في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح؟
قال الله -﷿-: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]، وقال -تعالى-: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ [النحل: ٩١]، وقال -تعالى-: ﴿لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]، وقال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] .
وخرَّج مسلم (١) عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لكل غادرٍ لواء يوم القيامة، يُرفع له بقدر غدرته، ألا ولا غادِرَ أعظمُ غدرًا من أمير عامّةٍ» .
البخاري (٢)، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: «من قتلَ مُعاهدًا لم يرحْ رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا» .
أبو داود (٣)، عن أبي بكرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من قتل مُعاهدًا في
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب تحريم الغدر) (١٣٧٨) (١٦) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجزية والموادعة (باب إثم من قتل معاهدًا بغير جُرمٍ) (رقم ٣١٦٦) . وفي كتاب الديات (باب إثم من قتل ذميًا بغير جُرم) (رقم ٦٩١٤) .
(٣) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في الوفاء للمعاهد وحرمة ذِمته) (رقم ٢٧٦٠) . وأخرجه ابن أبي شيبة (٩/٤٢٥-٤٢٦)، والدارمي (٢٥٠٤)، وأحمد (٥/٣٦، ٣٨)، والطيالسي (٨٧٩)، والنسائي في «المجتبى» (٨/٢٤-٢٥)، و«الكبرى» (٦٩٤٩)، وابن أبي عاصم في «الديات» (ص ٨٧)، والبزار في «مسنده» (٣٦٧٩)، وابن الجارود في «المنتقى» (٨٣٥، ١٠٧٠)، والحاكم (٢/١٤٢)، والبيهقي (٩/٢٣١) . =
[ ٢٩٣ ]
غير كُنهه، حرَّم الله عليه الجنة» .
وفيه (١) عن عَمرو بن عَبَسة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من كان
_________________
(١) = والحديث صححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وهو كما قالا. قوله: «معاهدًا»: المراد به من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية، أو هدنة من سلطان، أو أمان من إسلام. وقوله: «في غير كنهه» كنه الأمر: حقيقته، وقيل: وقته وقدره، وقيل: غايته، يعني من قتله في غير وقته أو غاية أمره الذي يجوز فيه قتله. وقوله: «حرم الله عليه الجنة» قال ابن خزيمة: معنى هذه الأخبار إنما هو على أحد معنيين: أحدهما: لا يدخل الجنة، أي: بعض الجنان، إذ النبي - ﷺ - قد أعلم أنها جنان في جنة. والمعنى الثاني: أن كل وعيد في الكتاب والسنة لأهل التوحيد، فإنما هو على شريطة، أي: إلا أن يشاء الله أن يغفر ويصفح ويتكرم ويتفضل. وقال الحافظ ابن حجر: المراد بهذا النفي -وإن كان عامًا- التخصيص بزمان ما، لما تعاضدت الأدلة العقلية والنقلية أن من مات مسلمًا ولو كان من أهل الكبائر، فهو محكوم بإسلامه غير مخلد في النار، ومآله إلى الجنة، ولو عُذب قبل ذلك. حاصل هذا أن قتل الذمي في حكم الآخرة كقتل المسلم، وقد قال تعالى في الثاني: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا ﴾ الآية [النساء: ٩٣]، فكذلك قتل الذمي، وليس كفره يبيح قتله أو تخفيف وزره بعد أن دخل في العهد، والله تعالى أعلم. انظر: «التوحيد» لابن خزيمة (٢/٨٦٨-٨٧٠)، و«النهاية» (٤/٢٠٦)، و«فتح الباري» (٢/ ٢٥٩)، والمغني (١١/٤٦٦) .
(٢) أي في «سنن أبي داود» (رقم ٢٧٥٩) . وأخرجه الترمذي (١٥٨٠)، والنسائي في «الكبرى» (٨٧٣٢)، والطيالسي (١١٥٥)، وأحمد (٤/١١١، ٣٨٥-٣٨٦)، وأبو عبيد في «الأموال» (رقم ٤٤٨)، وابن زنجوية في «الأموال» (٦٦٠) و(٦٦١)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/٣٢٥ رقم ٦٦٨٩)، وصححه ابن حبان (٤٨٧١)، وابن قانع في «معجم الصحابة» (٢/١٩٦)، البيهقي في «السنن» (٩/٢٣١)، وفي «الشعب» (٤٣٥٨ و٤٣٥٩) . وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. والحديث فيه: أن معاوية كان يسير بأرض الروم، وكان بينه وبينهم أمدٌ، فأراد أن يدنو منهم، فإذا انقضى الأمد غزاهم، فإذا شيخٌ على دابةٍ يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاءٌ لا غدرٌ، إن رسول الله - ﷺ - قال: فذكر الحديث، فبلغ ذلك معاوية فرجع، وإذا الشيخ: عمرو بن عبسة. =
[ ٢٩٤ ]
بينه وبين قوم عهدٌ، فلا يَشُدَّ عُقدةً ولا يحُلَّها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء» . وخرَّجه الترمذي كذلك، وقال فيه: حسنٌ صحيح.
قوله: «ينبذ إليهم على سواء»؛ أي: يعلمهم أنه يريد أن يغزوهم، وإن الصلح الذي كان بينهم قد ارتفع، فيكون الفريقان في ذلك على السواء.
وقوله في حديث أبي بكرة: «من قتل معاهدًا من غير كُنْهه»؛ معناه: في غير وجهه ووقته. وفي معنى آخر: كنه الشيء: غايته.
وأجمع المسلمون على وجوب الوفاء بعقد الأمان، وتحريم الخيانة فيه، ثم اختلفوا فيما يشترط في صفة من يصح منه عقد الأمان، فنذكر ذلك أولًا، ثم نذكر صفة التأمين، وما به يقع من قولٍ أو عملٍ، ثم ما يجوز من الخديعة في الحرب، والفرق بينه وبين ما يكون له حكم الأمان، ثم انقسام عقود الأمان في الخصوص والعموم، وما لكل واحدٍ منهما من الأحكام -إن شاء الله تعالى-، وبه التوفيق.
_________________
(١) = ويشهد له حديث أبي هريرة عند البخاري (٣٦٩) في الصلاة، و(٣١٧٧) في الجزية (باب كيف يُنبذ إلى أهل العهد)، وفيه قال أبو هريرة: بعثني أبو بكر -﵁- فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان ، فَنَبَذَ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه النبي - ﷺ - مشرك. وقد نقل الحافظ في «الفتح» (٦/٢٧٩) عن الأزهري قوله: المعنى: إذا عاهدت قومًا، فخشيت منهم النقض، فلا توقع بهم بمجرد ذلك، حتى تعلمهم. قلت: وقال أبو عبيد في «الأموال»: قال يزيد (يعني ابن هارون أحد رواة الحديث): لم يرد معاوية أن يغير عليهم قبل انقضاء المدة، ولكنه أراد أن تنقضي وهو في بلادهم، فيغير عليهم وهم غارُّون، فأنكر ذلك عمرو بن عبسةَ، إلا أن لا يدخل بلادهم حتى يُعلمهم ويُخبرهم أنه يريد غزوهم. قال أبو عبيد: وكذلك فعل رسول الله - ﷺ - بكل من كان بينه وبينه عهدٌ إلى مدة ثم انقضت، وزادهم في الوقت -أيضًا-، وبذلك نزل الكتاب. قلنا: هو قوله -تعالى- في سورة [الأنفال: ٥٨]: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ .
[ ٢٩٥ ]
فصلٌ: في صفة من يصح منه عقد الأمان
اتفق أهل العلم على أن الحُرَّ البالغ العاقل إذا أمَّنَ؛ صحَّ تأمينه (١)، واختلفوا في العبد والمرأة والصبي؛ إذا كان يعقل الأمان.
فأما المرأة؛ فجمهور أهل العلم على أن أمان المرأة الحرة جائزٌ كالرجل، وهو قول مالكٍ، وأبي حنيفة، والشافعي، وأصحابهم، والثوري، والأوزاعي، وأبي ثور، وابن حنبل، وإسحاق، وداود، وغيرهم (٢) .
وذهبت طائفة إلى أن أمان المرأة موقوفٌ على إجازة الإمام، رُوي عن خالد ابن الوليد، وعمرو بن العاص ما يدلُّ على ذلك (٣)، وبه قال من أصحاب مالك:
_________________
(١) حكى الإجماع: ابن المنذر في «الإجماع» (ص ٦١)، و«الأوسط» (١١/٢٥٨)، وابن حزم في «مراتب الإجماع» (١٢١)، وانظر: «موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي» (١/١٥١) .
(٢) انظر في مذهب المالكية: «التلقين» (١/٢٤٥)، «المعونة» (١/٦٢٣)، «المدونة» (١/ ٥٢٥- ط. الكتب العلمية)، «الرسالة» (ص ١٩٠)، «الذخيرة» (٣/٤٤٤)، «الكافي» (١/٤٦٩)، «أسهل المدارك» (٢/١٧)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٧٩)، «النوادر والزيادات» (٣/٧٩، ٨٠)، «المنتقى» (٣/١٧٣)، «بداية المجتهد» (١/٦٥٥-٦٥٦)، «تهذيب المسالك في نصرة مذهب الإمام مالك» (٣/٥٧٩)، «عيون المجالس» (٢/٧٠٩) . وفي مذهب الشافعية: «الأم» (٧/٣٧٠)، «مختصر المزني» (ص٢٧٢)، «الحاوي الكبير» (١٨/ ٢٢٣)، «منهاج الطالبين» (٣/٢٨٠)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٧٩)، «العزيز» (١١/٤٥٦)، «مغني المحتاج» (٤/ ٢٣٧)، «الأوسط» (١١/٢٦١، ٢٦٢) . وفي مذهب الحنفية: «الهداية» (٢/٤٣١)، «البناية» (٥/٦٧٦)، «اللباب» (٤/١٢٦)، «شرح فتح القدير» (٥/٤٦٢) . وفي مذهب الحنابلة: «المغني» (١٣/٧٥، ٧٦)، «المقنع» (١٠/٣٤١- مع «الشرح الكبير» و«الإنصاف»)، «منتهى الإرادات» (٢/٢٣٤)، «الكافي» (٤/٣٣٠)، «الفروع» (٦/٢٢٧) . وانظر لبقية المذاهب المذكورة: «اختلاف الفقهاء» (٢٥)، «الأوسط» (١١/٢٦٢)، «عمدة القاري» (١٥/٩٣)، «تفسير القرطبي» (٨/٧٦)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤١٠)، «موسوعة فقه سفيان الثوري» (١٨٢)، «فقه الإمام أبي ثور» (ص ٧٩١) .
(٣) أخرجه أحمد (٥/٢٥٠) من حديث أبي أمامة. =
[ ٢٩٦ ]
عبد الملك بن الماجشون، وسحنون (١) .
فالحجة للجمهور: عموم ما تقدم من آي القرآن في الأمر بالوفاء والنهي
_________________
(١) = وأخرجه ابن أبي شيبة (١٢/٤٥٢ رقم ١٥٢٣٥)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٥٥، ٢٥٦ رقم ٦٦٥٧ و٦٦٥٨)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/٨٩-٩٠ رقم ١٩٥٠٦)، من طريق حجاج ابن أرطاة، عن الوليد بن أبي مالك، عن عبد الرحمن بن مسلمة: أنَّ رجلًا أمَّن قومًا، وهو مع عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وأبي عبيدة بن الجراح، فقال عمرو وخالد: لا نُجير من أجار، فقال أبو عبيدة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يجير على المسلمين بعضهم» . وحجّاج: هو ابن أرطاة صدوق، كثير الخطأ والتدليس. والمعروف عن عمرو بن العاص خلاف ذلك. فقد روى: ابن ماجه (رقم ٢٦٨٥)، وابن أبي شيبة (١٢/٤٥٥ رقم ١٥٢٤٦)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٥٦/٦٦٥٩)، والبيهقي (٩/٩٤)، عنه فرفعه: «يجير على المسلمين أدناهم، ويرد على المسلمين أقصاهم» . ورواه أحمد (٢/١٨٠)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٥٧ رقم ٦٦٦١) مطولًا. وانظر: «المطالب العالية» (٢/١٧٣) . وأخرجه الطيالسي (١٠٦٣) عن عمرو بن العاص بسندٍ ضعيف فيه رجل مبهم. ورواه أحمد (٢/٣٦٥)، والبيهقي (٩/٩٤) وغيرهما، من حديث أبي هريرة رفعه: «يجير على المسلمين أدناهم» . ورواه من حديث أبي عبيدة: «يجير على المسلمين بعضهم» . وانظر: «التلخيص الحبير» (٤/١١٧، ١١٨) .
(٢) انظر: «الكافي» لابن عبد البر (١/٤٦٩)، وقال في «الاستذكار» (١٤/٨٨): وكان ابن الماجشون وسحنون يقولان: أمان المرأة موقوف على إجازة الإمام لها، فإن أجازه لها جاز، فهو قول شاذ، لا أعلم قال به غيرهما من أئمة الفتوى، وقد روي معنى قولهما عن خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص. وقال ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٦٢): لا أحفظ ذلك عن غيره -أي: عن عبد الملك بن الماجشون صاحب مالك-، سئل عبد الملك عن الأمان إلى من هو؟ فقال: ذاك إلى الأئمة، ووالي الجيش، ووالي السرية والجيش، قيل: فما جاء أنه يجير على المسلمين أدناهم ويرد عليهم أقصاهم، وما جاء في أمر أم هانىء ومن أجارت؟ فقال: لعلَّ الذي جاء من ذلك إنما كان بعد ما باتت وجوهه، وعلم أنه في تلك الحال أولى، وهو المصلح الإسلام وأهله، ولعل ذلك في ذلك الوقت خاصَّة، فأما أمر الأمان فهو إلى الإمام، وهو فيما أعلم من أعظم ما استعمل له. ثمَّ ردَّ ابن المنذر هذا القول. وانظر: «الإجماع» له، «فتح الباري» (٦/٢٧٣)، «نيل الأوطار» (٨/١٨١) .
[ ٢٩٧ ]
عن الخيانة مطلقًا، وما خرَّجه البخاري (١) عن عليٍّ قال: ما كتبنا عن النبي - ﷺ - إلا القرآن، وما في هذه الصَّحيفة، قال النبي - ﷺ -: «المدينة حرامٌ، ما بين عائِرٍ إلى ثور (٢)، فمن أحدثَ حَدثًا، أو آوى مُحدثًا؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس
أجمعين، لايُقبلُ منه عدلٌ ولا صَرف، وذمَّة المسلمين واحدة؛ يسعى بها أدناهم، فمن أخْفرَ مُسلمًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يُقبل منه صرفٌ ولا عدل، ومن والى قومًا بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه صَرفٌ ولا عَدْلٌ» .
فالمرأة داخلة في قوله - ﷺ -: «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم» .
وحديث أم هانىء؛ خرّجه مالكٌ في «موطئه»، والبخاري، وغيرهما (٣)، وخرّجه أبو داود (٤) مختصرًا، عن ابن عباسٍ قال: حدثتني أم هانىء بنت أبي طالب، أنها أجارت رجلًا من المشركين يوم الفتح، فأتت النبي - ﷺ -، فذكرت ذلك له، قال: «قد أجرْنَا من أجَرْتِ، وأمَّنَّا من أمَّنتِ» .
وخرَّج -أيضًا- (٥) عن عائشة قالت: «إن كانت المرأة لَتُجير على المؤمنين
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الجزية والموادعة (باب إثم من عاهد ثم غدر) (رقم ٣١٧٩) .
(٢) في البخاري: (كذا) . بدل: (ثور) .
