في المرتدين، والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل
أحكامهم، وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم
قال الله -﵎- في الحد المنتَهَى إليه من قتل الكفار وقتالهم: ﴿ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]، وقال -تعالى-: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] .
وخرّج مسلم (١)، عن عبد الله بن عمر: قال رسول الله - ﷺ -: «أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوه؛ عصموا منِّي دماؤهم وأموالهم، وحسابهم على الله -﷿-» .
وخرَّج -أيضًا- (٢) عن أبي بَكْرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنَّ
الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض » الحديث. وفيه قال: «فإن دماءكم
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الإيمان (باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة ) (رقم ٢٢)، وفيه: «إلا بحقِّها، وحسابهم على الله» . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الإيمان (باب: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾) (رقم ٢٥س) من حديث ابن عمر -﵁-.
(٢) أي: مسلم، في «صحيحه» في كتاب القسامة والمحاربين (باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال) (رقم ١٦٧٩) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب المغازي (باب حجة الوداع) (رقم ٤٤٠٦) . وأخرجه في عدة مواطن -مطولًا ومختصرًا- (رقم ٦٧، ١٠٥، ١٧٤١، ٣١٩٧، ٤٦٦٢، ٥٥٥٠، ٧٤٤٧، ٨٠٧٨) .
[ ٦٠١ ]
وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، فلا ترجعوا بعدي كفارًا -أو: ضلالًا- يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلّغ الشاهدُ الغائب» .
فالكتاب والسنة والإجماع على عصمة دم المسلم وتحريمه، لا خلاف في ذلك بين الأمة، إلا أن يأذنَ الشرع في شيء من ذلك؛ لحقٍّ أوجبه؛ فيكون ذلك مستثنىً من عموم ما تقدم. وقد جاء من تخصيص ذلك في الكتاب والسنة ما أوجب المصير إليه، والاقتصار عليه.
قال الله -تعالى-: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١، الإسراء: ٣٣] .
وخرَّج مسلم (١) في حديث جابر عن رسول الله - ﷺ -: « فإذا قالوا: لا إله إلا الله؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» . ففي قوله -تعالى-: ﴿إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾، وقوله - ﷺ -: «إلا بحقِّها» بيانٌ أن هناك أشياء تبيح ذلك منه، إذا هو ارتكبها بعد الإيمان، وإن كان لفظ الحق ها هنا مجملًا؛ فقد جاء مفسرًا: منه في القرآن، ومنه في السُّنة الصحيحة. قال الله -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] . وبيَّن -تعالى- وجه الحكمة، وموقع النعمة في ذلك بقوله -﷿-: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقال -تعالى-: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] .
وتواتر عن رسول الله - ﷺ - إيجاب قتل الزاني المحصن، رَجْمًا بالحجارة (٢)، والأمر بقتل من رجع عن الإسلام (٣)؛ فكان ذلك كله مبيِّنًا
للحق الذي استثناه الله
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الإيمان (باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ) (٣٥) (٢١) .
(٢) انظر -على سبيل المثال-: «صحيح البخاري» . كتاب الحدود (باب رجم المحصن) .
(٣) أخرج البخاري في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب لا يعذب بعذاب الله) (رقم ٣٠١٧) من طريق عكرمة، أن عليًّا -﵁- حرَّق قومًا، فبلغ ابن عباس، فقال: لو كنت أنا، لم =
[ ٦٠٢ ]
-﷿-.
وخرَّج مسلم (١)، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ - قال: «والذي لا إله غيره! لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا ثلاثة نفر: التارك للإسلام، المفارق للجماعة، والثيب الزاني، والنفس بالنفس» . ورواه -أيضًا- عن عائشة (١)، عن النبي - ﷺ -، بمثله.
فكان ظاهرُ هذا الحديث حصْرَ الحق المستثنى في الثلاث، فتعلَّق بذلك قوم، وأَلْحَق آخرون بهذه ما أوجبه نصٌّ آخر ودليلٌ بيّن، واحتمل أن يكون تعيين هذه الثلاث بالحصر؛ لأنها أمهاتٌ، وقواعدُ في الشرع بَيِّنات في حفظ الدين والدماء والأنساب، وقد تقرر في الشرع تقرر التواتر بيان حكمها، وتمييز أنواعها، فلم يكن إقدام الحاكم في تنفيذ الحكم فيها يفتقر إلى نظرٍ وكشفٍ واستفسار، فكأنه قال: الحلُّ البيِّنُ الذي لا يخفى عليكم، ولا يشكل على نظركم، ونحو هذا مما يقع فيه الفرق بين هذه الثلاث وغيرها، وإلا فقد رويت آثار صحاح بإيجاب القتل في أحداثٍ غير هذه؛ من ذلك: ما خرَّجه مسلم (٢) عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا بويع لخليفتين؛ فاقتلوا الآخر منهما» . وخرَّج -أيضًا- (٣) عن عرفجة، عن النبي - ﷺ -: «من أراد أن يُفَرِّقَ أَمْرَ هذه الأمة وهي جميع؛ فاضربوه بالسيف، كائنًا من كان» .
وقاتل أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- مانعي الزكاة بمحضرِ الصحابة وموافقتهم (٤)، فكان كالإجماع.
_________________
(١) = أحرقهم؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «لا تعذبوا بعذاب الله» . ولَقَتَلْتُهُمْ؛ كما قال النبي - ﷺ -: «من بدَّل دينه فاقتلوه» . وأخرجه في كتاب استتابة المرتدين (باب حكم المرتد والمرتدة) (رقم ٢٩٢٢) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب القسامة والمحاربين (٢٦) (١٦٧٦) .
(٣) في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب إذا بويع لخليفتين) (٦١) (١٨٥٣) .
(٤) في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب حكم من فرَّق أمر المسلمين وهو مجتمع) (٥٩) (١٨٥٢) .
(٥) وهذه القصة معروفة مشهورة، فقد أخرجها البخاري في «صحيحه» في كتاب الزكاة (باب وجوب الزكاة) (رقم ١٣٩٩ و١٤٠٠)، ومسلم في «صحيحه» في كتاب الإيمان (باب الأمر بقتال =
[ ٦٠٣ ]
فدلَّ ذلك كلُّه على أنه تفسير للحق الذي استثناه الله -تعالى-
في كتابه، وعلى لسان رسول الله - ﷺ -، وحيث ما وجد دليل من الشرع، وجب الانتهاء إليه، ما لم يدل دليل آخر على نَسْخِه وتخصيصه، وما أشبه ذلك من الوجوه التي يجب المصير إليها. وعند تصفح هذه الأحداث الأُخر، التي جاء وجوب القتل فيها
-أيضًا-؛ يتبين لك الفرق في الوضوح، والتمييز للناظر بينها وبين الثلاث التي أفردت عنها في الحديث الذي ظاهره الحصر؛ وذلك: أن قتل الذي بويع له ثانيًا يفتقر إلى نظر وتأمل: هل كان قصد بذلك الخلاف على الأول، أو لم يكن علم ببيعة الأول، أو كان هو أحقَّ من الأول، أو كان بينهما من المسافةِ في الأرض وبُعْدِ البلاد ما لا يدركه نظر الأول، أو لم يعثر عليه حتى مات الأول؟
وكذلك من خرج على الناس، وأمرهم جميع، يحتمل أن يكون متأوِّلًا، فيجب أن يُبيَّنَ له، أو يكون مظلومًا، فيجب أن ترفع ظلامته، وما كان من نحو هذا، وكذلك ما وقع من النظر والاجتهاد في مانعي الزكاة، وكذلك فيمن ترك الصلاة، فكل واحدٍ من هذه يفتقر في تمييز نوعه الذي يجب القتل به، من غيره الذي لا يجب فيه إلى حالات واجتهادات يغمض معها دَرْكُ الثقة باستحلال القتل، فبذلك فارقت معنى الثلاث الأول، فكان حصر الحِلِّيَّةِ فيها مُشعرًا بوجوب النظر والتثبت فيما عداها مما أحله الشارع -أيضًا-؛ لافتراق وجوه التمييز في الاستحلال، والله أعلم.
ولما كان هذا الباب مختصًّا بقتال المرتدين، والمحاربين، وأهل البغي، وكلهم إمَّا مسلم في الحال، أو قد تقدم له اعتصام بالإسلام، وجب تقديم هذا الأصل، وتمهيد هذه القاعدة، ثم نعود إلى تفصيل القول في ذلك، بحسب ما وضع له هذا الباب، وهو يشتمل على ثلاثة أصناف: المرتدين، والمحاربين، وأهل البغي. فلنُقَسِّم القول فيه على ثلاثة فصول:
_________________
(١) = الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) (رقم ٢٠) . وأخرجه البخاري -أيضًا- في عدة مواطن من «صحيحه» (الأرقام: ١٤٥٦، ٦٩٢٥، ٧٢٨٥) .
[ ٦٠٤ ]
الفصل الأول: في أحكام المرتدين
قال الله -﷿-: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] .
ففيه دليل على وجوب قتلهم، ورفع احترام ما كان أوجبه الإيمان لهم. وثبت أن رسول الله - ﷺ - قال: «من بدَّل دينه فاقتلوه» (١) .
خرَّج البخاري، عن عكرمة، أن عليًّا حرَّق قومًا، فبلغ ابنَ عباس، فقال: لو كنت أنا، لم أُحرِّقْهُم؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «لا تعذبوا بعذاب الله»، ولقتلتهم، كما قال النبي - ﷺ -: «من بدَّل دينه فاقتلوه» (٢) .
وخرَّجه الترمذي (٣)، وقال فيه: إن عليًّا حرَّق قومًا ارتدوا عن الإسلام بمثله (٤) . وزاد في آخره: فبلغ ذلك عليًّا، فقال: صدق ابن عباس.
وهو إجماع المسلمين: أن الرجل البالغ العاقل، إذا كان ممن اتصف بالإيمان، ثم ارتدَّ مختارًا، غير مكره، فاستُتيب فلم يتب، واسْتُؤْنِيَ به فلم يُقْلع؛ أنه مباح الدم (٥) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب لا يعذَّب بعذاب الله) (رقم ٣٠١٧) . وفي كتاب استتابة المرتدين (باب حكم المرتد والمرتدة) (رقم ٦٩٢٢) .
(٢) هو الحديث السابق.
(٣) في «جامعه» . أبواب الحدود (باب ما جاء في المرتد) (رقم ١٤٥٨) . وقال فيه الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٤) وفي «صحيح البخاري» (رقم ٦٩٢٢): أتي علي -﵁- بزنادقة الحديث.
(٥) قال ابن حزم في «مراتب الإجماع» (١٤٦): واتفقوا أنَّ من كان رجلًا، مسلمًا، حُرًّا، باختياره، وبإسلام أبويه كليهما، أو تمادى على الإسلام بعد بلوغه ذلك، ثم ارتدَّ إلى دين كفر، كتابي أو غيره، وأعلن ردَّته، واستتيب في ثلاثين يومًا مئة مرة، فتمادى على كفره، وهو عاقل غير سكران، أنه قد حلَّ دمه، إلا شيئًا رويناه عن عمر، وعن سفيان، وعن إبراهيم النخعي أنه يستتاب أبدًا.
[ ٦٠٥ ]
واخلتفوا من ذلك في ثلاثة مواضع:
أحدها: هل يستتاب المرتد قبل القتل، أو يقتل بنفس الردَّة؟
والثاني: هل حكم المرأة في القتل بالردَّة حكم الرجل أو لا؟
والثالث: في لواحق أحكامه: في ميراثه، وأولاده، وجناياته حال ارتداده.
فصل
فأما اختلافهم في استتابة المرتد، فلأهل العلم في ذلك قولان مشهوران:
قول: إنه يستتاب؛ فإن تاب وإلا قتل، روي ذلك عن عمر (١)،
_________________
(١) أخرج عبد الرزاق في «المصنف» (١٠/١٦٥ رقم ١٨٦٩٦)، من طريق سفيان الثوري، وسعيد بن منصور في «سننه» (٣ رقم ٢٥٧٣) من طريق خالد بن عبد الله، والبيهقي في «الكبرى» (٨/ ٢٠٧) من طريق علي بن عاصم، جميعهم عن داود، عن الشعبي، عن أنس قال: بعثني أبو موسى بفتح تستر إلى عمر -﵁-، فسألني عمر -وكان ستة نفر من بني بكر بن وائل قد ارتدوا عن الإسلام، ولحقوا بالمشركين- فقال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قال: فأخذت في حديث آخر لأُشغله عنهم، فقال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قلت: يا أمير المؤمنين! قوم ارتدوا عن الإسلام، ولحقوا بالمشركين، ما سبيلهم إلا القتل، فقال عمر: لأن أكون أخذتهم سلمًا أحبّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس من صفراءَ أو بيضاءَ، قال: قلت: يا أمير المؤمنين! وما كنت صانعًا بهم لو أخذتهم؟ قال: كُنْت عارضًا عليهم الباب الذي خرجوا منه أن يدخلوا فيه، فإن فعلوا ذلك قبلتُ منهم، وإلا استودعتهم السجن. فعلى هذا، فليس مذهب عمر قتل المرتد إذا لم يتب. وأخرج مالك في «الموطأ» في كتاب الأقضية (باب القضاء فيمن ارتد عن الإسلام) (ص ٤٥٤ رقم ٧٩٤- ط. دار إحياء التراث) -ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» (٨/٢٠٧) -، وعبد الرزاق (١٠/ ١٦٤-١٦٥ رقم ١٨٦٩٥)، وابن أبي شيبة (١٠/١٣٨ رقم ٩٠٣٥) في «مصنفيهما»، وابن عبد البر في «التمهيد» (٥/٣٠٦-٣٠٧) جميعهم من طريق عبد الرحمن بن عبد القاري، عن أبيه، أنه قال: قدم على عمر بن الخطاب رجلٌ من قبل أبي موسى الأشعري، فسأله عن الناس، فأخبره، ثم قال له عمر: هل كان فيكم من مُغَرِّبةٍ خَبَرٌ؟ فقال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه. قال: فما فعلتم به؟ قال: قرّبناه، فضربنا عنقه. فقال عمر: أفلا حبستموه ثلاثًا، وأطعمتوه كل يومٍ رغيفًا، واستتبتموه، لعلَّه يتوب، ويراجع أمر الله؟! ثم قال عمر: اللهم إني لم أَحْضُر، ولم آمر، ولم أَرْضَ إذْ بلغني. وهذا لفظ مالك. واسم الرجل الذي خاطبه عمر: مجزأة بن ثور. كما عند عبد الرزاق. =
[ ٦٠٦ ]
وعثمان (١)، وعلي (٢) -﵃-، وبه قال عطاء والنخعي (٣)،
وإليه ذهب مالك (٤)،
_________________
(١) = قال البيهقي في «مختصر الخلافيات» (٤/٤٠٥)، و«الكبرى» (٨/٢٠٧): ليس بثابت. ونقل تضعيف الشافعي له. ونقل عنه قوله: لا نعلمه متصلًا. ورواه معمر -كما في إسناد عبد الرزاق- عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد القاري، عن أبيه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١٠/١٦٤ رقم ١٨٦٩٢)، والبيهقي في «السنن» (٨/ ٢٠٦)، وأبو يوسف في «كتاب الخراج» (ص ١٨٠)، عن سليمان بن موسى، أنه بلغه عن عثمان بن عفان -﵁- أنه كَفَر إنسانٌ بعد إيمانه، فدعاه إلى الإسلام -ثلاثًا-، فأبى، فقتله. وهذا لفظ عبد الرزاق، ولفظ البيهقي: عن سليمان بن موسى قال: كان عثمان بن عفان -﵁- يدعو المرتد ثلاث مرات، ثم يقتله. ولفظ أبي يوسف: عن عثمان قال: «يستتاب المرتد ثلاثًا» . قال: حدثنا أشعث عن الشعبي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يستتاب المرتد ثلاثًا، فإن تاب وإلا قتل» . وهذا مرسل ضعيف. وانظر: «المحلَّى» (١١/١٩٠)، «الإشراف» لابن المنذر (٢/٢٣٨) .
(٣) أثر علي: رواه عبد الرزاق (١٠/١٦٤ رقم ١٨٦٩١)، وابن أبي شيبة (١٠/١٣٨ رقم ٩٠٣٥) في «مصنفيهما»، والبيهقي في «الكبرى» (٨/٢٠٧)، من طريقين: الأول: عند عبد الرزاق، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن أبي العلاء، عن أبي عثمان النهدي، عن علي موقوفًا. والثاني: عند ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق حفص بن غياث، عن أشعث، عن الشعبي، عن علي موقوفًا. وإسناده صحيح.
(٤) مذهب النخعي، أخرجه عنه: عبد الرزاق في «المصنف» (١٠/١٦٦ رقم ١٨٦٩٧) قال: يستتاب أبدًا، قال: قال سفيان: هذا الذي نأخذ به. وكذا أخرج مذهب عطاء في «المصنف» (١٠/١٦٤ رقم ١٨٦٩٠) عن ابن جريج، قال: قال لي عطاءٌ في إنسان يكفر بعد إيمانه: يدعى إلى الإسلام، فإن أبى قُتل، قال: قلت: كم يُدْعَى؟ قال: لا أدري، قلت: عمَّن؟ قال: لا أدري، ولكِنّا قد سمعنا ذلك. وانظر: «الإشراف» لابن المنذر (٢/٢٣٨)، «المغني» (١٢/٢٦٨)، «السنن الكبرى» للبيهقي (٨/٢٠٣) .
(٥) انظر: «الموطأ» (٤٥٩)، «التفريع» (٢/٢٣١)، «جامع الأمهات» (ص ٥١٣)، «الكافي» (١/٤٨٥)، «بداية المجتهد» (٢/٤٥٩)، «المعونة» (٣/١٣٦١)، «عقد الجواهر الثمينة» (٣/٢٩٨)، «تهذيب المسالك في نصرة مذهب الإمام مالك» (٥/٦٥٨)، «شرح الزرقاني على مختصر خليل» (٨/٦٥)، «مواهب الجليل» (٦/٢٨١)، «القوانين الفقهية» (ص ٣٥٦)، «الإشراف» (٤/١٧٤ رقم =
[ ٦٠٧ ]
والشافعي (١)، وأصحاب الرأي (٢)، والثوري (٣)،
والأوزاعي (٤)، وأحمد (٥)، وإسحاق، وغيرهم (٦) .
_________________
(١) = ١٥٢٨- بتحقيقي)، «الخرشي» (٨/٦٥)، «الشرح الكبير» (٤/٣٠٤)، «تفسير القرطبي» (٣/٤٧)، «النوازل الجديدة الكبرى» لأبي عيسى الوزّاني (ت ١٣٤٢) (٣/٤٥) .
(٢) واختلف القول عن الشافعي في أن استتابة المرتد على الوجوب أو على الاستحباب، والمعتمد عندهم أنها على الوجوب. انظر: «الأم» (٦/١٤٨، ١٤٩)، «مختصر المزني» (ص ٢٥٩)، «الإقناع» للماوردي (١٧٤)، «روضة الطالبين» (٧/٢٩٦)، «المهذب» (٢/٢٢٣)، «منهاج الطالبين» (٣/٢٠١)، «المجموع» (١٩/ ٢٢٦، ٢٢٩)، «التهذيب» (٧/٢٨٨)، «البيان» (١٢/٤٧)، «حلية العلماء» (٧/٦٢٤)، «مغني المحتاج» (٤/١٣٩-١٤٠) . وانظر: «الإشراف» لابن المنذر (٢/٢٣٨) .
(٣) المشهور عند الحنفية أنّ استتابة المرتد ليست على الوجوب. انظر: «مختصر الطحاوي» (ص ٢٥٨)، «الهداية» (٢/٤٥٨)، «اللباب» (٤/١٤٨)، «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠٨)، «بدائع الصنائع» (٧/١٣٤)، «شرح السير الكبير» (٥/١٦٦)، «الجامع الصغير» (ص ٢٥)، «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص (٣/٥٠١ رقم ١٦٥١)، «أحكام القرآن» له (٢/٢٨٦)، «مجمع الأنهر» (١/٦٨٠)، «حاشية ابن عابدين» (٤/٢٢٥-٢٢٦) .
(٤) رواه عنه عبد الرزاق (١٠/١٦٦ رقم ١٨٦٩٧) . ونقله عنه: ابن المنذر في «الإشراف» (٢/ ٢٣٨)، وابن قدامة في «المغني» (١٢/٢٦٦) .
(٥) نقله عنه: ابن المنذر في «الإشراف» (٢/٢٣٨)، وابن قدامة في «المغني» (١٢/٢٦٦) .
(٦) انظر: «المغني» (١٢/٢٦٦- ط. هجر)، «المقنع» لابن البنا (٣/١١٠٨)، «شرح الزركشي» (٦/٢٤٦)، «الواضح» (٢/٢١٥، ٢١٧)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٥٧٤ رقم ١٨٢٢)، «الإفصاح» (٢/٤٠٠)، «مسائل الإمام أحمد» (٤٦٢، ٤٨٦- رواية الكوسج، ٢/٤٧٣-٤٧٥، ٣/ ١٣١- رواية صالح، ٣/١٢٩٠، ١٢٩١- رواية عبد الله)، «رؤوس المسائل» لأبي جعفر الهاشمي (٣/١١٣٥)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٤٤٦) . وهو أصح الروايتين عن أحمد: أنه يجب استتابة المرتد، وعنه قول آخر: أنه لا تجب استتابة المرتد لكن تستحب. ذكره عنه ابن قدامة في «المغني» (١٢/٢٦٦-٢٦٧) . وانظر: «كتاب التمام» لابن أبي يعلى (٢/١٩٩) .
