، فقد استحبَّ له أن يردَّه إلى سيده من غير أن يعرض له فيه إن أمسكه، وكذلك إن فرَّ إلى أرض الإسلام وهو كافر، ثم أسلم، فإن بقي على كفره وأراد المقام، وتضرب عليه الجزية، كان له ذلك، ولم يردّ إلى سيده، وإن أسلم بعد الجزية كان حُرًّا، وسقطت عنه الجزية، ذكره كله اللخمي ذِكرًا مطلقًا، ولم
_________________
(١) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٢٨٤)، ولم أجد في كتب المالكية -خاصة التي تكثر النقل عن أشهب- زعمه في أن سيده إذا أسلم بعد ذلك كان ملكه له ملكًا ناقصًا.
(٢) انظر: «المدونة» (١/٥١١- ط. دار الكتب العلمية)، «النوادر والزيادات» (٣/٢٨٣) ومال إليه صاحب «النوادر» .
(٣) كذا في الأصل!
(٤) انظر: «المحلى» (٧/٣١٨ المسألة رقم ٩٤٣) .
[ ٤٣٥ ]
يتعرض إلى ذكر خلافٍ عنهم في ذلك (١) . قال أبو الوليد بن رشد (٢): إذا تقدم خروج العبد قبل سيده فهو حرٌّ بنفس خروجه، مسلمًا كان أو كافرًا؛ على مذهب مالكٍ، وجميع أصحابه، وقال أشهب: لا سبيل لسيده عليه إن قدم بعد ذلك، فأسلم (٣) أو لم يسلم، سواءٌ أسلم العبد أو بقي كافرًا.
فأقول: أما قولهم ذلك فيمن كان أسلم من العبيد فظاهر، ودليله ما تقدم في المسألة قبل هذه، وأما فيمن بقي على كفره؛ فكأنهم ذهبوا به إلى حكم ما استُوْلي عليه من الكفار، وكأن العبد استولى على نفسه وغنمها، فكان بذلك حرًّا، وعلى ذلك يكون له ما خرج به من مالٍ وغيره، ونحو هذا رأيت لبعضهم في توجيه ذلك.
وقال أبو حنيفة: لا يكون حرًّا بخروجه؛ إلا إذا خرج مسلمًا، وأما إذا خرج كافرًا فهو غنيمة جميع المسلمين، وقال صاحباه: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن: هو مِلكٌ لمن سبق إليه، قالا مرةً: لغير خمسٍ يجب فيه، وقالا مرةً: بَعْد إخراج الخمس منه لأهله (٤) .
* مسألة:
قال ابن القاسم (٥) في عبدٍ أبَقَ إلى دار الحرب، ثم خرج [بعبيدٍ] (٦) استألفهم إلى دار الإسلام: إن أولئك الرقيق له أو لسيده إن أراد أخذهم منه، ولا
_________________
(١) انظر: «المدونة» (١/٥٢٠)، «النوادر والزيادات» (٣/٢٨٤)، «البيان والتحصيل» (٣/٥٢) .
(٢) في «البيان والتحصيل» (٣/٥٣)، وذكر فيه كلام أشهب. وانظر: «المدونة» (١/٥١٢) .
(٣) كذا في الأصل والمنسوخ، ولعلَّ الأصوب أن تكتب: (أسلم) .
(٤) انظر: «مختصر الطحاوي» (ص ٢٩١)، «الهداية» (٢/٤٤٤)، «البناية» (٥/٧٦٩)، «اللباب» (٤/١٢١)، «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠٤) .
(٥) «البيان والتحصيل» (٣/١٣) .
(٦) سقطت من المنسوخ -وهي مُثْبَتَةٌ في الأصل-، واستدركها الناسخ، فألحقها في الهامش، ولكنها غير واضحة في التصوير. انظر: «البيان والتحصيل» لابن رشد (٣/١٣) .
[ ٤٣٦ ]
خُمس فيهم، وكذلك لو استألفهُم حرٌّ فخرج بهم كانوا له، ولا خمس فيهم.
قيل: معنى ذلك: أن يكون استألفهم ليكونوا له عبيدًا، قال: وإن قال أولئك
الرقيق: إنما خرجنا معه على أننا أحرار، وأنكر ذلك الخارج بهم، فالقول قولهم، وعلى الإمام أن يفي لهم بعهد العبد، أو يرُدَّهم إلى مأمنهم، فإن خرجوا بلا عهدٍ فأَمْرُهُم إلى الوالي، ولا يقبل قول العبد، يعني: في استرقاقهم، إلا أن يُعلم أنه أخرجهم كرهًا، أو يكونوا في حوزه في وثاق، فهم عبيدٌ له.
قيل: فإن ادَّعوا أنه أوثقهم في دار الإسلام؟! قال: إن اسْتُدِلَّ على صدقهم بسببٍ ظاهر، فالقول قولهم، وإن لم يُعرفوا عند خروجهم إلا في وثاق؛ فهم له عبيد.
قيل: فالعبد يخرج متلصِّصًا إلى أرض العدو فيغنم، قال: يخمس، ويكون فضل ذلك له.
ففرَّق ابن القاسم بين خروج العبد إلى دار الحرب إباقًا (١)، وكذلك الأسير ونحوه لو كان ثَمَّة، ثم يخرج بشيءٍ من دار الحرب، فلم ير فيه خمسًا، بل جميعه عنده لمن خرج به، وبين خروج العبد أو الحرِّ إلى دار الحرب تلصُّصًا، وتحيُّلًا بالسرقة والاستيلاف ونحو ذلك. فهذا عنده فيه الخمس، وسائره للذي خرج به؛ لأنه رأى خروجه إلى دار الحرب على قصد النَّيل منهم بذلك والتعمد له إيجافًا، فكان له حكم الغنيمة في التخميس، وهو قول جميع أصحاب مالك، إلا اختلافًا فيما أصاب العبد، وكذلك كلُّ من ليس من أهل الجهاد، كالمرأة والصبي، فقيل: إنَّه لا يخمَّس شيئٌ (٢) مما أصابوه، كان مقصودًا بالخروج إليه والإيجاف عليه، أوْ لا. وقيل: إنه يخمس ما أُوجف من ذلك عليه. ولا أعرفهم اختلفوا في الذِّميِّ أنه لا يخمس ما أصاب على أيِّ وجهٍ كان.