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الغسل (الوضوء) (باب التستر في الغُسل عند الناس) (رقم ٢٨٠)، ومسلم في كتاب الحيض (باب تستر المغتسل بثوبٍ ونحوه) (٢٣٦)، ولم يسوقا لفظه. وأخرجه البخاري في كتاب الصلاة (باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به) (رقم ٣٥٧)، وفي كتاب الجزية والموادعة (باب أمان النساء وجوارهن) (رقم ٣١٧١)، وفي كتاب الأدب (باب ما جاء في زعموا) (رقم ٦١٥٨)، ومالكٌ في «الموطأ» في كتاب الصلاة (باب صلاة الضحى) (رقم ١٦٤- ط. دار إحياء التراث العربي)، من حديث أبي مُرَّة -مولى عقيل بن أبي طالب- عن أم هانىء، به.
(٤) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في أمان المرأة) (رقم ٢٧٦٣)، من حديث ابن عباس عن أم هانىء مختصرًا.
(٥) أي: أبو داود في «سننه» . الكتاب والباب السابقان (رقم ٢٧٦٤) . وأخرجه النسائي في «الكبرى» -كما في «تحفة الأشراف» (١١/١٥٩٦٨) -، وابن أبي شيبة (١٢/=
[ ٢٩٨ ]
فيجوزُ» . وهذا نصٌّ في ذلك.
وخرَّج الترمذي (١) عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «إن المرأة لتأخذ للقوم»، يعني: تجير على المسلمين. قال فيه: حسن غريب.
ومستند من منع تأمين المرأة يحتمل أن يكون لأنها ليست من أهل القتال، فلم يكن لها تصرف في الأمان، وتأويلهم في حديث أم هانىء، قالوا: لو كان تأمينها جائزًا على كل حالٍ دون إذن الإمام؛ ما أراد عليٌّ قتل من أمَّنتْهُ، وهو قد حرُم بتأمينها دمُه. قالوا: ولو كان كذلك؛ لقال رسول الله - ﷺ - في الجواب عن ذلك قولًا مُسْتقلًاّ يعمُّ أمانَ النساء، وإنما جاوبها على الخصوص في ذلك، إنما قال: «قد أجَرنا من أجرتِ، وأمَّنَّا من أمنتِ»، فهو دليل على أن أمان المرأة موقوفٌ على إجازة الإمام أو ردِّه، وذلك من تأويلهم واستدلالهم ضعيف، لا يُقْدَمُ بمثله على ردِّ الأخبارِ الثابتة. وأيضًا، فيقال في الردِّ على ما أوَّلوه من حديث أم هانىء:
أمَّا عليٌّ -﵁-، فيحمل على أنه لم يكن بَعْدُ عَلِمَ الحكم في ذلك حتى علَّمه رسول الله - ﷺ -، الذي بعثه الله مبيِّنًا ومعلِّمًا للناس أجمعين.
وأما قوله - ﷺ -: «قد أجرنا من أجرتِ، وأمَّنا من أمنتِ»، ولم يقل قولًا يعمُّ أمان جميع النساء، فهذا لا يلزم؛ لأن في غير هذا الحديث ما يدلُّ عليه، وأما هنا
_________________
(١) = ٤٥٣)، وعبد الرزاق (٥/٢٢٣ رقم ٩٤٣٧)، والطيالسي (١/٢٤٠- «منحة المعبود»)، وسعيد بن منصور (٢/٢٥١ رقم ٢٦١١)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٦١ رقم ٦٦٦٨)، والبيهقي (٩/٩٥)، وفي «معرفة السنن والآثار» (١٣ رقم ١٨١١٥)، وهو صحيح.
(٢) في «جامعه» في كتاب السير (باب ما جاء في أمان العبد والمرأة) (رقم ١٥٧٩) . وأخرج نحوه ابن أبي شيبة (١٢/٤٥٥)، أحمد (٢/٣٦٥)، وابن عدي في «الكامل» (٦/٢٠٨٨)، والحاكم (٢/١٤١)، والبيهقي (٩/٩٤)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/٩٠ رقم ١٩٥٠٨) . ولفظ أحمد: «يُجير على أمتي أدناهم» . وقال الترمذي: حسن غريب. وسألت محمدًا (يعني: البخاري) فقال: هذا حديث صحيح. وانظر: «صحيح سنن الترمذي» لشيخنا الألباني -رحمه الله تعالى -.
[ ٢٩٩ ]
فيحتمل أن يكون النبي - ﷺ - قصد تأنيسها بما لها في تخصيص الخِطاب بذلك من اللُّطف بعد الطَّاريء عليها من الاستحقار لتأمينها، وكان - ﷺ - بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، والقاطع في هذا قوله - ﷺ -: «ذمَّة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم» (١)، وغير ذلك من الآثار الثابتة في الباب.
فصلٌ
وأما العبد، فذهب مالكٌ، والشافعي، وأصحابهما، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود؛ إلى جواز تأمينه كالحرِّ (٢)، وقال
أبو
_________________
(١) مضى قريبًا من حديث علي -﵁-، وهذا قطعة منه.
(٢) انظر في مذهب المالكية: «الكافي» (١/٤٠٤)، «النوادر والزيادات» (٣/٨٠)، «المعونة» (١/٦٢٣)، «التلقين» (١/ ٢٤٤)، «التفريع» (١/٣٦١)، «المدونة» (١/٤٠٠-٤٠١)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٧٩)، «تهذيب المسالك في نصرة مذهب الإمام مالك» (٣/٥٧٩)، «الشرح الصغير» (٢/١٧٢)، «الذخيرة» (٣/٤٤٤)، «أسهل المدارك» (٢/١٧)، «حاشية العدوي» (٢/٨) . وقال القاضي عبد الوهاب في «عيون المجالس» (٢/٧٠٨ المسألة رقم ٤٦٢): ولم أجد لمالكٍ -﵀ - نصًا في أمان العبد المشرك. وانظر في مذهب الشافعية: «الأم» (٤/٢٣٩، ٣٠٢)، «المهذب» (٢/٢٣٦)، «الوجيز» (٢/ ١٩٤)، «التنبيه» (٢٣٣)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٧٩)، «المنهاج» (ص ١٣٨)، «الحاوي الكبير» (١٨/٢٢٥)، «مغني المحتاج» (٤/٢٣٧)، «حلية العلماء» (٧/٦٥٢)، «مختصر الخلافيات» للبيهقي (٥/ ٤٩ المسألة رقم ٣١٥)، «رحمة الأمة» (٢/١٦٣) . وانظر في مذهب الحنابلة: «المغني» (١٣/٧٥-٧٦)، «المقنع» لابن البنا (٣/١١٦٨-١١٦٩)، «شرح الزركشي» (٦/٤٨٤)، «المحرر» (٢/١٨٠)، «الإنصاف» (٤/٢٠٣)، «رؤوس المسائل الخلافية» للعكبري (٥/٧٠٥) . وقال الليث: أرى أن يُجاز جواره، أو رُدَّ إلى مأمنه. ونقل ابن أبي زيد القيرواني في «النوادر» (٣/٨٠)، عن الليث قوله: إذا أمَّن العبد رجلًا من العدو، فليرده إلى مأمنه. وانظر لسائر مذاهب المذكورين: «اختلاف الفقهاء» (٣٠) للطبري، «الأوسط» لابن المنذر (١١/٢٥٩)، «الاستذكار» (١٤/٨٩) لابن عبد البر، «تفسير القرطبي» (٨/٧٦)، «عمدة القاري» (١٥/ =
[ ٣٠٠ ]
حنيفة: أمانُه غير جائز، إلا أن يكون العبد فيمن يقاتل، وهو قول أبي يوسف، وخالفهما محمد بن الحسن، فقال بقول الجماعة (١)، ويُحْكَى مثل قول أبي حنيفة
_________________
(١) = ٩٣)، «فقه الإمام أبي ثور» (٧٩١)، «موسوعة فقه سفيان الثوري» (١٨٢) .
(٢) انظر: «شرح السير الكبير» (١/٢٥٥، ٢٥٦)، «الاختيار» (٣/٧٩)، «القدوري» (ص ١١٤)، «اللباب» (٤/١٢٦)، «فتح القدير» (٥/٤٦٥)، «مختصر الطحاوي» (ص ٢٩٢)، «المبسوط» (١٠/ ٢٦، ٧٠)، «تحفة الفقهاء» (٣/٢٦٩)، «الهداية» (٢/٤٣٢)، «الدر المختار» (٤/١٣٥- مع حاشية ابن عابدين) . وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/٨٩): «واختلف على أبي يوسف في ذلك، وقال محمد ابن الحسن: يجوز أمانُه، وإن لم يُقاتِل» . وبقول أبي حنيفة قال سحنون: انظر: «المنتقى» (٣/١٧٣ و٧/١٠٦) . ودليل الحنفية: أن الأمان من القتال، والعبد المحجور عليه لا يملك القتال، فكذلك لا يملك الأمان. وانظر: «رؤوس المسائل» للزمخشري (ص ٣٦٥ المسالة رقم ٢٤٣) . وذكره أبو بكر ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٥٩-٢٦٠) عن أبي حنيفة وأبي يوسف، قال: «قالا: وأما الأجير، أو الوكيل، او المستوفي إذا كانوا أحرارًا، فأمانهم جائز؛ قاتلوا أو لم يقاتلوا» . ثم قال: «واللازم لهم إذا كانوا يجيزون أمان الأجير وإن لم يقاتل، وكان في خدمة صاحبه، أن يكون كذلك أمان العبد يلزم، وإن لم يقاتل، وإن كان المعنى في العبد أن يقاتل، فالأجير الذي لم يقاتل؛ لم يُجَوَّزْ أمانُه» . قال: «وبظاهر خبر رسول الله - ﷺ - نقول، وهو قوله: «يسعى بذمتهم أدناهم»، وقوله: «يجير عليهم أدناهم»، وليس في شيء من الأخبار: قاتل أو لم يقاتل، وكذلك لما أجاز عمر ابن الخطاب أمان العبد المسلم؛ لم يذكر قاتل أو لم يقاتل، ولو كان بَيْن ذلك فرقٌ لذكره، وهم (أي: الحنفية) قد يجيزون أمان المرأة؛ وإن لم تقاتل، وأمان الرجل المريض والجبان؛ وإن لم يقاتلوا، وقولهم خارج عن ظاهر الأخبار، مخالفٌ لها، والله أعلم» . قلت: وأثر عمر، أخرجه عبد الرزاق (٥/٢٢٢- ٢٢٣ رقم ٩٤٠٢)، وابن أبي شيبة (٧/٦٨٩- ط. دار الفكر)، وسعيد بن منصور (٢/٢٧٤، ٢٧٥ رقم ٢٦٠٨، ٢٦٠٩)، والشافعي في «الأم» (٧/ ٣٧٠)، والبيهقي (٩/٩٤)، وفي «معرفة السنن والآثار» (١٣ رقم ١٨١٠٨)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٥٨-٢٥٩ رقم ٦٦٦٣)، وأبو عبيد في «الأموال» (ص ٢٤٣ رقم ٥٠٠، ٥٠١)، وابن الجوزي في «التحقيق» (١٠/١٧٠ رقم ٢٢٧٤) بأسانيدهم إلى فضيل بن زيد الرقاشي -وهذا لفظ سعيد بن منصور-، قال: حاصرنا حصنًا على عهد عمر بن الخطاب -﵁-، فرمى عبدٌ منَّا بسهمٍ فيه أمانٌ، فخرجوا، فقلنا: ما أخرجكم؟ فقالوا: أمنتمونا، فقلنا: ما ذاك إلا عبدٌ، ولا نجيز =
[ ٣٠١ ]
عن سحنون من أصحاب مالك (١) .
فالحجة فيما ذهب إليه الجمهور من جواز تأمين العبد: عموم آي القرآن في إيجاب الوفاء، وتحريم الخيانة، وقوله - ﷺ -: «ذِمّة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا؛ فعليه لعنة الله»، فالعبد المسلم داخل في ذلك من غير إشكال، ووجه المنع عند من لم يُجِزْهُ؛ قال الباجي (٢): إنه محجورٌ عليه، فلم يَجُزْ تأمينه، كالطِّفل، والذي لا يَعقل، وتمامه أن يُقال: فإذا أذن له فقاتل ارتفع المانع؛ فجاز، وهذا كله ضعيف جدًّا.
فصلٌ
وأما الصبي، فلا وجه للقول بجواز تأمينه، وإن عقل الأمان؛ لأنه غير مخاطب بأفعاله، وأقوالُه غير معتبرة (٣) .
_________________
(١) = أمره، فقالوا: ما نعرف العبد منكم من الحُرّ، فكتبنا إلى عمر -﵁- نسأله عن ذلك، فكتب: إن العبد رجلٌ من المسلمين، ذمته ذمتكم. وذكره الحافظ في «التلخيص الحبير» (٤/١٢١/رقم ١٩١٠) وعزاه للبيهقي بسندٍ صحيح. وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/٨٩): «وعن عمر من طرق أنه أجاز أمان العبد، ولا خلاف في ذلك بين السَّلف إلا ما خر ج مخرج الشذوذ» . وانظر: «فتح الباري» (٦/٢٧٥) .
(٢) مذهب سحنون: إذا أشرفوا -أي: المسلمين- على فتحه -أي: حصن المشركين- قاهرين له، فلا يُقبل قول العبد بعد أن صاروا بأيدي المسلمين، ولا قول لهم. وكذلك لو قال ذلك رجلٌ حرٌّ مسلمٌ حتى يثبت ذلك برجلين: أن العبد أو الحرَّ أمَّنهم، فيكون الإمام المقدّم في إجازة ذلك أو ردِّه. وانظر: «النوادر والزيادات» (٣/٨٠) . ونقل ابن شاس في «عقد الجواهر» (١/٤٧٩) عنه؛ أنه قيد أمان العبد بإذن سيده. وقال -أيضًا-: ورُوي عن معن بن عيسى -وهو ربيب الإمام مالك ومن أصحابه-؛ أنه لا يصح أمان العبد.
(٣) في «المنتقى» (٣/١٧٣)، وذكر هذا توجيهًا لرواية معن بن عيسى عن مالك أنه قال: لا يصح أمان العبد. قال معن: وما سمعت فيه شيئًا.
(٤) قال ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٦٣ رقم ١٩٢٢): وأجمع كل من نحفظ عنه من =
[ ٣٠٢ ]
وقد رُوي عن ابن القاسم جواز تأمينه إذا عقل الأمان، وعن سحنون قال: إن أجازه الإمام في المقاتلة جاز تأمينه (١)، وكل ذلك بعيدٌ لا أصل له، ولو جاز مثل
_________________
(١) = أهل العلم أن أمانَ الصبي غير جائز. وممن حفظت عنه ذلك: سفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقال في كتابه «الإجماع» (رقم ٢٤٨): وأجمعوا على أن أمان الصبي؛ غير جائز. ونقله الإجماع فيه نظر؛ قال ابن قدامة في «المغني» (١٣/٧٧-ط. هَجَر): «فأمَّا الصبي والمميز، فقال ابن حامد: فيه روايتان: إحداهما: لا يصحُّ أمانه، وهو قول: أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه غير مكلف، ولا يلزمه بقوله حكمٌ، فلا يلزم غيره، كالمجنون. والرواية الثانية: يصح أمانه، وهو قول: مالك. وقال أبو بكر: يصح أمانه، روايةً واحدةً. وحمل رواية المنع على غير المميز، واحتج بعموم الحديث؛ لأنه مسلم مميِّز، فصح أمانه، كالبالغ، وفارَقَ المجنون، فإنه لا قول له أصلًا» . اهـ كلامه. وقوله: بعموم الحديث، أي حديث: «ذمة المسلمين واحدة » . وقال في موطن آخر: ولا يصح أمان مجنون ولا طفل؛ لأن كلامه غير معتبر، ولا يثبت به حكم. فكلام ابن المنذر يشعر بأنَّ أمان الصبي غير المميِّز؛ غيرجائز، وأما المميز ففيه الخلاف المنقول آنفًا، وكلام ابن حجر في «الفتح» (٦/٢١٠) فيه التفرقة بين المراهق وغيره. فمذهب المالكية والحنابلة: أنه يصح أمانه، إذا كان يعقل. وانظر في مذهب المالكية -على سبيل المثال-: «النوادر والزيادات» (٣/٧٨)، «الذخيرة» (٣/ ٤٤٤)، «الكافي» (١/٤٦٩)، «عقد الجواهر» (١/٤٧٩)، «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٢/ ١٨٥)، وتقريرات الشيخ محمد عليش المالكي بهامش الحاشية، «حاشية العدوي» (٢/٨) . وانظر: «حلية العلماء» (٧/٦٥٢) . وفي مذهب الحنابلة، انظر: «المغني» (١٣/٧٧)، «شرح الزركشي» (٦/٤٨٦)، «الإنصاف» (٤/ ٢٠٣)، «الهداية» (١/ ١١٦)، «الكافي» (٣/٢٣١)، «المقنع» (١/٥١٦)، «الفروع» (٦/٢٤٧)، «المبدع» (٣/٣٨٩)، «شرح المنتهى» (٢/١٢٢)، «كشاف القناع» (٣/٩٦)، «مطالب أُولي النُّهى» (٢/٥٧٧) . أما عند الحنفية والشافعية: لا يصح أمانه، ما لم يكن بالغًا. انظر في مذهب الحنفية: «مختصر الطحاوي» (٢٩٢)، «تحفة الفقهاء» (٣/٢٩٦)، «الهداية شرح بداية المتبدي» (٢/ ٤٣٢) . وفي مذهب الشافعية: «الأم» (٤/٣٠٢)، «مختصر المزني» (ص ٢٧٢)، «روضة الطالبين» (٧/٤٧٢)، «الحاوي الكبير» (١٨/٢٢٦)، «التذكرة في الفقه الشافعي» (ص ١٥٥) .