(٧) كابن عمر -﵁-. رواه ابن أبي شيبة (١٠/١٣٨ رقم ٩٠٣٦)، والبيهقي (٨/ ٢٠٧) من طريق وكيع، عن سفيان، عن عبد الكريم، عمّن سمع ابن عمر، عن ابن عمر موقوفًا. =
[ ٦٠٨ ]
وقول: إنه يقتل بنفس الردة، ولا يستتاب، روي ذلك عن طاوس، وعبيد بن عمير، وقاله عبد العزيز بن أبي سلمة (١)، وقال أبو محمد بن حزم (٢): تضرب عنقه، سواء رجع إلى الإسلام أو لم يرجع، سواءٌ أعلن بالردة أو أَسَرَّ بها وجحدها، متى قامت عليه بذلك بيِّنةُ عدلٍ، إلا أنه إن رجع إلى الإسلام؛ غُسِّل وكُفِّنَ وصَلَّى
_________________
(١) = وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة من سمع من ابن عمر. وكذلك أبو موسى الأشعري. رواه البخاري في «صحيحه» (رقم ٦٩٢٣) . وسيذكره عنه المصنف. والزهري -أيضًا-، أخرجه عنه عبد الرزاق (١٠/١٦٤ رقم ١٨٦٩٣)، وابن أبي شيبة (٦/ ٥٨٤)، والبيهقي في «الكبرى» (٨/٢٠٣) . وكذلك هو مذهب الحسن البصري، فيما نقله عنه الشاشي في «حلية العلماء» (٧/٦٢٥) . وقال ابن المنذر: وقد اختلف فيه عن الحسن. وهو مذهب أهل الظاهر، كما سينقله المصنف عن ابن حزم. انظر: «البناية» (٥/٨٥٠-٨٥٣)، «فتح الباري» (١٢/٢٣٧)، «اللباب في الجمع بين السنة والكتاب» (٢/٧٧٨)، «الحاوي الكبير» (٥٧- حكم المرتد)، «نوادر الفقهاء» (ص ١٧٣)، «الإفصاح» (٢/٢٢٨)، «الإشراف» لابن المنذر (٢/٢٣٨)، «شرح السنة» (١٠/٢٣٩)، «المغني» (١٢/٢٦٧)، «تفسير القرطبي» (٣/٤٧)، «نيل الأوطار» (٨/٧-٨) .
(٢) أخرج مذهب عبيد بن عمير: عبد الرزاق (١٠/١٦٤ رقم ١٨٦٩٤)، وابن أبي شيبة (٦/ ٥٨٠- ط. دار الفكر)، قال في الرجل يكفر بعد إيمانه: يقتل. ومذهب طاوس، أخرجه عنه: عبد الرزاق (١٠/١٦٦ رقم ١٨٧٠٠) قال: لا يقبل منه دون دمه، الذي يرجع عن دينه. ونقله عنهما: ابن المنذر في «الإشراف» (٢/٢٣٨)، وابن قدامة في «المغني» (١٢/٢٦٧)، وقال: ويُروى ذلك عن الحسن. ومذهب عبد العزيز بن أبي سلمة رواه عنه سحنون. ذكر ذلك الباجي في «المنتقى» (٥/٢٨٢) . وقال أبو يوسف: أقتله ولا أستتيبه، إلا أنه إن بدرني بالتوبة خلَّيتُ سبيله، ووكلتُ أمره إلى الله. نقله عنه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/٢١٠)، والجصاص في «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٥٠١ رقم ١٦٥١) . وانظر: «بدائع الصنائع» (٧/١٣٤-١٣٥)، «أحكام القرآن» للجصاص (٢/٢٨٦)، «مجمع الأنهر» (١/٦٨٠)، «حاشية ابن عابدين» (٤/٢٢٥-٢٢٦) .
(٣) وقد ذكر هذه المسألة، وبسط أدلتها وأقوال أهل العلم فيها في «المحلّى» (١١/١٨٨-١٩٧) .
[ ٦٠٩ ]
عليه المسلمون.
وفيه قول ثالث يعزى إلى عطاء -أيضًا-: أنه إن كان مسلمًا ممن ولد في الإسلام ثم ارتد؛ قتل ولم يستتب، وإن كان مشركًا، ثم أسلم، ثم ارتد، استتيب (١) .
فدليل من رأى استتابته، ولم يَرَ قتله بمجرَّد الرِّدة: قوله -تعالى-: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] مع ما دلَّ عليه مفهوم الخبر، وأنّ القتل إنما وجب بحال، فإذا تاب وراجع الإسلام؛ ارتفع حكم القتل، كالكافر الأصلي، وقول الله -تعالى-: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وهو يَعُمُّ
كلَّ كافر كان منه إيمان قبل ذلك، أو لم يكن.
ودليل من أوجب القتل بنفس الارتداد: ظاهر الخبر في تعليق حكم القتل على وجود الردة، فإذا وجب القتل؛ لم يندفع إلا بحكم الشرع وتوقيفه في ذلك.
خرَّج مسلم (٢)، عن أبي موسى، عن رسول الله - ﷺ -، فذكر حديثًا طويلًا في كراهية طلب العمل، وقول النبي - ﷺ -: «لا نسْتعمل على عملنا مَنْ أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى -أو يا عبد الله بن قيس-، فبعثه إلى (٣) اليمن، ثم أتبعه معاذ ابن جبل، فلمّا قدم عليه، قال: إنزل، وألقى له وسادة، وإذا رجل عنده موثوق (٤)،
_________________
(١) قال ابن المنذر في «الإشراف» (٢/٢٣٨) بعد ذكره هذا القول عن عطاء، قال: والرواية الأولى عن عطاء أثبت. ونقله عنه الشاشي في «حلية العلماء» (٧/٦٢٥) . قلت: وهو القول الأول الذي ذكره المصنّف.
(٢) في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها) (٣/ ١٤٥٦- ط. عبد الباقي)، أو (١٨٢٤) (١٥) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم) (باب حكم المرتد والمرتدة) (رقم ٦٩٢٣)، وأخرجه في عدة مواطن (٢٢٦١، ٣٠٣٨، ٤٣٤١، ٤٣٤٣، ٤٣٤٤، ٦١٢٤، ٧١٤٩، ٧١٥٦، ٧١٥٧، ٧١٧٢) .
(٣) في الأصل المنسوخ: «إلى»، وفي مطبوع «صحيح مسلم»: «على» .
(٤) في هامش المنسوخ: «كذا الأصل، والوجه: موثق» . قلت: وهو الموافق لما في «الصحيح» .
[ ٦١٠ ]
قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديًّا فأسلم، ثم رجع إلى دينه (١) دينِ السَّوْءِ فتهوَّد، قال: لا أجلس حتى يُقْتَل! قضاء الله ورسوله -ثلاث مرات-»، فأمر به فقتل.
فكان ظاهر قوله: «حتى يقتل، قضاء الله ورسوله»، وقول أبي موسى له: «نعم»، ثم أمر به فقتل، ولم يعرض لاستتابته، أنه كذلك قضى رسول الله - ﷺ -.
وفيه الرَّد على من فرَّق بين المرتدِّ الذي كان كافرًا ثم أسلم، والمرتدِّ الذي ولد على الإسلام (٢) . وكأنَّ القولَ بالاستتابة أرجح؛ لعموم قوله -تعالى-: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، ولم
يفرِّق بين كافر وكافر، وقوله -تعالى- في المنافقين: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا. مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٦-١٤٧] . والمنافقون: ممن آمن ثم كفر.
وأمَّا حديث أبي موسى فليس بذلك الظهور فيما يُدَّعى من سقوط الاستتابة (٣) .
ثم اختلف القائلون بالاستتابة في مدة التربص به، فقيل يستتاب مرة،
فإن تاب وإلا قتل مكانه، وإليه ذهب الشافعي والمزني (٤)، وقاله أبو بكر بن
_________________
(١) كذا في الأصل والمنسوخ: «رجع إلى دينه»، وفي مطبوع «صحيح مسلم»: «راجَعَ دينه» .
(٢) هو مذهب الحنفية، انظر وجه التفريق عند الكرابيسي في كتابه «الفروق» (٢/٣٣٥-٣٣٦) .
(٣) وذلك أنه ثبت في بعض روايات الحديث أن الرجل استتيب فلم يتب. وسيأتي تخريجه قريبًا.
(٤) اختلف قول الشافعي في هذا الباب، فقال في (كتاب المرتد) من «الأم» (٦/١٤٨): يقتل مكانه. وقال في موطن آخر (١/٢٢٨): يحبس ثلاثًا -كما هو القول الثاني الآتي-، ومال المزني إلى القول الأول، وهو الاستتابة مرةً واحدة. فمذهبهما أنه لا يُمهل أكثر من أن يناظر، ويكشف عما اشتبه عليه. وانظر: «مختصر المزني» (٢٦٠)، «الحاوي الكبير» (١٦/٤١٥)، «روضة الطالبين» (١٠/٧٥-٧٦)، «منهاج الطالبين» (٣/٢٠١)، «مغني المحتاج» (٤/١٣٩-١٤٠)، «المجموع» (١٩/ ٢٢٦)، «حلية العلماء» (٧/٦٢٥)، «مختصر الخلافيات» (٤/٤٠٤ رقم ٢٨٨)، «البيان» (١٢/٤٧)، «التهذيب» (٧/٢٨٨)، «السنن الكبرى» (٨/٢٠٦-٢٠٧)، «التنبيه في الفقه الشافعي» (ص ٢٣١)، «رحمة الأمة» (ص ٢٦٩) .
[ ٦١١ ]
المنذر (١)، وغيره (٢)، وقيل: يستتاب ثلاثة أيام (٣)، فإن تاب وإلا قتل بعدها، روي ذلك عن عمر (٤)، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق (٥)، واستحسنه
مالك (٦) وأصحاب الرأي (٧)، وقيل: يتَرَبَّصُ به شهرًا، رُوي ذلك عن علي (٨)، وقد قيل: إنه
_________________
(١) في «الإشراف» له (٢/٢٣٩) .
(٢) كالحسن بن حيي. فيما ذكره عنه ابن حزم في «المحلّى» (١١/١٩١) .
(٣) من يوم ثبوت الردَّة، لا من الكفر والرِّدَّة.
(٤) مضى -قريبًا- مع تخريجه. ويروى كذلك عن ابن عمر. فيما أخرجه ابن أبي شيبة (٦/٥٨٤- ط. دار الفكر) . بإسنادٍ مظلم.
(٥) انظر: «المغني» (١٢/٢٦٦)، «المقنع» لابن البنَّا (٣/١١٠٨)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٤٤٦)، «شرح الزركشي» (٦/٢٣٢، ٢٤٨)، «الواضح» (٢/٢١٥، ٢١٧)، «رؤوس المسائل» لأبي جعفر الهاشمي (٣/١١٣٦)، «مسائل أحمد» (٤٦٢، ٤٨٦- رواية الكوسج، ٢/٤٧٣-٤٧٥ و٣/١٣١- رواية صالح، ٣/١٢٩٠-١٢٩١- رواية عبد الله)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٥٧٥ رقم ١٨٢٣) .
(٦) انظر: «المعونة» (٣/١٣٦١)، «جامع الأمهات» (ص ٥١٣)، «المنتقى» للباجي (٥/ ٢٨٤)، «الشرح الكبير» (٤/٣٠٤)، «الإشراف» (٤/١٧٥ المسألة رقم ١٥٢٩- بتحقيقي)، «الخرشي» (٨/٦٥)، «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٤/٣٠٤)، «القوانين الفقهية» (ص ٣٥٦)، «عيون المجالس» (٥/٢٠٨٤ رقم ١٥٠٥) . وذهب ابن القاسم أن المرتد يستتاب ثلاث مرات، ولو في يومٍ واحد. انظر: «شرح الزرقاني على مختصر خليل» (٨/٦٥) . وهو مذهب الزهري -أيضًا-، فيما أخرجه عنه عبد الرزاق في «المصنف» (١٠/١٦٤/١٨٦٩٣) عن ابن جريج، أخبرني حيان، عنه قال: إذا أشرك المسلم؛ دُعي إلى الإسلام ثلاث مرار، فإن أبى ضُربت عُنقه. ونقله عنه: ابن قدامة في «المغني» (١٢/٢٦٨) .
(٧) ومذهبهم أنه إنْ طلب ذلك؛ أجِّل ثلاثًا؛ ليُنْظَر في أمره، وإن لم يطلب؛ قتل في الحال. انظر: «شرح معاني الآثار» (٣/٢١٠)، «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠٨-٣٠٩)، «الهداية» (٢/ ٤٥٨)، «البناية» (٥/٨٥٠)، «بدائع الصنائع» (٧/١٣٤)، «اللباب» (٤/١٤٨)، «إعلاء السنن» (١٢/٥٦٢) .
(٨) مضى تخريجه دون ذكر لفظه، وهو: أن عليًا استتاب رجلًا كفر بعد إسلامه شهرًا، فأبى فقتله، وذكره عنه ابن المنذر في «الإشراف» (٢/٢٣٩)، وابن قدامة في «المغني» (١٢/٢٦٨)، وانظر: «المحلَّى» (١١/١٩١) .
[ ٦١٢ ]
يستتاب أبدًا، رُوي ذلك عن النخعي (١)، وليس
لشيءٍ من ذلك دليل يوجد، إلا أن من تربص به، ومن مَدَّ في أَجَلِ التربص فبحسب الإعذار إليه، والاجتهاد في أمره، وما يرجوه من معاودته الإسلام.
وأمَّا من زعم أنه يُستتاب أبدًا؛ فخطأٌ ظاهر؛ لأنَّ فيه إبطالَ حكم الخبر الثابت، والأرجح أنْ يقتل مكانه إن لم يتب؛ لأن الخبر لا يقتضي التربص بظاهرٍ ولا مفهوم، والاستتابة نفسها إنما انتزعت من دليلٍ آخر، فإذا استتيب مرةً؛ فإن التربصَ فوق ذلك لا دليل عليه، فلم يلزم (٢) .
فصل
وأما اختلافهم في المرأة ترتد، ففي ذلك ثلاثة أقوال:
قول: إنها كالرجل في ذلك، إن راجعت الإسلام وإلا قتلت،
وإليه ذهب الجمهور: مالكٌ (٣)،
_________________
(١) وقاله سفيان الثوري. وقد مضى تخريجه في المسألة السابقة. وقال ابن قدامة في «المغني» (١٢/٢٦٨) معلقًا على قول النخعي: «وهذا يفضي إلى أن لا يُقتل أبدًا، وهو مخالف للسنة والإجماع» . وذكر ابن قدامة عن سفيان: أنه يستتاب ثلاثًا. وانظر: «الإشراف» لابن المنذر (٢/٢٣٩) .
(٢) مدًّة الاستتابة تحتاج إلى توقيف، والعبرة بالإمهال حتى تزول الشبهة، يدل عليه: ما أخرجه أبو داود في «السنن» (٤٣٥٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/٢٠٦) عن أبي بردة -﵁- قال: أُتِيَ أبو موسى برجل ارتدّ عن الإسلام، فدعاه عشرين ليلةً أو قريبًا منها، فجاء معاذ فدعاه، فأبى، فضرب عنقه. قال المنذري في «مختصر سنن أبي داود» (٦/١٩٧): «ورواه البخاري في «صحيحه» معلَّقًا عن أبي بردة، ومسلم في «صحيحه» عنه» . وانظر: «المحلَّى» (١١/٢٢٩-٢٣١)، «أثر الشبهات» (٥٠٩) .
(٣) انظر: «التفريع» (٢/٢٣١)، «الكافي» (١/٤٨٥)، «جامع الأمهات» (ص ٥١٣)، «بداية المجتهد» (٢/٤٥٩)، «المعونة» (٣/١٣٦٢)، «عقد الجواهر الثمينة» (٣/ ٢٩٧)، «عيون المجالس» (٥/ ٢٠٨١ رقم ١٥٠٣)، «الإشراف» (٤/١٧٤ المسألة رقم ١٥٢٧- بتحقيقي)، «حاشية الدسوقي» (٤/ ٤٠١)، «أسهل المدارك» (٣/١٦٠) .
[ ٦١٣ ]
والشافعي (١)، والليثُ، والأوزاعي (٢)، وأحمد (٣)، وإسحاق.
ومذهب أهل الظاهر أنها تقتل من غير استتابة، كالرجل عندهم (٤) .
وقول: إنها تجبر على الإسلام ولا تقتل، وإليه ذهب أبو حنيفة (٥) .
_________________
(١) «الأم» (٦/١٥٦)، «مختصر المزني» (ص ٢٧٣)، «الإقناع» للماوردي (ص ١٧٥)، «المهذب» (٢/٢٢٣)، «منهاج الطالبين» (٣/٢٠١)، «الإشراف» لابن المنذر (٢/٢٤١)، «روضة الطالبين» (١٠/٧٥)، «الحاوي الكبير» (١٣/١٥٥- ط. دار الكتب العلمية)، «مختصر الخلافيات» (٤/٤٠٦)، «مغني المحتاج» (٤/١٣٩-١٤٠)، «البيان» للعمراني (١٢/٤٤)، «التهذيب» (٧/٢٨٨)، «نهاية المحتاج» (٧/٤١٣) .
(٢) ذكر مذهب الليث والأوزاعي وإسحاق: ابن المنذر في «الإشراف» (٢/٢٤٠)، وابن قدامة في «المغني» (١٢/٢٦٤) . وهو مذهب الحسن، والزهري، ومكحول، وحماد، وإبراهيم النخعي. وروي عن الحسن -أيضًا- أنها تسترق، ولا تقتل. وانظر: «مصنف عبد الرزاق» (١٠/١٧٦)، «شرح السنة» (١٠/٢٣٩)، «الإشراف» (٢/٢٤٠)، «المغني» (١٢/٢٦٤)، «سنن البيهقي» (٨/٢٠٣)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٣٤٢)، «فقه الإمام الليث بن سعد» (ص ٢٦٤)، «أثر الشبهات في درء الحدود» (ص ٥٢٠-٥٢٣) .
(٣) «المقنع» لابن البنا (٣/١١٠٨)، «المغني» (١٢/٢٦٤)، «رؤوس المسائل» لأبي جعفر الهاشمي (٣/١١٣٤)، «تنقيح التحقيق» (٣/٣٢٧-٣٢٩)، «الإنصاف» (١٠/٣٢٨)، «كشاف القناع» (٦/١٧٤)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٤٤٦)، «مسائل أحمد» (٤٦٢، ٤٨٦- رواية الكوسج، ٣/١٢٩٠-١٢٩١- رواية عبد الله، ٢/٤٧٣-٤٧٥، ٣/١٣١- رواية صالح)، «شرح الزركشي» (٦/ ٢٣٢، ٢٤٨)، «الواضح» (٢/٢١٥، ٢١٧)، «منتهى الإرادات» (٣/٣٩٦) . وهذا القول هو الراجح -إن شاء الله-؛ لعموم قوله - ﷺ -: «من بدل دينه؛ فاقتلوه» . فعمّ الرجال والنساء والعبيد والإماء.
(٤) مضى ذكر كلام ابن حزم في استتابة المرتد. وانظر: «المحلّى» (١١/١٩٦- وما بعدها) .
(٥) انظر: «مختصر الطحاوي» (ص ٢٥٩)، «الهداية» (٢/٤٥٨)، «البناية» (٥/٨٥٤)، «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠٩)، «المبسوط» (١٠/١٠٨)، «بدائع الصنائع» (٩/٤٣٨٥)، «القدوري» (ص ١١٧)، «اللباب» (٤/١٤٩)، «شرح السير الكبير» (٥/١٦٦)، «فتح القدير» (٦/٧١)، «رؤوس المسائل» (٣٦١ رقم ٢٤٠)، «ملتقى الأبحر» (١/٣٧٦)، «الجامع الصغير» (٢٥١)، «الاختيار» (٤/١٤٩)، «اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى» (١٩٩)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٤٧١ رقم ١٦٢٤)، «تبيين الحقائق» =
[ ٦١٤ ]
وروي -أيضًا- عن ابن عباس: تُجبر. وفي روايةٍ: أنها تحبس ولا تقتل، ذكر ذلك الدارقطني مسندًا إليه من طرق (١) .
_________________
(١) = (٣/٢٨٤-٢٨٥)، «البحر الرائق» (٥/١٣٩)، «تحفة الملوك» (ص ١٩٣)، «جمل الأحكام» (٣٠٥)، «إعلاء السنن» (١٢/٥٧٣) . وهو قول سفيان الثوري. انظر: «شرح السنة» (١٠/ ٢٣٩)، «تفسير القرطبي» (٣/٤٨) .
(٢) أخرجه الدارقطني في «سننه» (٣/١١٧ رقم ١١٨) حدثنا عبد الصمد بن علي، حدثنا عبد الله ابن عيسى الجزري، نا عفان، نا شعبة، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقتل المرأة إذا ارتدت» . قال الدارقطني: عبد الله بن عيسى هذا كذاب، يضع الحديث على عفان وغيره، وهذا لا يصح عن النبي - ﷺ -، ولا رواه شعبة. ثم أسند (رقم ١١٩ و٣٥٤) إلىعبد الرزاق، عن سفيان، عن أبي حنيفة، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي رزين، عن ابن عباس، في المرأة ترتد، قال: «تجبر ولا تقتل» . قلت: أخرجه عبد الرزاق (١٠/١٧٧ رقم ١٨٧٣) عن سفيان الثوري، عن عاصم، به. وأسند الدارقطني -كذلك- (رقم ١٢٠)، وابن أبي شيبة (٦/٥٨٥- ط. دار الفكر) إلىعاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس قال: «المرتدة عن الإسلام تحبس ولا تقتل» . وأسند الدارقطني -أيضًا- (رقم ٣٥٢، ٣٥٦) إلى ابن عباس في المرأة ترتد، قال: «تُستحيا» . وكل أسانيدها ليّنة، ومدارها على عاصم بن أبي النجود المقرئ. قال الحافظ في «التقريب» (٣٠٥٤): «صدوق له أوهام» . وأسند الدارقطني إلى يحيى بن معين قال: كان الثوري يعيب على أبي حنيفة حديثًا كان يرويه، ولم يروه غير أبي حنيفة، عن عاصم، عن أبي رزين. وأسند البيهقي إلى الإمام أحمد قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: سألت سفيان عن حديث عاصم في المرتدة؟ فقال: أما من ثقة فلا. ونقل البيهقي في «الكبرى» (٨/٢٠٣-٢٠٤) عن الشافعي في قول ابن عباس: «تحبس ولا تقتل» . قال الشافعي: فكلمني بعض من يذهب هذا المذهب، وبحضرتنا جماعة من أهل العلم بالحديث، فسألناهم عن هذا الحديث؟ فما علمتُ منهم واحدًا سَكَتَ، أن قال: هذا خطأ، والذي روى هذا ليس ممن يثبت أهل الحديث حديثه. ا. هـ. وردَّ التركماني هذا كله. فانظر: «السنن» (٨/٢٠٣-٢٠٤) . وذكر ابن المنذر قول ابن عباس هذا، وقال: ولا يصح ذلك عنه.