_________________
(١) انظر: «البيان والتحصيل» (٣/١٥-١٦)، «النوادر والزيادات» (٣/١٩٩) .
(٢) كذا في الأصل، وأثبتها الناسخ: «شيئًا»، وكأنه قرأها على المبني للمعلوم.
[ ٤٣٧ ]
* مسألة:
قال ابن القاسم في الأسارى من المسلمين يصيبهم العدو في البحر، فيوثقونهم، ويوجهون بهم إلا بلادهم، فيثب عليهم الأسارى فيقتلون بعضهم، ويأسرون بعضهم، ويصيبون متاعهم ومركبهم: إنَّ ذلك إن كان فعله الأُسارى وهم يُسار بهم قبل أن يصلوا إلى أرضهم، ففي ذلك الخمس، قال: وأُراهم بعد في حربهم. قال: وإن كانوا قد وصلوا بهم إلى بلادهم، ثم خلصوا إلى ذلك منهم، فأرى ما أصابوا لهم، ولا خمس عليهم (١) فيه، وإنما يستحكم أسرهم إذا صاروا
بهم إلى موضعٍ يأمنون فيه لحوق مراكب المسلمين بهم. قال: ولو أمنوا قبل الوصول إلى أرضهم، لكان لهم بالوصول إلى موضع الأمن حكم الوصول إلى أرضهم.
قلت: هذا بناءً على أصلهم في أن لا خمس فيما أصيب على غير القتال، أو تعمّد الخروج لإصابته من تلصُّصٍ ونحوه، لكن قد كان يجب في هذه المسألة على هذا الأصل الخمس في ذلك كلِّه، سواء أَمِن العدو في طريقهم من الاتباع، أو لم يأمنوا، وصلوا إلى أرضهم، أو لم يصلوا، ما دام الجمعان من المسلمين والعدو يجمعهم بعد المناشبة بالقتال حضورٌ واحد، وإذا لم ينفصل أمر اجتماعهم ذلك، فهم في حومة المعالجة، وبسبيل ما نَشَبَ بينهم من ذلك القتال، وإنما إسارُ العدو لهم، ووثوبُ المسلمين بَعْدُ عليهم، كما لو هزمهم العدو، ثم كَرَّ عليهم المسلمون. وكما قالوا في وجوب الخمس إذا وثب الأسارى عليهم بعد أن أوثقوهم، وقبل أن يُلحقوا إلى حيث يأمنون أنهم بعدُ في حربهم، كذلك يلزم ما دام الجمعان على حضور واحد، ولا أثر للأمن، ولا نعلم أحدًا يجعل أمن العدو سببًا لسقوط الخمس فيما أصيب منهم، أمَّا إن كانوا عند وصولهم بهم إلى أرضهم تفرَّقوا بالأسرى، وانفصل نظام الجمعين بعد ذلك اللقاء الذي كان على حكم القتال؛ فيمكن أن يقال: ما فعلوا من ذلك بَعْدُ فهو غير مستند إلى إنشاب ذلك القتال، وله
_________________
(١) «البيان والتحصيل» (٢/٦٠٣) .
[ ٤٣٨ ]
حكم نفسه، فلا خمس فيما أصيب فيه. فإن كان ذلك هو الذي أراد ابن القاسم بقوله: إن كانوا قد وصلوا بهم إلى بلادهم، فله وجه، وأما ما فسره أبو الوليد بن رشد (١) وذهب إليه من ذلك فبعيد، والله أعلم.
ما جاء في تحريم الغلول وعقوبة الغال
قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] .
وخرَّج الترمذي (٢) عن عمر بن الخطاب قال: قيل: يا رسول الله: إن فلانًا قد استشهد، قال: «كلا! قد رأيته في النار بعباءة قد غلَّها» . قال: «قم يا عمر، فناد: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون» . ثلاثًا. قال فيه: حسن صحيح.
وذكر مالك في «موطئه» (٣) عن ابن عباس أنه قال: «ما ظهر الغلول
في قومٍ قط؛ إلا ألقي في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنى في قومٍ قط؛ إلا كثر فيهم الموت، ولا نقص قوم المكيال والميزان؛ إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغير الحق؛ إلا فشا فيهم الدم، ولا ختَرَ (٤) قوم بالعهد؛ إلا سُلِّط عليهم العدو» .
قال ابن عبد البر (٥): «مثل هذا لا يقوله إلا توقيفًا؛ لأن مثله لا يدرك بالرأي» .
_________________
(١) في «البيان والتحصيل» (٢/٦٠٣) .
(٢) في «جامعه» في أبواب السِّير (باب ما جاء في الغلول) (رقم ١٥٧٤)، وقال فيه: حسن صحيح غريب. وأخرجه مسلم في «صحيحه» (١١٤)، وأحمد (١/٣٠ و٤٧)، والدارمي (٢٤٨٩)، وابن أبي شيبة (١٤/٤٦٥-٤٦٦)، ويعقوب بن شيبة في «مسند عمر» (ص ٥٣-٥٤)، والبزار (١٩٨)، وابن حبان (٤٨٤٩) و(٤٨٥٧)، والبيهقي (٩/١٠١) .
(٣) في كتاب الجهاد (باب ما جاء في الغلول) (ص ٢٩٣ رقم ٥٢٤- ط. دار إحيار التراث)، عن يحيى بن سعيد، بلاغًا؛ عن عبد الله بن عباس، به.
(٤) خَتَرَ، أي: غَدَرَ.
(٥) في «الاستذكار» (١٤/٢١١ رقم ٢٠٠٩١- ط. قلعجي) . وقال ابن النحاس في «مشارع الأشواق» (ص ٨١٨ تحت رقم ١٢٣٣): «وهذا الحديث موقوف، =
[ ٤٣٩ ]
ثم كأنه تناقض، فبعد أسطر يسيرة، ذكر فيها ذلك في رواياتٍ يزيد بعضها على بعض، قال (١): «حديث مالك أتم، وكلها تقضي العقول بها والمشاهدة بصحتها» .
فالغلول إحدى الكبائر، ومن أعظم القبائح، قال رسول الله - ﷺ -: «إن الغلولَ عارٌ، ونارٌ، وشنارٌ على أهله يوم القيامة» . خرَّجه مالك في «الموطأ» (٢) .