(٢) انظر: «عقد الجواهر» (١/٤٨٠)، «المعونة» (١/٦٢٤)، «المدونة» (١/٤٤٠)، «النوادر =
[ ٣٠٣ ]
هذا لجاز أمان المجنون، لكن الأوْلى في تأمين الصبي إن نزلَ عليه الحربيُّ يَظُنُّه عاملًا عند المسلمين أن ينظر فيه الإمام، فإن رأى إجازته وإلاَّ ردَّه إلى مأمنه، وكذلك كل تأمينٍ وقعَ فيه غَلَطٌ على المسلمين، أو فسادٌ في العقد، أو كان ممن لا يجوز تأمينه، فإذا فسخ ذلك، رُدَّ الحربي إلى مأمنه، ولا يُغتال؛ للعلة التي نذكُرها بَعْدُ -إن شاء الله-، في صفة التأمين، ووجوب الوفاء به.
فصلٌ
الذِّميُّ يكون مع المسلمين، فيجير مشركًا؛ فذلك باطلٌ لا حكم له، لأن التأمين الذي يلزم المسلمين الوفاء به؛ هو: ما عقدوه، أو عقده واحدٌ منهم؛ يدل على ذلك ظواهر الكتاب والسنَّة، ومن جهة النظر أنه كافر، غير مأمونٍ في الدِّين، ولا ناصحٍ لجماعة المسلمين، فلم يلزمهم تأمينه، كالحربي. وأما قوله - ﷺ -: «ذمَّة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا؛ فعليه لعنة الله»، فهو
كالنصّ أن ذلك لا مدخل فيه لكافر، وأيضًا فهو مما لا خلاف فيه، إلا شيء وقع لقومٍ لما خشوا بعض الأمر، فتحرَّجوا منه. حكى ابن المنذر: قال إسماعيل بن عياش: سمعت أشياخنا يقولون: لا جوار للصبي، والمعاهد، فإن أجاروا فالإمام مخيَّرٌ، فإن أحبَّ أمضى جوارهم، وإنْ أحبَّ ردَّه، فإن أمضاه فهو ماضٍ، وإن لم يمضه، يعني: ردَّه إلى مأمنه.
قال ابن المنذر: وقد رُوينا عن الأوزاعي أنه قال: إن كان غزا مع المسلمين، فإن شاء الإمام أجاره، وإن شاء ردَّه إلى مأمنه (١) . وفي كتب المالكية (٢)، عن ابن
_________________
(١) = والزيادات» (٣/٨٠) .
(٢) كلامه هذا، والكلام السابق في كتابه: «الأوسط» (١١/٢٦٣) . وانظر: «الأم» للشافعي (٤/٣٠٢)، و«عمدة القاري» (١٥/٩٣)، و«الفتح» (٦/١٧٢)، و«نيل الأوطار» (٨/٢٥)، و«فقه الإمام الأوزاعي» للدكتور عبد الله الجبوري (٢/٤١١) .
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٨١)، «الذخيرة» (٣/٤٤٤-٤٤٥)، «الكافي» (١/٤٦٩) .
[ ٣٠٤ ]
القاسم، في الحربيِّ ينزل على أمان الذِّمِّي، يقول: ظننتُ أنه مسلمٌ، فقال مَرَّةً: لا سبيل إليه، وأمره إلى الإمام، إن أحبَّ أتم له عهده، وإلا ردَّه إلى مأمنه، وقال مَرَّة: لا أمان له، وهو فَيءٌ للمسلمين، علم أنه ذمي أو لم يعلم، ولم يعذره هو ولا غيره من أصحاب مالك إذا علم أنه ذمي، وقال: ظننتُ أن له جوارًا لموضع ذمتكم، قالوا: لا أمان له، وقد صار فيئًا (١)، ورأى اللَّخمي ذلك مشكلًا، فقال: يُردُّ إلى مأمنه -أيضًا-.
* مسألة:
اختلفوا فيما به يثبت تأمين من زعم من المسلمين أنه أمَّن مشركًا؛ فقال الأوزاعي (٢): إذا قال رجلٌ من المسلمين: إني قد أمنتهم؛ جاز أمانه عليهم، فإن رسول الله - ﷺ - قال: «ويعقد عليهم أدناهم»، ولم يقل: إن جاء على ذلك ببيِّنة؛ وإلا؛ فلا أمان له؛ لأنه أخبر عن نفسه.
وإليه ذهب من أصحاب مالك: ابن القاسم وغيره (٣) .
وقال أبو حنيفة (٤): إذا صاروا في الغنمية وقال رجل: قد كنت أمَّنتهم قبل أن
يؤخذوا، لم يصدق على ذلك، كأنه يريد: من حيث تعلق حقِّ أهل الغنيمة بهم، فلم يكن اعترافه عاملًا عليهم، ومُتْلِفًا ما وجب لهم، وإليه ذهب سحنون، وقال الشافعي (٥): يقبل قوله فيهم قبل أن يصيروا في أيدي المسلمين، فإن صاروا في
_________________
(١) وقال ابن يونس -من المالكية-: وهو ضعيف -أي: هذا القول الأخير-، قال: والأشهر: ردُّهم إلى مأمنهم في هذا كلِّه. وقيده ابن سحنون بإجازة أمير الجيش للذميِّ بالأمان. انظر: «الذخيرة» (٣/٤٤٤) . وقال ابن شاس في «الجواهر» (١/٤٨٠): وقيل في الكافر: يصح أمانه؛ لأن له ذمة، فكان تابعًا للمسلمين. ونقله عنه القرافي في «الذخيرة» . وهذا القول ضعيفٌ عندهم، وقد نقله بصيغة التمريض.
(٢) نقل ذلك عنه الشافعي في «الأم» (٧/٣١٧)، ومنسوب له في «الرد على سير الأوزاعي» (٦٣)، وابن جرير في «اختلاف الفقهاء» (٤٢) . وانظر: «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤١٤) .
(٣) انظر: «الذخيرة» (٣/٤٤٥)، «النوادر والزيادات» (٣/١٢٨)، «الخرشي» (٣/١٢٣) .
(٤) انظر: «بدائع الصنائع» (٧/١٠٧)، «الفتاوى الهندية» (٢/١٩٨) .
(٥) انظر: «الحاوي الكبير» (١٤/١٩٩)، «روضة الطالبين» (٧/٤٧٢) . =
[ ٣٠٥ ]
أيدي المسلمين؛ لم تقبل شهادة الرجل على فعل نفسه، ولكن إن قام شاهدان على أن أحدًا من المسلمين أمَّنهم قبل أن يصيروا أسرى؛ فهم آمنون أحرارٌ، قال: وإذا أبطلنا شهادة الذي أمَّنَهُم، فحقه منهم باطل، لا يكون له أن يملكه، وقد زعم أن لا ملك له عليه (١) .
فصلٌ: في صفة التأمين وما به يقع من قولٍ أو عمل
قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]، وقال -سبحانه-: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ. وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ١٩-٢٠] .
وعن أبي وائلٍ قال: كتب إليَّ عمر بن الخطاب فقال: «وإذا لقي الرجلُ الرجلَ فقال: مَتَّرْسْ؛ فقد أمَّنه، وإذا قال: لا تخف؛ فقد أمَّنه، وإذا قال: لا تدْهل، فقد أمَّنه، إن الله يعلم الألسنة» (٢) .
_________________
(١) = ومذهب الحنابلة في ذلك، أنه إذا وجد الأمان من آحاد المسلمين لكافرٍ بعد الأسر: صحَّ أمانه. واستدلوا بقصة أبي موسى الأشعري لما فتح مدينة (تُستر) أخذ (الهرمزان) فأنفذه إلى عمر، فقال عمر: لا بأس عليك، ثم همَّ بقتله. فقال له أنس: ليس لك ذلك، هذا وقد أمنته، فتركه. قالوا: هذا أمانٌ بعد الأسر. قلت: هذه القصة أخرجها: سعيد بن منصور (٢/٢٩٥ رقم ٢٦٧٠)، وابن أبي شيبة (١٢/ ٤٥٦-٤٥٧ رقم ١٥٢٤٩)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/٩٦)، وأبو عبيد في «كتاب الأموال» (ص ١٢٢ رقم ٣٠٤)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٦٥ رقم ٦٦٧١) . والقصة صحيحة. وانظر: «المغني» (١٣/٧٧-٧٨)، «المقنع» لابن قدامة (١/٥١٦) .
(٢) الكلام السابق -برمته- في كتاب «الأوسط» لابن المنذر (١١/٢٧٤) باب: ذكر الشهادة على الأمان.
(٣) علَّقه البخاري في كتاب الجزية والموادعة (باب إذا قالوا: صبأنا ولم يحسنوا أسلمنا) (٦/ ٢٧٤- «الفتح») . وذكره مختصرًا دون قوله: «وإذا قال: لا تدهل، فقد أمَّنه» . ووصله عبد الرزاق (٥/٢١٩-٢٢٠ رقم ٩٤٢٩)، وابن أبي شيبة (١٢/٤٥٨-٤٥٩ رقم ١٥٢٥٤)، وسعيد بن منصور (٢/٢٧١ رقم ٢٥٩٩)، والبيهقي (٩/٩٦) كلهم من طريق الأعمش، =
[ ٣٠٦ ]
قيل: معنى مَتَّرْس -بالفارسية-: لا تخف، وكذلك: لا تدْهل -بالقبطية- بمعنى: لا تخف.
وروى ابن المنذر (١) مسندًا إلى عمر بن الخطاب أنه قال: «والله لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى السماء إلى مشرك، فنزل إليه على ذلك، فقتله؛ لقتلته به» .
وروى عبد الملك بن حبيب: حدثني الأوسي وعليُّ بن مَعبد، عن إسماعيل ابن عيَّاش، عن الأحوص بن حكيم، أن عمر بن الخطاب كتب: «أما بعد؛ فإن أشار رجلٌ إلى عدوه بيده إلى السماء، فقال: والله لئن نزلتَ لأقتلنك، فنزل على ذلك فلا يقتله، فإنَّما نزل حين أشار بيده إلى السماء، وذلك عهده» (٢) .
_________________
(١) = عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عمر. وكلمة: (مترس): بفتح الميم وتشديد المثناة وإسكان الراء بعدها مهملة. ووقع في موطأ مالك (رقم ٥١٩- رواية يحيى الليثي- ط. دار إحياء التراث العربي): مطرس. بالطاء، بدل المثناة، قال ابن قرقول في «مطالع الأنوار» (ق ٣١١): «هي كلمة أعجمية» . ونقله عنه الحافظ في «فتح الباري» (٦/٢٧٥)، ثم قال: والظاهر أن الرواي فخَّم المثناة، فصارت تشبه الطاء، كما يقع عند كثير من الأندلسيين.
(٢) في كتابه «الأوسط» (١١/٢٦٤) من طريق سعيد بن منصور، عن أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، قال: قال عمر: فذكره. وهو في «سنن سعيد بن منصور» (٢/٢٧٠ رقم ٢٥٩٧) . وروى مالك (رقم ٥١٩- رواية يحيى الليثي) نحوه، عن رجل مبهم. وقال يحيى: سمعت مالكًا يقول: ليس هذا الحديث بالمجتمع عليه، وليس عليه العمل. اهـ. يعني: قتل المسلم بالمشرك. وذكره الحافظ في «التلخيص» (٢/١٢١)، وعزاه لابن أبي شيبة من طريق مجاهد عن عمر. وسكت عليه.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٥/٢٢٢ رقم ٩٤٠١)، وسعيد بن منصور (٢/٢٧٠ رقم ٢٥٩٨) من حديث موسى بن عُبيدة الرَّبذي، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعي، عن عمر -﵁-. وموسى بن عبيدة: ضعيف. قاله الحافظ في «التقريب» (٦٩٨٩) . والأحوص بن حكيم هو ابن عُمير العَنسي الحمصي. قال الحافظ في «التقريب» (٢٩٠): ضعيف الحفظ.
[ ٣٠٧ ]
وقال مالك والشافعي وغيرهما: الإشارة بالأمان أمان.
قال ابن المنذر (١) في الإشارة التي تُفْهِمُ الأمانَ: إنما تقوم مقام الكلام، استدلالًا بأن النبي - ﷺ - قد أشار إلى الذين كانوا خلفه في الصلاة بالقعود فقعدوا.
وقال عن الشافعي (٢) (٣) في الذي يشير: «إذا قال: لم أؤمنهم بها، فالقول
قوله، وإن مات قبل أن يقول شيئًا، فليسوا بآمنين إلا أن يُحْدِث (٤) لهم الوالي أمانًا، وعلى الوالي إذا مات قبل أن يُبيِّن، أو قال -وهو حي-: لم أُؤَمِّنهم، أن يردهم إلى مأمنهم وينبذ إليهم» .
وقال الأوزاعي: إذا قال له: قف، أو قُم، أو ألقِ سلاحك، ونحو هذا بلسانه، أو بالعربية، فلا قتل عليه، ويُباع، إلا أن يدعي أمانًا، ويقول: إنما رجعتُ أو وقفتُ لندائك، فهو آمن، وقال في رجلٍ قال لعلجٍ، وهو في حصنه: اخرج، فخرج، قال: لا يعرض له، وقال: أَجْرِ كلَّ شيءٍ يرى العلج أنه أمان فهو أمان، ونحوه يقول إسحاق. وأصحاب الرأي يقولون: من قال لحربي: أنت آمن، أو: لا بأس عليك، أو قال له -بالفارسية-: مَتَّرْس، أو: قد أمِنْتَ، فهو آمن في ذلك كله (٥) .
_________________
(١) في كتابه «الأوسط» (١١/٢٦٤) .
(٢) في كتابه «الأم» في كتاب سير الواقدي (باب في الأمان) (٤/٣٠٢-ط. دار الفكر) . وسئل مالك عن الإشارة بالأمان، أهي بمنزلة الكلام؟ فقال: نعم. انظر: «الموطأ» (تحت رقم ٥١٩- ط. دار إحياء التراث العربي) . وانظر في فقه المالكية: «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٨٠)، «الذخيرة» (٣/٤٤٤، ٤٤٥-٤٤٦)، «النوادر والزيادات» (٣/٧٥)، «الشرح الصغير» (٢/١٧٣)، «المنتقى» (٣/١٧٢، ١٧٤)، «حاشية العدوي» (٢/٨) . وانظر في فقه الشافعية: «روضة الطالبين» (١٠/٢٧٩)، «مغني المحتاج» (٤/٢٣٧، ٢٣٨) .