[ ٦١٥ ]
وقول: إنها تُسترقُّ ولا تُقتل. يروى ذلك عن علي (١)، وبه قال قتادة والحسن البصري (٢) .
فدليل الجمهور في وجوب قتلها كالرجل: عموم الخبر في قتل من بدل دينه، وهو لفظ يعمّ الرجل والمرأة. ومستند أبي حنيفة في أنها تجبر على الإسلام ولا تقتل: حمله على ما وقع النهي عنه من قتل نساء أهل الحرب بعلَّة الكفر، وهذا بعينه هو مستند القول الآخر في استرقاقها؛ لأن نساء أهل الحرب اللائي نُهي عن قتلهن، أبيح استرقاقهن بعلة الكفر، فمن ساوى بينهن (٣) من غير فرقٍ؛ قال بالاسترقاق، ومن رأى لموقع الإسلام المتقدم أثرًا في تعلُّق الأحكام بمنع معاودة الكفر؛ قال: تُجبر على الإسلام، ولا تقتل، ولا تسترق.
والأرجح أن لا فرق في شيء من ذلك بينها وبين الرجل، وأنها تقتل كما يقتل؛ لعموم الخبر، واستوائهما في الكفر بالردة.
وأما النهي عن قتل النساء فشيء خاص في نساء أهل الحرب، إذا لم يكن
_________________
(١) ذكره ابن المنذر في «الإشراف» (٢/٢٤٠) . ونقل ابن قدامة في «المغني» (١٢/٢٦٤) عنه أنه لا فرق بينها وبين الرجل. وأشار (١٢/٢٨٢) إلى أثر علي هذا في أن المرتدة، تُسبى. ونقل تضعيف الإمام أحمد له. قلت: أخرجه عبد الرزاق (١٠/١٧١ رقم ١٨٧١٥)، وابن أبي شيبة (٢/٢٦٧) في «مصنفيهما»، والبيهقي (٨/٢٠٨) من طريق عمار الدهني، عن أبي الطفيل، عن علي، في بَعْثِهِ معقل السُّلمي إلى بني ناجية، فوجدهم ثلاثة أصناف وفيه: وصِنْفٌ أسلموا ثم رجعوا عن الإسلام إلى النصرانية قال: فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم.. إلخ.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١٠/١٧٦ رقم ١٨٧٢٨) عن معمر، عن قتادة قال: تُسبى وتباع، وكذلك فعل أبو بكر بنساء أهل الردة، باعهم، وذكر قبله قول الحسن في المرتدة: تُسبى وتكره. وأخرجه -أيضًا- عن الحسن: ابن أبي شيبة (٦/٥٨٥- ط. دار الفكر) قال: لا تقتلوا النساء إذا هُنَّ ارتددن عن الإسلام، ولكن يُدْعَيْن إلى الإسلام، فإن هنَّ أبين سُبين، فيجعلن إماء المسلمين، لا يقتلن. وأخرج عنه قوله: لا تقتل، تُحبس.
(٣) كذا في الأصل، ومصحّحة في هامش المنسوخ: «بهنَّ»، والمثبت أصوب.
[ ٦١٦ ]
منهن حدثٌ يوجب قتلهن: من قتال، أو قَتلِ أحدٍ من المسلمين، وغير ذلك مما أثبته الشرع.
فأما إنْ تعدَّيْنَ في مثل ذلك؛ فلا يمتنع القتل.
خرَّج أبو داود (١) عن عائشة قالت: لم يقتل من نسائهم -يعني
بني قريظة- إلا امرأة، إنها لعندي تُحَدِّثُ، تضحك ظهرًا وبَطْنًا، ورسول الله - ﷺ - يقتل رجالهم بالسوق، إذْ هَتَفَ هاتفٌ باسمها: أين فُلانة؟ قالت: أنا، قلت: وما شأنك؟ قالت: حَدَثٌ أحدثته. قالت: فانطُلِق بها فضربت عنقها.
فليس النهي عن قتل النساء يراد به العموم والإطلاق؛ ألا ترى إلى قتل المرأة قودًا بالنفس؛ وحدًّا في الزنا؟ وكذلك الردّةُ، والله أعلم.
فصل
وأما اختلافهم في ميراث المرتد إذا قُتِل أو مات على رِدّته، ففي ذلك قولان
_________________
(١) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في قتل النساء) (رقم ٢٦٧١) من طريق محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة. قلت: وهذا إسناد حسن؛ من أجل محمد بن إسحاق. وبقية رجاله ثقات، رجال الشيخين. وأخرجه أحمد (٦/٢٧٧)، والحاكم (٣/٣٥-٣٦)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/٨٢)، وفي «معرفة السنن والآثار» (١٨٠١٨) من طريقين، عن ابن إسحاق، به. وهو في «السيرة النبوية» لابن هشام (٢/٢٤٢) من حديث ابن إسحاق بهذا الإسناد. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. قلت: لم يحتج مسلم بمحمد بن إسحاق، إنما أخرج له في المتابعات. ونقل البيهقي عن الشافعي قوله: فحدثني أصحابنا أنها كانت دلَّت على محمود بن مسلمة رحًى، فقتلته، فقتلت بذلك. ونقل -أيضًا- قوله: قد جاء الخبر أن رسول الله - ﷺ - قتل القرظية، ولم يصحَّ خبر على أيّ معنىً قتلها، وقد يحتمل أن تكون أسلمت، ثم ارتدت ولحقت بقومها، فقتلها لذلك، ويحتمل غيره. وقد مضى ذكر حديث هذه المرأة، وأنها دلَّت على خلاد بن سويد حَجَرًا فقتلته، وليس على محمد بن مسلمة. وقولها: «ظهرًا وبطنًا»، أي: تنقلب من كثرة الضحك ظهرًا لبطن، وبطنًا لظهر.
[ ٦١٧ ]
مشهوران:
ذهبت طائفة إلى أنه يرثه ورثته من المسلمين، رُوي عن علي (١)، والحسن البصري (٢)،
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٦/١٠٦ رقم ١٠١٤٣) عن عبد الله بن أبي كثير، عن شعبة، عن الحكم، أن عليًّا قال: «ميراث المرتد لولده» . وأخرجه ابن حزم في «المحلّى» (١١/١٩٧) من طريق دثار بن يزيد عن عبيد بن الأبرص الأسدي، عن علي، مثله. وقال البيهقي في «مختصر الخلافيات» (٤/٣١): «وروي عن حجاج بن أرطاة، عن الحكم: أن عليًّا -﵁- قضى في ميراث المرتد أنه لأهله من المسلمين» . ثم قال: «وهذا منقطع. والحجاج غير محتج به» . قال: «ورواه شريك، عن المغيرة، عن علي» . وقال: «وهو -أيضًا- منقطع» . وانظر: «السنن الكبرى» (٦/٢٥٤) . وروى عبد الرزاق (٦/١٠٤ و١٠/١٦٩، ٣٣٩)، وابن حزم في «المحلّى» (١١/١٩٧) عن أبي عمرو الشيباني، أنّ عليًّا -﵁- استتاب رجلًا مرتدًّا، فقال: «أما حتى ألقى المسيح فلا»، فأمر به فضربت عنقه، ودفع ميراثه إلى ولده من المسلمين. وانظر: «مصنف عبد الرزاق» (٦/١٠٥)، «شرح معاني الآثار» (٣/٢٦٦)، «الخراج» لأبي يوسف (٢١٦)، «الإشراف» لابن المنذر (٢/٢٤٩) . ونقل ابن المنذر في «الإشراف» (٣/١٦٤) والبيهقي تضعيف أحمد لحديث علي -﵁-. وروي عنه -﵁-، أن مال المرتد لبيت مال المسلمين. ولا يثبت هذا عن علي؛ فالأثر ذكره مسندًا: ابن حزم في «المحلّى» (٩/٣٠٥) من طريق الحارث الأعور، عن علي. والحارث، قال المغيرة فيه: لم يكن الحارث يصدق عن علي في الحديث. وانظر: «ميزان الاعتدال» (رقم ١٦٢٧) . وحكى ابن حزم أن مذهب ابن مسعود: أنه لورثته من المسلمين، قال: «ولم يصح» . قلت: أخرجه عبد الرزاق (٦/١٠٥ رقم ١٠١٤٠) بسنده إلى الحكم بن عتيبة، عن ابن مسعود. وفيه رجل مبهم.
(٢) كان -﵀- يقول: ميراث المرتد للمسلمين، وقد كانوا يُطيِّبونه لورثته. أخرجه عنه: عبد الرزاق في «المصنف» (٦/١٠٧ رقم ١٠١٤٦) وفيه رجل مجهول. وانظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/١٨٦ ب)، «شرح معاني الآثار» (٣/٢٦٧)، «سنن سعيد بن منصور» (٣/١/٨١)، «تفسير القرطبي» (٣/٤٩)، «أحكام القرآن» للجصاص (٢/١٠٢)، «الإشراف» لابن المنذر (٢/٢٤٩ أو ٣/١٦٣ ط. الباز)، «شرح السنة» (٨/٣٦٥)، «المغني» (٩/١٦٢) .
[ ٦١٨ ]
والشعبي (١)، وهو قول أبي حنيفة (٢)، والليث
وإسحاق (٣) .
وذهبت طائفة إلى أنه لا حق لورثته في ميراثه، وإنما ماله
فيءٌ لجماعة المسلمين، وهو قول مالكٍ (٤)، والشافعي (٥)،
_________________
(١) انظر: «الإشراف» لابن المنذر (٢/٢٤٩، أو ٣/١٦٣- ط. الباز)، «المحلّى» (١١/١٩٧)، «المغني» (٩/١٦٢) .
(٢) مذهب أبي حنيفة أنه إن مات أو قتل على ردَّته؛ انتقل ما اكتسبه في إسلامه إلى ورثته المسلمين، وكان ما اكتسبه في حال ردّته فيئًا. وقال أبو يوسف ومحمد: كلاهما لورثته. وانظر: «الرد على سير الأوزاعي» (ص ١١١)، «الخراج» لأبي يوسف (٢١٦)، «شرح السير الكبير» (٥/١٤٩، ١٩٧)، «الأصل» . كتاب الولاء (باب ولاء المرتد) (٤/٢٦٧)، «مختصر الطحاوي» (٢٥٨)، «اللباب» (٤/١٥٠، ١٩٧)، «الهداية» (٢/٤٥٩)، «المبسوط» (١٠/١٠٤)، «بدائع الصنائع» (٧/١٣٨)، «الاختيار» (٤/٢٣٢-٢٣٣)، «عمدة القاري» (٢٣/٢٦٠)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٤٧٢ رقم ١٦٢٥ و٤/٤٤٠ رقم ٢١٣١)، «أحكام القرآن» للجصاص (٢/١٢٣)، «ملتقى الأبحر» (١/٣٧٥)، «تحفة الملوك» (١٩٣)، «إعلاء السنن» (١٢/٥٨٥)، «جمل الأحكام» (٣٠٧) .
(٣) وهو مذهب الحكم بن عتيبة. حكاه ابن المنذر عنه وعن الليث وإسحاق في «الإشراف» (٢/٢٤٩ أو ٣/١٦٣-ط. الباز) . وفرَّق الأوزاعي بين ما إذا كان المرتد في دار الإسلام أو لا، قال: إذا كان في دار الإسلام؛ قُتل وقسم ماله بين ورثته؛ حكاه ابن المنذر في «الإشراف» (٢/٢٤٩ أو ٣/١٦٣- ط. الباز)، وحكى غيره عنه أن مذهبه التوريث مطلقًا. وانظر: «المحلّى» (١١/١٩٧)، «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص (٤/٤٤٠ رقم ٢١٣١)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٥١٠) .
(٤) انظر: «المدونة» (٣/٨٧)، «التفريع» (٢/٢٣٢)، «الرسالة» (٢٤٠-٢٤١)، «الكافي» (٥٨٢)، «مقدمات ابن رشد» (٣/٢٢١)، «الإشراف» (٤/١٧٩ رقم ١٥٣٥- بتحقيقي)، «جامع الأمهات» (ص ٥١٣)، «عيون المجالس» (٤/١٩٠٢ رقم ٣٤٧)، «تفسير القرطبي» (٣/٤٩)، «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٤/٣٠٦)، «الخرشي» (٨/٦٦)، «الشامل» (٢/ق ١٧١) لبهرام.
(٥) انظر: «الأم» (٤/٨٧-٨٨، ٣١٠ و٦/١٧٤)، «مختصر المزني» (ص ١٤٠)، «الإقناع» للماوردي (ص ١٢٨، ١٧٥)، «مختصر الخلافيات» (٤/٢٩)، «مغني المحتاج» (٣/٢٥)، «منهاج الطالبين» (٢/٣٤٤)، «روضة الطالبين» (٦/٣٠)، «البيان» للعمراني (٩/١٨ و١٢/٥٣)، «المجموع» (١٩/ ٢٣٥)، «التهذيب» للبغوي (٧/٢٨٩-٢٩٠)، «الإشراف» لابن المنذر (٢/٢٤٩ أو ٣/١٦٣- ط. الباز) .
[ ٦١٩ ]
وأبي ثور (١)، وغيرهم (٢)، وهو الأرجح، لما خرَّجه مسلم (٣) عن أسامة بن زيد، أن النبي - ﷺ - قال: «لا يرث المسلم الكافر» . وهذا نص في ذلك.
وفي المسألة قول ثالث: قال أبو محمد بن حزم (٤): كل ما ظفر به من مال المرتد، فسواءٌ رجع إلى الإسلام أو لم يرجع؛ هو لجماعة المسلمين، وأما ما لم يظفر به من ماله قبل قتله؛ فهو باقٍ على ملكه: إن رجع إلى الإسلام؛ وَرِثه ورثته من المسلمين، وإن لم يرجع؛ ورثه ورثته من الكفار، إن كان له ورثة كفار، فإن لم يكونوا (٥) له؛ فهو لجماعة المسلمين.
مسألة
واختلفوا في حكم ولد المرتد، فقال الشافعي (٦): ولد المرتد على
حكم
_________________
(١) واختاره ابن المنذر، ونقله عن أبي ثور في «الإشراف» (٢/٢٤٩)، وابن قدامة في «المغني» (٩/١٦٢) .
(٢) كربيعة شيخ مالك، وابن أبي ليلى. انظر: «الإشراف» (٢/٢٤٩)، «المحلّى» (١١/١٩٧)، «المغني» (٩/١٦٢)، «عيون المجالس» (٤/١٩٠٢) . واختلف فيه عن أحمد: فحكى إسحاق بن منصور عنه أنه قال: ماله للمسلمين. وهو مشهور المذهب. وحكى الأثرم عنه أنه قال: كنت أقول به، ثم جَبنْتُ عنه، قال: هو كما ترى، قُتل على الكفر، فكيف يرثه المسلمون؟ وقال: هو في بيت المال، أفاده ابن المنذر. وانظر: «المغني» (٩/١٦٢ و١٢/٢٧٢)، «رؤوس المسائل» لأبي جعفر الهاشمي (٣/ ١١٣٧)، «الواضح شرح مختصر الخرقي» (١/٢١٨)، «الإنصاف» (٧/٣٥٢ و١٠/٣٣٩)، «شرح الزركشي» (٦/ ٢٧٢٥)، «المقنع» لابن البنا (٢/٨٤٧)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٥٧٧)، «كشاف القناع» (٦/ ١٨٢-١٨٣)، «الإقناع» (٤/٣٠٥)، «الكافي» (٣/١٦١)، «منتهى الإرادات» (٢/٥٠٣) .
(٣) في «صحيحه» في كتاب الفرائض (رقم ١٦١٤) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الفرائض (باب لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم) (رقم ٦٧٦٤) .
(٤) في «المحلّى» (٩/٣٠٤ المسألة رقم ١٧٤٤) .
(٥) كذا في الأصل، ولعل الصواب: «يكن» .
(٦) فرّق الشافعية بين أن يكون الولد انعقد بين الزوجين قبل الردة أو بعدها، فإن انعقد قبل =
[ ٦٢٠ ]
الإسلام، فإن بلغوا فأبوا من الإسلام؛ قتلوا بعد أن يستتابوا، ولا تُسبى للمرتد ذرية، وقال الأوزاعي (١): «إن كان تزوج في دار الحرب، ووُلد له، ثم راجع الإسلام؛ أُلحقت به ذريته، وَوُضِعَت امرأته في المقاسم، [وإن أبى أن يُسلم؛ وضعت امرأته وولدها في المقاسم]» . وقال أبوحنيفة (٢): «إن ارتد رجل وامرأته عن الإسلام معًا؛ فهما على النكاح، فإن لحقا بدار الحرب، فحملت في دار الحرب فولدت، ثم ظُهر على ولدها؛ فهو فيء (٣)، ويجبر على الإسلام إذا سُبي صغيرًا، وإن وُلد لولدهما ولد، ثم ظُهر على ولد الولد؛ كان فيئًا، ولم يجبر على
_________________
(١) = الردة؛ فمسلم، حتى لو ارتدت حامل؛ فلا يحكم بردَّة الولد، فإن بلغ وأعرب بالكفر، كان مرتدًا بنفسه، وإن حدث الولد بعد الردة، وكانا مرتدين، فهو كافر تبع لهما. وهو المشهور الصحيح من المذهب. فعلى القول بإسلامه؛ فلا يُسترق بحال، وإن بلغ وأعرب بالكفر: فمرتد. انظر: «الأم» (٦/١٧٢)، «مختصر المزني» (٢٦٠)، «الإقناع» للماوردي (ص ١٧٥)، «الحاوي الكبير» (١٦/٤٢٥)، «حلية العلماء» (٧/٦٣٠)، «الإشراف» لابن المنذر (٢/٢٥٢)، «مغني المحتاج» (٤/ ١٣٥، ١٣٦، ١٤١)، «معالم السنن» (٢/٢٠٢)، «البيان» للعمراني (١٢/٥٩)، «روضة الطالبين» (١٠/ ٧٧)، «المجموع» (٢١/٧٦)، «فتح الباري» (١٢/٢٨٠)، «السراج الوهاج» (٥١٩)، «التنبيه في الفقه الشافعي» (ص ٢٣١) . قال الخطابي: «لم ينقرض العصر -أي: عصر الصحابة- حتى أجمعوا أنه لا يُسبى ولد المرتد» .
(٢) ذكره عنه ابن المنذر في «الإشراف» (٢/٢٥٢)، وما بين المعقوفتين منه، وعليه في الأصل إلحاق، ولم يظهر في المصورة، وأُثبت في المنسوخ إلا أن فيه: «أبى أن يُسبى» .
(٣) نقل صاحب «الهداية» عن أبي حنيفة: أن ولد الولد يجبر على الإسلام تبعًا للجد، وأصله التبعيَّة في الإسلام. قال: وهي رابعة أربع مسائل كلها على الروايتين -أي: عن أبي حنيفة-، والثانية: صدقة الفطر، والثالثة: جرّ الولاء، والأخرى: الوصية للقرابة. انظر: «شرح السير الكبير» (٥/١٩٧)، «مختصر الطحاوي» (ص ٢٥٩)، «الهداية» (٢/٤٦٣)، «تحفة الفقهاء» (٣/٣٠٩)، «بدائع الصنائع» (٧/١٣٩-١٤٠)، «البناية» (٥/٨٨٢) . وانظر: «الإشراف» لابن المنذر (٢/٢٥٢-٢٥٣) .
(٤) في فتاوى البرزلي (٢/٢٩): «ولد المرتدة في دار الحرب من مرتدٍّ أو حربيٍّ فيءٌ مطلقًا؛ للحكم لهم بالدار، كأولاد أهل الحرب، ومثله أولاد الحربية من حربيٍّ أو مرتد»، والعبارة المنقولة عند المصنف عن أبي حنيفة هي عبارة ابن المنذر في «الإشراف» (٣/١٦٦)، وعنده: «فإنه فيء» .
[ ٦٢١ ]
الإسلام، إنما يجبر على الإسلام المرتدون وأبناؤهم (١) لأصلابهم، وأما ولد ولدهم الذين ولدوا في دار الحرب، فهم فيء لا يجبرون على الإسلام» .
قال أبو محمد بن حزم (٢): «كل من نالته ولادة مسلم أو مسلمة،
بأي وجه كان، لم يقبل منه إلا الإسلام أو السيف، وإن بَعُدَ إلى ألف أم، أو ألف أب وأكثر، وسواء بانَ المرتدون بدارهم أو لم يَبيِنوا، دافعوا عن أنفسهم أو لم يدافعوا؛ لحقوا بأرض الحرب أو لم يلحقوا؛ حكمهم في كل شيءٍ كما ذكرنا» . يعني ما تقدم من قوله في وجوب القتل وأحكام الوراثة وغير ذلك. قال: «إلا أنهم إن دافعوا، غُنِمت أموالهم وقسمت، كأموال أهل الحرب ولا فرق، والمرأة المرتدة في كل ما ذكرنا من قتل وغيره كالرجل، والعبد والأَمَة كذلك فلم يَجُزْ سباؤهم، ولا استحياؤهم، إلا أن يكونوا أصاغر فيستحيون حتى يبلغوا؛ فإن أسلموا؛ وإلا قتلوا» .
والأرجح ما توافق عليه قوله وقول الشافعي، ونحوه من مذهب مالك في إجبار ولد المرتد على الإسلام (٣)، فإن كانوا أصاغر فبلغوا فأبوا دين الإسلام قتلوا، ولا تسبى للمرتد ذرية، وقد تقدم من القول في وجه الدليل على صحة
_________________
(١) عبارة ابن المنذر: «وأولادهم» .
(٢) أسهب القول في ميراث المرتد: لمن هو بعده؟، في «المحلّى» (١١/١٩٧- وما بعدها)، ولم أجد العبارة التي نقلها المصنف هنا.