_________________
(١) = وقد يقال: إن مثله لا يقال من قبل الرأي والاجتهاد، فسبيله سبيل المرفوع، مع أنه قد روي مرفوعًا بنحوه من حديث ابن عمر؛ أخرجه: الطبراني، والبيهقي، وغيرهما» . وقال الباجي في «المنتقى» (٣/٢٠٤): «ويحتمل أن يكون عما بلغه من الكتب المتقدمة »، ثم قال: «ويحتمل أن يكون ذلك بتوقيف من النبي - ﷺ -، والأظهر أنه لو كان بتوقيف لبيَّنه » ا. هـ. كلامه. وقد خرجت الوارد في الباب في تعليقي على «إعلام الموقعين» (٥/٦٨)، وعلى «الاعتصام» (٢/٤٣٦)، وبيّنت صحة ذلك من المرفوع، وانظر: «قدوة الغازي» لابن أبي زمنين (ص ١٧٨) .
(٢) في «الاستذكار» (١٤/٢١٢ رقم ٢٠٠٩٤) .
(٣) (٢/٤٥٧-٤٥٨، أو: رقم ٤٥٩) عن عبد الرحمن بن سعيد، عن عمرو بن شعيب، مرسلًا. ضمن قصة طويلة، وفيها اللفظ المذكور. وأخرجه عبد الرزاق (٥/٢٤٣/٩٤٩٨) من طريق ابن عجلان عن عمرو بن شعيب، به. قال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٠/٣٨): «لا خلاف عن مالك في إرسال الحديث عن عمرو بن شعيب، وقد روي متصلًا عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي - ﷺ - بأكمل من هذا المساق، وأتم ألفاظًا من رواية الثقات» . قلت: أخرجه أحمد في «المسند» (٢/١٨٤)، وأبو داود (٢٦٩٤) -بدون اللفظ المذكور-، والنسائي (٦/٢٦٢-٢٦٤ و٧/١٣١-١٣٢)، والطبري في «التاريخ» (٣/٨٦-٨٧، ٨٩، ٩٠)، والبيهقي (٦/٣٣٦-٣٣٧ و٧/١٧ و٩/١٠٢) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، بألفاظ متقاربة، منها لفظ أحمد -وفيه قصة طويلة كما سبق- ومن ضمنها قوله - ﷺ -: «فردّوا الخياط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله يوم القيامة: عارًا، ونارًا، وشنارًا»، وهو حسن. وأورده ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤/٣٥٢-٣٥٤) . قلت: وورد اللفظ نفسه في حديثٍ عن عبادة بن الصامت؛ أخرجه أحمد (٥/٣١٦، ٣١٨، ٣١٩، ٣٢٣-٣٢٤، ٣٢٦)، وابن أبي شيبة (ق ٩٦/ب)، والهيثم بن كليب الشاشي (١١٧٥-١١٧٦) في «مسانيدهم»، والدارمي (٢/٢٢٩، ٢٣٠ أو: رقم ٢٤٨٦، ٢٤٨٧)، وابن ماجه (٢٨٥٠) في «سننهما»، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (١٨٦٥، ١٨٦٦)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٨٥٥- «الإحسان»)، والحاكم (٢/٣٢٦ و٣/٤٩)، والبيهقي (٦/٢٩٢)، وهو حسن عظيم، قاله ابن =
[ ٤٤٠ ]
قوله: «الشنار»، قال في «مختصر العين»: هو العيب والعار (١) .
واتفق أهل العلم على أن من أخذ من أهل العسكر أو السَّرية من المسلمين -أسيرًا كان أو غيره- شيئًا له ثمن أو بالٌ، مما كان يملكه أهل الحرب -قلَّ أو كثر مما عدا الطعام- فانفرد بملكه ولم يُلقه في الغنائم، فإنه قد غَلَّ (٢) . وإنما اختلفوا في الطعام، وفيما لم يتملكه أهل الحرب قبل ذلك: كالحصى، والصيد، وخشب البرِّيَّة، ونحو ذلك مما تقدم القول فيه. وكذلك اختلفوا في الشيء اليسير مما لا ثمن له ولا بال: كالخيط، والخرقة يُرقع بها، ونحو ذلك، وفي الاستمتاع ببعض ما هنالك في دار الحرب عند الضرورة إليه والحاجة، من غير أن يتملكه، فأرخَصَ في ذلك بعضهم. سئل الحسن البصري عن رجلٍ عُريان، أو: من لا سلاح معه: أيلبس الثوب ويستمتع بالسلاح؟ قال: نعم، فإذا حضر القسم؛ فليحضره (٣) .
وقال سفيان: «لا بأس أن يستعينوا بالسلاح إذا احتاجوا إليه في أرض العدو، وبغير إذن الإمام» . وهو قول جمهور العلماء إذا كانت الضرورة في معمعَةِ الحرب، واحتيج إلى ما استولي عليه من سلاح العدو فهو جائز، رُوي ذلك عن مالكٍ، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وغيرهم؛ ذكره ابن المنذر (٤) . قال:
_________________
(١) = كثير في «تفسيره» (٢/٣٢٤) . وله شاهد من حديث أم حبيبة بنت العرباض، عن أبيها، أخرجه: أحمد (٤/١٢٧-١٢٨)، والبزار (١٧٣٤- زوائد)، والطبراني في «الكبير» (١٨ رقم ٦٤٩)، وفي «الأوسط» (٢٤٤٣) . وأورده الهيثمي في «المجمع» (٥/٣٣٧)، وقال: «رواه: أحمد، والبزار، والطبراني، وفيه: أم حبيبة بنت العرباض، ولم أجد من وثقها ولا جرحها، وبقية رجاله ثقات» .
(٢) انظر: «الصحاح» (٢/٧٠٤)، «لسان العرب» (٤/٤٣٠) مادة (شَنَرَ) .
(٣) قال بدر الدين بن جماعة في «تحرير الأحكام في تدبير أهل الإلام» (ص ٢١٣): «الغلول في الغنيمة: حرام باتفاق، وهو: أن يُخفي عن الإمام أو نائبه شيئًا من الغنيمة، وإن قلَّ، أو يخون في شيءٍ منها» ا. هـ. كلامه.