(٣) كتب الناسخ بعد كلمة «الشافعي» في الهامش: «هنا في الأصل كلمة كلمة لا أدري ما هي» .
(٤) في مطبوع كلٍّ من «الأم» و«الأوسط»: «يجدِّد» .
(٥) انظر: «شرح السير الكبير» (١/١٩٩، ٢٥٠ و٢/٦٣-٦٤)، «الأوسط» لابن المنذر (١١/ ٢٦٦)، «اختلاف الفقهاء» (ص ٣٨، ٣٩) للطبري، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤١٥-٤١٦)، وهذا =
[ ٣٠٨ ]
فإذا تقرر من مستند الشرع وأقوالِ العلماء في ملاحظة ثبوت الأمان: مراعاة ما دلَّ عليه من قولٍ أو إشارة أو استشعار؛ فأقول: كلُّ لفظٍ على أي لغةٍ كان، واصطلاحٍ حدث، أو كتابة بأي خطٍّ في مثل ذلك، مما اصطُلح عليه، أو إشارةٍ ورمزٍ ونحو ذلك مما يُتفاهم بمثله، يُشْعِرُ به المسلمُ الحربيَّ أمانًا، أو يستشعر منه الحربي الأمان، سواء أراده المسلم أو لا، فهو أمانٌ في الحال، مما وافق ما قصده المسلم من ذلك، ولم يكن فيه وجه من وجوه الفساد، ويجب إمضاؤه والوفاء به إلى غايته، وما لم يكن مراده منه التأمين، إلا أن الحربي نزل على ذلك مُستشعرًا فيه أمانًا، وجب فيه ردُّ الحربي إلى مأمنه، ثم يعود الأمر معه على أوَّله، ولا يحل اغتياله على هذا الوجه بحال، والدليل على صحة هذا الحدِّ: أن ما كان من
الأقوال المتعارفة في ذلك، فلزومه مما لا إشكال فيه، وكذلك على كلِّ لغة؛ لأن ذلك لا يلزم في اللسان العربي لخاصية أنه عربي، لكن من حيث هو وُضِعَ في التخاطب لإفهام الأمان، فكذلك سائر الألسنة (١) .
وأما الكتابة، وما يَجْرِي مجراها من الإشارة ونحوها، فكلُّ ذلك من باب الإصطلاح والإفهام، لا فرق بينه وبين الكلام، والحكم في ذلك للمعنى والإفهام، لا لمجرد اللفظ، وفيما ثبت من كتب رسول الله - ﷺ - إلى ملوك الكفر يدعوهم إلى الإسلام، وإشارته -كما تقدم- لأصحابه في غير ما موضع، وإشارةِ التي رضخها اليهودي بالحجارة، فأشارت إليه - ﷺ - برأسها، وقد سألها عن قاتلها: أن لا، حتى سألها الثالثة، فقالت: نعم؛ وأشارت برأسها؛ فقتله رسول الله - ﷺ - بين حجرين.
_________________
(١) = مذهب الثوري، حكاه عنه أحمد واستحسنه فيما نقل الكوسج في «مسائل أحمد وإسحاق» (٢/ ١٦-١٧) .
(٢) هذا الكلام صحيح وقوي بناءً على ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في «القواعد النورانية» (ص ١٣٢-١٣٥)، وغيره من أن كل اسم لم يكن له حد في اللغة ولا في الشرع، فالمرجع فيه إلى عرف الناس.
[ ٣٠٩ ]
خرَّجه مسلم (١) .
كل ذلك دليل واضح وحجة بيِّنةٌ في إمضاء الشرع العمل على مفهوم ذلك كلِّه، وأما لزوم ذلك، وإن لم يُرِدْ المسلم به الأمان إذا ظَنَّه الحربي أمانًا؛ فلأنه فعل ما يوهم الأمان، فكان سببًا لاطمئنان الحربي إليه، فَثَبَت له بذلك حُرمة الأمان، فأمَّا أن يُمْضِيَ له ما ظنّ من ذلك، أو يُردَّ إلى مأمنه، ولا يهجم -بعد ظنه الأمان واطمئنانه إلى ذلك- على قتله أو أسرِه، قال الله -تعالى-: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، فأمر الله -تعالى- أن يُعْلَموا برفض ما كانوا يعتقدونه من صِحَّة عهدهم وثبوت أمانهم، ولم يُبح اغتيالهم حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم، وأخذ حذرهم، فكان ذلك أصلًا في كل مستشعرٍ من أهل الكفر أمانًا من المسلمين؛ اطمأنَّ إليه، أو نزل عليه.
وأيضًا؛ فالذي يشير بما يشعر الأمان، أو يفعل ما يُستقرأ منه الأمان، وهو لا يريده، فله حالتان:
* إما أن يكون لاهيًا غير قاصدٍ لإشعار التأمين، فهو وإن لم يلزم به التأمين مُطلقًا، فلم يخلُ عن شبهةٍ، فهو سبب انبعاث الاطمئنان إليه، فعهدة ذلك على المسلم حيث سَبَّبه، لا على الحربي، فوجب أن يُزال ذلك بالردِّ إلى مأمنه.
* وإمَّا أن يكون فعل ذلك ذاكرًا وهو لا يريد تأمينه حقيقة، وإنما يُريد أن يوهمه حتى يتمكن منه، فهذا هو عين الخيانة والغدر المحرم باتفاق، ولذلك توعد في مثله عمر بن الخطاب -﵁- بما توعَّد (٢)، ولا خلاف يعلم بين المسلمين في تحريم ذلك، ونحن نبيِّن -إن شاء الله- وجه الفرق بين
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات (باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره ) (١٥) (١٦٧٢) من حديث أنس -﵁-. وأخرجه البخاري في عدة مواطن من «صحيحه» (الأرقام ٢٤١٣، ٢٧٤٦، ٥٢٩٥، ٦٨٧٦، ٦٨٧٧، ٦٨٧٩، ٦٨٨٤، ٦٨٨٥) .
(٢) مضى تخريجه قريبًا.
[ ٣١٠ ]
الخديعة الجائزة في الحرب، وما يُشكل من الأمان الذي لا تجوز الخديعة بمثله، ثم نُعقب ذلك بذكر مسائل عن الفقهاء في عوارض الأمان، يرجع عقدها وملاكُها إلى الحدِّ الذي ذكرناه بحول الله -تعالى-.
فصلٌ: في بيان ما يجوز من الخديعة في الحرب، والفرق
بينه وبين ما يكون له حكم الأمان
خرَّج مسلم (١)، عن جابرٍ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الحرب خُدعة» .
أبو داود (٢)، عن كعب بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أراد غزوةً ورَّى غيرها، وكان يقول: «الحرب خدعة» .
البخاري (٣)، عن كعب بن مالكٍ قال: كان رسول الله - ﷺ - قلَّما يريد غزوةً يغزوها إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت تبوك، فغزاها رسول الله - ﷺ - في حرٍّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومَفَازًا، واستقبل غزو عددٍ كثير؛ فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أُهبة عدوهم، وأخبرهم بوجهه الذي يريد.
فالخديعة والمكر في الحرب بطريق الإدارة والتدبير، من العمل المشهور، والسُّنَّة الثابتة، لكن ربما التبس على بعض من رأينا أحوال يظنها من باب الخديعة الجائزة في الحرب، وهي قد تكون مما يَتَضَمَّنُ الأمان الذي لا يسوغ أن يُخفر،
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب جواز الخداع في الحرب) (١٧) (١٧٣٩) . وأخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير (باب الحرب خدعة) (رقم ٣٠٣٠)، من حديث جابرٍ -﵁-.
(٢) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب المكر في الحرب) (رقم ٢٦٣٧) . وأخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير (باب من أراد غزوةً فورّى بغيرها، ومن أحبَّ الخروج يوم الخميس (رقم ٢٩٤٧، ٢٩٤٨- مختصرًا) .
(٣) أخرجه في كتاب المغازي (باب حديث كعب بن مالك، وقول الله -﷿-: ﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ (رقم ٤٤١٨- مطولًا جدًا)، من حديث كعب بن مالك -﵁-، الذي ذكر فيه قصة تخلُّفه عن الغزو.
[ ٣١١ ]
فرأينا أن نُنَبِّهَ على فَرْقٍ بينهما.
فنقول: إنه لما ثبت وجوب الوفاء، وحظر الغدر، وتقرَّر في حد الأمان الأوصاف المقيدة في (فصل التأمين) قبل هذا، وثبت مع ذلك من قول النبي - ﷺ - في
إباحة الخديعة في الحرب، وفعله في ذلك ما ذكرناه؛ انقدح وتبين أن الخديعة المباحة: هي كل ما يرجع إلى إجادة النظر في تدبير غوامض الحرب، وإدارة الرأي فيه بما يوهم العدو الإعراض عنه، أو الغفلة دونه، وما أشبه ذلك من التقدم بكل ما يقع به توهينُ العدو، أو تلتمس فيه غِرَّتُه، وإصابة الفرصة منه على وجهٍ لا يوهمُ الأمان، ولا يتضمن الإشعار بالأُنس إليه على حال، فيدخل في ذلك التورية والتبييت وتشتيتٌ بينهم، ونصبُ الكمين، والاستطراد حال القتال؛ لانتهاز فرصة الكرِّ، وما أشبه ذلك، مما يرجع الأمر فيه إلى ما حَرَّرْناه، وليس من ذلك أن يظهر لهم أنه منهم، أو على دينهم، أو جاء لنصيحتهم، فإذا وجد غفلةً نال منهم، هذا داخلٌ في باب الأمان؛ لأنَّ العدو يَستشعر منه الموادعة والموالفة، فيسكن إليه، فالإيهام عليه بمثل ذلك لا يجوز، وهو خيانةٌ -كما تقدم-.
ونُكتة الفرق أن اطمئنانه في هذا وأمثاله -مما قلنا: إنه يكون من باب الأمان-؛ إنما سبيله استشعار المسالمة والموالفة، فهو يستنيم إلى ما يعتقده فيه من الوفاء في ذلك؛ ثقةً به، وبما أظهر إليه مما يدلُّ عليه، فلم يؤت هذا من تَقَلُّبِهِ، بل من خَتَرِ الآخر فيما أظهر من الموالفة (١)، وارتكب من الخيانة، وفي أبواب المكر والخديعة إنما كان اطمئنانه لغفلةٍ من نفسه، أو جهلٍ في استشعار الغفلة، والتقصير من الآخر، وما أشبه ذلك، مما ترجع العهدة فيه على سوء نظره، من غير خيانة تلحق الآخر في أمره، وهذا بيِّن، والحمد لله.
ولِتَمَثُّلِ مسألةٍ تكون بظاهرها من باب الأمان تارةً، ومن المكيدة الجائز فعلها تارةً، ولا فارق إلا اختلاف عوارض اطمئنان العدوِّ على القانون الذي
_________________
(١) أثبتها ناسخ الأصل (أبو خبزة): «المزالفة»، وكلاهما صحيح المعنى.
[ ٣١٢ ]
رسمناه؛ وذلك: لو أن رجلًا من المسلمين أبصر حربيًا في جهةٍ ما من بلاد العدو أو غيرها، فتظاهر المسلم بإلقاء السلاح، وأقبل على جهة الحرب، مُظهرًا له أنه رآه، فقصده مستسلمًا أو مُسْتَنيمًا إليه، ونحو هذا، فاطمأن الآخر إلى ذلك، حتى أصاب المسلمُ غرَّته، فهذا لا تجوز به الخديعة، وهو أمانٌ، ولو أنه عندما رآه فعل -أيضًا- من إظهار الاستنامة، ووضع السلاح، والإقبال إلى جهة ذلك الحربي، مِثل ما فعل في الأولى، إلا أنه فقط يُظهر أنه غافلٌ عن الحربي، ومُعرض عن رؤيته بحيث لا يستشعر الحربي أنه رآه فقصده مسالمًا، لكن يوهم أنه ما شَعَرَ بمكانه، وإن فِعْلَه ذلك فِعْلُ المستريح من حالة حمل السلاح، إذا أمن في موضع، ونحو ذلك، حتى اطمأنَّ الحربي لما توهم من غفلةٍ عنه، لا لموادعة اسْتَشْعَرَ (١) منه لكان هذا جائزًا، وهو تورية ومكيدةٌ لا تتعلق بها خيانة، ولا للأمان حُرمة، والله أعلم.
فصلٌ
فإن اعترض معترضٌ على هذا الأصل بقتل كعب بن الأشرف، وظاهره جواز قتل من اطمأن إليه، بعد إظهار المسالمة والموالفة؛ كما خرَّج مسلم (٢)، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من لكعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى الله ورسوله؟» . قال محمد بن مسلمة: يا رسول الله، أتحبُّ أن أقتله؟ قال: «نعم» . قال: ائذن لي فلأقُل، قال: «قُلْ»، فأتاه، فقال له، وذكر ما بينهم، وقال: إن هذا الرجل قد أراد صدقةً، ولقد عنَّانا، فلما سمعه قال: وأيضًا والله لَتَمُلُّنَّه، قال: إنا قد اتبعناه الآن، ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أيِّ شيءٍ يصير أمره الحديث. إلى قوله: فاستمكن من رأسه، ثم قال: دونكم، قال: فقتلوه.
فلأهل العلم في ذلك أقوال؛ منها:
_________________
(١) أو: اسْتُشْعِرَتْ منه.
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود) (١٨٠١) (١١٩) . وقد مضى.
[ ٣١٣ ]
أن قتل كعب بن الأشرف قد كان وجب -لما آذى الله ورسوله- وجوب الحدود التي لا تندفع بالتأمين، بل يجب إقامتها بكلِّ سبيلٍ، ولهذا نبَّه عليه بقوله - ﷺ -: «فإنه قد آذى الله ورسوله»، ويقال: كان كعب -لعنه الله- ممن لهج بسب رسول الله - ﷺ - وهجائه، وفاعل ذلك يُقتل على كل حال، سواءٌ كان يُظهر الإسلام ويدَّعيه، أو كان كافرًا مستأمنًا، لا يعصمه شيء من ذلك عن القتل، إلا أن يُبادر فيُسلم إن كان كافرًا (١)، ويُروى نحو هذا أو بعضه عن الطبري، وقيل: إنه نقض
عهد النبي - ﷺ - وهجاه وسبَّه، وكان عاهد أن لا يُعين عليه أحدًا، فجاءه مع أهل الحرب معينًا عليه، فوجب أن يُغْتالَ كالحكم فيمن نقض وقاتل، وإليه ذهب المازري (٢)،
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الصارم المسلول على شاتم الرسول» (٣/٧٦٨-٧٦٩ -تحقيق: الحلواني وشودري) في ذكره طرق الاستدلال على تحتّم قتل الذمي والمسلم الساب، في قوله - ﷺ -: «من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله؟»، قال: «وقد كان معاهدًا قبل ذلك، ثم هجا رسول الله - ﷺ -، وقتله الصحابة غيلة بأمر رسول الله - ﷺ - مع كونه قد أمّنهم على دمه وماله؛ لاعتقاده بقاء العهد، ولأنهم جاؤوه مجيء من قد آمنه، ولو كان كعب بمنزلة كافرٍ محاربٍ فقط لم يجز قتله إذا أمّنهم كما تقدم؛ لأن الحربي إذا قلت له، أو عملتَ معه، ما يعتقد أنه أمانٌ؛ صار له أمانٌ، وكذلك كل من يجوز أمانه، فعلم أن هجاءه للنبي - ﷺ - وأذاه لله -تعالى- ورسوله؛ لا ينعقد معه أمانٌ ولا عهدٌ، وذلك دليلٌ على أن قتله حدٌّ من الحدود؛ كقتل قاطع الطريق، إذ ذلك يقتل وإن أُومِن كما يقتل الزاني والمرتد وإن أُومِن، وكل حدٍّ وجب على الذمي فإنه لا يسقط بالإسلام وفاقًا» . اهـ ومعلوم أن كعب بن الأشرف كان له هُدنةٌ. قال السبكي في «السيف المسلول على من سبّ الرسول» (ص ٢٩٤): «ومن ادعى أنه كان حربيًا؛ فلا علم له، هذا متفق عليه بين أهل السِّير» . وانظر: «الأم» (٤/١٩٩- كتاب الجزية) . وقال السهيلي: «في قصة كعب بن الأشرف قتل المعاهد إذا سبَّ الشارع، خلافًا لأبي حنيفة»، لكن اعترض عليه الحافظ في «الفتح» (٧/٣٤٠) بأنَّ كعب بن الأشرف كان محاربًا، استدلالًا منه بتراجم البخاري، ويعارض هذا الاعتراض بما نقلناه عن السبكي من اتفاق أهل السير على أنه كان موادعًا.