(٣) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» (٣/٣٠٠)، «المفهم» (١/١٨٦) -وفيه: «وكان أبو بكر يرى سَبْي أولاد المرتدين، وبذلك قال أصبغ بن الفرج من أصحابنا، وكان عمر يرى أنهم لا يُسبون، ولذلك ردَّ سبيهم، وبهذا قال جمهور العلماء وأئمة الفتوى» -، «إكمال المعلم» (١/٢٤٤)، «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (٤/١٧٨ رقم ١٥٣٣- بتحقيقي)، «حاشية الدسوقي» (٤/٣٠٥) . قلت: وهو مذهب الحنابلة أنه لا يجري على أولاد المرتدين ممن كانوا قبل الردَّة رقٌّ، بخلاف ما لو ولد حال الردّة، فإنه يسترق. انظر: «المغني» (١٢/٢٨٢)، «رؤوس المسائل» (٣/١١٣٧)، «المقنع» (٣/١١١١)، «شرح الزركشي» (٦/٢٥٦، ٢٥٨)، «الواضح» (٢/٢١٩)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٤٥٢)، «مسائل الإمام أحمد» (٢/٩٣- رواية ابن هانئ)، «الإنصاف» (١٠/٣٤٤)، «الروايتين والوجهين» (٢/٣١٠) .
[ ٦٢٢ ]
الأصل الذي يشتمل على هذا وأمثاله في (فصل: المفاداة بأبنائه المشركين)، من (الباب الخامس) ما فيه غُنْية لمن تأمله.
قال أبو الوليد بن رشد (١) في ارتداد أهل بلد أو حصن: «الذي ذهب إليه جمهور العلماء وأئمة السلف: أن يُقتالوا؛ فيقتل رجالهم، ولا تسبى ذراريهم، وأما أموالهم فهي فيءٌ للمسلمين. قال: وقال أصبغ:
تُسبى ذراريهم ونساؤهم، وتقسم أموالهم، ويقتل كبارهم على حكم الناقضين من أهل الذمة؛ لأنهم جماعة، وإنما يكون الارتداد في الواحد وشبهه، وهو الذي خالفت فيه سيرةُ عمر بن الخطاب سيرةَ أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنهما- في الذين ارتدوا من العرب بعد وفاة رسول الله - ﷺ -؛ سار فيهم أبو بكر سيرة الناقضين، فقتَلَ الكبارَ، وسبَى النساءَ والصغار، وجرت فيهم المقاسم وفي أموالهم، فلما وُلِّيَ عمر بعده نقض ذلك، وسارَ فيهم سيرة المرتدين: رَدَّ نساءهم وصبيانهم إلى عشائرهم وإلى الحرية، وأخرجهم من الرقّ والسِّباء، وحملهم محمل ذرية المرتدين: أنهم على الإسلام، إلاّ من أباهُ منهم بعد بلوغه، وما أَباه (٢) أحد منهم على عمر، ولا قبل ذلك، بل أَقَرَّ كلُّهم بالإسلام ساعة سُبُوا» .
قلت: فذهب أصبغ في سباء ذرية المرتدين إذا كانوا جماعة مذهبًا شاذًّا؛ حيث فرَّق بين حكم الجماعة والآحاد من غير دليل، كما ذهب أشهب في أهل الذمة إذا نقضوا مذهبًا شاذًّا: أن لا يُسبوا، وكلا القولين غير سديد، وقد تقدم الرَّدُّ على أشهب.
مسألة
واختلفوا في حكم ما أصاب المرتدُّ حال ارتداده من دمٍ ومال، فقيل: حالهم في ذلك كلِّه، والحكمُ عليهم بما أصابوه كحال المسلمين، لا يختلف في
_________________
(١) في «البيان والتحصيل» (٣/٥٨) .
(٢) في منسوخ أبي خبزة: «أباهم» .
[ ٦٢٣ ]
العقل والقود والضمان، وإليه ذهب الشافعي (١)، قال: وسواءٌ قبل يقهرون (٢) وبعدما قهروا، فتابوا أو لم يتوبوا، لا يختلف ذلك.
وقيل: إنهم إذا حاربوا أو نابذوا المسلمين، لم يؤخذوا بشيءٍ من ذلك، وهم فيه كالمشركين، رُوي ذلك في قولٍ عن الشافعي -أيضًا- (٣) . وحكى أبو الوليد بن رشد (٤): أنه لا اختلاف -يعني: بين
المالكية- في أن المرتدَّ إذا لحق بدار الشرك فتَنَصَّرَ، وأصاب الدماء والأموال، ثم أُخِذ فأسلم؛ أنه يُهدر عنه جميع ما أصاب (٥)، كالحربي إذا أسلم سواء، وهذا إذا صحَّ ارتداده بكونه على بصيرةٍ منه في الكفر، وأنه لم يفعل ذلك مُجونًا وفسقًا. قال: «ولو ارتدَّ وأصاب الدماء في بلد الإسلام، ثم أسلم»؛ فَذَكَرَ ما ظاهره: أن لا خلاف بين المالكية في أنَّ الارتداد لا يُسْقِطُ عن المرتد شيئًا من حقوق الناس، في الدماء والأموال والجراح.
واختلف في حقوق الله -تعالى- من الزنى، والسرقة، وحد الحرابة؛ فعن ابن القاسم: أن ذلك يُهدر عنه، وحكى ابن حبيب عن أصبغ، واختاره (٦) هو: أن
_________________
(١) انظر: «الأم» (٦/٣٩- ط. دار الفكر)، «مختصر المزني» (٢٥٩، ٢٦٧)، «الإقناع» (١٧٤)، «المهذب» (٢/٢٢١)، «روضة الطالبين» (١٠/٨١)، «المنهاج» (١٣١)، «حلية العلماء» (٧/٦٢٩)، «البيان» للعمراني (١٢/٦٢)، «الإشراف» لابن المنذر (٢/٢٥٤-٢٥٥)، «المجموع» (١٩/٢٣٩) .
(٢) كذا في الأصل والمنسوخ، ومطبوع «الأم»، ولعلَّ الصواب: قبل أن يقهروا. انظر: «الإشراف» لابن المنذر (٢/٢٥٥) .
(٣) انظر: «الأم» (٤/٢٢٨-٢٢٩ و٦/١٧٦) . وفرَّق الشافعية بين أن يكون المرتد أتلف شيئًا في غير القتال، أو في القتال. ففي غير القتال: يضمن، وفي القتال: لا يضمن. انظر: «روضة الطالبين» (١٠/٥٥، ٨١) .
(٤) في «البيان والتحصيل» (٢/٦٠١) .
(٥) انظر في مذهب المالكية: «التفريع» (٢/٢٣٢)، «الرسالة» (٢٤٠-٢٤١)، «مقدمات ابن رشد» (٣/٢٢١)، «المعونة» (٣/١٣٦١)، «القوانين الفقهية» (ص ٣٥٥)، «عقد الجواهر الثمينة» (٣/ ٣٠٠)، «جامع الأمهات» (ص ٢٥٤)، «الإشراف» (٤/١٧٧ رقم ١٥٣٢- بتحقيقي)، «عيون المجالس» (٢/٩٢١ رقم ٦٤١)، وذكر ابن عبد البر في «الكافي» (١/٤٨٥) أنهم يطالبون بذلك كلِّه.
(٦) كذا في الأصل، وفي مطبوع «البيان والتحصيل» (٢/٦٠١)، وفي المنسوخ: «واختار» !!
[ ٦٢٤ ]
الرِّدَّة لا تُسْقِطُ شيئًا من ذلك؛ لأنه يتهم أن (١) يرتد في الظاهر؛ ليُسْقِطَ ذلك عن نفسه، وقال أبو حنيفة (٢): ما جَنَى في
رِدَّته؛ فهو عليه في ماله (٣) .
فصل: في الزِّنديق (٤)
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي مطبوع «البيان والتحصيل»، وفي المنسوخ: (من) بدل (أن) .
(٢) قال محمد بن الحسن الشيباني في «السير الكبير» (٥/٢١٢- ٢١٣) في المرتد: «ولو أصاب ذلك بعدما لحق بدار الحرب مرتدًا، ثم أسلم؛ فذلك كله موضوع عنه، وما أصاب المسلم من حدٍّ لله في زنىً أو سرقة أو قطع طريق، ثم ارتدَّ، أو أصابه بعد الردّة، ثم لحق بدار الحرب، ثم جاء تائبًا، فذلك كله موضوع عنه، وإن أصاب دمًا في قطع الطريق؛ فعليه القصاص» . وقال الكاساني في «بدائع الصنائع» (٧/١٣٧): «ولو جنى المرتد جناية، ثم لحق بدار الحرب، ثم عاد إلينا ثانيًا، فما كان من حقوق العباد كالقتل والغصب والقذف يؤخذ به، وما كان من حقوق الله -﵎- كالزنى والسرقة وشرب الخمر يسقط عنه» . ففرق الحنفية بين الجناية في حق الله، وفي حقوق العباد، كما حكى ابن رشد الخلاف المذكور من كلام ابن القاسم وأصبغ. وانظر: «مختصر الطحاوي» (ص ٢٦١)، «الهداية» (٢/٤٦٠)، «اللباب» (٤/١٥٠)، «البناية» (٥/٨٦٥، ٨٦٧)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٥٠٨ رقم ١٦٥٥) .
(٣) وذهب الحنابلة -أيضًا- إلى أنهم يؤخذون بذلك، إن أتلفوا نفوسًا أو أموالًا. وهو أحد قولي الشافعي الماضي ذكرهما، قالوا: لأنه كفر بعد إيمان، فلا يسقط الضمان في الأنفس والأموال. انظر: «المغني» (١٢/٢٨٤)، «رؤوس المسائل» لأبي جعفر الهاشمي (٣/١١٣٩)، «الإنصاف» (١٠/٣٤٢)، «المبدع» (٩/١٨٥)، «الفروع» (٦/١٧٥)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٥٨٢ رقم ١٨٣٤)، «المحرر» (٢/١٦٨-١٦٩)، «كتاب التمام» (٢/٢٠١) . والراجح من هذا كلِّه -والله أعلم- قول من قال: إنهم لا يؤخذون بشيءٍ من ذلك كلِّه؛ وذلك بما ثبت أن أبا بكر الصديق -﵁- والصحابة لم يؤاخذوا من رجع من أهل الردَّة بشيءٍ مما قتلوا أو أتلفوا؛ لأنهم فئة ممتنعة، قاتلت على تأويلٍ بدينٍ كأهل الحرب. وانظر حول خبر المرتدين: «تاريخ ابن جرير» (٣/٢٥٠-٢٥١، ٢٥٩-٢٦٠، ٢٦١)، «الردّة» للواقدي (٨٦، ٩٥، ٩٦، ٩٧، ١٠٠، ١٠١)، «الفتوح» (١/١٥) لابن أعثم، «فتوح البلدان» للبلاذري (١/١١٣-ط. المنجد)، «السنن الكبرى» للبيهقي (٨/٢٠٦) .
(٤) الزنديق: هذا اللفظ ليس من كلام العرب، وهو فارسي معرَّب، معناه: من يقول بدوام =
[ ٦٢٥ ]
يُقتل (١) على كل حال؟ فقالت طائفة: يُكَفُّ عنه إذا أظهر الإسلام؛ لأن ما أظهره من ذلك عصمةٌ لدمه، وإليه ذهب الشافعي (٢)، وقالت طائفة:
يقتل أبدًا
ولا يستتاب، ولا يقبل منه ما أظهره من الإسلام، وهو قول مالك (٣)، والليث،
_________________
(١) = الدهر. وإذا أرادت العرب معنى ما تقوله العامة قالوا: ملحد، ودَهري (بفتح الدال)، وإذا أرادوا معنى السن قالوا: دُهري (بضم الدال) . قال ابن حجر في «فتح الباري» (١٢/٢٧٠-٢٧١): «وأصل الزنادقة أتباع ديصان ثم ماني ثم مَزْدك، وحاصل مقالتهم: إن النور والظلمة قديمان، وإنهما امتزجا. فحدث العالم كله منهما. فمن كان من أهل الشر فهو من أهل الظلمة، ومن كان من أهل الخير فهو من النور. وكان بهرام جد كسرى قد قتل ماني وأصحابه، وبقيت منهم بقايا اتبعوا مزدك. وقام الإسلام والزنديق يُطْلقُ على من يعتقد ذلك، وأظهر جماعة منهم الإسلام خشية القتل، ومن ثَمَّ أُطلِقَ الاسم على كل من أسَرَّ الكفر وأظهر الإسلام، وعلى من لا يؤمن بالآخرة، أو لا يؤمن بوحدانية الخالق. حتى قال مالك: الزندقة ما كان عليه المنافقون، وكذا أطلق الشافعية وغيرهم لفظ (الزنديق) على كل من يُظهر الإسلام ويُخفي الكفر، فإن أرادوا اشتراكهم في الحكم فهو كذلك، وإلا فأصلهم ما ذكرت» . انتهى بتصرف. وانظر: «تهذيب اللغة» للأزهري (٩/٤٠٠)، «المعرَّب» للجواليقي (١٦٦)، «المغرب» (١/ ٢٣٥)، «القاموس المحيط» (٣/٢٣٥)، «مشارق الأنوار» للقاضي عياض (١/٣١١)، «الأم» (٦/١٥٦) .
(٢) في منسوخ أبي خبزة: «تُقْبل»، وكتب فوقها: «كذا» . أي: كذا هي.
(٣) انظر: «الأم» (٦/٣٩)، «مختصر المزني» (٢٥٩)، «الحاوي الكبير» (١٦/٤٠٨)، «روضة الطالبين» (١٠/٧٥-٧٦)، «المهذب» (٢/٢٢٣)، «مغني المحتاج» (٤/١٤٠-١٤١)، «السراج الوهاج» (٥٢٠)، «نهاية المحتاج» (٧/٣٩٩)، «المجموع» (١٩/٢٣٢) . وانظر: «الإشراف» لابن المنذر (٢/٢٤٨)، «حلية العلماء» (٧/٦٢٦، ٦٣٥)، «فتح الباري» (١٢/٢٧٢، ٢٧٣)، «إرشاد الساري» (١٠/٧٥) . وهو مذهب الحنفية في إحدى الروايتين، والثاني: لا تقبل توبته. انظر: «أحكام القرآن» (٣/٢٧٤- ط. إحياء التراث) للجصاص، «شرح معاني الآثار» (٣/ ٢١٠- ط. دار الكتب العلمية)، «شرح فتح القدير» (٦/٩٨)، «حاشية ابن عابدين» (٣/٢٩٦) .
(٤) انظر: «المعونة» (٣/١٣٦٣)، «التفريع» (٢/٢٣١)، «الرسالة» (٢٤٠)، «الكافي» (٥٨٥)، «عقد الجواهر الثمينة» (٣/٢٩٨)، «الإشراف» (٤/١٧٢ رقم ١٥٢٦- بتحقيقي)، «الخرشي» (٨/٦٧)، =
[ ٦٢٦ ]
وأحمد (١)، وإسحاق (٢)، وكذلك أهل الظاهر (٣): يرون قتله من حيث أصلهم في المرتد: أنه لا تعتبر مراجعته الإسلام في إسقاط ما ثبت عليه من القتل، وليس هذا هو مسلك مالك ومن ذكر معه في قتل الزنديق من غير استتابة؛ لأنهم يرون استتابة المرتد دون الزنديق، وإنما فرقوا
بينهما في ذلك من حيث أن الزنديق ليس على دينٍ يعتقده، فيرى التزامَه وإظهارَه عبادةً، حتى لا يسمح بالرجوع عنه إلا بعد أن ينتقل عن ذلك الاعتقاد، ويعتقد ما يظهره من الإسلام، وإنما الزنديق جاحدٌ مبطل لا يعتقد شيئًا دِينًا، فتظاهره بالإسلام خداعٌ ودفاع، وليس مَبْنيًّا على صحة اعتقاد، هذا وجه ما ذهبوا إليه.
قال مالك في «الموطأ» (٤): «معنى قول النبي - ﷺ - -فيما نرى والله أعلم-:
_________________
(١) = «الشرح الكبير» (٤/٣٠٦)، «جواهر الإكليل» (٢/٢٨١)، «حاشية الدسوقي» (٤/٣٠٢)، «تهذيب المسالك في نصرة مذهب الإمام مالك» (٥/٦٤٧) . وهو مذهب الليث بن سعد -كما ذكر ذلك المصنف-. انظر: «الإشراف» لابن المنذر (٢/٢٤٧)، «المغني» لابن قدامة (١٢/٢٦٩)، «إعلام الموقعين» (٤/٥٤٩- بتحقيقي) .
(٢) في إحدى الروايات عنه، ونصرها كثير من أصحابه، بل هي أنصُّ الروايات عنه. قاله ابن القيم في «الإعلام» (٤/٥٤٩- بتحقيقي) . انظر: «المقنع» لابن قدامة (ص ٣٠٧)، «الإنصاف» (١٠/٢٣٢-٢٣٣)، «المغني» (١٢/٢٦٩)، «شرح الزركشي» (٦/٢٣٦)، «الهداية» لأبي الخطاب (٢/١٠٩)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٥٧٦ رقم ١٨٢٤)، «المحرر» (٢/١٦٨)، «الروايتين والوجهين» (٢/٣٠٥)، «الفروع» (٦/١٧٠)، «كتاب التمام» (٢/٢٠٠)، «كشاف القناع» (٦/١٨٠)، «رؤوس المسائل» لأبي جعفر الهاشمي (٣/١١٣٦)، «الإفصاح» لابن هبيرة (٢/٢٢٩) . وانظر: «الصارم المسلول» (ص ٣٤٠- وما بعدها أو ٣/٦٥١- ط. ابن حزم)، «عمدة القاري» (٢٤/٧٧)، «أدب القضاء» (٤٢٥)، «نيل الأوطار» (٧/٢٠٤-٢٠٥) .
(٣) مذهبه في «الإشراف» لابن المنذر (٢/٢٤٧- ط. محمد نجيب)، و«الصارم المسلول» (٢/١٦- ط. رمادي)، و«إعلام الموقعين» (٤/٥٤٩- بتحقيقي) .
(٤) انظر في مسألة المرتد واستتابته في مذهب الظاهرية: «المحلَّى» (١١/١٨٨- وما بعدها) .
(٥) في كتاب الأقضية (باب القضاء فيمن ارتدَّ عن الإسلام) (بعد رقم ٦٠٣- ط. دار إحياء التراث) .
[ ٦٢٧ ]
«من غيَّر دينه فاضربوا عنقه» (١): أنه من خرج من الإسلام إلى غيره: مثل الزنادقة وأشباههم، فأولئك إذا ظُهِرَ عليهم قتلوا ولم يُسْتَأْنوا؛ لأنه لا تعرف توبتهم، وأنهم كانوا يُسِرُّون الكفر، ويعلنون الإسلام، فلا أرى أن يستتاب هؤلاء، ولا يقبل منهم قولهم. وأما من خرج من الإسلام إلى غيره، وأظهر ذلك فإنَّه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل» .
ودليل ما ذهب إليه الشافعي: ما خرَّجه مسلم (٢)، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها، وحسابهم على الله» . ثم قرأ: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ. لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] .
وخرَّج -أيضًا- (٣)، عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله - ﷺ - في سريَّة، فصبَّحنا الحُرقاتِ من جُهينة، فأدركتُ رجلًا فقال: لا إله إلا
الله، فَطَعَنْتُهُ، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي - ﷺ - فقال: «أقال: لا إله إلا الله وقَتَلْتَهُ»؟! قال: [قلت] (٤): يا رسول الله، إنما قالها خوفًا من السلاح! قال: «أفلا شَقَقْتَ عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا»؟! فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمتُ يومئذٍ.
واحتجَّ الشافعيُّ بقوله -تعالى- في المنافقين: ﴿اتَّخَذوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦، المنافقون: ٢] . قال (٥): «فهذا يدل على أن إظهار الإيمان جُنَّةٌ من
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (رقم ٦٠٣) بهذا اللفظ مرسلًا. من حديث زيد بن أسلم، عن النبي - ﷺ -. والحديث وصله البخاري في «صحيحه» في كتاب الجهاد (باب لا يعذب بعذاب الله) (رقم ٣٠١٧) من طريق أيوب عن عكرمة، عن ابن عباس.
(٢) في «صحيحه» في كتاب الإيمان (باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا ) (رقم ٢١) . وقد مضى.
(٣) في «صحيحه» في كتاب الإيمان (باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله) (رقم ٩٦) .
(٤) ساقطة من المنسوخ.
(٥) في «الأم» (باب ما يحرم به الدم في الإسلام) (٦/١٥٦، ١٥٨)، وانظر: «الإشراف» لابن المنذر (٢/٢٤٨)، «الإقناع» له -أيضًا- (٢/٥٨٦) .
[ ٦٢٨ ]
القتل» . وهذه كلها أدلةٌ واضحة، وحجج قوية فيما ذهب إليه الشافعي، والله أعلم (١) .
فصل: فيمن سبَّ النبي - ﷺ -
الذي عليه الجماعة من أهل العلم: أنًّ من سبَّ النبي - ﷺ - وجب قتله،
وممن قال بذلك: مالك (٢)، والشافعي (٣)، والليث بن سعد (٤)،
_________________
(١) الخلاف بين الأئمة في قبول توبة الزنديق في الظاهر من أحكام الدنيا من ترك قتلهم وثبوت أحكام الإسلام في حقهم، وأما قبول الله -تعالى- لها في الباطن وغفران الله -تعالى- لمن تاب وأقلع ظاهرًا وباطنًا؛ فلا خلاف فيه. أفاده ابن قدامة في «المغني» (١٠/٨٠) . نعم، لو أنه قبل رفعه إلى السلطان ظهر منه من الأقوال والأعمال ما يدل على حسن الإسلام، وعلى التوبة النصوح، وتكرر ذلك منه، لم يقتل كما قاله أبو يوسف وأحمد في إحدى الروايات عنه، وهذا التفصيل أحسن الأقوال في المسألة. قاله بحروفه ابن القيم في «الإعلام» (٤/٥٥٠- بتحقيقي) . وانظر في بسط المسألة مع أدلتها: «الحدود والتعزيرات عند ابن القيم» (ص ٤٤٤- ٤٥٤)، «أحكام المرتد في الشريعة» (ص ٢٠٦-٢٠٧)، «أثر الشهبات في درء الحدود» (ص ٥١٣-٥١٩) .