(٤) انظر: «تفسير القرطبي» (٤/٢٥٨)، «موسوعة فقه الحسن البصري» (١/٣٠٦ و٢/٥٢٦) .
(٥) في «الأوسط» (١١/٧٩، ٨٠) .
[ ٤٤١ ]
«والجواب في الفرس يقاتل عليه في حال الحرب؛ كالجواب في السلاح»
-يعني: لِضَرورة مقاومة العدو في التحام الحرب- فأمَّا استعمال شيء من ذلك
على غير هذا الوجه إلا تكثُّرًا، أو اغتنام الانتفاع به، فلا يباح ذلك.
خرَّج أبو داود (١)، عن رُويفع بن ثابت الأنصاري، أن النبي - ﷺ - قال:
«من
_________________
(١) في «سننه» في كتاب الجهاد (بابٌ في الرجل ينتفع من الغنيمة بالشيء) (رقم ٢٧٠٨) من طريق محمد بن إسحاق -صاحب «المغازي» - عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق -مولى تُجيب- عن حنش الصنعاني، عن رويفع بن ثابت الأنصاري، به. وأبو مرزوق هو: ربيعة بن سُليم، ويقال: ابن أبي سليمان التُّجيبي. ومحمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد عنعن. لكنه صرح بالتحديث، فانتفت شبهة تدليسه. فقد أخرجه أحمد في «المسند» (٤/١٠٨-١٠٩) قال: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي -إبراهيم بن سعد-، عن ابن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، به -مطولًا-. وفي أوله: «لا يحل لامرىءٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره» -يعني: إتيان الحبالى من السبايا-، «وأن يصيب امرأة من السبي حتى يستبرئها» -يعني: إذا اشتراها-، «وأن يبيع مغنمًا حتى يقسم، وأن يركب دابة من فيء المسلمين، حتى إذا أعجفها » الحديث. وأخرجه الطبراني في «الكبير» (٤٤٨٥) من طريق إبراهيم بن سعد، بهذا الإسناد، مختصرًا. وأخرجه مطولًا ومختصرًا: سعيد بن منصور (٢٧٢٢)، وأبو داود (٢١٥٩)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢١٩٤)، والبيهقي (٧/٤٤٩) من طريق أبي معاوية، وأبو داود (٢١٥٨)، والبيهقي (٧/٤٤٩) من طريق محمد بن سلمة، والدارمي (٢٤٨٨)، والطبراني في «الكبير» (٤٤٨٢)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢١٩٣) من طريق أحمد بن خالد الوهبي، والطبراني (٤٤٨٦) من طريق زهير بن معاوية، والبيهقي (٧/٤٤٩ و٩/١٢٤)، وابن الأثير في «أسد الغابة» (٢/٢٤٠) من طريق يونس ابن بكير، عن ابن إسحاق، به. وأخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢١٩٥)، وابن الجارود (٧٣١)، والطبراني (٤٤٨٣، ٤٤٨٤)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/٢٥١)، وابن قانع في «معجم الصحابة» (١/٢١٧)، وابن حبان (٤٨٥٠)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/٧٨ رقم ٦٤٦٥)، والبيهقي في «السنن» (٩/٦٢) من طريقين، عن ربيعة بن سُليم، عن حنش الصنعاني، به. وأخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (٢/١٦٢)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢١٩٨)، وابن قانع في «معجم الصحابة» (١/١٢٩-١٣٠)، والطبراني (٤٤٨٧)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (١٣٣٢)، وابن الأثير في «أسد الغابة» (١/٢٦٩) من طريق عبيد الله بن موسى، =
[ ٤٤٢ ]
كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يركب دابة من فيء المسلمين، حتى إذا أعجفها ردَّها فيه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين، حتى إذا أَخْلقهُ ردّه فيه» .
ورُوي عن ابن القاسم -صاحب مالكٍ- أنه وسَّع فيما لا ثمن له، مثل: الخرقة يُرقع بها، والخيط يخيط به، والمسلَّة والإبرة، قال: له أن ينتفع به، وقاله أصبغ. وروي عن مالكٍ في الذي يَرُدُّ الكُبَّة من الخيط، ومثله مما ثمنه دانق وشبهه: أخاف له أن يرائي بذلك، وليس يضيق على الناس. وروى أشهب عن مالك: ما كان قيمته ثمن درهم: فله أن يحبسه ولا يبيعه (١) .
فأقول: التمسك من ذلك بشيءٍ -وإن قلَّ- خطرٌ؛ فإن فيما خرجه مالك في «موطئه»، أن النبي - ﷺ - قام في الناس -يعني: مُنصرفه من حنين- فقال: «أدوا
_________________
(١) = عن إسرائيل، وأبو نعيم (١٣٣١) من طريق سوار بن مصعب، كلاهما عن زياد المصفر، عن الحسن البصري، قال: حدثني ثابت بن رفيع، به، مختصرًا. قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/٤٥١): ثابت بن رفيع: له صحبة، روى عنه الحسن البصري، سمعت أبي يقول: هذا الرجل عندي شامي، وهو عندي رويفع بن ثابت، والحديث حديث شامي. قلت: وذكر نحو هذا -مطولًا- ابن الأثير في «أسد الغابة» (١/٢٦٨-٢٦٩) . وأخرجه أحمد (٤/١٠٧-١٠٨)، وابن أبي شيبة (١٢/٢٢٢ و١٤/٤٦٥) من طريق ابن إسحاق، به. لكنه سقط من إسناديهما حنشٌ هذا. وأخرجه مختصرًا -بذكر النهي عن وطء الحبالى-: الترمذي (١١٣١) من طريق: بسر بن عبد الله، عن رويفع بن ثابت، به. وقال: «حديث حسن» . وأخرجه -موقوفًا مختصرًا-: سعيد بن منصور (٢٧٢٧)، أن رويفع بن ثابت كان يقول: يركب أحدكم الدابة، حتى إذا نقصها؛ ردَّها في المقاسم، فأيُّ غلولٍ أشدّ من ذلك؟! أو: يَلْبَسُ أحدكم الثوب، حتى إذا أَخلقَهُ ردَّه في المقاسم، فأي غلول أشدُّ من ذلك؟!. وإسناده صحيح.
(٢) انظر: «المدونة» (١/٥٢٢- ط. دار الكتب العلمية) .