(٢) انظر: «المعلم بفوائد مسلم» (٣/٢٩ رقم ٨٤٨) للمازري، «إكمال المعلم» للقاضي عياض (٦/١٧٦) .
[ ٣١٤ ]
وقال: وقد أشكل قَتْلُه على هذه الصِّفة على بعضهم، ولم يعرف هذا الوجه. ويحتمل عندي أن يُقال: إنه مع ذلك أمرٌ خاص، وحُكمٌ من الله -تعالى- عدلٌ، أذن فيه -تعالى- لرسوله - ﷺ -، فهو خاصٌّ لا يتعدى إلى غيره، ومما يدل على هذا المذهب، ما وقع في الحديث من قوله: ائذن لي فلأَقُل، قال: «قُل»، فأتاه، فقال: إنَّ هذا الرجل قد أراد صدقةً، وقد عنَّانا، إلى آخر قوله.
وهذا قولٌ له ظاهر الكفر (١)، ولا يحل لمسلمٍ التلفظ به، ولا الخديعة في الحرب مثله، إلا أن يأذن الله لأحدٍ بعينه، في شيءٍ بعينه، كما أذن لهذا على لسان رسوله - ﷺ -، فيكون خاصًّا، ليس مما يتعدى بحال.
وروى ابن إسحاق في كتاب «المغازي» (٢) من قول علي بن أبي طالب
-﵁- في قصيدةٍ يذكر فيها إجلاء بني النضير، وقتل كعب بن الأشرف؛ ما يدل على أن قتله كان بوحيٍ مخصوص، وذلك قوله:
ألستم تخافون أدنى العذابِ وما آمن الله كالأخوفِ
وإن تُصرعوا تحت أسيافِهِ كمصرع كعب بن الأشرفِ
غداة رأى الله طُغيانهُ وأعرض كالجملِ الأجنفِ
فَأَنزلَ جبريلَ في قتله بوحي إلى عبده ملطَّفِ
فدسَّ الرسول رسولًا له (٣) بأبيضَ ذي هُبَّةٍ مُرهفِ
وقد زعم ابن المنذر (٤) أن الذي يجوز أن يُقتل غِرَّةً، هو: من لا أمان بينه
_________________
(١) قال الإمام النووي في «شرح مسلم» (١٢/١٦١): «هذا من التعريض الجائز، بل المستحبِّ؛ لأن معناه في الباطن: أنه أدَّبنا بآداب الشرع التي فيها تعبٌ، لكنه تعبٌ في مرضاة الله -تعالى-، فهو محبوبٌ لنا، والذي فَهِم المخاطب منه: العناء الذي ليس بمحبوب» . اهـ كلامه -﵀-.
(٢) المُسمّى بكتاب: «المبتدأ والمبعث والمغازي»، المعروف بـ «سيرة ابن إسحاق» (ص ٣٠٠- تحقيق محمد حميد الله)، ولي جمع موثّق لشعر عليٍّ -﵁-، وفيه هذه الأبيات، يسر الله إتمامه ونشره.
(٣) كذا في الأصل والمنسوخ: «له»، وفي «المغازي»: «إليه» .
(٤) لعلَّه في القسم المفقود من كتابه «الأوسط» .
[ ٣١٥ ]
وبين صاحبه القاتل ولا عهد، وهذا صحيح. ورأى أن قتل كعب بن الأشرف من ذلك، وفي هذا نظر، والله أعلم.
وها نحن الآن ذاكرون من المسائل المنقولة عن مالكٍ وغيره في (باب: متشابه الأمان، ومراعاة ما يُتَوَقَّى منه عند الإشكال) ما يتبيَّن بها وبأضرابها معتمدهم في البناء على ما أصَّلناه.
* مسائل من مُشكلات الأمان:
اختلف أصحاب مذهب مالك في الأسير من المسلمين في دار الحرب يكون مُخلًّى: هل يجوز له أن يَعْدُوَ على ما يستطيع فيهم، من مالٍ ونفسٍ، ويهرب؟ قال ابن القاسم (١): الذي كنا نحفظه من قول من نرضى -وأنا أشك أن يكون مالكًا-، أنه إن كان أُرسل على أمانٍ، لم يحلَّ له أن يهرب، ولا أن يأخذ من أموالهم شيئًا، وإن أرسلوه على غير أمان، بمنزلة ما يملكون من الرقيق قوة عليه لا يخافونه؛ فليقتل وليأخذ ما شاء. فهذا التفريق من مالكٍ -﵀- لا يعدو القانون المتقدم، وهو مراعاة اطمئنانهم: هل هو تعويلٌ على ائتمانه والثقة به، فلا يجوز له مع ذلك فعل شيء مما ينافي ذلك؛ لأنه يكون خيانة، أو إنما وَثِقُوا بِقُوَّتهم عليه وضبطهم، فيكون حينئذٍ: لا حرج عليه فيما فعل من ذلك كلِّه؟
وعنه في المسألة قولٌ ثانٍ؛ روى مطرفٌ وابن الماجشون (٢) عن مالكٍ: أن له أن يهرب بنفسه، وإن أطلقوه على وجه الائتمان له والطمأنينة إليه، ما لم يأخذوا على ذلك عهده.
وجه هذه الرواية: أنه رأى اطمئنانهم إليه، وائتمانهم عاملًا في أن لا يخونهم في شيءٍ من دَمٍ أو مالٍ، ولم يرَ ذلك عاملًا في الفرار بنفسه؛ لأنه واجب عليه، لا
_________________
(١) قوله في «البيان والتحصيل» (٢/٦٠٤): وهو من رواية عيسى عنه في «العتبية»، وكذا في «النوادر والزيادات» (٣/٣١٨) .
(٢) نقله في «الواضحة» عنهما، وانظر: «البيان والتحصيل» (٢/٦٠٤) .
[ ٣١٦ ]
يحل له الإقامة مع الكفَّار، مع إمكان الفرار، وفيها قولٌ ثانٍ للمخزومي (١) وابن الماجشون: أنَّ له أن يهرب ويأخذ من أموالهم ما قدر عليه، ويقتل إن قدر، وإن ائتمنوه ووثقوا به واستحلفوه، فهو في فسحةٍ من ذلك كله، ولا حنث عليه في يمينه؛ لأن أصل أمره الإكراه، فهذا القول منصوصٌ فيه على توجيهه: وهو
مراعاة الإكراه؛ لأن الأسير مغلوبٌ، لا يملك من أمره شيئًا، فهو مكره لم يُعط ذلك عن اختياره، والمُكْره في سَعَةٍ مما أُكره عليه، فذلك هو العلة عندهم في استباحة ما رأوه مباحًا له. فأما قولهم في إباحة الهروب له فظاهر؛ لأنه واجبٌ عليه أن لا يقيم معهم، ولا وفاء بمعصية، وأما إباحة ما وراء ذلك من أموالهم، ودمائهم، بعد أن أخذوا عهده، واستحلفوه: فباطل، والوفاء عليه: واجب؛ لأنه لا ضرورة إلى ذلك، ولا حجَّة في أنه كالمكره على إعطاء العهد (٢) .
خرَّج مسلم (٣) عن حذيفة بن اليمان قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلاّ أني خرجت أنا وأبي حُسيل (٤)، قال: فأخذنا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدًا؟ فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذوا مِنَّا عهد الله وميثاقه: لننصرفنَّ إلى المدينة، ولا نُقاتل معه، فأتينا رسول الله - ﷺ - فأخبرناه الخبر، فقال: «انصرفا، نفي لهم بِعهْدِهم، ونستعين بالله عليهم» . فهذا نصٌّ في لزوم الوفاء بالعهد في مثل ذلك، وإن لم يكن مختارًا.
قال الشافعي (٥): «إذا أمَّنوه؛ فأمانهم إياه: أمانٌ لهم منه، وليس له أن يغتالهم،
_________________
(١) في «المبسوطة»، أفاده ابن رشد في «البيان والتحصيل» (٢/٦٠٤) .
(٢) انظر: «البيان والتحصيل» (٢/٥٩٢-٥٩٣، ٦٠٤)، «النوادر والزيادات» (٣/٣١٨)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٨١)، «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٢/١٧٩) .
(٣) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب الوفاء بالعهد) (٩٨) (١٧٨٧) .
(٤) ويقال: حَسْل. وهو والد حذيفة. المعروف بـ: اليمان. انظر: «الاستيعاب» لابن عبد البر (٣٥١)، «الإصابة» (٢/٧٤-ط. دار الجيل)، وضُبطت في الأصل والمنسوخ: «حُسَّرًا» .
(٥) في «الأم» (٤/٢٩٢-ط. دار الفكر) . وانظر: «مختصر المزني» (ص ٢٧٥)، «منهاج الطالبين» (٣/٢٨٣-٢٨٤)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٨٢) .
[ ٣١٧ ]
ولا يخونهم، فأما الهرب بنفسه: فله الهرب، وإن أُدْرِكَ ليؤخذ، فله أن يدفع عن نفسه، وإن قتل الذي أدركه؛ لأنَّ طَلَبَهُ ليُؤْخذ إحداثٌ من الطالب غير الأمان، فيقتله إن شاء، ويأخذ ماله، ما لم يرجع عن طلبه» . وهذا أرجح الأقوال في ذلك، للأدلة التي قدمنا، والله أعلم.
وقول أحمد بن حنبل في لزوم حكم الأمان في ذلك ووجوب الوفاء به كقول الشافعي (١) .
وقال أبو حنيفة (٢): «إن قتل منهم، أو أخذ مالًا أو رقيقًا فخرج بهم إلى دار
الإسلام، ثم إن أهل الحرب استأمنوا، أو صاروا ذمّة»، قال: «ما كُنت أردُّ عليهم» . وكذلك قال في الرجل يدخل دار الحرب بأمان، فيغدر بهم ويقتل، ويأخذ من أموالهم.
وسُئل في رجلٍ مسلمٍ اشترى منه شيئًا مما أتى به من ذلك، فقال: ذلك جائز. وعند الشافعي، وابن حنبل: يردُّ ذلك كله عليهم، وقاله الأوزاعي، وهو الصحيح كما تقدم في مثله.
* مسألة:
اختلف أصحاب مذهب مالك في الحربي يأتي بغير أمانٍ، فيُعثر عليه في
_________________
(١) أي: في غير الهرب، ففي مذهب الحنابلة: ليس له أن يهرب. وانظر: «المغني» (١٣/ ١٥٢)، «الإنصاف» (٤/٢٠٩) . وانظر: «عيون المجالس» (٢/٧٤٣-٧٤٤) . وهذه العبارة عن أحمد في: «الأوسط» لابن المنذر (١١/٢٩١ المسألة رقم ١٩٤٨) .
(٢) انظر: «الهداية» (٢/٤٤٥)، «شرح السير الكبير» (٤/٢٣٣)، وهذا بناءً على أصلهم أنَّ: من أخذ مال غيره غصبًا؛ صار ملكًا للذي غصبه واستولى عليه؛ لمصادفته مالًا غير معصوم، مع أن السرخسي قال في «المبسوط» (١٠/٩٦): «وأكره للمسلم المستأمن إليهم في دينه أن يغدر بهم؛ لأن الغدر حرام » . وما بعد قول أبي حنيفة إلى آخر هذه المسألة برمته في «الأوسط» لابن المنذر (١١/٢٩٢) .
[ ٣١٨ ]
أرض الإسلام أو قبل أن يصل إليها، فيقول: جنحتُ إلى الإسلام، أو جئتُ أطلب الفداء أو التجارة، فقيل: لا يقبل قولهم بعد أن يُؤخذوا؛ إذ لم يُظهروه قبل ذلك، ويكونون فيئًا للمسلمين، وهو قول أشهب، وقيل: يُقبل قولهم، أو يُردُّون إلى مأمنهم، إلا أن يتبيَّن كذبهم، وهو قول ابن القاسم، وقيل بالفرق بين أن يكونوا من أهل بلدٍ عُوِّدوا الاختلاف، لما ادعوه من الفداء أو التجارة أو الاستئمان، فهؤلاء يقبل قولهم، أو يردون إلى مأمنهم، وإلا يكن ذلك: فهم فيءٌ للمسلمين؛ قاله ابن حبيب، وعزاه إلى مالك (١)، ولم يختلفوا أنهم إن كانوا أظهروا ما ادعوا من ذلك قبل أن يُؤخذوا، وقبل أن يصلوا إلى بلاد الإسلام؛ أنهم لا سبيل إليهم، ويقبل منهم ما ادعوا، ويردّون إلى مأمنهم، ففي كل هذه الأقوال مراعاة إعمال حكم الأمان فيما قصد إليه الحربي من الاطمئنان إلى المسلمين في عادتهم بالتأمين في مثل ذلك، وإن لم يكونوا تقدموا إليه في خاصته بأمانٍ معين؛ لأنهم كلهم رأوا ذلك لو عُلِمَ صدقه فيما ادَّعاه نافعًا له، وإنما سبب اختلافهم في هذه الأحوال كلها هو: هل يحملون على التصديق في دعواهم، -وقد عثر عليهم- أم لا؟
أما من تبيَّن صدقه: فإنه يحمل على حكم الأمان، ومن تبيّن كذبه: كان على حكم الأسرى، ومن أشكل أمره: كان فيه الخلاف، وطلبت له شواهد الحال.
ولذلك قال مالك في «موطئه» (٢): «فيمن وُجِد من العدو على ساحل البحر
بأرض المسلمين، فزعموا أنهم تجارٌ، وأن البحر لَفظَهم، ولا يعرف المسلمون تصديق ذلك، إلا أن مراكبهم تكسرت، أو عطشوا، فنزلوا بغير إذن المسلمين: أرى ذلك إلى الإمام (٣)، يرى فيهم رأيه، ولا أرى لمن أخذهم فيهم خُمسًا» .
_________________
(١) انظر: «المدونة» (٢/١٠-١١، ٣١)، «البيان والتحصيل» (٢/٦٠٦-٦٠٧)، «النوادر والزيادات» (٣/١٢٤-١٢٥) .
(٢) «الموطأ» في كتاب الجهاد (باب ما لا يجب فيه الخمس) (١/٤٥١- ط. محمد فؤاد عبد الباقي)، وانظر: «النوادر والزيادات» (٣/١٣٠-١٣١) .
(٣) في مطبوع «الموطأ»: «للإمام» .
[ ٣١٩ ]
فجعل مالك النظر في ذلك والاجتهاد بحسب ما يظهر في أمرهم وحالهم إلى الإمام، فإن ظهر له ما يدلُّ على صدقهم: قَبِلَ منهم، وردَّهم إلى مأمنهم، وكل ذلك مراعاة لما نزلوا عليه، باعتقاد الاطمئنان إلى المسلمين فيما جرت عليه عادتهم في الوفاء بمثله، وإن لم يكن من المسلمين في ذلك إلى هؤلاء قول ولا فعل، وكلُّ ذلك بيِّن، وبالله التوفيق (١) .
فصلٌ: في تقسيم عقود الأمان، والفرق في الأحكام
بين الخاص منه والعام
عقود الأمان ثلاثة:
عقد ذمة؛ وهو ما ضُربت فيه الجزية، وهذا النوع قد أفردنا له ولأحكامه وشروطه: (الباب التاسع) من هذا الكتاب، فهناك بسط القول فيه -إن شاء الله-.