(٢) انظر: «التفريع» (٢/٢٣٢)، «الإشراف» (٤/٢٥٧ المسألة رقم ١٦٠١- بتحقيقي)، «الرسالة» (٢٤٠)، «الكافي» (٥٨٥)، «البيان والتحصيل» (١٦/٣٩٦- ٣٩٩، ٤١٣- ٤١٤)، «الذخيرة» (١٢/١٨-٢٧)، «شرح زروق على الرسالة» (٢/٢٥٣)، «حاشية الدسوقي» (٤/٣٠٩)، «القوانين الفقهية» (ص ٣٩٥)، «منح الجليل» (٤/٤٧٦)، «تهذيب المسالك في نصرة مذهب مالك» (٥/٦٥٤) . وانظر: «الشفا» للقاضي عياض (٢/٢١٥-ط. دار الكتب العلمية)، «نهاية السول في خصائص الرسول» لابن دحية (ص ٢٦١)، «المعيار المعرب» للونشريسي (٢/٣٢٦- ٣٢٧) . وقد استوعب شيخ الإسلام في «الصارم المسلول» (٣/٥٧٣-٥٧٥) الأقوال والتصورات عن مالك.
(٣) «الأم» (٤/٢٠٨)، «مختصر المزني» (٢٧٧)، «روضة الطالبين» (١٠/٣٣٢)، «معالم السنن» (٦/١٩٩-٢٠٠- مع «مختصر المنذري»)، «التنبيه في الفقه الشافعي» (ص ٢٣٩)، «الحاوي الكبير» (١٨/٣٦٧)، «مغني المحتاج» (٤/١٤١) للشربيني، «الأوسط»، كتاب الحدود (٢/٦٨٢ رقم ٢٨٥) (رسالة علمية)، «الإجماع» (ص ١٥٣ رقم ٧٢٢)، «الإشراف» (٢/٢٤٤)، «الإقناع» (٢/٥٨٤)؛ جميعها لابن المنذر، «زاد المحتاج» (٤/٣٥٨)، «حواشي الشرواني وابن القاسم» (٩/٣٠٢)، «الإعلام بقواطع الإسلام» (١٤٤) .
(٤) انظر في مذهب الليث بن سعد: «الشفا» للقاضي عياض (٢/٣٩٣- مع شرحه لعلي القاري. ط. دار الكتب العلمية)، «المحلّى» لابن حزم. مسائل التعزير وما لا حدّ فيه (١١/٤١٥ المسألة =
[ ٦٢٩ ]
وأحمد (١)، وإسحاق (٢)، وأهل الظاهر.
قال أبو محمد بن حزم (٣): كل من سبَّ الله -﷿-، أو مَلَكًا من الملائكة، أو نبيًا من الأنبياء، وهو يدري أنه مَلَكٌ أو نبيٌّ، أو سبَّ القرآن، أو سورةً منه، أو آية، أو شيئًا من شرائع الإسلام، أو استهزأ بشيء مما ذكرنا، أو استخفّ به، فإن كان مسلمًا قتل على الرِّدَّة على ما قدمنا -يعني في أنه لا تقبل
توبته، وفي غير ذلك من أحكام ماله ووراثته وسائر أحواله-. قال: وإن كان ذميًّا قتل، وأخذ ماله، إلا أن يُبادر فيسلم؛ فلا شيء عليه، ومالُه الذي لم يؤخذ بَعْدُ لَهُ، وأما الذي أخذ فلجماعة المسلمين.
_________________
(١) = رقم ٢٣٠٨)، «الإشراف» لابن المنذر (٢/٢٤٤) .
(٢) انظر: «المغني» (١٢/٤٠٥)، «شرح الزركشي» (٤/٧-١٢)، «الفروع» (٦/٢٨٧)، «المبدع» (٩/٩٧)، «الإنصاف» (١٠/٣٣٢)، «مسائل أحمد» لأبي داود (ص ٢٢٦)، «السنن» له بعد حديث رقم (٤٣٦٣)، «مسائل أحمد» (٣/١٢٩٢- رواية عبد الله)، «الهداية» لأبي الخطاب (٢/١١٠)، «أحكام أهل الملل» للخلاَّل (ص ٢٥٥-٢٥٦ رقم ٧٢٤)، «كشاف القناع» (٦/١٦٨)، «الشافي» لغلام الخلال -كما في «الصارم المسلول» (٢/١٨-١٩) -، «معونة أُولي النهى» لابن النجار (٨/٥٤٤-٥٥٨)، «المعتمد» للقاضي أبي يعلى -كما في «الصارم المسلول» (٣/٩٥٧- ط. رمادي والمؤتمن)، «مسائل أحمد» - رواية حرب الكرماني -كما في «السيف المسلول» للسبكي (ص ٢٨٥- ط. دار الفتح)، «الإنصاف» (٤/٢٥٧)، «الأحكام السلطانية» للقاضي أبي يعلى (ص ١٥٩)، «المحرر» (٢/١٨٨) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الصارم المسلول» (٣/٦٢٠) -في الذمي إذا سبَّ النبيَّ - ﷺ - -: «فيه ثلاثة أقوال: أحدها يقتل بكل حال، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، ومذهب مالك إذا تاب بعد أخذه، وهو وجه لأصحاب الإمام الشافعي » .
(٣) قال: «أجمع المسلمون أنَّ من سب الله، أو سبَّ رسوله - ﷺ -، أو دفع شيئًا مما أنزل الله، أو قتل نبيًا من أنبياء الله -﷿- أنه كافرٌ بذلك، وإن كان مقرًّا بكل ما أنزل الله» . نقله عنه: ابن عبد البر في «التمهيد» (٤/٢٢٦)، وانظر: «الإشراف» لابن المنذر (٢/٢٤٤)، «الصارم المسلول» (ص ٢٥٢- ط. رئاسة الافتاء بالرياض) . وروى ابن سعد في «الطبقات» (٥/٣٧٩) بسنده إلى عمر بن عبد العزيز قوله: «لا يقتل أحد في سبِّ أحد، إلا في سبِّ نبيٍّ» . وانظر: «السيف المسلول» للسبكي (١١٩- وما بعدها) .
(٤) في «المحلّى» (١١/٤١٣) .
[ ٦٣٠ ]
وحُكي عن أبي حنيفة (١) أنه قال: لا يقتل من سب النبي - ﷺ - من أهل الذمَّة، ما هم عليه من الشرك أعظم.
والدليل على وجوب قتل من سب النبي - ﷺ - (٢): أنه بذلك منتقصٌ له، مستهينٌ بحرمته، وفي ذلك تكذيب بما ورَدَ في القرآن، وثبت بالتواتر والإجماع من علوِّ قدره - ﷺ -، وكَرَمه (٣)، وما فضَّله الله -تعالى- به، وكذلك القول في جميع الأنبياء -﵈- وملائكةالله الكرام، وفي القرآن، وشرائع الإسلام كما ذكر أبو محمد؛ لأن كل ذلك مما جاء بالشرع المتواتر: أن الله -تعالى- اصطفاه
_________________
(١) فرق الحنفية بين الساب المسلم، والذميِّ، فقالوا بقول الجمهور في ردَّة المسلم ووجوب قتله، وأما الذمي فلا ينتقض عهده بسبِّ النبي - ﷺ -. انظر: «مختصر الطحاوي» (ص ٢٦٢)، «القدوري» (ص ١١٧)، «اللباب» (٤/١٤٧-١٤٨)، «الخراج» لأبي يوسف (ص ٢١٧)، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٥٠٤ رقم ١٦٥٢)، «أحكام القرآن» (٣/٤٢٧)؛ كلاهما للجصاص، «الهداية» (٢/٤٥٦)، «البناية» (٥/٨٤٢)، «النتف في الفتاوى» للسغدي (٢/٦٩٤)، «إعلاء السنن» (١٢/٦٠٤) .
(٢) من قواطع الأحكام في الإسلام أنّ من سبَّ النبي - ﷺ -، فهو كافر مرتدٌّ، وعقوبته القتل. وقد حكى ابن القيم -﵀- في «الزاد» (٣/٢١٤) إجماع المسلمين من الصحابة -﵃- فمن بعدهم. وهذا إجماع محكيٌّ لدى عامة أهل العلم، وممن حكاه: الخطابي في «معالم السنن» (٦/ ١٩٩)، وشيخ الإسلام في «الصارم المسلول» (٣/٦٩٥-٧٠١)، والسبكي في «فتاويه» (٢/٥٧٣) . بل قرر ابن سحنون من علماء المالكية: أن من شكَّ في كفر ساب النبي - ﷺ - وعذابه فهو كافر.
(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في «الصارم المسلول» (٢/١٦-ط. رمادي): «وتحرير القول فيها (أي في مسألة سب النبي - ﷺ -): أنَّ السابَّ إن كان مسلمًا، فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وقد تقدم ممن حكى الإجماع على ذلك من الأئمة، مثل: إسحاق بن راهويه وغيره، وإن كان ذميًا فإنه يقتل -أيضًا- في مذهب مالكٍ وأهل المدينة.. وهو مذهب أحمد، وفقهاء الحديث » . وانظر: «السيف المسلول» للسبكي (ص ١١٩- وما بعدها) . وقد أفضت الكلام على هذه المسألة في تحقيقي لكتاب «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي (٤/٢٥٨-٢٦٢)، فانظره غير مأمور.
[ ٦٣١ ]
واختاره
وفضّله، فمن وصفَ شيئًا من ذلك بَعْدُ بغير ما وصَفَه الله -﷿- مما ينافيه ويضاده؛ فقد كذَّب بما أعلم به الله من ذلك في كتابه وتواتر عن رسوله - ﷺ -، وعلم من دين الأمة ضرورة، وذلك هو نفس الكفر وصريحه، وهذا مأخذ في الاستدلال على هذا المعنى، وإن لم أقف عليه نصًا على هذا المسلك لأحد، فهو نظر صحيح لا يعترض، بل إن لم يكن هذا هو المستند، فلا يوجد على القتل دليل يُرضَى.
ومما يزيد -عندي- هذا المأخذ -الذي أنا من صحته على يقين- وضوحًا في ذلك: قول الله -﷿-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧]، فجعل -تعالى- اللعنةَ والوعيد لمن آذى نبيَّه - ﷺ - مأخذةً، مع اللعنةِ والوعيدِ لمن آذى الله سبحانه وتنزَّهَ، إذا هو وصفه بغير صفته، أو نَسَب إليه ما لا ينبغي في جلاله وعظمته وربوبيته، تعالى الله عما يقول المبطلون علوًّا كبيرًا، وهو الكفر الصريح لا محالة.
فلمّا سوَّى اللهُ -تعالى- في ذلك مُؤْذِيَهُ بِمُؤْذي رسوله - ﷺ -، وفرق بينه وبين غيره من كافة المسلمين؛ فقال -تعالى- في الآية بعده: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]، وشتَّان بين هذا الوعيد والأول؛ كان ذلك أدلَّ دليلٍ على أن سبَّ النبي - ﷺ - وتنقصه وغير ذلك، مما يفضي إلى الاستهزاء والأذى: كفر بما أنزل الله -﷿-، وهذا كله دليل صحيح واضح، والحمد لله.
وإذا تقرر هذا؛ فكان يجب أنه متى تاب فاعل ذلك، وراجع الحق: أُقيل، على مذهب من يرى قبول توبة المرتد، وهم أكثر أهل العلم، إلا أني لا أعلم قالوا ذلك فيمن كان مسلمًا قَبْلُ: إنما هو القتل بكل حال؟ فلعل ذلك محمول عندهم محمل إقامة الحدود: إذا وجبت أقيمت، ولا تغني التوبة في دفعها شيئًا، لكنه يلزمهم مثل ذلك في القضاء بقتل المرتد على كل حال، كما ذهب إليه أهل الظاهر وغيرهم ممن يقول به، ولذلك لم يلزمهم هنا هذا الاعتراض ولا الانتقاض.
[ ٦٣٢ ]
قال أبو بكر بن المنذر (١): ومما يحتج به في هذا الباب -يعني قتل من سب النبي - ﷺ - -: قصة كعب بن الأشرف، وأنَّ النبي - ﷺ - قال: «من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله؟» فانتدب له جماعة بإذن النبي - ﷺ -، فقتلوه (٢) .
الفصل الثاني: في أحكام المحاربين
قال الله - ﷿-: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوا مِنَ الأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣- ٣٤] .
واختلف أهل العلم في المحارب المراد بالآية وأحكامِه في ثلاثة مواضع:
الأول: هل المراد بالآية الكفار أو المسلمون؟
والثاني: في وضع العقوبات المحدودة في الآية عليه: هل ذلك على التخيير أو على الترتيب؟
والثالث: في حكم توبته، وما الذي يُهدر عنه إذا جاء تائبًا من جناياته؟
فصل
فأما اختلافهم في المحارب المراد بالآية، ففي ذلك أقوال:
_________________
(١) انظر: «الإقناع» لابن المنذر (٢/٥٨٤) .
(٢) أخرجه البخاري في عدة مواطن (رقم ٢٥١٠، ٣٠٣١، ٣٠٣٢، ٤٠٣٧)، ومسلم (١٨٠١) وغيرهما. وقد مضى تخريجه. وانظر في قصة قتل كعب بن الأشرف: «السير والمغازي» لابن إسحاق (ص ٣١٦-٣٢١)، «مغازي الواقدي» (١/١٨٤-١٩٣)، «السيرة النبوية» لابن هشام (٢/٥١-٥٨)، «طبقات ابن سعد» (٢/٣١)، «تاريخ الطبري» (٢/٤٨٨)، «تفسير الطبري» (٥/١٣٢- وما بعدها) .
[ ٦٣٣ ]
قالت طائفة: لا يطلق على المسلم أنه محاربُ الله ورسولَه، إنما ذلك في الكفار المعاندين لدين الله -﷿-، وأما المسلم الذي يخرج متلصِّصًا، فلا يُسَمَّى بذلك. رُوي هذا القول عن ابن عباس (١)، ويُعزى كذلك إلى الحسن البصري وعطاء وغيرهم (٢) .
واحتج بعض من ذهب إلى هذا بخبر العُرَنيِيِّن (٣)، بما وقع في بعض طرقه:
_________________
(١) أخرجه عنه أبو داود في «سننه» (٤٣٧٢)، والنسائي في «المجتبى» (رقم ٤٠٤٦)، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يُقدر عليه؛ لم يكن عليه سبيل، وليست هذه الآية للرجل المسلم، فمن قَتَل، وأفسد في الأرض، وحارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يُقدر عليه؛ لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه. قال المنذري: في إسناده علي بن الحسين بن واقد، وفيه مقال. وقال الحافظ في «التقريب» (٤٧١٧): صدوق يهم. فحديثه قابل للتحسين. ولذا حسّنه شيخنا الألباني -رحمه الله تعالى- في «صحيح أبي داود» . وعزاه لابن عباس: ابن المنذر في «الإشراف» (١/٥٢٩)، وابن حزم في «المحلّى» (١١/٣٠٠) . وانظر: «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/٩٢)، «تفسير القرآن» لابن كثير (٢/٥٠)، «لباب النقول في أسباب النزول» للسيوطي (ص ٩١)، «نيل الأوطار» (٧/١٧٦) .
(٢) روى أثر الحسن: ابن جرير في «التفسير» (٦/٢٠٦)، رواه عن عكرمة وعبد الكريم بن مالك الجزري، مولى بني أمية، عنه. ورواه ابن حزم (١١/٣٠٠) من طريق أشعث، عن الحسن، به. وانظر: «الإشراف» لابن المنذر (١/٥٢٩)، «المحلّى» (١١/٣٠١)، «فتح الباري» (١٢/١٠٩) . وعن سعيد بن جبير والحسن، قالا: المحاربة لله: الكفر به. نقله عنهما البخاري، ولم يعزه لأحد. انظر: «الفتح» (٨/٢٧٣-٢٧٤) . والأثر عن عطاء، رواه ابن حزم في «المحلّى» (١١/٣٠١) من طريق معمر، عنه وعن قتادة. وهو مذهب الضحاك بن مزاحم، وابن جريج، كما في «المحلّى» -أيضًا-. وقد ردّ ابن حزم هذا القول. انظر: «المحلّى» (١١/٣٠٣- وما بعدها) .
(٣) الخبر: رواه البخاري في «صحيحه» في عدة مواطن. بالأرقام (٢٣٣، ١٥٠١، ٣٠١٨، ٤١٩٢، ٤١٩٣، ٤٦١٠، ٥٦٨٥، ٥٦٨٦، ٥٧٢٧، ٦٨٠٢، ٦٨٠٣، ٦٨٠٤، ٦٨٠٥، ٦٨٩٩) . ومسلم في «صحيحه» في كتاب القسامة والمحاربين (باب حكم المحاربين والمرتدين) (رقم ١٦٧١) من حديث أنس بن مالك -﵁-.
[ ٦٣٤ ]
«أنهم كفروا بعد إسلامهم»، وفيهم نزلت الآية.
وقال أكثر الفقهاء (١): إن كل من خرج من المسلمين فسوقًا، فشهر السلاح، وحارب المسلمين وأخافهم؛ فيصح عليه أنه حارب الله ورسوله، أي: أهل دين الله؛ فيكون حكمه ما ذكر الله في الآية.
خرّج مسلم (٢)، عن النبي - ﷺ - قال: «من حمل علينا السلاح فليس منّا» .
وبه قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأبو ثور، وأحمد، وأهل الظاهر، وغيرهم (٣) .
واحتج المستدلُّ على صحة هذا المذهب، ردًّا علىمن زعم أن الآية في المشركين بأشياء راجحة، منها:
إجماع العلماء على أن المشرك إذا فعل هذه الأشياء، ثم أسلم قبل أن يتوب منها؛ أنه لا يقام عليه شيء من حدودها؛ لقول الله -تعالى-: ﴿قُل لِلَّذِينَ
_________________
(١) ويعزى كذلك للحسن البصري، وقتادة، وعطاء، والكلبي. انظر: «مصنف عبد الرزاق» (١٠/١٠٨، ١١١)، «المحلَّى» (١١/٣٠٢)، «تفسير ابن جرير» (٦/٢١٠-٢١١) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الإيمان (باب قول النبي - ﷺ -: «من حمل علينا السلاح فليس منّا») (رقم ١٦١) من حديث ابن عمر -﵁- مرفوعًا، وفي الأصل: «السلاح علينا»، والمثبت من المنسوخ و«صحيح مسلم» . وأخرجه من حديث ابن عمر: البخاري في موطنين من «صحيحه» (رقم ٦٨٧٤، ٧٠٧٠) . وأخرجه البخاري (رقم ٧٠٧١)، ومسلم (رقم ١٦٣) من حديث أبي موسى الأشعري -﵁-. وأخرجه مسلم (رقم ١٦٢) من حديث إياس بن سلمة، عن أبيه، مرفوعًا بلفظ: «مَنْ سَلَّ علينا السلاح فليس مِنّا» .
(٣) واختاره ابن جرير في «تفسيره» (٦/٢٠٨) . انظر: «اختلاف الفقهاء» (٢٤٣) للطبري، «مختصر الطحاوي» (ص ٢٧٥)، «الأم» (٦/١٦٤- ط. دار الفكر)، «مغني المحتاج» (٤/١٨٠)، «الإنصاف» (١٠/٢٩١)، «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/٩٢)، «عيون المجالس» (٥/٢١٤٢)، «بداية المجتهد» (٢/٥٨٤- ط. دار الكتب الحديثة - القاهرة)، «فقه الإمام أبي ثور» (ص ٧٤١- ٧٤٢)، وفي المنسوخ: «وقال به مالك » .
[ ٦٣٥ ]
كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] .
وأيضًا؛ فلو كانت في المشركين؛ لوجب أن يقام ذلك على كل من قُدر عليه منهم قبل أن يتوب، فكان يكون ذلك حكم الأسرى، وهو مما لم يقله أحدٌ بإجماع (١) .
فصل
وأما اختلافهم في وضع العقوبات التي ذكر الله -تعالى- في المحارب: هل ذلك على التخيير أو هو مرتب على قدر جناياته؟.
فالذي ذهب إليه مالك (٢)، وأبو ثور (٣)، وقاله أبو محمد بن حزم (٤): أن الأمر في ذلك إلى الإمام، يجتهد فيه، وينظر على حسب الحال والمصلحة، وموقع الكف والنَّكال، وروي التخيير كذلك عن ابن عباس (٥)، وقاله سعيد بن
_________________
(١) قال ابن كثير في «التفسير» -عن هذه الآية-: والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم، ممن ارتكب هذه الصفات. ثم ذكر -﵀- حديث العُرَنِييِّن مستدلًاّ به على صحة هذا المذهب. وانظر: «تفسير الطبري» (٦/٢٠٨-٢٠٩) .
(٢) «المدونة» (٤/٤٢٨)، «التفريع» (٢/٢٣٢)، «الرسالة» (٢٤٠-٢٤١)، «الكافي» (١/ ٤٨٧)، «المنتقى» (٧/١٧١)، «مقدمات ابن رشد» (٣/٢٢٧)، «المعونة» (٣/١٣٦٦)، «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (٤/١٨٣ رقم ١٥٣٩- بتحقيقي)، «النوادر والزيادات» (١٤/٤٦٢)، «جامع الأمهات» (ص ٥٢٣)، «عقد الجواهر الثمينة» (٣/٣٤٢)، «تبصرة الحكام» (٢/١٨٨-١٨٩)، «تفسير القرطبي» (٦/١٥٢)، «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/٥٩٦)، «بداية المجتهد» (٢/٥٢٦- ط. دار الحمامي بمصر)، «المنتقى» (٧/١٧١) للباجي.