[ ٤٤٣ ]
الخائط والمخيط، فإن الغلول عارٌ، ونارٌ، وشنارٌ على أهله يوم القيامة» (١) .
فهذا نصٌّ في الخائط والمخيط -وهو الخيط والإبرة- أمر رسول الله - ﷺ - بأدائه، وجعل له حكم الغلول المتوعَّد عليه بالنار، فلا ينبغي أن يتسامح مع هذا أحدٌ في مثل ذلك، وإنما حَمَلَ من ذكرناه على الترخيص فيما خَفَّ من ذلك: حملُهم ما وقع في الحديث من ذكر الخائط والمخيط على أنَّ المراد به ضربُ المثل، والمبالغة والتحذير، وإنما المقصود ما فوقه، لكن هذا التأويل مع كونِهِ دَعوى، وخروجًا عن الظاهر بغير دليل، فقد يبطله قوله - ﷺ - -وقد جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله - ﷺ - -: «شراكٌ -أو: شِراكان- من نار»؛ خرَّجه مالك في «الموطأ» (٢) .
قوله في الحديث: «شراك، أو: شراكان»؛ هو شكٌّ من المحدِّث.
وأجمع العلماء على أن الغالَّ يجب عليه أن يردَّ ما غلَّ إلى صاحب المقاسم إن وجد إلى ذلك سبيلًا، وأنه إذا فعل ذلك، فهو توبةٌ له (٣) .
واختلفوا: إذا افترق أهل العسكر ولم يوصل إليهم؛ فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يرفع إلى الإمام خُمسه، ويتصدَّق بالباقي، فإنْ خاف الإمامَ على نفسه،
_________________
(١) مضى تخريجه قريبًا. وهو صحيح.
(٢) (رقم ٤٦٢- ط. دار إحياء التراث العربي) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الأيمان والنذور (باب هل يدخل في الأيمان والنذور: الأرض، والغنم، والزروع، والأمتعة) (رقم ٦٧٠٧)، ومسلم في «صحيحه» في كتاب الإيمان (باب غلظ تحريم الغلول) (١٨٣) (١١٥) .
(٣) قال بدر الدين بن جماعة في «تحرير الأحكام» (ص ٢١٤): «من غلَّ شيئًا من المغنم وإن قلَّ ردَّه إلى المغنم ليقسم، وتجب عليه التوبة والاستغفار من ذلك» . وانظر: «اختلاف الفقهاء» للطبري (١١٠) . ونقل الإجماع: ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٦٠)، وفي «كتاب الإجماع» (٧٢ رقم ٢٣٦)، وأقره العيني في «عمدة القاري» (١٥/٥)، وابن حجر في «الفتح» (٦/١٨٦)، وانظر: «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٢/٢١٨)، «تفسير القرطبي» (٤/٢٦٠) .
[ ٤٤٤ ]
تصدَّق به كلّه، وبه قال مالكٌ (١)، والأوزاعي، والثوري، والليث، وغيرهم، وروي معناه عن ابن عباس، وابن مسعود، ومعاوية بن أبي سفيان (٢)، وذهب
الشافعي إلى
_________________
(١) انظر: «الكافي» (١/٤٧٣)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٧٣)، «الذخيرة» (٣/٤٢٠)، «النوادر والزيادات» (٣/٢٠٣) . وقال به أحمد، انظر: «المغني» (١٠/٥٣٥) .
(٢) ذكر ذلك عنهم: ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٦١)، وذكره -أيضًا- عن الحسن البصري، والزهري، وكذا حَكى ذلك عنهم: ابن قدامة في «المغني» (٩/٤٧٣)، والقرطبي في «التفسير» (٤/ ٢٦١)، والعيني في «عمدة القاري» (١٥/٧)، وابن حجر في «الفتح» (٦/١٨٦)، والشوكاني في «النيل» (٨/١٣٨) . وانظر: «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٤/٢١٨)، «سبل السلام» (٤/٥٢) . وأثر الحسن، أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (٣/٣١٦ رقم ٢٧٣٤) عن عبد الله بن المبارك، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحسن، في الرجل يصيب الغنيمة فيتفرَّق الجيش قال: «يتصدق به عن ذلك الجيش» . وانظر: «تفسير القرطبي» (٤/٢٦٠، ٢٦١)، «موسوعة فقه الحسن البصري» (٢/٥٢٦) . وفي مذهب سفيان الثوري، انظر: «تفسير القرطبي» (٤/٢٦١)، «نيل الأوطار» (٨/١٣٨)، «موسوعة فقه سفيان الثوري» (ص ٥٠١) . وفي مذهب الأوزاعي، انظر: «تفسير القرطبي» (٤/٢٦٠)، «المغني» (١٠/٥٣٥)، «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٤/٢٦٨)، «فتح الباري» (٦/١١٣)، «عمدة القاري» (١٥/٧)، «نيل الأوطار» (٧/٢٥١)، «سبل السلام» (٤/٥٢)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤٥٧) . وفي مذهب الليث، انظر: «المغني» (٩/٤٧٣)، «نيل الأوطار» (٨/١٣٨)، «فقه الإمام الليث ابن سعد» (ص ٢٨٤) . وأما أثر ابن عباس، فقد أخرجه -أيضًا- سعيد في «سننه» (٣/٣١٦ رقم ٢٧٣٣) عن إسماعيل ابن عياش، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنْعُم الإفريقي، عن عكرمة، عن ابن عباس في الغلول يصيبه الرجل، وقد تفرقّ الجيش، قال: يردُّه إلى مغنم المسلمين. وإسماعيل بن عياش، وابن أنْعم: متكلَّم فيهما. وأما ابن مسعود، فجعل حكم الغلول التي تاب صاحبه وأراد ردَّه إلى الجيش بعد أن تفرق الجيش؛ جعل حكمه حكم المال الذي لا يعرف صاحبه -أي: اللقطة-؛ فقد أخرج عبد الرزاق في «المصنف» (١٠/١٣٩-١٤٠ رقم ١٨٦٣١)، ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٦١ رقم ٦٤٤٩) عن الثوري وإسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، قال: اشترى عبد الله =
[ ٤٤٥ ]
إنكار ذلك، وقال: «لا أعرف لقول من قال: يتصدَّق به؛ وجهًا؛ إن كان مالًا له،