والثاني: عقد مهادنة؛ وهو ما عُوهد فيه على المسالمة وترك الحرب، وعقد عقدًا عامًا في جماعة بلدٍ أو إقليم أو مملكةٍ، لا يقصد آحادهم بالتعيين، بل هو كل عقد يتضمن الموادعة العامّة على البلاد، والنفوس، والأموال، وكافة الأحوال، وفي هذا النوع خلافٌ بين أهل العلم: هل يجوز مُطلقًا، أو لضرورة؟ وما الضرورة التي تجوز المهادنة معها؟ وله موضع مفردٌ نذكره -إن شاء الله- في الفصل بعد هذا. وإنما نتعرض هنا للفرق بين أحكامه، وأحكام العقد الثالث، وهو:
ما عُقد للواحد أو لعددٍ خاصٍّ على أنفسهم، إذا قدموا علينا، أو احتيج إلى نزولهم للتكلم معهم، وما أشبه ذلك، وهذا النوع الثالث هو الذي يتناوله بخاصة عُرف الأمان إذا أُطلق، وعليه بُني الباب، وفيه جميع ما تقدَّم من الأحكام.
فأمَّا المهادنة العامة، فحكمُ الأمان فيها مستمرٌ في الجميع إلى مدته المضروبة له، ولا يَتَبَعَّضُ ذلك، فيكون لمن رضي من آحاد تلك المملكة أن يُنَحّوا
_________________
(١) هنا ينتهي الجزء الأول من تجزئة الأصل.
[ ٣٢٠ ]
أنفسهم، ويردوا ما ثبت من ذلك الأمان لهم، أو يتراضوا على أن يبيع بعضهم بعضًا، أو يرهنه، كلّ ذلك وما أشبهه ممّا ينافي عقد ذلك الأمان، لا يباح ولا يعمل به فيمن رضي ذلك منهم لنفسه، أو لم يرض، إلا أن يتمالأ جميعُهم ومَلِكُهُم على
ردِّ العهد، فهذا له وجهه، وإنما وجب ذلك لعموم قوله -تعالى-: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، و﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ [النحل: ٩١] .
ولما كان عقد المهادنة معهم على العموم في مصلحتهم، وإقرار مملكتهم وبلادهم، وانتظام حالهم، وكان أمر ذلك يختل إذا أجيب الآحاد إلى رفع ذلك فيما رضوا به لأنفسهم؛ لم يجز في حكم الوفاء أن يُنْقَضَ ذلك عليهم، ولم يكن رِضى الآحاد عاملًا في ذلك على جماعتهم.
وأما الأمان الخاص، وهو الذي يرجع الأمر فيه إلى تأمين أشخاص على أعيانهم، لا يتعلق في ذلك حقٌّ لغيرهم، ولا لبعضهم من بعض، ففي هذا النوع عن مالك وأصحابه: أن من تراضوا منهم على بيع نسائهم، وأبنائهم؛ فلا بأس به (١)، وعلى ذلك يكون من رضي منهم أن يردَّ ما جُعِلَ له من الأمان، ويبيح نفسه للرق؛ فهو مما لا بأس به -إن شاء الله-.
وقال ابن حبيب في العِلج يكون في مَنَعةٍ، ومن أمره في فَسحة فَيُسْتَأْسَرُ: فذلك له أمان، لا يُقتل ولا يُسترق، وإذا اسْتأْسر وقَدْ رَهَقْتَهُ: فلا أمان له (٢) .
قال فضلٌ في قوله: «فذلك له أمان، لا يقتل ولا يسترق»، قال: إلا إن اشترط عليه -عندما أمِنَ- الاسترقاق، ورضي به فيسترق، قال: وهو قول سحنون (٣) .
قلت: وإنما جاز ذلك في هذا النوع الخاص؛ لأن الأمان الذي اعتصم به هو بيده، فله أن يحله وينبذه، فإذا نبذ العهد، ولم يكن يتعلق به حقٌّ لغيره كما
_________________
(١) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/١٥٣) .
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٧١) .
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٧١) .
[ ٣٢١ ]
كان ذلك في عقد المهادنة والأمان العام: زال حكم الأمان عنه، فكان رضاه بَعْدُ بإرقاق نفسه لا مانع منه.
نعم؛ لو لم يرض بإسلام نفسه بَعْدَ نَبْذِ الأمان، أمكن أن يقال: يجب ردُّه إلى مأمنه؛ تتميمًا في الوفاء بعهده، وكذلك لو أراد بعضهم بيع بعض أو ارتهانه، ورضي بذلك المبيع والمرتهن لجاز ذلك فيمن هو مالكٌ أمره، فإن لم يرض بذلك لم يجز، ولا يجوز شيءٌ من ذلك بحالٍ في المهادنة والأمان العام، فإن كان المبيع والمرتهن غير بالغٍ ممَّن لا يملك أمره، وهو ممن دخل تحت ذلك الأمان: فلا يجوز لأحدٍ ممن معه فيه إسلامُه في بيعٍ أو ارتهانٍ، وما أشبه ذلك، مما ينافي عقد الأمان، إلا أن يكون الذي فعل ذلك به أبوه، فقد قال مالك: إنَّ ذلك جائز، ونحو ذلك يُروى عن الثوري، ومنع من ذلك بعض أهل العلم، والأولى في النظر منعه، لأن الصغير بعد أن ثبت له التأمين لا يرتفع حُكمه إلا بإذن شرعي، وذلك إما بردِّه إلى
مأمنه، وإما بإسقاطه هو ونبذه، أنْ لو كان ممن يملك أمر نفسه، فأمَّا أن يكون ذلك بيد غيره يسقطه عنه، فلا دليل عليه، وإنما أراهم أجازوا عليه ذلك من الأب؛ لأنهم حملوا الأمر فيه -والله أعلم- على حكم الصغير في حجر أبيه، حيث يكون نظره له نافذًا عليه، وهذا هنا لا يستقيم؛ لأن نظر الأب المأذون فيه لا يتعدَّى مصلحة المال، أو ما هو شبيه المال من مصالح الأعيان، كعقد النكاح، ونحو ذلك عند من يراه، بل لو قَضَى في المال بغير السداد، وما لا مصلحة فيه البتة: فُسِخ، ولم يمض ذلك على الصغير. وأما قضاؤه على ذاته، وعينه، وإتلافهُ عليه أحكام الحرية بالإرقاق؛ فذلك لا يوجد له أصلٌ بحالٍ، وقد رُوي عن ابن القاسم قولٌ يدل على أن قضاء الأب على ابنه الصغير بمثل ذلك لا يمضي.
ولنورد الآن من المسائل المنقولة عن المالكية، ومن أمكن من غيرهم، في افتراق حُكمي الأمان: خاصًا وعامًا، على حسب ما ذكرناه، ما يكون فيه تَبَيُّنٌ بالوقوف عليه -إن شاء الله تعالى-.
[ ٣٢٢ ]
مسائل منقولة في افتراق أحكام الأمان
سُئل أَشهب عن علجٍ دخل بأمانٍ ليفدي امرأته، ففداها بفداءٍ رهن فيه ابنًا له كان معه حتى يأتي بالفداء، فذهب فلم يأت، ما سبيل ذلك الابن؟ فقال: يُستأنى به، فإن جاء وإلا بيع عليه رقيقًا، واستوفى ماله، فإن فضلَ فضلٌ: حبسه لصاحبه حتى يأتي (١) .
قلت: هذا من الأمان الخاص، فلذلك أجاز فيه رهن من رضي بذلك، وبيعه في ذلك الحق، هذا إن كان الابن المرهون كبيرًا رضي بذلك، وإن كان صغيرًا فعلى ما ذكرناه من أنهم يرون قضاء أبيه عليه في مثل ذلك ماضيًا.
ورُوي عن ابن القاسم أنه قال: «لو أن روميًا أهدى إليَّ ابنته لم يكن به بأس أن أطأها، أو غير ابنته، ولو سبى روميٌّ جاريةً ممن بيننا وبينه هدنة، مثلُ النُّوبة وما أشبههم، لم ينبغ أن أشتريها ولا أطأها» (٢) . فهذا منه تشديدٌ وتفرقةٌ ظاهرةٌ بين أحكام أهل الهدنة في ذلك وغيرهم، ممن له أمان خاصٌّ، ألا تراه لم يستبح شيئًا منهم، وإن كان الذي سباهم غير الذي بَيْنه وبينهم الهدنة؟!.
وروي عن مالك أنه سئل، فقيل: إن قومًا من أهل الحرب يقدمون علينا بأبنائهم ونسائهم، أفنبتاعهُم منهم؟ فقال مالك: أَبَيْنَكُم وبينهم هُدنة؟، قالوا: لا، قال: فلا بأس بذلك. قال مالك: ولو كانت بينكم وبينهم هُدنة لم يجز لكم شراؤهم؛ لأن
لصغارهم من العهد مثل ما لكبارهم. قال مالك: وسواء كانت الهدنة بينكم وبينهم السنَة والسنتين أو إلى غير مُدة، إلا أن يكون يوم هادنوا قد اشترطوا ذلك، فيجوز ذلك (٣) . ففرق مالك -﵀- بين الهدنة -وهو الأمان العام- وبين من جاء مستأمنًا من أهل الحرب في بيع ما يبيعون منهم، فأجازه في
_________________
(١) انظر: «البيان والتحصيل» (٣/٧٧)، «النوادر والزيادات» (٣/٣٢٩) .
(٢) «البيان والتحصيل» (٣/٩٠) .
(٣) انظر: «البيان والتحصيل» (٣/١٥٣)، «النوادر والزيادات» (٣/٣٤٢) .
[ ٣٢٣ ]
الخاص، ومنعه في العام، وقال فيه: «إلا أن يكونوا يوم هادنوا قد اشترطوا ذلك»، فأجازه إذا وقع العقد عليه؛ لأنَّ العهد لم يتناولهم إلا على ذلك، فلم يكن فيه إخلال بشيءٍ ثبت لهم في عقد الأمان. وقد رَوَى ابن القاسم عن مالك في «المدونة» (١) ما يخالف بعض ما في هذه الرواية، فقال: إذا كان الأصل في الهُدنة مثل السنة والسنتين فجائز أن يشتروا منهم أولادهم ونساءهم.
فأقول: قد لا يخالف شيء من ذلك القانون الذي أشرنا إليه، أما الرواية الأولى، فراعَى في ذلك ما ينافي معنى العقد في الهدنة الواقعة مطلقًا، من غير التفاتٍ إلى تأثير طول مدة الهدنة أو قصرها. أما الرواية الأخرى، فكأنه رأى فيها قصر المدة في الهدنة دليلًا على رفض الاستنامة إليها، وترك الاعتداد بالموادعة العارضة فيها، فلم يتضمن مراعاة حفظ المصالح على الإطلاق في الحال والمآل، وتوقّي ما يقدح في عواقب الأحوال، فكان للمدة القريبة في ذلك حكم الخصوص. هذا وجه هذه الرواية عندي، والرواية الأولى في التسوية؛ فتسوية المدة البعيدة والقريبة في ذلك أرجح، والله أعلم.
وقال الأوزاعي (٢) في مصالحة الإمام أهل الحرب: «لا بأس أن يصالحهم على عدد سَبْيٍ يؤدونهم إلى المسلمين، قيل له: فإن كانت تلك الرؤوس والسبي من أبنائهم وأحرارهم يبعث بهم ملكهم إليهم؟، قال: لا بأس به، ولا يضره، من أحرارهم كان ذلك أو من غيرهم، إذا كان ذلك الصلح ليس بصلح ذمة وخراج، يقاتل من ورائهم، وتجري عليهم أحكام المسلمين، فلا بأس بذلك» .
وقال أحمد في أهل الذمة يصالحون أهل الإسلام على ألف رأسٍ كل سنة،
_________________
(١) انظر: «المدونة» (٣/٢٩٩- ط. دار الكتب العلمية) .
(٢) انظر: «اختلاف الفقهاء» للطبري (ص ١٤)، «الأوسط» (١١/٣٣٥-٣٣٦) -وقد نقل المصنف هذا الكلام والذي بعده منه-، «فتح الباري» (٦/١٧٣)، «عمدة القاري» (١٥/٩٧)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤٢١) .
[ ٣٢٤ ]
فكان يسبي بعضهم بعضًا ويؤدونه، قال: لا بأس به، يجيء به من حيث شاء، وكذلك قال إسحاق (١) .
وقال أبو حنيفة (٢): «لا خير في الصلح على أن يؤدوا ذلك من أبنائهم، ولا ينبغي للمسلمين أن يقبلوا من ذراريهم أحدًا؛ لأن الصلح وقع عليهم وعلى ذراريهم» .
قال ابن حبيب: إن كان شرط أهل الحرب في عقد الصلح على الجزية أن يبيعوا في جزيتهم ما شاؤوا من أبنائهم، أو مَنْ قهروه مِنْ كبارهم: فذلك جائزٌ إذا عقده عليهم رؤساؤهم وبطارقتهم في أصل الصلح، وإن لم يكن ذلك شرطًا في أصل الصلح: لم يجز، وكان العهد لجميعهم واحدًا، قال: وهكذا سمعت مُطرِّفًا وابن الماجشون يقولان، وقاله غيرهما من أصحاب مالك (٣) .
فصلٌ: في المهادنة والصلح، وهل يجوز ذلك أو يمنع؟
قال الله -تعالى-: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١]، وقال -تعالى-: ﴿فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥] .
فاختلف أهل العلم في حكم الآيتين: هل نسخت إحداهما الأخرى؟ وما الناسخ منهما والمنسوخ إن كان كذلك؟ أو: هل هما محكمتان؟ وعلى أي وجه مع ذلك تُحملان؟ وعن هذا نشأ الخلاف في جواز المهادنة ومنعها، على ما سنذكره -إن شاء الله تعالى-.
فروي عن ابن عباس، أن آية الجنوح للسلم منسوخة بقوله -تعالى-: ﴿فَلاَ
_________________
(١) انظر: «المغني» (١٣/١٥٥)، «الفروع» (٦/٢٥٦) .
(٢) انظر: «الأوسط» (١١/٣٣٥-٣٣٦)، وقد نقل منه مذهب أبي حنيفة وأحمد.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٣٤٢) . وفيه أن الكلام السابق منقول عن سحنون وليس عن ابن حبيب.
[ ٣٢٥ ]
تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥]، وكذلك قال عكرمة، وقتادة، وغيرهما أنها منسوخة، لكن زعموا أن الناسخ لها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فعلى هذا لا تجوز المهادنة بحال، وقيل: بل المنسوخ الأخرى، والناسخ قوله -تعالى-: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (١) [الأنفال: ٦١]، وعلى هذا تجوز المهادنة بكل حال، وقيل: إن آية الجنوح للسلم نزلت في قومٍ بأعيانهم خاصة (٢)، وآية المنع هي عامة، وقيل: إن الآيتين نزلتا في وقتين مختلفي الحال،
معناه: إنهما محكمتان في حالين مختلفين؛ فإذا كان للمسلمين الظهور والاعتلاء، حرم السَّلم والإجابة إليه، وإن كانوا على حال توقٍّ وتخوفٍ ساغ لهم ذلك (٣) .
وقيل: إن معنى: ﴿فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥]، أي: لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت للأخرى، وهي روايةٌ عن قتادة -أيضًا- (٤)، وعلى هذا القول ينتظم معنى الآيتين على حكم واحد؛ لأنه أبيح في الأولى الجنوح للسلم إن جنحوا، وابتدؤوا بطلب ذلك، وإنما مُنع في الثانية أن يدعوهم إليه المسلمون
_________________
(١) وقد مضى الكلام على الجمع بين هذه الآيات، في (باب: الحُكم على الأسارى إما بالقتل وإما بالفداء)، وأنها جميعها محكمة، كما قال المصنف هنا، وسبق هناك تخريج قول عكرمة وقتادة وغيرهما، وانظر: «تفسير الطبري» (٢٦/٤١-٤٢)، «تفسير ابن كثير» [سورة الآنفال: آية ٦١] .
(٢) قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (٢/٣٥٦): «وقال مجاهد: نزلت في بني قريظة، وهذا فيه نظر؛ لأن السياق كله في وقعة بدر» . اهـ كلامه -﵀-.