(٣) نقل ذلك عنه الطبري وغيره. انظر: «اختلاف الفقهاء» للطبري (٢٤٦، ٢٤٧- تحقيق يوسف شخت)، «فتح القدير» (٥/ ٤٢٣)، «المغني» (٨/٢٨٩)، «إرشاد السالك» (٣/١٥٦)، «تفسير القرطبي» (٦/١٥٢)، «الإشراف» لابن المنذر (١/٥٣٢)، «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (٤/١٨٣ رقم ١٥٣٩- بتحقيقي)، «فقه الإمام أبي ثور» (ص ٧٤٣) .
(٤) في «المحلّى» (١١/٣١٨-٣١٩) . وانظر: «التشريع الجنائي» (٢/٦٤٧) .
(٥) أخرجه عنه: الطبري في «تفسيره» (٦/٢١٤) . =
[ ٦٣٦ ]
المسيب (١)، وعمر بن عبد العزيز (٢)،
ومجاهد (٣)، والضحاك (٤) .
وذهب الشافعي (٥)، وأبو حنيفة (٦)، والأوزاعي (٧)، وسفيان
الثوري، وأبو
_________________
(١) = وانظر: «الإشراف» لابن المنذر (١/٥٣٢)، «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/٥٩٦)، «تفسير الرازي» (١١/٢١٥) .
(٢) رواه الطبري في «تفسيره» (٦/٢١٤)، وابن أبي شيبة (١٢/٢٨٦ رقم ١٢٨٤٦) . وهو مذهب الحسن البصري، وعطاء، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وأبي مجلز، كما رواه عنهم: عبد الرزاق في «المصنف» (١٠/١٠٨ رقم ١٨٥٤٢)، والطبري في «التفسير» (٦/٢١٤)، وأفاده القرطبي في «تفسيره» (٦/١٥١) . وانظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (١٢/٢٨٥ رقم ١٢٨٤٤)، «الإشراف» لابن المنذر (١/٥٣١) .
(٣) مذهبه في «الموطأ» (٧/١٧١- مع «المنتقى»)، ونقله عنه القرطبي في «تفسيره» (٦/١٥٢) .
(٤) رواه عنه الطبري -أيضًا- (٦/٢١٤)، وعبد الرزاق (١٠/١١٠، ١١١ رقم ١٨٥٤٩، ١٨٥٥٠)، وابن أبي شيبة (١٢/٢٨٥ رقم ١٢٨٤٤) في «مصنفيهما» . وانظر: «الإشراف» (١/٥٣٢) .
(٥) الضحاك: هو ابن مزاحم. وانظر: «مصنف عبد الرزاق» (١٠/١٠٨-١٠٩)، «الإشراف» لابن المنذر (١/٥٣٢)، «شرح السنة» للبغوي (١٠/٢٦١)، «المحلّى» (١١/٣٠٠- وما بعدها)، «السنن الكبرى» للبيهقي (٨/٢٨٣)، «الدر المنثور» (٣/٦٩) .
(٦) «الأم» . كتاب الحدود وصفة النفي (حد قاطع الطريق) (٦/١٦٤)، «مختصر المزني» (٢٦٥)، «روضة الطالبين» (٧/٣٦٦)، «الحاوي الكبير» (١٧/٢٣٤)، «المهذب» (٢/٣٠١-٣٠٢-ط. مصطفى الحلبي)، «مغني المحتاج» (٤/١٨٢)، «حلية العلماء» (٨/٨٠)، «الإقناع» للماوردي (١٧٣)، «الإقناع» لابن المنذر (١/٣٣٤)، «الإشراف» له أيضًا (١/٥٣١) .
(٧) قال أبو حنيفة: الإمام مخير، إن شاء جمع القتل والقطع، وإن شاء جمع القطع والصلب، ثم قتل بعد الصلب. انظر: «الجامع الصغير» (٥٨)، «مختصر الطحاوي» (٢٧٥، ٢٧٦)، «تحفة الفقهاء» (٣/١٥٦)، «الهداية» (٢/٤٢٣)، «المبسوط» (٩/١٩٥، ١٩٨)، «بدائع الصنائع» (٧/٩٣)، «اللباب» (٣/٢١٢)، «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ٤٩٧- ط. المطبعة البهية) .
(٨) عن الأوزاعي -﵀- روايتان: الرواية الأولى: هي التي عزاها له المصنف -﵀-. =
[ ٦٣٧ ]
يوسف، وأحمد بن حنبل (١): إلى أنَّ العقوبات مرتبةٌ على مقادير الجنايات، بحسب ما عرف من الشرع في جزاء أمثالها، وليس في شيءٍ من ذلك للإمام اختيار، ورُوي -أيضًا- هذا القول الثاني عن ابن عباس (٢)، إلا أنهم اختلفوا في ترتيب ذلك اختلافًا، نشير منه إلى أشهره -إن شاء الله تعالى-.
فأما مستند من ذهب إلى أن الإمام مخير (٣) في عقوبات المحاربين بحسب
_________________
(١) انظر: «المغني» (١٢/٤٧٦)، «المقنع» لابن البنا (٣/١١٣٧-١١٣٨)، «شرح الزركشي» (٦/٣٦٥-٣٦٦)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٥١٥)، «الواضح» (٢/٢٣٩)، «مسائل أحمد» (٢٧٨- رواية الكوج)، «رؤوس المسائل الخلافية» للعكبري (٥/٦٦٧ رقم ١٩٢٣)، «الرعاية الصغرى» (٢/٣٥٣) .
(٢) أخرجه عنه عبد الرزاق في «المصنف» (١٠/١٠٩ رقم ١٨٥٤٤) عن إبراهيم [هو ابن محمد ابن أبي يحيى]، عن داود [هو ابن الحصين القرشي الأموي]، عن عكرمة، والطبري في «التفسير» (٦/٢١٣) من طريق حجاج، عن عطية العوفي، كلاهما عن ابن عباس. وحجَّاج: هو ابن أرطاة: كثير الخطأ والتدليس. وعطية العوفي: ضعيف. وأخرجه الشافعي في «الأم» (٦/١٦٤- ط. دار الفكر)، ومن طريقه البغوي في «شرح السنة» (١٠/٢٦١ رقم ٢٥٧٠)، والبيهقي في «الكبرى» (٨/٢٨٣)، عن إبراهيم، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس. وإبراهيم: هو ابن محمد بن أبي يحيى: وهو متروك. وداود بن الحصين: ثقة إلا في عكرمة. قال علي بن المديني: ما روى عن عكرمة، فمنكر الحديث. وضعفه ابن عدي بإبراهيم بن أبي يحيى. انظر: «تهذيب الكمال» (٢/٤١٢- ط. الرسالة) . وصالح مولى التوأمة: اختلط بأخره. وانظر: «أحكام القرآن» للجصاص (٢/٤٩٦)، «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/٥٩٦)، «تفسير القرطبي» (٦/١٥١-١٥٢)، «التلخيص الحبير» (٤/١٣٤-١٣٥- ط. مؤسسة قرطبة) . واختار هذا القول: ابن جرير في «التفسير» (٦/٢١٥) .
(٣) بعدها في الأصل والمنسوخ: «تخير»، وفي هامش المنسوخ: «تخيير»، وحذفها هو الأليق بالسياق.
[ ٦٣٨ ]
المصلحة (١)، فذلك ظاهر الآية؛ لأن عرف اللغة في سياق
(أو) على مثل ذلك: أن يكون بمعنى التخيير، كآية كفارة اليمين، وآية فدية الأذى، لا اختلافَ في ذلك أنه تخيير، فكذلك ها هنا، ولله -تعالى- أن يعاقب من شاء كيف شاء.
ومستند من ذهب إلى وضع العقوبات مرتبةً على الجنايات بحسب ما عهد من إجرائها في الشرع: ما تقرر ووجب من حفظ الدماء والأبشار إجماعًا؛ فلم يكن التصرف في واحدٍ منها إلا بيقين. ولما شرع في عقوبات المحارب أشياء تختلف، وكانت جناياته كذلك تختلف؛ كان الوجه: وضع كل عقوبة منها على ما يقابلها مما تقرر في مثله، أو جنسه بنصِّ الشَّرع؛ لأن التَّخيير هنا ليس نصًّا مقطوعًا عليه، ولا ظاهرًا -أيضًا-؛ ألا ترى أن (أو) قد تقع في اللغة هذا الموقع، ثم لا يُراد بها التخيير، وتكون للتفصيل (٢): ترد كل قسم إلى ما يليق به مما عرف قبل ذلك أو معه، بنصٍّ أو قرينة، وذلك مثل قول القائل: حد الزاني: جلد أو رجم، لا يُراد بها التخيير في عقوبة كل زانٍ، بل معناه تفصيلُ العقوبة وتنويعها، بحسب أنواع الزناة، فالزاني البكر يجلد، والثيّب يرجم، فليست (أو) في نحو هذا من التخيير في شيء.
ومن ذلك قول جعفر بن عُلَيَّة الحارثي:
أَلَهْفَى بِقُرَّى سَحْبلٍ حينَ أَجْلَبتْ علينا الولايا والعدوُّ المباسِلُ
_________________
(١) مذهب المالكية أن له قتله وإن لم يكن قَتْل. انظر: «المدونة» (٤/٤٢٨)، «التفريع» (٢/ ٢٣٢)، «الرسالة» (٢٤٠-٢٤١)، «المنتقى» (٧/١٧٤)، «الكافي» (٥٨٢-٥٨٤)، «مقدمات ابن رشد» (٣/ ٢٢٧)، «المعونة» (٣/١٣٦٦)، «جامع الأمهات» (ص ٥٢٣)، «عقد الجواهر» (٣/٣٤٢)، «تبصرة الحكام» (٢/١٨٨-١٨٩)، «الإشراف» (٤/١٨٣- بتحقيقي)، «تفسير القرطبي» (٦/١٥٢) .
(٢) وللتنويع. ورجح الطبري هذا المعنى. انظر: «تفسير الطبري» (٦/٢١٤-٢١٥)، «بداية المجتهد» (٢/٥٢٦- ط. دار الحمامي)، «فتح الباري» (١٢/١١٠) . وقال ابن المنذر في «الإشراف» (١/٥٣٣): وقد رُوينا عن ابن عباس أنه قال: ما كان في القرآن أو، أو؛ فصاحبه بالخيار.
[ ٦٣٩ ]
فقالوا: لنا ثنتان لا بُدَّ منهما صُدورُ رماحٍ أشرعت أو سَلاسِلُ (١)
لم يرد أنَّا نتخير في ذلك واحدة، وإنما أراد أن كلتيهما مفعول، يتنوع بحسب ما يكون منكم، فمن قاتل، أصابته رِماحُنا، ومن ألقى بيده، أَسَرْناه في السلاسل. فيكون على هذا معنى الآية: إنَّ لكل حالةٍ نوعًا من هذه العقوبات على ترتيب أوضاعها بالشرع.
وبالجملة؛ فلكلِّ مذهبٍ مُستندٌ قويٌّ، إلاَّ أنَّ الأولى أن لا يُقدَمَ على دمِ مسلمٍ إلا بيقين، والخطأ في استحيائه أقرب من الخطأ في قتله، والله أعلم.
واتفق القائلون بترتيب العقوبات على أنه لا يُقتلُ المحارب إلا إن قَتَلَ، وأنه إنْ قَتَل يُقْتلُ على كل حال، وليس لولي دم المقتول مَدخلٌ في العقوبات؛ لأنَّ قتله واقعٌ موقع الحدِّ في الحرابة.
ثم اختلفوا في أشياء؛ فقال قوم: إذا شهر السلاح وقَتَل؛ قُتِل، فَإنْ أخذَ المالَ ولم يَقْتُل؛ قُطِع من خلاف، وإن قَتَلَ وأخذ المال؛ قُتِل وصُلِبَ، رُوي ذلك عن قتادة وعطاء الخراساني (٢)، وإليه ذهب الأوزاعي (٣)، إلا أنه قال في الذي يَقْتُلُ
_________________
(١) البيتان -كما قال المصنف- لجعفر بن علية الحارثي. انظر: «لسان العرب» (١١/٣٣١- سَحْبَل)، «تاج العروس» (١٣/٣٩٨- قرر، سَحْبَل)، «المخصَّص» لابن سيده (١٤/٣٥)، «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ص ٤٥)، «شرح شواهد المغني» للسيوطي (١/٣٠٣)، «شرح الأشموني» (٢/٤٦٤)، «مغني اللبيب» لابن هشام (١/٦٥)، «همع الهوامع» (٢/١٣٤)، «الدرر اللوامع» (٦/١١٩) .
(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (١٠/١٠٨ رقم ١٨٥٤٢)، وزاد معهما: الكلبي، ومن طريقه الطبري في «التفسير» (٦/٢١٢)، ولم يسمّ الكلبي. قالوا في الآية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾: هذه في اللصّ الذي يقطع الطريق وقالوا: فإن أُخِذَ قبل أن يفعل شيئًا من ذلك نُفي. وروى نحوه: البيهقي في «الكبرى» (٨/٢٨٣) . ونقله عن عطاء وقتادة وأبي مجلز وإبراهيم النخعي: ابن المنذر في «الإشراف» (١/٥٣١) .
(٣) نقله عنه ابن المنذر في «الإشراف» (١/٥٣١، ٥٣٤)، والطبري في «اختلاف الفقهاء» (٢٤٤-٢٤٥-ط. يوسف شخت)، وابن حزم في «المحلى» (١١/٣١٥)، وانظر: «فقه الأوزاعي» (٢/ ٣٣٩-٣٤٠) .
[ ٦٤٠ ]
ويأخذ المال: يُصلبُ أوّلًا ثم يقتل مصلوبًا. ورُوي عن بعضهم: فيمن قَتلَ وأخذ المال: أنه يُقطع من خلاف، ثم يصلب، فجَمَعَ عليه عقوبتين.
وقال أبو حنيفة (١): «إذا قَتَل قُتل، وإذا أخذ المال ولم
يَقْتُل، قُطعت يده ورجله من خلاف، وإذا أخذَ المال وقَتَل؛ فالسلطان مخير فيه: إن شاء قطع يده ورجله وقَتَله، وإن شاء لم يَقْطَعْ يده ورجله، وقَتَله وصلبه» .
وهذا أبعد من الأول؛ لأنه جعل الخيرة إلى الإمام بغير دليل، وهو لا يرى الآية على التخيير، وجمع عليه عقوبتين.
وقال الشافعي (٢): «إذا أخذ المال؛ قطعت يده اليمنى وحُسمت، ثم قُطعت رجله اليسرى وحُسمت في مكان واحد وخُلِّي، وإذا قَتَل؛ قُتل ودُفع إلى أوليائه يدفنونه، وإذا أخذ المال وقَتل؛ قُتِل وصُلب. ورُوي عنه أنه يُصلبُ ثلاثة أيام» . قال (٣): «وإن حضر وكَثَّر وهَيَّب، وكان رِدْءًا للعدوِّ؛ عُزِّر وحُبس» .
قال أبو محمد بن حزم (٤) فيما ذهب إليه، من أن العقوبات في ذلك على التخيير، كما ذهب إليه مالك (٥) ومن ذُكر معه: «الإمام مخير
فيه، إن شاء ضربَ
_________________
(١) انظر: «مختصر الطحاوي» (ص ٢٧٥، ٢٧٦)، «تحفة الفقهاء» (٣/١٥٦)، «الهداية» (٢/ ٤٢٣)، «البناية» (٥/٦٢٥-٦٢٦، ٦٣٠)، «الجامع الصغير» (٥٨)، «اللباب» (٣/٢١١-٢١٢)، «بدائع الصنائع» (٧/٩٥)، «المبسوط» (٩/١٩٥، ١٩٨)، «ملتقى الأبحر» (١/٣٥٢) . وقال أبو يوسف في الذَي قتلَ وأخذ المال: «يُصلبُ وهو حيٌّ، ثم يقتل على الخشبة» . وهو قول الكرخي. وقال الطحاوي: يصلب مقتولًا. انظر: «تحفة الفقهاء» (٣/١٥٦)، «المبسوط» (٩/١٩٥- ١٩٦) .
(٢) انظر: «الأم» (٦/١٦٤)، «مختصر المزني» (ص ٢٦٥)، «المهذب» (٢/٢٨٥)، «الحاوي الكبير» (١٧/٢٤١)، «روضة الطالبين» (١٠/١٥٦- ١٥٧)، «الأحكام السلطانية» (ص ٢٣٩)، «مغني المحتاج» (٤/١٨١- ١٨٢)، «الإشراف» لابن المنذر (١/٥٣١)، «حلية العلماء» (٨/٨٣- ٨٤) .
(٣) الموطن السابق من «الأم» .
(٤) في «المحلّى» (١١/٣١٥، ٣١٧-٣١٨) .
(٥) أي ليس على هوى، وإنما هو مخير في العقوبات المذكورات في الآية على قدر جُرمهم. =
[ ٦٤١ ]
عنقه، وأمر بغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، وجائز للإمام أن يُصلي عليه، وإن شاء قطع يده ورجله من خلاف: اليمنى من جهة، إمَّا مِنْ يدٍ، وإمَّا مِنْ رجل، واليسرى من جهةٍ كذلك، ثم يكويه؛ ليرقأ الدم، ويُطلِقهُ، ولا يحلُّ له أنْ يسجنه، ولا أن يضربه، وإن شاء صلبه حيًّا، وتركه حتى يموت، وَيَجِفَّ وييبس، فإذا يبس جِلده، وسَالَ ودكُه؛ أمر بإنزاله، وغَسْله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه. وللإمام أن يصلي عليه، ولا يحل أن يُنْحَرَ برمحٍ، ولا أنْ يُرْمى بِنَبْلٍ ولا حجارة، ولا أن تضرب عنقه ثم يصلبه، ولا أن تُقْطَعَ له يَدٌ ورجل، ثم يُقتلَ أو يصلب، ولا أن يضرب.
_________________
(١) = انظر: «المدونة» (٤/٤٢٨)، «التفريع» (٢/٢٣٢)، «الرسالة» (٢٤٠-٢٤١)، «المنتقى» (٧/١٧٤)، «مقدمات ابن رشد» (٣/٢٢٧)، «تفسير القرطبي» (٦/١٥٢)، «المعونة» (٣/١٣٦٦)، «جامع الأمهات» (ص ٥٢٣)، «الكافي» (١/٤٨٧)، «عقد الجواهر الثمينة» (٣/٣٤٢)، «تبصرة الحكام» (٢/١٨٧)، «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (٤/١٨٣ رقم ١٥٣٩- بتحقيقي) . وإن أخذ المال ولم يقتل، قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد، ثم حُسما وخلِّي، وإذا لم يقتل، ولم يأخذ المال نُفي. ومذهب الحنابلة أنه إذا أخذ المال وقَتَلَ؛ قتِلَ، وصُلب، ولم يُقطع، والصلب يكون بعد القتل. انظر: «المقنع» لابن البنا (٣/١١٣٧- ١١٣٨)، «المغني» (١٢/٤٧٧)، «شرح الزركشي» (٦/ ٣٦٥)، «مسائل الإمام أحمد» (٢٧٨- رواية الكوسج)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٥١٥)، «الواضح» (٢/٢٣٩) . وما قرره مالك، وأيده ابن حزم قويٌّ ووجيه. وقال ابن حزم: «للإمام أن يصلب المحارب حيًّا، ويترك حتى ييبس ويجف كله؛ لأن الصلب في كلام العرب يقع على معنيين: أحدهما: من الأيدي، والربط على الخشبة، قال -تعالى- حاكيًا عن فرعون: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] . والوجه الآخر: التثبيت، قال الشاعر عن فلاة مضلة: بها جيفُ الحسرى فأما عظامها فبيضٌ وأما جلدها فصليبُ يريد: أن جلدها يابس، فوجب جمع الأمرين معًا، حتى إذا أَنْفَذنا أمر الله -تعالى- فيه، وجب به ما افترضه الله -تعالى- للمسلم على المسلم، من الغسل والتكفين والصلاة والدفن» . وانظر: «الفقه الإسلامي وأدلته» (٦/١٣٨)، «حد الحرابة» (٧٣-٧٦) .
[ ٦٤٢ ]
وإن شاء نفاه. وصِفَةُ نَفْيِهِ أنه كلما حَصَل في بلد نُفي عنه أبدًا، هكذا حتى يموت، وسواء قَتل وأخذ المال، أو لم يفعل شيئًا من ذلك، يعني: إذا كان قد أخاف الطريق، وحارب أهله على أموالهم؛ فهو عنده محارب، سواء كان في المصر أو خارج المصر، ليلًا أو نهارًا» . هكذا نصُّ قوله.
وكان مما اختلفوا فيه من هذا الفصل: صفة النفي الذي ذكره الله -تعالى-، فقال الكوفيون (١): لما قال الله -﷿-: ﴿أَوْ يُنفَوا
مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] عُلِم أنهم لا بد لهم أن يستقروا في الأرض؛ لم يكن شيء أولى بهم من الحبس؛ لأنه إذا حُبِس فقد نُفي من الأرض، من موضع استقراره. وقال مالك (٢): «ينفى من البلد الذي أَحْدَثَ فيه هذا إلى غيره، ثم يحبس فيه»، حَملًا على قولهم في نفي الزاني. وقال الزهري (٣): نَفْيُهُ: أن يُطلبَ فلا يُقْدر عليه، كلما سُمع به في أرض طُلب. وعلى نحو ذلك يجيء ما رُوي عن الشافعي: أنَّ نفيهم: أن يُطلبوا حتَّى يؤخذوا، فتقام عليهم الحدود (٤) .
_________________
(١) أي الحنفية. انظر: «مختصر الطحاوي» (ص ٢٧٥)، «الهداية» (٢/٤٢٣)، «البناية» (٥/ ٦٢٨)، «تحفة الفقهاء» (٣/١٥٦)، «بدائع الصنائع» (٧/٩٤-٩٥)، «المبسوط» (٩/١٩٩)، «أحكام القرآن» للجصاص (٢/٢١٤)، «حاشية رد المحتار» (٤/١١٣-١١٤)، «ملتقى الأبحر» (١/٣٥٢) .