_________________
(١) = ابن مسعود من رجلٍ جارية بست مئة، أو: بسبع مئة، فنشده سنة لا يجده، ثم خرج بها إلى السُّدَّة، فتصدَّق بها من درهمٍ ودرهمين عن ربِّها، فإن جاء صاحبها خيَّره، فإن اختار الأجر كان الأجر له، وإن اختار ماله كان له ماله، ثم قال ابن مسعود: هكذا افعلوا باللقطة. وأما أثر معاوية بن أبي سفيان؛ فقد أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (٣/٣١٦ رقم ٢٧٣٢) عن عبد الله بن المبارك، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/٦٠ رقم ٦٤٤٨) من طريق العباس بن محمد القنطري، عن مبشر، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٩/١٣٨- ط. دار الفكر) من طريق أبي إسحاق، جميعهم، عن صفوان بن عمرو، عن حوشب بن سيف، عن عبد الله بن الشاعر السكسكي، قال: غزا الناس زمن معاوية وعليهم: عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فغلَّ رجل من المسلمين مئة دينار رومية، فلما انصرف الناس قافلين ندم الرجل، فأتى عبد الرحمن بن خالد، فقال: إني غللت مئة دينار؛ فاقبضها مني، قال: قد افترق الناس، فلن أقبضها منك حتى تأتي الله بها يوم القيامة، فدخل على معاوية، فذكر له أمرها، فقال معاوية مثل ذلك، فمر به عبد الله بن الشاعر السكسكي، وهو يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال: كان من أمري كذا وكذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، قال: أمطيعي أنت؟ قل: نعم، قال: ارجع إلى معاوية فقل له: اقبض مني خمسك، فادفع إليه عشرين دينارًا، وانظر إلى الثمانين الباقية، فتصدق بها عن ذلك الجيش، فإن الله -﷿- يقبل التوبة، والله أعلم بأسمائهم، ومكانهم، ففعل ذلك الرجل، فبلغت معاوية، فقال: أحسن والله، لأن أكون أفتيته بها أحبَّ إليَّ من كل شيء أملك. وصفوان بن عمرو بن هرم السكسكي، أبو عمرو الحمصي: ثقة. كما في «التقريب» (٢٩٣٨) . وحوشب بن سيف، أبو روح السكسكي المعافري، شامي، قال الإمام أحمد: شامي ثقة. انظر: «الجرح والتعديل» (٣/٢٨٠ رقم ١٢٥٢)، «تاريخ دمشق» (٥/ق ٣٧٥-٣٧٧) . وعبد الله بن الشاعر السكسكي، ذكره ابن عساكر في «التاريخ» (٢٩/١٣٨)، وقال: «حكى عنه حوشب بن سيف السكسكي الحمصي» . وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (٣/١/١١٧): «عبد الله بن الشاعر السكسكي، روى عنه حوشب بن سيف قوله في الغلول إذا تفرَّق الجيش» . وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٥/٨٣): «عبد الله بن الشاعر السكسكي، يروي عنه حوشب بن سيف قوله في الغلول إذا تفرَّق الجيش، سمعت أبي يقول ذلك» . قلت: فالحديث السابق من رواية حوشب عن ابن الشاعر. وسقط من إسناد سعيد بن منصور، وابن عساكر ذِكْرُ عبد الله بن الشاعر.
[ ٤٤٦ ]
فليس عليه أن يتصدق به، وإن كان مالًا لغيره، فليس له الصدقة بمال غيره» (١) .
فصلٌ
واختلفوا في عقوبة الغالّ، فروي عن مكحول، والحسن (٢): أنه يُحرق متاعه كله، وقاله الأوزاعي (٣)، وإليه ذهب: أحمد، وإسحاق (٤) . قال الحسن:
يُحرق جيمع رحله، إلا أن يكون مصحفًا، أو حيوانًا. وقال الأوزاعي: إلا سلاحه، وثيابه التي عليه، وسرجه، ولا تنتزع منه دابته، ويحرق سائر متاعه كلّه، إلا الشيء الذي
_________________
(١) قاله الشافعي في «الأم» في كتاب الواقدي (باب الرجل يخرج الشيء من الطعام أو العلف إلى دار الإسلام) (٤/٢٦٢) . وتعقبه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٦٢) فقال: ما قاله أصحاب رسول الله - ﷺ -، وعوام أهل العلم أَوْلَى. قلت: وهو الذي نراه صوابًا -إن شاء الله-.
(٢) مذهب مكحول. رواه عبد الرزاق في «المصنف» (٥/٢٤٧ رقم ٩٥١١، ٩٥١٢) من طريق يزيد بن يزيد، ومحمد بن راشد، كلاهما عنه. وانظر: «المغني» (٩/٢٤٥)، «فقه مكحول» (ص ١٨٧) . ومذهب الحسن. رواه سعيد بن منصور في «سننه» (٢/٣١٥ رقم ٢٧٣٠) من طريق يونس، وعبد الرزاق (٥/٢٤٦-٢٤٧ رقم ٩٥٠٨) من طريق عمرو، كلاهما عنه. وحكاه عنه الخطابي في «معالم السنن» (٣/١٥٧)، وكذا الشوكاني في «نيل الأوطار» (٧/ ٣٤٣) . وانظر: «موسوعة فقه الحسن البصري» (٢/٥٢٥) . وتحريق متاع الغال، هو مذهب سعيد (أو مسلمة) بن عبد الملك، أخرجه عنه: سعيد بن منصور في «سننه» (٢/٣١٥ رقم ٢٧٣١)، وأقرَّه عمر بن عبد العزيز، وهو مذهب الوليد بن هشام؛ رواه عنه أبو داود في «سننه» (٣/١٥٨ رقم ٢٧١٤) .
(٣) نقل مذهب الأوزاعي: ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٥٥) . وحكاه عنه الترمذي في «الجامع» (٣/١٢٩ بعد الحديث رقم ١٤٦١- ط. بشار عوَّاد) .
(٤) حكى الترمذي في الموطن نفسه مذهب: أحمد، وإسحاق (أي: ابن راهويه) . وهو أحد الروايتين عن أحمد. انظر: «المقنع» لابن البنا (٣/١١٨٥)، «المغني» (١٣/١٦٨-١٧٠- ط. دار هجر)، «شرح الزركشي» (٦/٥٣٧)، «المحرر» (٢/١٧٨)، «الإنصاف» (٤/١٨٥)، «رؤوس المسائل الخلافية» للعكبري (٥/٧٧٣)، «تقرير القواعد» (٢/٤٠٤- بتحقيقي) لابن رجب.