(٣) قال الإمام المازري في الحاجة للمهادنة: «فإن كان لغير حاجةِ مصلحته: لا يجوز؛ لوجوب القتال إلى غاية إعطاء الجزية، وإن كان لمصلحةٍ نحو العجز عن القتال مُطلقًا، أو في الوقت الحاضر، فيجوز بعوضٍ أو بغير عوض، على وفق الرأي السديد للمسلمين؛ لقوله تعالى-: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾، وصَالَحَ -﵇- أهل مكة» . انتهى كلامه -﵀-. وانظر: «الذخيرة» للقرافي (٣/٤٤٩)، «الكافي» (١/٤٦٩) .
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٢/٢٢٤)، وابن جرير (٢٦/٦٣) في «تفسيريهما»، عن معمر، عن قتادة قال: لا تكونوا أولى الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٧/٥٠٥)، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد في «تفسيره» .
[ ٣٢٦ ]
ابتداءً (١)، فهما في الحكم غير مختلفين، وثبت أن رسول الله - ﷺ - عقد الصلح بينه وبين المشركين يوم الحديبية، وكتب لهم بذلك كتابًا، كتبه علي بن أبي طالب
-﵁-، خرَّجه مسلم وغيره (٢)، فكان ذلك حُجّة لمن أجاز الهدنة للعدو.
وقد اختلف في المعنى الذي له صَالحَ رسول الله - ﷺ - أهل مكة عام الحديبية.
فقالت طائفة: كان ذلك على جهة النظر للمسلمين من وجوهٍ؛ منها: كثرةُ عدد المشركين، وإصفاقُهم على منعهم من الدخول عليهم، ومنها: طلب التفرُّغ لقتال غيرهم، ومنها: الأمن لمن أراد الدخول في الإسلام، وليتقوَّى على حربهم فيما يستقبل، وقالت طائفة: بل صالحهم وهو غير عاجز عنهم، لكن طمعًا في أن
يُسلموا، أو يُسلم بعضهم، وممن رُوي عنه القول بالمهادنة للعدو: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وغيرهم (٣) .
_________________
(١) وقال ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٣١٣): «للإمام إذ رأى مصالحة العدو ومهادنتهم، أن يبدأ هو، فيعرض ذلك، لأن النبي - ﷺ - بدأ، فقال لبُديل بن ورقاء: «إن قريشًا قد نهكتهم الحرب، فإن شاؤوا هادنتهم مدة» » .
(٢) أخرجه من حديث البراء بن عازب: البخاري في «صحيحه» في عدة مواطن (الأرقام: ١٨٤٤، ٢٦٩٨، ٢٦٩٩، ٢٧٠٠- معلقًا، ٣١٨٤، ٤٢٥١) . ومسلم (٩٠، ٩١، ٩٢) (١٧٨٣) . ومسلم من حديث أنس (٩٣) (١٧٨٣) . والبخاري (٣١٨١، ٣١٨٢، ٤١٨٩، ٤٨٤٤، ٧٣٠٨)، ومسلم (٩٤، ٩٥، ٩٦) (١٧٨٥) من حديث سهل بن حنيف -﵃ جميعًا-.
(٣) انظر في مذهب الشافعية: «الأم» (٤/٢٠١- ط. دار الفكر)، «منهاج الطالبين» (٣/٣٠٤)، «روضة الطالبين» (١٠/٣٣٤)، «المهذب» (٢/٢٥٩-٢٦٠)، «البيان» للعمراني (١٢/٣٠٢، ٣٠٦)، «شرح النووي على صحيح مسلم» (٧/٤١٩)، «مغني المحتاج» (٤/٢٦٠) . وفي مذهب المالكية: «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٩٧)، «الكافي» (١/٤٦٩)، «الذخيرة» (٣/ ٤٤٩)، «النوادر والزيادات» (٣/٣٤١)، «قوانين الأحكام» (ص ١٧٥)، «حاشية الدسوقي» (٢/٢٠٥) . وفي مذهب الحنفية: «الهداية» (٢/٤٢٩)، «البناية» (٥/٦٦٩)، «فتح القدير» (٥/٤٥٥)، «المبسوط» (١٠/٨٦)، «بدائع الصنائع» (٧/١٠٩)، «الفقه النافع» للسمرقندي (٢/٨٤٢ رقم ٥٦٩) . وهو مذهب الحنابلة -أيضًا-؛ انظر: «المغني» (١٣/١٥٤) . =
[ ٣٢٧ ]
واختلفوا في القدر المبيح لذلك؛ فرُوي عن الأوزاعي (١): أن المهادنة تجوز إذا كان ذلك نظرًا للمسلمين، وإبقاءً عليهم، وقال أصحاب الرأي (٢): إذا كان ذلك خيرًا للمسلمين، وكانوا يخشون إن لم يوادعوهم أن لا يقووا عليهم؛ جاز، فإن وادعوهم على ذلك، ثم رأى المسلمون أن بهم قوةً فعليهم أن ينبذوا إليهم، ثم يقاتلوهم. وقال الشافعي (٣): إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين أو طائفةٍ منهم؛ جاز لهم الكَفُّ عنهم ومهادنتهم، وعند الشافعي: لو زال ضعف المسلمين، لم يجز أن ينبذوا إليهم إلى كمال المدة، وكذلك عنده (٤): إذا خاف منهم خيانة، لم يجز له أن ينبذ إليهم، إلا أن تقوم دلالة على ذلك من خبرٍ أو عيانٍ، وإذا لم يكن إلا مجرد الظنِّ؛ فليتمَّ عهدهم إلى مدتهم (٥) .
_________________
(١) = والكلام السابق نقله المصنف من «الأوسط» لابن المنذر (١١/٣١٢) بتصرف. ومذهب الأوزاعي في «اختلاف الفقهاء» (١٤) للطبري، «عمدة القاري» (١٥/٩٧)، وانظر: «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤٢١-٤٢٢) .
(٢) انظر: «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤٢١-٤٢٣) .
(٣) انظر: «الهداية» (٢/٤٢٩-٤٣٠)، «البناية» (٥/٦٦٩)، «فتح القدير» (٥/٤٥٥-٤٥٦)، «المبسوط» (١٠/٨٦)، «بدائع الصنائع» (٧/١٠٩)، «الفقه النافع» (٢/ ٨٤٢)، «أحكام القرآن» للجصاص (٤/٢٥٥)، «إعلاء السنن» (١٢/٣٠)، وانظر: «الأوسط» (١١/٣٣٣) .
(٤) في «الأم» (٤/١٩٩) .
(٥) «الأم» (٤/١٩٦- ط. دار الفكر) .
(٦) فجمهور العلماء -عدا الحنفية- يَروْن أن عقد الهدنة يلزم الوفاء به حتى تنتهي مدته، ما لم تظهر دلائل الخيانة، فيصح -عندئذٍ- نَبْذُه في الحال. انظر في فقه المالكية: «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٩٨)، «قوانين الأحكام» (ص ١٧٥)، «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/٨٨٨)، «تفسير القرطبي» (٨/٣٢) . وفي فقه الشافعية: «الأم» (٤/١٩٩)، «المهذب» (٢/٢٦٣)، «البيان» (١٢/٣٢٨)، «المنهاج» (٣/٣٠٥، ٣٠٦)، «روضة الطالبين» (١٠/٣٣٨، ٣٣٩)، «مغني المحتاج» (٤/٢٦٢) . وفي فقه الحنابلة: «المغني» (١٣/١٥٨- ط. هجر)، «الفروع» (٦/٢٥٣) . وانظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/٣٢٧، ٣٣١)، «معالم السنن» للخطّابي (٤/٦٣-٦٤)، =
[ ٣٢٨ ]
واختلفوا -أيضًا- في المهادنة: هل يجوز عقدها لغير مُدّة؟ فقيل: يجوز، وهو ظاهر مذهب مالك (١)، وقيل: لا تجوز المهادنة إلا إلى مدة (٢)؛ لأن عقد ذلك إلى غير مدة يوجب الكفَّ عنهم على الدوام، وذلك لا يجوز؛ لأن قتالهم متى قُدر عليه فهو يجب، حتى يسلموا، أو يؤدوا الجزية إن كانوا من أهلها، وهو قول الشافعي (٣) .
ثم اختلف في المدة، فقيل: ذلك راجع إلى ما تدعو الضرورة إليه في مصالح أهل الإسلام من غير حدٍّ، وقيل: بل لأكثرها حدٌّ لا يتعدى، وذلك أقصى ما رُوي في المدة التي صالح رسول الله - ﷺ - عليها المشركين من قريشٍ عام الحديبية. واختلف في قدرها، فقيل: أربعة أعوام (٤)، وقيل: عشرة أعوام، وهو المنقول في السير وأكثر الآثار (٥) .
_________________
(١) = «تفسير ابن كثير» (٢/٢٣٥)، «فتح الباري» (٦/٢٧٥-٢٧٦)، «أحكام أهل الذمة» (٢/٤٨٢)، «نيل الأوطار» (٨/٥٧)، «الجهاد والقتال في السياسة الشرعية» (٣/١٤٨٠- وما بعدها) .
(٢) والمدة عند المالكية لا تَتَعيَّن، بل هي موكولة إلى اجتهاد الإمام، وما يراه الأصلح في حال عقد المهادنة من الإطالة أو عدمها. قال ابن عبد البر في «الكافي» (١/٤٦٩): «ويستحبُّ ألا تكون مدة المهادنة أكثر من أربعة أشهر، إلا مع العجز» . وانظر: «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٩٧)، «الذخيرة» (٣/٤٤٩) .
(٣) انظر: «الإقناع» لابن المنذر (٢/٤٩٨) . وهومذهب جمهور العلماء، خلافًا للمالكية. كما ذكر المصنف ذلك عنهم.
(٤) انظر: «الأم» للشافعي (٤/٢٠٠، ٢٠١)، «المهذب» (٢/٢٥٩، ٢٦٠)، «الإقناع» (ص ١٧٧)، «البيان» (١٢/٣٠٦)، «منهاج الطالبين» (٣/٣٠٤)، «روضة الطالبين» (١٠/٣٣٥)، «مغني المحتاج» (٤/٢٦١) .
(٥) ذكر ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٣٣٢) في ذلك خبرًا، فيه ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، أن قريشًا هادنت رسول الله - ﷺ - وصالحته على سنين أربع. وابن لهيعة معروف حاله، مع الإرسال الذي فيه.
(٦) انظر جُلّ الكلام السابق، ابتداءًا من قوله: «واختلفوا في القدر المبيح لذلك »، في: =
[ ٣٢٩ ]
خرَّج أبو داود (١) في مدة صلح الحديبية، عن المِسور بن مخرمة، ومروان
بن الحكم، أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين. وهو قول الشافعي (٢) .
_________________
(١) = «الأوسط» لابن المنذر (١١/٣١٢-٣١٣) .
(٢) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في صلح العدو) (رقم ٢٧٦٦- مختصرًا) من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور، ومروان، به، وفيه: أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيهنّ الناس، وعلى أن بيننا عيبةً مكفوفة، وأنه لا إسلال، ولا إغلال. وهذا إسناد حسن، ففيه محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد عنعن، ولكنه صرح بالتحديث في بعض ألفاظ الحديث عند غير أبي داود، فانتفت شبهة تدليسه، وقد توبع، كما عند أحمد (٤/٣٢٨)، وبقية رجال الإسناد ثقات. وأخرجه مختصرًا ومطولًا: الطبري في «تفسيره» (٢٦/١٠١)، وفي «تاريخه» (٦/٦٢٠)، وابن خزيمة (٢٩٠٦)، والحاكم (٢/٤٥٩)، والطبراني في «الكبير» (٢٠ رقم ١٤ و١٦)، وأبو عبيد في كتاب «الأموال» (ص ٢٠٧/ رقم ٤٤٢)، والبيهقي في «الكبرى» (٥/٢١٥، ٩/٢٢١-٢٢٢، ٢٢٣، ٢٢٧، ٢٢٨، ٢٣٣)، وفي «دلائل النبوة» (٤/١١٢، ١٤٥)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (١٣/١٠٥)، من طرقٍ، عن ابن إسحاق، به. وأورده ابن هشام في «السيرة» (٢/٣٠٨) . ثم روى البيهقي بسنده، عن عاصم بن عمر بن حفص العمري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر -﵁- قال: «كانت الهدنة بين النبي - ﷺ - وأهل مكة عام الحديبية أربع سنين» . وذكر أن عاصمًا ضعيف جدًا. قال: «والمحفوظ هو الأول -أي: الهدنة عشر سنين-. وعاصم بن عمر هذا يأتي بما لا يتابع عليه، ضعفه: يحيى بن معين، والبخاري، وغيرهما» . وذكر ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٣٣٢) خبرًا عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، أن قريشًا هادنت رسول الله - ﷺ -، وصالحته على سنين أربع. أخرجه أبو عبيد في كتاب «الأموال» (ص ٢٠٦ رقم ٤٤١) حدثنا هشام بن عمار، عن الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة، به. والوليد بن مسلم: ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية. كما قال الحافظ في «التقريب» (٨٣٩٧) . وابن لهيعة: صدوق، خلَّط بعد احتراق كتبه. كما في «التقريب» (٣٩٤٥) . قوله: لا إسلال، أي: الغارة الظاهرة. ولا إغلال، أي: الخيانة. أي: على أن لا يأخذ بعضنا مال بعضٍ، لا في السِّرِّ، ولا في العلانية.
(٣) انظر: «الأم» (٤/٢٠٠)، و«الأوسط» لابن المنذر (١١/٣٣٢) . وهو قول أحمد. انظر: «المغني» (١٣/١٥٥) .
[ ٣٣٠ ]
واستدلَّ من رأى أنّ الزيادة على ذلك ممنوعة، بأن الله -تعالى- فرض قتال الكفار، فوجب القيام بذلك، فلمَّا هادن رسول الله - ﷺ - مشركي أهل مكة، كانت تلك المدة مع العُذر الموجود أقصى ما يجوز في ذلك (١) .
وفرَّق الشافعي في السبب الموجب للهدنة، فرأى أن ما كان سبب الموادعة فيه تألف المشركين، رجاء أن يسلموا، أو يعطوا الجزية، ونحو ذلك من أنواع المصلحة التي من غير ضعفٍ بالمسلمين عنهم، فأقصى مدة ذلك أربعة أشهر، لا تزيد عليها، على أصحِّ القولين عندهم (٢)، وفي القول الثاني: يجوز فيما دون السَّنَة.
فدليل الأول: ما جعله الله أَجلًا للمشركين في سورة (براءة) لمثل ذلك، وذلك قوله -سبحانه-: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]، ووجه الثاني، قالوا: لأن السَّنة مدة الجزية، فلا يُسامح فيها إلا بمال، وأما إن كان سبب المهادنة عنده الضعف بالمسلمين، والعجز عن مقاومة عدوهم، فيجوز ما بينه وبين عشرة أعوام؛ للدليل الذي تقدم ذكره في مدة صلح أهل مكة (٣) .
فصلٌ
الصلح على المهادنة، والموادعة، يقع على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون مهادنة من الفريقين دون ذكر المال، فذلك جائز في موضع العُذر وطلب المصالح للمسلمين؛ لأن مهادنة النبي - ﷺ - مشركي مكة عام الحديبية كانت كذلك من غير مال.
والثاني: أن تكون على مالٍ يؤديه الكفار، وذلك -أيضًا- جائز؛ لأن أخذ المال منهم على ذلك صَغارٌ لهم، وليس هو من سبيل الجزية في شيء؛ لأن حكم الجزية أن يكونوا بحيث يستولي عليهم نظر المسلمين وسلطانهم، ويستوجبون هم
_________________
(١) وقال ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٣١٢): وبه أقول.
(٢) نحوه في «الأم» للإمام الشافعي (٤/٢٠١)، ونقله عنه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٣٣٣) .
(٣) انظر: «الأوسط» (١١/٣١٣) .