(٢) «المدونة» (٦/٢٣٧- ط. دار صادر)، «جامع الأمهات» (ص ٥٢٣)، «الذخيرة» (١٢/ ١٢٧، ١٣١)، «قوانين الأحكام» (٣١١)، «الكافي» (١/٤٨٧)، «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/٥٩٨)، «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (٤/١٨٤ رقم ١٥٤٠- بتحقيقي)، «بداية المجتهد» (٢/٤٩٠)، «عيون المجالس» (٥/٢١٤٥ رقم ١٥٥٦)، «تبصرة الحكام» (٢/١٨٨)، «عقد الجواهر الثمينة» (٣/٣٤٣)، «الشرح الكبير» (٤/٣٤٩)، «تفسير القرطبي» (٦/١٥٣)، «المنتقى» للباجي (٧/١٧٣)، «أقضية النبي - ﷺ -» لابن فرج (١٢) . واختار ابن العربي الحبس؛ كالحنفية، واختار مذهب المالكية: ابن جرير في «تفسيره» (٦/٢١٨) .
(٣) نقله عنه: ابن المنذر في «الإشراف» (١/٥٣٥) .
(٤) انظر: «الأم» (٦/١٦٤- ١٦٥)، «مختصر المزني» (٢٦٥)، «السنن الكبرى» (٨/٢٨٣)، «الحاوي الكبير» (١٧/٢٣٩)، «التنبيه في الفقه الشافعي» (ص ٢٤٧)، «الأحكام السلطانية» للماوردي (ص ٦٢)، «المهذب» (٢/٢٨٤)، «الإشراف» لابن المنذر (١/٥٣٥)، «أسنى المطالب» (٤/١٥٤)، =
[ ٦٤٣ ]
فصل
وأما اختلافهم في المحارب يجيء تائبًا من قبل أن يُقْدَر عليه: ما الذي يُهْدَرُ (١) عنه بالتوبة؟ فقال قتادة والزهري في قوله -تعالى-: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]: ذلك لأهل الشرك (٢) .
فظاهر هذا القول أن المحارب المسلم لا يُهدر عنه شيءٌ من جناياته، والله أعلم. وقال أكثر أهل العلم: إنه (٣) يتناول المحارب المسلم، فإذا تاب قبل أن يُقدر عليه، وكان جَنَى في حرابته جنايات، سقط عنه ما كان من حدٍّ لله، وأُخذ بحقوق الآدميين، فاقتص منه في النفس والجراح، وضمن ما استهلك من الأموال، وأخذ ما وجد من
_________________
(١) = «حلية العلماء» (٨/٨٠-٨١) . وإلى هذا ذهب الإمام أبو ثور. انظر: «اختلاف الفقهاء» للطبري (٢٥٥) . ومذهب الحنابلة: أن النفي معناه: أن يُشَرَّدوا؛ فلا يتركوا يأوون في بلد. وحكي عن أحمد رواية أخرى معناها: أنَّ نفيهم: طلب الإمام لهم، فإذا ظفر بهم عزرهم بما يردعهم. انظر: «المغني» (١٢/٤٨٢- ط. دار هجر)، «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص ٢٦٣)، «الإنصاف» (١٠/٢٩٨)، «المقنع» لابن البنا (٣/١١٣٩-١١٤٠)، «شرح الزركشي» (٦/٣٧٠) «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٥٢٠)، «الواضح» (٢/٢٤٠)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٦٦٩ رقم ١٩٢٧) . والراجح في هذه المسألة -والله أعلم- ما ذهب إليه مالك، وتبعه ابن حزم: أن نفي المحارب من الأرض يكون بحسب ما يراه الإمام، إما بطرده بحيث لا يأوي في بلد، وإمَّا بحبسه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في «مجموع الفتاوى» (١٥/٣١٠): «وهذا أعدل وأحسن» . وانظر: «مصنف عبد الرزاق» (١٠/١٠٩)، «المحلّى» (١١/٣١٨-٣١٩)، «تفسير الألوسي» (٦/١٢٠)، «العقوبة في الفقه الإسلامي» لأحمد بهنسي (ص ١٧٤)، «حد الحرابة» (ص ٨١-٨٣)، «التشريع الجنائي» (٢/٦٤٩)، «أحكام السجن ومعاملة السجناء» (ص ٤٣-٤٤) .
(٢) كذا في المنسوخ، وفي هامشه: «أو: يهدر»، والمثبت من الأصل.
(٣) قول قتادة أخرجه عنه عبد الرزاق في «المصنف» (١٠/١٠٨ رقم ١٨٥٤٢)، ومن طريقه الطبري في «التفسير» (٦/٢١٢) . وهو قول عطاء -أيضًا-. ونقله عن قتادة والزهري: ابن المنذر في «الإشراف» (١/٥٣٦) .
(٤) في منسوخ أبي خبزة: «أن» .
[ ٦٤٤ ]
ذلك عنده، وهذا مذهب مالك (١)، والشافعي (٢)، وأبي ثور (٣)، وأصحاب الرأي (٤) .
وقال أبو محمد بن حزم (٥): إن تاب المحارب قبل أن يُقدر عليه، سقط عنه كل ما ذكرنا -يعني: حد الحرابة-، المختص القيام فيها إلى السلطان. قال: ولا شيء عليه إلا ضمان ما أتلف من مال، والخيار لوليِّ المقتول إن كان قتل أحدًا، والقصاص في الأعضاء إلى المجني عليه.
ونقل عن بعض السلف أنهم ذهبوا إلىأن كلَّ ذلك يُهدَرُ عنه، إلاّ مالًا قد وجد بعينه، فهو مردود، وقد يُعزى إلى مالك بعض ذلك في رواية عنه.
فأقول: لما كان حكم الله -﷿- فيمن أصاب حدًّا من حدود الله أو حقًّا لذي حق؛ أن يقام ذلك عليه، ولا يسقط شيء من ذلك إلا بيقين، وكان المحارب استحق على حَرابته العقوبة التي سَمَّى الله -تعالى- في قوله: ﴿إِنَّمَا
_________________
(١) «الرسالة» (٢٤١)، «التفريع» (٢/٢٣٣)، «النوادر والزيادات» (١٤/٤٨١)، «عقد الجواهر الثمينة» (٣/٣٤٤)، «المعونة» (٣/١٣٦٧)، «جامع الأمهات» (ص ٥٢٣)، «الذخيرة» (١٢/ ١٣٣)، «أسهل المدارك» (٣/١٥٦-١٥٧)، «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (٤/١٨٧ رقم ١٥٤٣- بتحقيقي)، «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/٦٠٠)، «بداية المجتهد» (٢/٣٨٢)، «تفسير القرطبي» (٦/١٥٥)، «المنتقى» (٧/١٧٤) .
(٢) «الأم» (٦/١٥٢)، «مختصر المزني» (٢٦٥)، «المهذب» (٢/٢٨٥)، «الحاوي الكبير» (١٧/٢٥٥-٢٦٠)، «مغني المحتاج» (٤/١٨٤)، «حلية العلماء» (٧/٨٨)، «الإشراف» لابن المنذر (١/٥٣٦) . وانظر: «سقوط العقوبات في الفقه الإسلامي» (٣/٢١٧-٢١٨) .
(٣) نقل مذهب أبي ثور: ابن المنذر في «الإشراف» (١/٥٣٦)، والطبري في «اختلاف الفقهاء» (٢٥٣)، وابن قدامة في «المغني» (١٢/٤٨٣) . وانظر: «فقه الإمام أبي ثور» (ص ٧٤٤) .
(٤) انظر: «مختصر الطحاوي» (٢٧٦)، «تحفة الفقهاء» (٣/١٥٦)، «الهداية» (٢/٤٢٤)، «اللباب» (٣/٢١٣)، «المبسوط» (٩/١٩٨)، «البناية» (٥/٦٣٦) . وهو مذهب الحنابلة، انظر: «المقنع» لابن البنا (٣/١١٤٠)، «المغني» (١٢/٤٨٣)، «شرح الزركشي» (٦/٣٧١)، «الفروع» (٦/١٤٠-١٤٢)، «المبدع» (٩/١٥١)، «الإنصاف» (١٠/٢٩٧-٢٩٩)، «المحرر» (٢/ ١٦١)، «مسائل الإمام أحمد» (٢٧٧-٢٧٨- رواية الكوسج) .
(٥) في «المحلّى» (١١/١٣٠-١٣١) .
[ ٦٤٥ ]
جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله: ﴿ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]؛ وجب أن يكون الاستثناء في قوله -تعالى-: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] عائدًا على ما سُمِّيَ من عقوبات الحرابة التي لم يَجْرِ إلا ذكرها، واستحال أن يرجع ذلك على ما لم يَجْرِ في الخطاب، لا بصيغةٍ ولا بمفهوم؛ فكان كلُّ جناية جناها المحارب سوى نفس الحرابة باقيًا على ما ثبت لها من أحكام الشرع، فوجب بيقينٍ أن يقام على المحارب بعد توبته كلُّ حدٍّ لله أصابه في حرابته، أو قبلها: من زنىً، وسرقةٍ، وشُربٍ، وغيرِ ذلك، وكذلك حقوق الناس في الأموال، والأبدان، والأعراض ولا بُدَّ، إلاَّ أن يُسقِطَ شيئًا من ذلك عنه أحَدٌ مِمَّن وَجَب له ذلك، ولا يندفع عنه بالتوبة إلا حَدُّ الحرابة فقط -والله الموفق-.
مسألة
اختلفوا فيمن شهر السلاحَ، وقطع الطريق في مصرٍ من الأمصار، أو قرية من القرى، فَقَتَلَ وأخذ المال:
فقال قوم: لا تكون المحاربة في المصر، إنما تكون خارجًا من
المصر، قاله أبو حنيفة (١)، والثوري، وإسحاق (٢) .
وقال قوم: حكم ذلك في الصحراء والطرق والمنازل والأمصار واحد، فحدودهم واحدة، قاله الشافعيُّ (٣)،
_________________
(١) «مختصر الطحاوي» (٢٧٦)، «المبسوط» (٩/٢٠١)، «الاختيار» (٣/٧٢)، «تحفة الفقهاء» (٣/٢٤٧)، «بدائع الصنائع» (٧/٩٠-٩١)، «البناية» (٥/٦٤٠)، «حاشية رد المحتار» (٤/١١٣)، «مجمع الأنهر» (١/٦٢٩)، «رؤوس المسائل» (ص ٤٩٩)، «أحكام القرآن» للجصاص (٢/٥٠٢) .
(٢) نقل مذهب سفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه: ابن المنذر في «الإشراف» (١/٥٣٧) . وانظر: «المحلّى» (١١/٣٠٣) .
(٣) «الأم» (٦/١٤٠- ط. بولاق)، «مختصر المزني» (ص ٢٦٥)، «التنبيه» (١٥٠)، «المهذب» (٢/٢٨٥)، «الوجيز» (٢/١٧٩)، «روضة الطالبين» (١٠/١٥٥)، «المنهاج» (ص ١٣٤- ط. مصطفى =
[ ٦٤٦ ]
وأبو ثور (١)، وغيرهم (٢) . قال أبو محمد بن حزم (٣): سواء ذلك في المصر وخارج المصر، ليلًا أو نهارًا، كل ذلك إذا أخاف الطريق، وحارب أهله على أموالهم؛ فهو المحارب.
واختلف في ذلك عن مالك، فمرةً أثبتَ له حكم المحاربة، ومرةً نَفَى (٤)، والأرجح الإثبات (٥) إذا كان منه من المحاربة والفساد الذي ذكره الله -تعالى- ما يكون من فاعل ذلك في الطرق والبراري وغيرها؛ لأن الآية عامةٌ، لا تخصُّ موضعًا دون موضع، ولا وقتًا دون وقت.
قال بعض أهل العلم: وربما كان ذلك في المصر أعظم جرمًا (٦) .
_________________
(١) = الحلبي)، «أسنى المطالب» (٤/١٥٤)، «حلية العلماء» (٨/٨٥)، «مغني المحتاج» (٤/١٨١) .
(٢) نقل مذهب أبي ثور: ابن المنذر في «الإشراف» (١/٥٣٧)، والطبري في «اختلاف الفقهاء» (٢٥١)، وابن قدامة في «المغني» (١٠/٣٠٣)، والشوكاني في «النيل» (٧/١٣٠)، وانظر: «فقه الإمام أبي ثور» (ص ٧٤٢) .
(٣) وهو الأرجح في مذهب المالكية. انظر: «الكافي» (٢/١٠٨٩) . وهو -كذلك- مذهب الأوزاعي. انظر: «المغني» (١٠/٣٠٣)، «نيل الأوطار» (٧/١٣٠)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٣٣٨-٣٣٩) .
(٤) انظر: «المحلّى» (١١/٣٠٧) .
(٥) نسب ابن رشد في «بداية المجتهد» (٢/٣٨٠) إلى مالك القول بثبوت المحاربة في المِصر، ونسب الباجي في «المنتقى» (٧/١٦٩) نفي المحاربة في المصر لعبد الملك بن الماجشون. وانظر: «النوادر والزيادات» (١٤/٤٧٨) .
(٦) انظر: «المدونة» (٤/٤٣٠)، «عقد الجواهر الثمينة» (٣/٣٤١)، «الذخيرة» (١٢/١٢٣)، «النوادر والزيادات» (١٤/٤٧٨)، «جامع الأمهات» (ص ٥٢٣)، «قوانين الأحكام» (٣١١)، «الشرح الكبير» (٤/٣٤٨)، «الخرشي» (٨/١٠٤)، «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/٥٩٦- ٥٩٧)، «تفسير القرطبي» (٦/١٥١) .
(٧) الراجح أن شهر السلاح في البنيان لأخذ المال: حرابة، ومن فعل ذلك بأي نوع من أنواع القتال؛ فهو محارب قاطع، يحد بحد الحرابة. قاله ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٨/٣١٥، ٣١٦)، وعلّل ذلك بمعنى قويٍّ، قال: «وهذا هو الصواب، بل هم في البنيان أحق بالعقوبة منهم في الصحراء؛ لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة، ولأنه محل تناصر الناس وتعاونهم، فإقدامهم عليه =
[ ٦٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يقتضي شدة المحاربة والمغالبة، ولأنهم يسلبون الرجل في داره جميع ماله، والمسافر لا يكون معه غالبًا إلا بعض ماله»، قال: «ولو حاربوا بالعصي والحجارة المقذوفة بالأيدي أو المقاليع ونحوها؛ فهم محاربون -أيضًا-» . وفي هذه المسألة صدر قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية (رقم ٨٥) بتاريخ (١١/ ١١/١٤٠١هـ)، المبلغ للمحاكم الشرعية برقم (١٢٢/١٢ت) في (١١/١٠/١٤٠٢هـ) وخلاصته: أولًا: إن جرائم الخطف والسطو لانتهاك حرمات المسلمين على سبيل المكابرة والمجاهرة من ضروب المحاربة، والسعي في الأرض فسادًا، المستحقة للعقاب الذي ذكره الله -سبحانه- في آية المائدة، سواء وقع ذلك على النفس أو المال أو العرض، أو أحدث إخافة السبيل وقطع الطريق، ولا فرق في ذلك بين وقوعه في المدن والقرى أو في الصحارى والقفار. ثانيًا: أن «أو» الواردة في آية المائدة للتخيير، وهذا رأي الأقلية، وعليه العمل، وأكثر أعضاء الهيئة يرونها للترتيب. ثالثًا: وهذا محل خلاف، والعمل على هذا النص: أن الخيار المقصود في الآية معنيٌّ به الإمام (وليُّ الأمر)، وليس القاضي، وأن الإمامَ مخيَّرٌ في إيقاع أي العقوبات الأربع شاء: من قتل، أو صلب حتى الموت، أو تقطع الأيدي والأرجل من خلاف، أو نفي من الأرض: بأن يحبس المحارب حتى يموت في السجن، وإسناد الاختيار إلى القضاة سوف يكون له آثار لا تخدم مصلحة الأمة، ولا يحصل معها زجر المفسدين، وأن هذا الاختيار للإمام في أنواع الحرابة كافة، والفساد المنصوص على حكمه في آية المائدة، ولا يستثنى من ذلك كون المحارب قتل أحدًا في أثناء حرابته، فإذا تحقق للإمام أن عدم قتله أعظم دفعًا للمفاسد وأكبر جلبًا للمصالح؛ فله أن يختار عقوبة غير القتل من العقوبات المنصوص عليها في الآية. رابعًا: يتولى نواب الإمام القضاة إثبات نوع الجريمة والحكم فيها، فإذا ثبت لديهم أنها من المحاربة لله ورسوله - ﷺ - والسعي في الأرض فسادًا؛ فعليهم أن يقترحوا العقوبة التي يرونها مناسبة حسب اجتهادهم، مراعين واقع الجرم، وظروف الجريمة، وأثرها في المجتمع، وما يحقق المصلحة العامة للإسلام والمسلمين، وللإمام ولي الأمر أن يوافق على العقوبة التي اقترحها القضاة أو يختار عقوبة غيرها من العقوبات المنصوص عليها في آية المائدة. خامسًا: نظرًا إلى أن جرائم الخطف والسطو من القضايا المهمة؛ فتختص بنظرها المحاكم العامة من قبل ثلاثة قضاة، كما هو الحال في قضايا القتل والرجم، وترفع للتمييز، ثم لمجلس القضاة الأعلى لمراجعة الأحكام الصادرة بخصوصها براءةً للذمة، واحتياطًا لسفك الدماء. انظر: «التصنيف الموضوعي لتعاميم وزارة العدل» (٢/٦٥٧-٦٥٩) بواسطة التعليق على «مختصر الخلافيات» (٤/٤٦١-٤٦٢) .
[ ٦٤٨ ]
فصل: في دفاع الرجل عن نفسه وماله
خرَّج مسلم (١) عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - ﷺ - قال: «من قتل دون ماله فهو شهيد» .
وخرّج (٢) عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك»، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله»، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد»، قال: أرأيت (٣) إن قَتَلْتُهُ؟ قال: «هو في النار» .
والمحفوظ عن جماعة أهل العلم (٤): أن للرجل أن يقاتل عن نفسه
وماله وأهله إذا أريد ظلمًا، وممن قال بذلك: مالك (٥)، والشافعي (٦)،
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الإيمان (باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حقٍّ كان القاصد مهدر الدم في حقه) (٢٢٦) (١٤١) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب المظالم (باب من قاتل دون ماله) (رقم ٢٤٨٠) .
(٢) الكتاب والباب السابقان (٢٢٥) (١٤٠) .
(٣) في الأصل: «إن رأيت» . وهو خطأ.
(٤) نقله المصنف من «الإشراف» لابن المنذر (١/٥٤٠) .
(٥) في المسألة قولان عند المالكية، وهو أن دفع الصائل عن النفس واجب -وهو أصح القولين في المذهب-. والقول الثاني: أن الدفع جائز لا واجب؛ فإن شاء أسلم نفسه، وإن شاء دفع عنها. انظر: «التفريع» (٢/٢٣٣)، «الكافي» (٢/١٠٨٩)، «جامع الأمهات» (ص ٥٢٥)، «عقد الجواهر الثمينة» (٣/٣٥٣)؛ «الذخيرة» (١٢/٢٦٢)، «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٤/ ٣٥٧)، «منح الجليل» (٤/٥٦١)، «الخرشي» (٥/٣٥٤)، «المنتقى» للباجي (٧/١٧٠) .
(٦) مذهب الشافعية: أنه يجب الدفع إذا كان المعتدي كافرًا، أو بهيمة، أو مسلمًا مهدر الدم، فإن كان المعتدي مسلمًا محقون الدم، فيجوز الدفاع عن النفس ولا يجب. وذكر الروياني من الشافعية أنه لا يجب دفع الكافر ولا البهيمة أو المسلم مهدر الدم، بل يستحب. وقال النووي في «الروضة» (١٠/١٨٨) متعقبًا كلام الروياني: «هو غَلَطٌ» . انظر: «الأم» (٦/٢٦-٢٧- ط. بولاق)، «منهاج الطالبين» (٣/٢٤٨-٢٤٩)، «تحفة المحتاج» (٩/ =
[ ٦٤٩ ]
وأبو حنيفة (١)، وأحمد (٢)، وإسحاق (٣)، وعوام أهل العلم (٤) .
قال أبو بكر بن المنذر (٥): «إلا السلطان، فإن جماعة أهل الحديث كالمجتمعين (٦): على أن من لم يُمكنه أن يمنع نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته: أنه لا يحاربه، ولا يخرج عليه؛ للأخبار الدالة على ذلك عن رسول الله - ﷺ -، التي فيها الأمر بالصبر على ما يكون منهم من الجور والظلم،
_________________
(١) = ١٨١)، «أسنى المطالب» (٤/١٦٨)، «روضة الطالبين» (١٠/١٨٨)، «شرح النووي على صحيح مسلم» (١/٥١٣- المطبوع بهامش «إرشاد الساري»)، «حاشية القليوبي وعميرة» (٤/٢٠٦)، «مغني المحتاج» (٤/ ١٩٤)، «حاشية العبادي على تحفة المحتاج» (٩/١٨٢)، «حاشية الرملي» (٤/١٦٦، ١٦٨) .
(٢) مذهب الحنفية: أنه يجب على المُعتدَى عليه دفع الاعتداء عن نفسه مطلقًا. انظر: «الهداية» (٤/١٦٥- ط. البابي الحلبي)، «بدائع الصنائع» (٧/٩٣)، «حاشية ابن عابدين» (٥/٤٨١)، «البحر الرائق» (٨/٣٤٤)، «الفتاوى البزازية» (٦/٤٣٣)، «تبيين الحقائق» (٦/١١٠) .
(٣) مذهب الحنابلة: أنه يجب عليه الدفع عن نفسه -في أصح الروايتين- في غير الفتنة، أما في وقت الفتنة؛ فلا يجب عليه الدفع عن نفسه. انظر: «المغني» (١٢/٥٣١، ٥٣٣- ط. دار هجر)، «كشاف القناع» (٤/٩٢ و٦/١٥٥)، «المبدع» (٩/١٥٥)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٥٤١)، «شرح الزركشي» (٦/٤٠٩، ٤١٢، ٤١٣)، «الواضح» (٢/٢٤٥)، «مسائل الإمام أحمد» (٢٦٣- رواية الكوسج- رسالة ماجسيتر/تحقيق سليمان بن محمد البلوشي)، «المقنع» لابن البنا (٣/١١٤٩) .