[ ٤٤٧ ]
غلَّ، فإنه لا يُحرق (١) . وقال مالكٌ، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم، والليث (٢)، وداود: لا يُحرق رحلُ الغالِّ، ولا يُعاقب إلا بالتعزير على حسب اجتهاد الأمير. قال الشافعي وداود: إن كان عالمًا بالنهي عوقب (٣) .
فدليل من ذهب إلى التحريق عليه: ما خرَّجه أبو داود (٤)، من طريق
صالح بن
_________________
(١) فصّل أبو إسحاق الفزاري في «السير» (ص ١٧٤-١٧٧) مذهب الأوزاعي على وجه دقيق جدًا. ونقله ابن جرير بفوت يسير في «اختلاف الفقهاء» للطبري (١٧٣-١٧٤- ط. يوسف شخت)، وانظر: «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص (٣/٤٧٥)، «شرح مسلم» (١٢/٢١٨)، «تفسير القرطبي» (٤/٢٦٠)، «معالم السنن» (٢/٣٠٠)، «المغني» (١٠/٥٣٢)، «المنتقى» (٣/٢٠٤)، «عمدة القاري» (١٥/٧)، «نيل الأوطار» (٧/٢٥٣)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤٥٩) .
(٢) انظر: «المغني» (٨/٤٧٠- ط. ابن تيمية)، «فقه الإمام الليث بن سعد» (ص ٢٨٢) .
(٣) انظر في مذهب المالكية: «الموطأ» (١/٤٥٧-٤٦٠)، «التفريع» (١/٣٥٧-٣٥٨)، «الرسالة» (١٩٠)، «المعونة» (١/ ٦٠٥-٦٠٦)، «أسهل المدارك» (٢/١١)، «الكافي» (٢١٢)، «قوانين الأحكام» (١٦٧)، «المنتقى» للباجي (٣/٢٠٤)، «الإشراف» (٤/٤٣٠- بتحقيقي)، «عيون المجالس» (٢/٧٠٧) . وفي مذهب الحنفية: «المبسوط» (١٠/٥٠)، «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص (٣/٤٧٥) . وفي مذهب الشافعية: «الأم» في كتاب الحكم في قتال المشركين (باب الغلول) (٤/٢٥١)، «البيان» (١٢/١٨٤)، «المجموع» (٢١/٢١٠-٢١١)، «الأوسط» (١١/٥٦) .
(٤) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب عقوبة الغال) (رقم ٢٧١٣) حدثنا النفيلي وسعيد بن منصور، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، حدثنا صالح بن محمد بن زائدة، عن سالم، عن أبيه، عن عمر. وأخرجه الترمذي (رقم ١٤٦١)، والدارمي (٢٤٩٠)، وابن أبي شيبة (١٠/٥٢، ١٢/ ٤٩٦-٤٩٧)، وأحمد (١/٢٢)، وسعيد بن منصور (٢/٣١٥ رقم ٢٧٢٩)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ١٣٨-١٣٩)، والبزار (١٢٣)، وأبو يعلى (٢٠٤)، وابن عدي في «الكامل» (٤/ ١٣٧٧)، والجورقاني في «الأباطيل والمناكير» (٥٨٨)، والبيهقي (٩/١٠٣) من طرق عن عبد العزيز، عن صالحٍ، به. قال الترمذي: غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال الجورقاني: حديث منكر، وقال البخاري في «التاريخ الصغير» (٢/٩٦) عن حديث صالحٍ هذا: لا يتابع عليه، وقال الدارقطني -فيما نقله عنه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/٥٨٤) -: «أنكروا هذا الحديث على صالح، وهو حديث لم يتابع عليه، ولا أصل له من حديث رسول الله - ﷺ -» . =
[ ٤٤٨ ]
محمد بن زائدة، عن سالمٍ، عن أبيه، عن عمر، عن النبي - ﷺ -، قال: «إذا وجدتم الرجلَ قد غلَّ، فاحرقوا متاعه، واضربوه» .
وخرَّج -أيضًا- (١) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن رسول الله - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر، حرقوا متاع الغالِّ وضربوه.
وأما الآخرون، فلم يثبت عندهم شيء من ذلك.
أما حديث صالح بن محمد بن زائدة؛ فضعَّفوا صالحًا؛ قال البخاري (٢):
«هو
_________________
(١) = ومع هذا فقد صحح الحاكم في «المستدرك» إسناد هذا الحديث، ووافقه الذهبي. وهو تساهل منهما -رحمهما الله-. فالحديث ضعيف. كما ذكر ذلك المصنف -﵀-. وانظر: «الهداية في تخريج أحاديث البداية» (٦/٧٠- وما بعدها)، و«ضعيف سنن الترمذي»، و«ضعيف سنن أبي داود» لشيخنا الألباني -﵀-.
(٢) في «سننه» (رقم ٢٧١٥) . وقال أبو داود: «وزاد فيه علي بن بحر، عن الوليد -ولم أسمعه منه-: ومنعوه سهمه» . والوليد: هو ابن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، وقد أشرنا إلى حديثه قريبًا، وهو ما أخرجه أبو داود (رقم ٢٧١٤) عن صالح بن محمد قال: غزونا مع الوليد، ومعنا سالم بن عبد الله بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، فَغَلَّ رجلٌ متاعًا، فأمر الوليد بمتاعه، فأحرق وطيف به، ولم يعطه سهمه. وفيه صالح -أيضًا-. وهذا الذي ذكره أبو داود عن الوليد أصح من المرفوع. وعلَّقه البخاري في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب القليل من الغلول) قبل رقم (٣٠٧٤) . قال: ولم يذكر عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - أنه حرَّق متاعه، وهذا أصحَّ. وانظر: «عون المعبود» (٧/٣٨٣)، «تفسير القرطبي» (٤/٢٥٩)، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد، وقد ذكرها المصنف قريبًا.