[ ٣٣١ ]
مع ذلك ذمة المسلمين، حتى يقاتلوا عنهم عدوهم، والجزية مما يجب دعاؤهم إليها إن كانوا من أهلها، وإجابتهم إن كانوا هُم الداعي إليها على كل حال، وليس كذلك في المهادنة؛ لأن المهادنة لا تجوز إلا من ضرورة -كما تقدم-.
والوجه الثالث (١): أن يكون على مالٍ يؤدِّيه المسلمون، ففي جواز ذلك خلاف؛ رُوي عن الأوزاعي (٢) أنه قال: «لا يصلح ذلك إلا عن ضرورةٍ وشغلٍ من المسلمين عن حربهم، من قتال عدوهم، أو فتنةٍ شملت المسلمين، فإذا كان ذلك؛ فلا بأس» . وروي نحو ذلك عن سعيد بن عبد العزيز، وقال: فعله معاوية أيام صفِّين، وعبد الملك بن مروان؛ لشغله بقتال ابن الزبير (٣) .
وقال الشافعي (٤): «لا خير في أن يعطيهم المسلمون شيئًا بحالٍ على أن
_________________
(١) ذكره الونشريسي في «المعيار المعرب» (٣/١١١)، وقال: «ولم أرَ من ذكر مسألة المهادنة من المالكية غير ابن أصبغ، المشتهر بابن المناصف في كتاب سماه «الإنجاد في أبواب الجهاد»، ولم يذكر فيه قولًا لمالكي» . ثم نقل كلامه وكلام الإمام الشافعي الذي بعده.
(٢) انظر: «الأوسط» (١١/٣٣٥)، «اختلاف الفقهاء» للطبري (١٤- وما بعدها)، «فتح الباري» (٦/١٧٣)، «عمدة القاري» (١٥/٩٧)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤٢١-٤٢٢) .
(٣) ففي سنة سبعين للهجرة، على عهد (عبد الملك بن مروان) -كما قال البلاذري-: «خرجت خيلٌ للروم إلى جبَل اللُّكام وعليها قائدٌ من قُوَّادهم، ثم صارت إلى لُبنان، وقد ضَوت إليها جماعةٌ كثيرة من الجراجمه، وأنباطٌ، وعبيدٌ أُبّاقٌ من عبيدِ المسلمين، فاضطرَّ عبد الملك إلى أن صالحهم على ألف دينارٍ في كُلِّ جُمعة، وصالح طاغية الروم على مالٍ يؤدِّيه إليه لِشغلهِ عن محاربته، وتخوُّفه أن يخرجَ إلى الشام فيغلب عليه» . واقتدى في صُلحه بمعاوية حين شغل بحربِ أهل العراق، فإنه صالحهم على أن يؤدي إليهم مالًا، وارتهن منهم رُهَناء، وضعهم في بَعْلَبَك. انظر: «فتوح البلدان» للبلاذري (ص ١٦٤) . وقال الطبري في «تاريخه» (٦/١٥٠) ما نصُّه: «ثم دخلت سنة سبعين ففي هذه السنة: ثارت الروم، واستجاشوا على مَن بالشام من ذلك من المسلمين. فصالح (عبد الملك) مَلِكَ الروم على أن يؤدِّيَ إليه في كل جمعة ألف دينار، خوفًا على المسلمين» . وانظر: «الجهاد والقتال في السياسة الشرعية» (٣/١٤٩٣) .
(٤) انظر: «الأم» (٤/١٩٩)، ونقله عنه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٣٣٤-٣٣٥) . =
[ ٣٣٢ ]
يكُفُّوا عنهم؛ لأن القتل للمسلمين شهادة، والإسلام أعزُّ من أن يُعطى مشركٌ على أن يكفَّ عنه، قال: إلا أن يخاف المسلمون أن يصطلموا؛ لكثرة العدو، وقِلّتهم، أو خلّة فيهم، فلا بأس أن يُعطوا في تلك الحال شيئًا ليَتَخَلَّصوا منهم؛ لأنه من معاني الضرورات، يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها، أو يؤسر مسلم، فلا يُخلّى إلا بفدية، فلا بأس؛ لأن رسول الله - ﷺ - فدى رجلين من المسلمين أسرهما العدو، برجلٍ (١) من المشركين» .
والأرجح ما ذكره الشافعي، أن ذلك لا يجوز لكل عذر، من مضرةٍ تُتّقى، أو مصلحةٍ تُرتجى، فإن في إعطاء المال لأهل الكفر على أن يكفوا صغارًا على أهل الإسلام، وذلك لا يجوز أن يستجلب بمثله مصلحة، أو يستدفع به ما لا يستأصل من المضرَّة، فإذا انتهى الأمر إلى خوف الاستئصال والاصطلام، بإحاطة العدو وقوته، وتحقق العجز عن مقاومته، جاز في هذه الحال؛ لأنه أيسر المكروهَيْن، والله أعلم.
وقد ظنَّ من ذهب إلى جواز إعطاء المسلمين المال في مصالحة العدو لضرورةٍ تَعْرِضُ في ذلك -وإن لم ينته الضَّعف بالمسلمين غايته- أن له دليلًا على ذلك، في حديث خرَّجه أبو عبيد في كتابه «الأموال» (٢) . قال: حدثنا عبد الله بن
_________________
(١) = وتحرفت كلمة (يصطلموا) في مطبوع «الأم» (طبعة دار الكفر) إلى (يصطلحوا) .
(٢) كذا في الأصل، وفي المنسوخ: «برجلين»، وصواب العبارة أن يُقال: فَدَى رجلًا من المسلمين برجلين من المشركين، كما في مطبوع «الأم»، و«الأوسط» . وقد مضى تخريجه.
(٣) «كتاب الأموال» (ص ٢١٠-٢١١/رقم ٤٤٥) . وعبد الله بن صالح، هو كاتب الليث: صدوق كثير الغلط، ولكنه ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة. وبقية رجال الإسناد ثقات. وهو مرسل. وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٢/٦٩- ط. مكتبة الخانجي): أخبرنا محمد بن حُميد العبدي، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، به، مرسلًا. وفي مطبوع «الطبقات» -أبي المسيب- بدل: ابن المسيب. وورد الحديث نحوه مطولًا، وفيه أن النبي - ﷺ - أرسل إلى عيينة، والحارث بن عوف -وهما قائدا غطفان-، وورد نحوه مختصرًا من حديث أبي هريرة. ذكره الهيثمي في «المجمع» (٦/١٣٢- =
[ ٣٣٣ ]
صالح، عن الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهابٍ، قال: كانت وقعة الأحزاب بعد أُحدٍ بسنتين، وذلك يوم حفر رسول الله - ﷺ - الخندق، ورئيس الكفار يومئذٍ: أبو سفيان بن حرب، فحاصروا رسول الله - ﷺ - بضع عشرة ليلة، فخلص إلى المسلمين الكرب، فقال رسول الله - ﷺ - -كما أخبرني سعيد بن المسيب-: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تُعبد»، وحتى أرسل رسول الله - ﷺ - رسولًا إلى عيينة بن حصن -وهو يومئذٍ رئيس الكفار من غطفان، وهو مع أبي سفيان-، فعرض عليه رسول الله - ﷺ - ثُلث ثمر نخل المدينة، على أن يُخذِّل الأحزاب، وينصرف بمن معه من غطفان، فقال عيينة: بل أعطني شطر ثمرها، ثم أَفْعَلُ ذلك، فأرسل رسول الله - ﷺ - إلى سعد بن معاذ -وهو سيّد الأوس-، وإلى سعد بن عبادة -وهو سيد الخزرج-، فقال: «إن عيينة سألني نصف ثمر نخلكم على أن ينصرف بمن معه من غطفان، ويُخذِّل بين الأحزاب، وإني أعطيته الثلث، فأبى إلا النّصف، فما تريان (١)؟!» . فقالا: يا رسول الله، إن كنت أُمرتَ بشيء فافعله، فقال رسول الله - ﷺ -: «لو أُمرت بشيءٍ لم أستأمركما فيه، ولكن هذا رأْيٌ أعرضه عليكما»، قالا: فإنا لا نرى أن نعطيهم إلا السيف، فقال رسول الله - ﷺ -: «فنعم» .
فزعموا أن موضع الدليل منه ما كان من صغوِ رسول الله - ﷺ - إلى مصالحة عيينة على جزء من الثمر، ولا حجة في شيءٍ من ذلك؛ لأن الحديث لو لم يكن في رفعه متكلم؛ لكان مع ذلك لا دليل لهم منه؛ لوجوه:
_________________
(١) = ١٣٣) وعزاه إلى البزار والطبراني. وقال: «ورجال البزار والطبراني فيهما محمد بن عمرو، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات» . قلت: أخرجه البزار (٢/٣٣١-٣٣٢ رقم ١٨٠٣- «كشف الأستار») عن عقبة بن سنان، عن عثمان بن عثمان الغطفاني، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وقال: «لا نعلم رواه عن محمد بن عمرو -هكذا- إلا عثمان، ولم نسمعه إلا من عقبة» . قلت: وجميع رجاله ثقات، سوى عثمان: فهو صدوق، ربما وهم، كما في «التقريب» (٤٥٠٠) . وانظر: «سيرة ابن هشام» (٣/١٧٦- ط. دار الخير)، و«سبل الهدى والرشاد» (٤/٣٧٦، ٣٨٣) .
(٢) بعدها في المنسوخة فقط: «لِفعلته» ولا وجود لها في الأصل ولا عند أبي عبيد.
[ ٣٣٤ ]
منها: أنه - ﷺ - لم يفعل ذلك، ولا قال: إنه أُمِر به، وإنَّما وقع ذلك على سبيل الإرتياء والنظر، الذي استقرَّ آخره على أن لا يفعل، فهو إلى الاستدلال على المنع أقرب؛ ثم إنه لم تكن إرادة البذل في هذا لمجرد الهدنة، بل كان فيه من المحاولة الحربية ما يعود بإضعاف العدوّ وخزيهم، وتشتيت جماعتهم، والتخذيل بينهم، وتلك من مكائد الحرب، فأمرُ البذل فيها يضاهي الجُعل والإجارة على الشيء يُفعل، والله أعلم.
*****
[ ٣٣٥ ]
مسائل من أحكام المستأمن
* مسألة:
اختلفوا في المستأمن يريد الإقامة بدار الإسلام:
فقال الأوزاعي (١): لا يُترك، إلا أن يُسْلِم، أو يؤدِّي الجزية، أو بإذن الإمام.
وقال أحمد: إذا أمَّنه الإمام؛ فهو على أمانه حتى يرده إلى مأمنه (٢) .
وقال الشافعي (٣): إن كان من أهل الكتاب، قيل له: إن أردت المقام فأدِّ الجزية، وإن لم تُرد فارجع إلى مأمنك، فإن استنظر، فأحبُّ إليَّ ألاَّ يُنظر إلا أربعة أشهر؛ لأن الله -تعالى- جعل للمشركين أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر، وأكثر ذلك أن لا يبلغ به الحول؛ لأن الجزية في حول، فلا يقيم في دار الإسلام مقام من يؤدي الجزية ثم لا يؤديها، وإن كان من أهل الأوثان، فلا تؤخذ منه الجزية، ولا ينظر إلا كإنظار هذا، وهو دون الحول.
* مسألة:
اختلفوا في الحربي المستأمن، يقدم بأسرى مسلمين أحرار أو عبيد؛ فقيل: يُحال بينه وبينهم، ويخلى سبيل الأحرار، ويردُّ العبيد على ساداتهم، ولا يعطى المستأمن عوضًا عن ذلك شيئًا، وعلى هذا ينبغي أن يكون تأمينهم، والعهد معهم، فإن عقد على غير هذا، فالعقد فاسد، وانتزاعهم على كلِّ حال واجب، ولا
_________________
(١) «اختلاف الفقهاء» (٣٢) للطبري، «المغني» (١٣/٧٩) .
(٢) انظر: «المغني» (١٣/٧٩-٨٠) .
(٣) «الأم»: سير الواقدي (باب قطع الشجر وحرق المنازل) (٤/٣٠٨) . وانظر: «الأوسط» لابن المنذر (١١/٢٦٩)، «الرد على سير الأوزاعي» (١٣٠)، «السنن الكبرى» (٩/٢٢٦-٢٢٧) للبيهقي.
[ ٣٣٦ ]
وفاء في معصية؛ وهو قول أهل الظاهر (١) .
وقيل: لا يعترض في شيء من ذلك على حال، ويكون له الرجوع بهم إن شاء؛ وهو قول ابن القاسم (٢) .
وقيل: يُنتزعون منه، ويُعطى في كلِّ مسلمٍ أوفرَ قيمة، قاله عبد الملك بن الماجشون، ورواه عن مالك، وكذلك قال ابن حبيب (٣)، قال: ويباع عليه عبيده إذا أسلموا، وكذلك يفعل بالذِّميِّ، ثم لا يكون ذلك نقضًا للعهد.
وفرَّق بعضهم فقال: يُجبر على بيع المسلمات، ولا يُجْبَرُ في الذكران، وهي روايةٌ عن ابن القاسم، وقاله ابن القصَّار (٤) .
والأرجح -إن شاء الله-: ما ذهب إليه ابن الماجشون، ورواه عن مالك، وقاله ابن حبيب؛ لأن الوفاء لهم بالأمان واجبٌ في النفس والمال، ما لم يعترض
_________________
(١) انظر: «المحلى» (٧/٣٠٦ المسألة رقم ٩٣٢) .
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/١٤٤، ٣٣٦)، ووافقه ابن الموّاز. وممَّا نقله عنهما صاحب «النوادر»: أنه لو نزل حربيون بأمان، وعندهم مسلمات مأسورات لم ينتزعن منهم، ولا يمنعون من الوطء لهن. قال: وقال ابن القاسم: لو تذمَّم حربيون، وبأيديهم أسرى مسلمون أحرار، فهم باقون في أيدي أهل الذمة، عبيدٌ لهم كما كانوا. قال ابن حزم في «المحلّى» (٧/٣٠٦) بعد ذكره كلام ابن القاسم، ونسبه إلى مالك -أيضًا-: «وهذان القولان لا نعلم قولًا أعظم فسادًا منهما، ونعوذ بالله منهما، وليت شعري!! ما القول لو كان بأيديهم شيوخ مسلمون، وهم يستحلون فعل قوم لوط، أيتركون وذلك؟!، أو: لو أن بأيديهم مصاحف، أيتركون يمسحون بها العذر عن أستاههم؟! نبرأ إلى الله -تعالى- من هذا القول أتمَّ البراءة، ونعوذ بالله من الخذلان» . اهـ. كلامه -﵀-.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/١٤٤، ٣٣٦)، «البيان والتحصيل» (٣/٤٨)، وقاله: مطرِّف، وابن نافع. فمذهب ابن القاسم خلاف مذهب مالك في أسرى المسلمين، فما نقله ابن حزم في «المحلى» (٧/٣٠٦) أنه مذهبهما غير دقيق، وله مثل ذلك كثير، مما يحتاج إلى تصنيف مفرد. وانظر: «اختلاف الفقهاء» (٤٦-٤٧، ٥٠) للطبري.
(٤) انظر: «الذخيرة» (٣/٤٤٠) .
[ ٣٣٧ ]
ذلك معصية لله -﷿-، فَتَرْكُ المسلم في أيديهم مع التمكن من إرساله معصيةٌ، واغتيالهم فيه (١) من غير عوضٍ خيانة، ولما كان لنا فيما أوجبه الله
-تعالى- من فكِّ الأسارى طريقان: واحدة من جهة المحاربة والقهر، وأخرى من جهة بذل المال والفداء، ولم يكن هؤلاء من أهل الحرب: تعيَّن إرساله؛ وبذل قيمته، قيامًا بالفرضين: إنقاذ المسلم، والوفاء في العِوَضِ، والله أعلم.
*****
_________________
(١) كذا في الأصل والمنسوخ! ولعلَّ صوابه: «واغتياله فيهم» .
[ ٣٣٨ ]