(٣) في «التاريخ الكبير» (٤/٢٩١)، قال مُغلطاي في «إكمال تهذيب الكمال» (٦/٣٤٣): «قال محمد: وعامة أصحابنا يحتجّون بهذا الحديث في الغلول، وهو حديث باطل ليس له أصل، ذكر غير واحد عن النبي - ﷺ - في الغلول، ولم يذكر الحرق، وصالح هذا منكر الحديث لا يعتمد عليه»، كذا هو ثابت في «التاريخ الكبير» بخط أبي ذر، وابن الأبّار، وابن ياميت -رحمه الله تعالى-.
[ ٤٤٩ ]
منكر الحديث، تركه سليمان بن حرب» . وقال أحمد بن حنبل (١): «ما أرى بحديثه بأسًا» .
وأما حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فقد ضعَّف عَمْرًا كثيرٌ من أهل العلم، وبخاصَّة ما رواه من صحيفة أبيه عن جدِّه، فإن الإنكار عليه في ذلك أشدُّ، وقد احتجَّ بعضهم بحديثه (٢) .
وتمسَّك هؤلاء الذين لم يثبت عندهم أمر التحريق بالأصل المقطوع عليه في تحريم مال المسلم وعصمته، المتضافِرُ على ذلك: القرآن، والسنة، والإجماع. وعارض بعضهم أحاديث التحريق بالآثار التي وردت عن رسول الله - ﷺ - في التشديد على الغالِّ يعثر عليه، فلم يُنقل في شيءٍ منها أنه حرَّق رَحْله، ولا أمر بذلك، كالذي غلَّ الشَّملة (٣)، والذي غلَّ الخَرَزَ (٤)، قالوا: ولو حرقه لنُقل.
_________________
(١) في «العلل ومعرفة الرجال» (٢/٤٨٩)، وعنه في «بحر الدم» (ص ٢١١) .
(٢) رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ثابتة صحيحة، وهي صحيفة لعمروٍ عن أبيه، وقد احتج بها كثير من أهل العلم الثقات الجبال، وأنكرها بعضهم. وقد علَّق له البخاري في «صحيحه» . فروايته عن أبيه، عن جده: صحيحة، ولا غبار عليها. وانظر: «رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في الكتب التسعة» لأخينا الفاضل: أحمد عبد الله أحمد (ص ٦٤- وما بعدها/ رسالة ماجستير) .
(٣) أخرج البخاري في «صحيحه» في كتاب المغازي (باب غزوة خيبر) (رقم ٤٢٣٤)، وفي كتاب الأيمان والنذور (باب هل يدخل في الأيمان والنذور: الأرض، والغنم، والزروع، والأمتعة) (رقم ٦٧٠٧) . ومسلم في «صحيحه» في كتاب الإيمان (باب غلظ تحريم الغلول، وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون) (رقم ١١٥) من حديث أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - يوم خيبر، فلم نغنم ذهبًا ولا فضة، إلا: الأموال، والثياب، والمتاع، فأهدى رجلٌ من بني الضُّبيب، يقال له: رفاعة بن زيد، لرسول الله - ﷺ - غلامًا، يُقال له: مِدعمٌ، فوجَّه رسول الله - ﷺ - إلى وادي القرى، حتى إذا كان بوادي القرى، بينما مِدعمٌ يحطُّ رَحْلًا لرسول الله - ﷺ -؛ إذا سهم عائر، فقتله، فقال الناس: هنيئًا! له الجنة، فقال رسول الله - ﷺ -: «كلاّ، والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم، لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارًا» . فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراكٍ أو شراكين إلى النبي - ﷺ - فقال: «شراك من نار، أو: شراكان من نار» .
(٤) أخرج أبو داود في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في تعظيم الغلول) (رقم ٢٧١٠) من =
[ ٤٥٠ ]
وهذا فيه نظر، إلا أنَّ من لم يثبت عنده ما رُوي في ذلك، فهو على بصيرة مما ذهب إليه بالحَظْرِ المقطوع عليه في أموال المسلمين وأحوالهم، وهو أرجح، والله أعلم (١) .
*****
_________________
(١) = طريق يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أبي عمرة -أو: ابن أبي عمرة-، عن زيد ابن خالد الجهني، أن رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال: «صلوا على صاحبكم»، فتغيَّرت وجوه الناس لذلك، فقال: «إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله»، ففتَّشنا متاعه، فوجدنا خَرَزًا من خرز يهود لا يساوي درهمين! وأخرجه ابن أبي شيبة (١٢/٤٩١-٤٩٢)، والنسائي في «الكبرى» (١/٦٣٦ رقم ٢٠٨٦- ط. دار الكتب العلمية)، وابن ماجه (٢٨٤٨)، ومالك (٩٢٤- رواية أبي مصعب الزهري، و٢/٤٥٨- رواية يحيى)، وأحمد (٤/١١٤، ٥/١٩٢)، والحميدي (٨١٥)، وعبد الرزاق (٩٥٠١ و٩٥٠٢)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٧٨)، والطبراني (٥١٧٤، ٥١٧٥، ٥١٧٦، ٥١٧٧، ٥١٧٨، ٥١٧٩، ٥١٨٠، ٥١٨١)، وعبد بن حميد (٢٧٢)، وابن الجارود (١٠٨١)، والحاكم (٢/١٢٧ و٣٦٤)، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/٢٦٢)، والشافعي في «السنن» (٦٣٦)، والبغوي في «شرح السنة» (٢٧٢٩)، وفي «التفسير» (١/٤٤١)، والبيهقي (٩/١٠١)، وفي «دلائل النبوة» (٤/٢٥٥) كلهم من طرقٍ، عن زيد بن خالد الجهني، بنحوه. مع اختلاف بينهم في ذكر: ابن أبي عمرة، -أو: أبي عمرة- وعدم ذكره. قال فيه الحافظ في «التقريب»: «مقبول» - يعني: عند المتابعة، ولم يتابع!! وسبقه الذهبي في «الميزان» (٤/٥٥٨) بقوله: «ما روى عنه سوى محمد بن يحيى بن حَبَّان» . وانظر: «ضعيف سنن أبي داود» لشيخنا الألباني -﵀-.
(٢) ما قرَّره المصنف -من عدم إحراق متاع الغال-: صحيح؛ لضعف حديث صالح بن محمد ابن زائدة -المرفوع- المذكور آنفًا، والله الموفق.
[ ٤٥١ ]