(٤) نقل مذهبه: ابن المنذر في «الإشراف» (١/٥٤٠) .
(٥) وهو مذهب ابن عمر، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وغيرهم. انظر: «مصنف عبد الرزاق» (١٠/١١٢-١١٧)، «الإشراف» (١/٥٤٠)، «المحلّى» (١١/ ٣٠٨-٣٠٩)، «مراتب الإجماع» (ص ١٤٤)، «شرح النووي» (١/٥١٣-بهامش «إرشاد الساري»)، «المغني» (١٢/٥٣١)، «تهذيب الآثار» (١/٣٦- مسند ابن عباس)، «نظرية الدفاع الشرعي» للدكتور يوسف قاسم (ص ٧٨)، «التدابير الواقية من القتل في الإسلام» لعثمان دوكوري (ص ٢٢٣- وما بعدها)، «الجريمة» لأبي زهرة (١/٥٣٠)، «الدفاع الشرعي في الشريعة الإسلامية» للسرطاوي (ص ٦٣) . واختلف العلماء في وجوب الدفاع عن المال وعدمه، وكذلك في الدفاع عن الغير. انظر: «الدفاع الشرعي في الشريعة الإسلامية» (ص ٧٦-٨٢)، «التدابير الواقية من القتل في الإسلام» (ص ٢٢٧)، «التشريع الجنائي» (١/٥٧٦-٥٨١) .
(٦) في «الإشراف» (١/٥٤٠) .
(٧) في مطبوع «الإشراف»: كالمجمعين.
[ ٦٥٠ ]
وترك قتالهم والخروج عليهم، ما أقاموا الصلاة» (١) .
خرَّج مسلم (٢)، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه؛ فليصبر، فإنه من يفارق الجماعة شبرًا فمات؛ فميتته جاهلية» .
وخرَّج -أيضًا- (٣) عن أم سلمة زوج النبي - ﷺ - أنه قال: «يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سَلم، ولكن من رضي وتابع»، قالوا: يا رسول الله: أفلا نقاتلهم؟! قال: «لا! ما صلُّوا» . (أي: من كره بقلبه، وأنكر بقلبه)، كذا في كتاب مسلم متصلًا بالحديث.
وخرَّج -أيضًا- (٤) عن عوف بن مالك الأشجعي: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «خيار أئمتكم: الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم: الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم» قال: قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟! قال: «لا! ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا مَنْ وَلِيَ عليه والٍ؛ فرآه يأتي شيئًا من معصية الله؛ فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعنَّ يدًا من طاعة» .
_________________
(١) ردَّ ابن حزم في «المحلّى» (١١/٩٩) هذا القول، فقال: «لم نجد الله -تعالى- فرَّق في قتال الفئة الباغية على الأخرى بين سلطان وغيره، بل أمر -تعالى- بقتال من بَغى على أخيه المسلم عمومًا، حتى يفيء إلى أمر الله -تعالى-، وما كان ربك نسيًا. وكذلك قوله -﵇-: «من قتل دون ماله فهو شهيد» عموم، لم يخصَّ معه سلطانًا من غيره، ولا فرق في قرآن ولا حديث ولا إجماع ولا قياس بين من أريد ماله، أو أريد دمه، أو أريد فرج امرأته، أو أريد ذلك من جميع المسلمين، وفي الإطلاق على هذا هلاك الدين وأهله، وهذا لا يحلُّ بلا خلاف» . وانظر: «تفسير القرطبي» (٦/١٥٦) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن) (رقم ١٨٤٩) .
(٣) في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع، وترك قتالهم ما صلُّوا، ونحو ذلك) (١٨٥٤) (٦٣) .
(٤) في كتاب الإمارة (باب خيار الأئمة وشرارهم) (١٨٥٥) (٦٦) .
[ ٦٥١ ]
الفصل الثالث: في حكم قتال أهل البغي
قال الله -﷿-: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] .
خرَّج مسلم (١)، عن أنس بن مالك قال: قيل للنبي - ﷺ -: لو أتيت عبد الله بن
أُبَيّ؟ قال: فانطلق (٢) إليه، وركب حمارًا، وانطلق المسلمون، وهي أرض سَبِخَةٌ (٣)، فلما أتاه النبي - ﷺ - قال: إليك عَنّي، فوالله لقد آذاني نتن حمارك. قال: فقال رجل من الأنصار: والله! لحمار رسول الله - ﷺ - أطيب ريحًا منك. قال: فغضب لعبد الله رجل من قومه، فغضب لكل واحد منهما أصحابُه. قال: فكان بينهم ضرب بالجريد وبالأيدي وبالنِّعال، فبلغنا أنها أنزلت فيهم: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] .
قال ابن المنذر (٤): فأمر الله سبحانه النبي - ﷺ - والمؤمنين، إذا اقتتل طائفتان من المؤمنين: أن يدعوهم إلى حكم الله، وينصفَ بعضهم من بعض، فمن أبى منهم فهو باغٍ، وحقٌّ على الإمام والمؤمنين أن يجاهدوهم؛ حتى يفيئوا إلى أمر الله.
وخرَّج مسلم (٥) عن أبي هريرة قال: لمَّا توفي رسول الله - ﷺ -، واستُخْلِف
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب في دعاء النبي - ﷺ -، وصبره على أذى المنافقين) (١٧٩٩) (١١٧) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الصلح (باب ما جاء في الإصلاح بين الناس) (رقم ٢٦٩١) .
(٢) في منسوخ أبي خبزة: «انطلق» .
(٣) السَّبِخة: بفتح السين المهملة، وكسر الباء الموحدة بعدها، أي: ذات سباخ، وهي الأرض التي لا تنبت. انظر: «فتح الباري» (٢٩٨) .
(٤) في «الإشراف» (٢/٣٨٥) نحوه.
(٥) في «صحيحه» في كتاب الإيمان (باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله..) (٣٢) (٢٠) . وأخرجه البخاري (١٣٩٩، ١٤٥٦، ١٤٥٧، ٦٩٢٤، ٦٩٢٥، ٧٢٨٤، ٧٢٨٥) .
[ ٦٥٢ ]
أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصمَ منِّي ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله»؟! فقال أبو بكر: والله لأقاتلنّ من فَرَّق بين الصلاة والزكاة، فإنَّ الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدُّونه لرسول الله - ﷺ -
لقَاتَلْتُهُم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيتُ الله قد شَرَح صدرَ أبي بكر للقتال؛ فعرفت أنه الحق.
قال ابن المنذر (١): «يقال: إن أبا بكر قاتل الذين منعوا الصدقة، وقاتل قومًا كفروا بعد إسلامهم، ولم يختلف الناس أن قتال الكفار يجب، ولا يجوز أن يظن بعمر بن الخطاب أنه شكَّ في قتال أهل الكفر، وإنما وقف عن قتال من منع الزكاة، إلى أن شرح الله صدره للذي شرح صدر أبي بكر له. وقال الشافعي (٢): أهل الردة بعد رسول الله - ﷺ - ضربان: ضربٌ منهم كفروا بعد إسلامهم، وقوم تمسكوا بالإسلام ومنعوا الصدقات» (٣) .
فقوم ارتدوا بالكفر، وقوم قيل لهم ذلك بمنع الحق، قال (٤): «ومن رجع عن شيء جاز أن يقال: ارتد عن كذا»، يعني: فلذلك جاز أن يطلق عليهم اسم الردة، وإن كان منهم مسلمون. قال ابن المنذر (٥): «فقاتل أبو بكر الصديق -﵁- جميع هؤلاء، ولم يُعْلَمْ أَحَدٌ في الوقت الذي رأى عمر مثل ما رأى أبو بكر
-﵄- من أصحاب رسول الله - ﷺ - امتنع مِنْ قتالهم، ولا رأى خلافه، فكان هذا -مع دلائل سنن رسول الله - ﷺ - - كالإجماع من المهاجرين والأنصار
_________________
(١) في «الإشراف» (٢/٣٨٧) . وانظر: «أحكام القرآن» لابن العربي (٤/١٧٠٩) .
(٢) في «الأم» (٤/٢٢٧- ط. دار الفكر) .
(٣) إلى هنا انتهى كلام ابن المنذر.
(٤) أي الشافعي في «الأم» (٤/٢٢٧) .
(٥) في «الإشراف» (٢/٣٨٨) .
[ ٦٥٣ ]
على أن ذلك بحقٍّ وجب عليه القيام به» .
فإذا ثبت ذلك، فمعنى قول أهل العلم: إنه يجب على من اعتزل جماعة المسلمين وإمامهم، ومنعوه حقًّا من الحقوق الواجبة عليهم، وأداء الطاعة فيما افترضه الله له قبلهم، من غير علة يحق على الإمام رفعها عنهم، ثم دعاهم مع ذلك الإمام إلى الإنابة والإقلاع فلم يقبلوا منه، فواجبٌ عليه حربهم وقتالهم، وحقٌّ عليهم وعلى المسلمين القيام في ذلك معه، والنُّصرة على الحق؛ لقيام الأدلة على ذلك، وقال الله -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] .
وفي حديث عبد الله بن مسعود، عن رسول الله - ﷺ -: « إنها تخلف من بعدهم خُلوف: يقولون ما لايفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن
جاهدهم بيده فهو مؤمن » الحديث، وقد تقدّم بكماله، خرّجه مسلم (١) .
وكان من خاصِّ ما وردَ في هذا الباب: الآثار الثابتة في أمر الخوارج، ووجوب قتالهم وقتلهم.
خرَّج مسلم (٢)، عن عليٍّ -﵁-: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «سيخرج في آخر الزمان قوم: أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميَّة، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإنَّ في قتلهم أجرًا لمن قَتلهم عند الله يوم القيامة» .
وخرّجَ -أيضًا- (٣)، عن أبي سعيد، أن النبي - ﷺ - ذكر قومًا يكونون في أمته، يخرجون في فرقة من الناس، سيماهم التَّحالُقُ، قال: «هم شر الخلق -أو: من شرِّ
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الإيمان (باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان) (٨٠) (٥٠) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الزكاة (باب التحريض على قتل الخوارج) (١٠٦٦) (١٥٤) .
(٣) في «صحيحه» في كتاب الزكاة (باب ذكر الخوارج وصفاتهم) (١٠٦٤) (١٤٩) .
[ ٦٥٤ ]
الخلق-، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق» .
وفي الباب عن أبي ذرٍّ (١)، وجابرٍ (٢)، وسهل بن حنيف (٣)،
وغيرهم.
والنظر في هذا الفصل يتعلق بثلاثة أشياء:
الأول: في تقسيم أهل البغي وأحوالهم، ومتى يجب التعاون على قتالهم أو يحرم؛ لاختلاط الفتن؟
الثاني: معرفة الحدِّ الواجب في قتالهم، ومتى يجب الكفُّ عنهم؟
الثالث: معرفة الحكم في جناياتهم، وما يُسْتَولى عليه من أموالهم.
_________________
(١) حديث أبي ذر، أخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الزكاة (باب الخوارج شرّ الخلق والخليقة) (١٠٦٧) (١٥٨) من حديث عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن بعدي من أمتي (أو سيكون بعدي من أمتي) قومٌ يقرؤون القرآن، لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة» . فقال ابن الصامت: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري، أخا الحكم الغفاري، قلت: ما حديث سمعته من أبي ذر: كذا وكذا؟ فذكرت له هذا الحديث، فقال: وأنا سمعته من رسول الله - ﷺ -.
(٢) حديث جابر، أخرجه مسلم في كتاب الزكاة (باب ذكر الخوارج وصفاتهم) (١٠٦٣) (١٤٢)، من حديث أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: أتى رجل رسول الله - ﷺ - بالجعرانة، مُنْصَرَفهُ من حُنين، وفي ثوب بلال فضَّةٌ، ورسول الله - ﷺ - يقبض منها، يعطي الناس، فقال: يا محمد! اعدل، قال: «ويلك! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل» . فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله! فأقتل هذا المنافق، فقال: «معاذ الله! أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إذا هذا وأصحابه يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرَّميَّة» . وفيه عنعنة أبي الزبير عن جابر، لكنه صرح بالسماع عند مسلم، في الرواية التي بعدها. وأخرجه البخاري في كتاب فرض الخمس (باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين) (رقم ٣١٣٨) من حديث عمرو بن دينار، عن جابر، مختصرًا.
(٣) حديث سهل بن حنيف، أخرجه البخاري في كتاب استتابة المرتدين (باب من ترك قتال الخوارج للتألف، وأن لا ينفر الناس عنه) (رقم ٦٩٣٤)، ومسلم في كتاب الزكاة (باب الخوارج شرُّ الخلق والخليقة) (١٠٦٨) (١٥٩)، من حديث يُسَيْر بن عمرو، قال: سألت سهل بن حنيف: هل سمعت النبي - ﷺ - يذكر الخوارج؟ فقال: سمعته -وأشار بيده نحو المشرق-: «قوم يقرؤون القرآن بألسنتهم، لا يعدو تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» .
[ ٦٥٥ ]
النظر الأول: في تقسيم أهل البغي وأحوالهم
المخالفون على الجماعة ضربان:
* ضرب امتنعوا عن أداء الحقوق، ونزعوا أيديهم من الطاعة؛ فسقًا، ومجونًا، واجتراءً على حدود الله، من غير أن يُنَصِّبوا إمامًا، ولا يعتقدوا طاعة، فهؤلاء أهل كبيرةٍ، ومنكرٍ ظاهرٍ يجب تغييره، (فإن لم) (١) تنفع في ذلك موعظتهم وتذكيرهم بالله -تعالى-، وتخويفهم من عقابه، ولم يمكن حملهم على منهج الشرع إلا بقتالهم، ولم يكن قتالهم يؤول إلى فتنة يُتّقى فيها من تفاقم الأمر، والانجرار إلى ما هو أفجر وأنكر من الأول؛ فواجبٌ مقاتلتهم على ذلك؛ حتى يفيئوا إلى أمر الله: يرجعوا إلى الحقِّ، وأداء ما لزمهم، وينزعوا عن باطلهم. والدليل على ذلك ما تقدم من الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله -تعالى-: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، وأما السنة: فقوله - ﷺ -: « فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن» (٢)، وأما الإجماع: ففي
قتال (٣) مانعي الزكاة (٤) .
** والضرب الثاني: من خالف على إمام المسلمين، فعقدوا البيعة لآخر، يزعمون أنه أحق، وهذا الضرب له حالتان:
فالواحدة: أن تكون الإمامة قد صَحَّت وانعقدت بتمام البيعة لرجل عَدْلٍ، مستوفٍ شروط الإمامة، فيخرج عليه بعض من بايعه.
_________________
(١) في منسوخ أبي خبزة (من لم)، وكتب في هامش النسخة: «ولعلها: ولم» .
(٢) أخرجه مسلم (٨٠) (٥٠) وقد مضى.
(٣) في المنسوخ قبلها علامة إلحاق في الهامش، ولكن الكلمة في الهامش غير واضحة.
(٤) فمانعوا الزكاة يقاتلون باتفاق الصحابة، حتى يؤدوا حقَّ الله فيها. انظر: «المغني» (٢/٤٧٦-ط. هرَّاس)، «المجموع» (٥/٣٠٤)، «الاستذكار» (رقم ١٣٠٨٠- ط. قلعجي) .
[ ٦٥٦ ]
والأخرى: أن يفترق الناس فرقتين، فيعقد كل فريق الإمامة لرجلٍ منهم، ويدعو كلٌّ إلى حزبه.
فأما الحالة الأولى، حيث يخرج على الإمام العدل بعض من بايعه (١)، يدَّعي أنه أحق بالأمر منه، أو يزعم أنه أنكر على الإمام أمرًا من الباطل والجور، وما أشبه ذلك من ضروب التأويل التي يدعيها أمثال هؤلاء، أو يكون طالبَ دنيا فقط، أو متعصِّبًا لباطل، وما أشبه ذلك، فيجب في أهل التأويل على الإمام العادل أن ينظر فيما ذكروا أنهم أنكروا عليه، فإن صحَّ ما زعموه من ظلم وباطل، أو جَوْرٍ، وغير ذلك من شيء أنكروه، مما لعله غفل عنه، أو غلط فيه، ونحو ذلك من وجوه الإمكان التي لا تستحيل على البشر، فها هنا يَتَعيَّنُ عليه الرجوع إلى صواب ما أوجبه الشرع من الحق. قال الله -تعالى-: ﴿يا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] . فإذا رجع عن ذلك، ووجب عليهم العود فلم يفعلوا، أو كان ما نسبوه إليه، أو أوَّلوه عليه باطلًا، أو كانوا إنما يطلبون المال، أو تعصبًا، أو غير ذلك من أنواع الباطل، ثم وعظهم فلم يتعظوا، وخَوَّفهم فلم ينزجروا؛ فواجبٌ عند ذلك قتالهم، وعلى الناس المعونة لإمامهم العدل على هؤلاء، حتى
يراجعوا الحق (٢) .
فقال الشافعي (٣): إذا كان لأهل البغي جماعة تكثر، واعتقدوا ونصبوا إمامًا، وأظهروا حكمًا، وامتنعوا من حكم الإمام العادل، فهذه هي الفئة الباغية، فينبغي إذا فعلوا هذا أن يسألهم: ما نقموا؟ فإن ذكروا مظلمةً بيِّنةً رُدَّت، وإن لم يذكروها، قيل لهم: عودوا. فإن فعلوا قُبِلَ منهم، وإن لم يجيبوا قوتلوا بعد أن يدعوا.
خرَّج مسلم (٤)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) في الأصل والمنسوخ: «تابعه» . ومصححة في هامش المنسوخ إلى: «بايعه» .
(٢) انظر: «الإشراف» لابن المنذر (٢/٤٠٢) .
(٣) في «الأم» (٤/٢٣٠- ط. دار الفكر)، أو (٥/٥٢٤-ط. دار الوفاء) .
(٤) في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء، الأول فالأول) (رقم =
[ ٦٥٧ ]
« ومن بايع إمامًا، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فلْيطعه إن استطاع، فإذا جاء آخر فنازعه؛ فاضربوا عنق الآخر» .
وخرَّج -أيضًا- (١)، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما» .
وخرَّج -أيضًا- (٢)، عن عرفجة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إنها ستكون هناتٌ وهناتٌ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع؛ فاضربوه بالسيف، كائنًا من كان» .
وخرَّج -أيضًا- (٣)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَن خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، ثم مات؛ مات ميتةً جاهلية، ومن قتل تحت راية عمية، يغضب للعصبة (٤)، ويقاتل للعصبة؛ فليس من أمتي، ومن خرج من أمتي على أمتي، يضرب بَرَّها وفاجرها، لا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهدها؛ فليس منِّي» .
قوله: «تحت راية عميَّة»، أي: فتنة وجهالة، كأنه مأخوذ من العمى، قال في «مختصر العين» (٥): العُمِّيَّة والعِمِّيَّة: الضلالة، يقال: قتل فلان عمِّيًا، وهي فَعيلةٌ وفِعلى: من العمى.
فصل
وأما الحالة الثانية: حيث يفترق الناس على إمامين، ويكثر العدد في كل فريق
_________________
(١) = ١٨٤٤) وهو طرفٌ من حديث طويل.
(٢) في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب إذا بويع لخليفتين) (رقم ١٨٥٣) .
(٣) في كتاب الإمارة (باب حكم من فرَّق أمر المسلمين وهو مجتمع) (رقم ١٨٥٢) .
(٤) كتاب الإمارة (باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهرو الفتن ) (رقم ١٨٤٨) (٥٤) .
(٥) في المنسوخ: «للعصبية»، والتصحيح من «صحيح مسلم» .
(٦) الذي في «مختصر العين» (١/١٠٢) للزُّبيدي: «العَمَهُ: التردد في الضلالة، ورجل عَمِهٌ، وقد عَمِهَ» .
[ ٦٥٨ ]
من الجهتين، ويُشْكل الأمر، ويجلّ الخطب، فذلك حين قيح الفتن؛ فالواجب عند ذلك الكفُّ، والتوقف عن كل فريق، وطَلبُ السلامة لدينه، بالاعتزال والفرار عن الفتنة، والاستسلام لأمر الله -﷿- (١)، كما صحَّ في مثل ذلك عن رسول الله - ﷺ -، أنه أمر وأوصى، وكما فعل السلف الصالح، وفي مثل ذلك وشبهه يكون موقعُ قولهِ -تعالى-: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ [المائدة: ١٠٥] .
خرَّج مسلم (٢) عن أبي بَكْرَة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما؛ فالقاتل والمقتول في النار»، قال: فقلت -أو قيل-: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه قد أراد قتل صاحبه» .
وخرَّج -أيضًا- (٣)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:
«ستكون فتن، القاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، من تَشَرَّف لها تَسْتَشْرِفُهُ، ومن وجد فيها ملجأً فَلْيعُذ به» .
وخرَّج -أيضًا- (٤)، عن أبي بكرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتنٌ، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا، فإذا نزلت أو وقعت، فمن كان له إبلٌ فليلْحق بإبله، ومن كانت له غنم
_________________
(١) انظر: «الإشراف» لابن المنذر (٢/٤٠٣) .
(٢) في كتاب الفتن (باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما) (١٤) (٢٨٨٨) . وأخرجه البخاري في كتاب الإيمان (باب ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فسماهم المؤمنين) (رقم ٣١) . وفي كتاب الديات (باب قول الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾) (رقم ٦٨٧٥) . وفي كتاب الفتن (باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما) (رقم ٧٠٨٣) .
(٣) في «صحيحه» في كتاب الفتن (باب نزول الفتن كمواقع القطر) (رقم ٢٨٨٦) . وأخرجه البخاري في كتاب المناقب (باب علامات النبوة في الإسلام) (رقم ٣٦٠١) . وفي كتاب الفتن (باب تكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم) (رقم ٧٠٨١، ٧٠٨٢) .
(٤) في «صحيحه» في الكتاب والباب السابقين (رقم ٢٨٨٧) .
[ ٦٥٩ ]
فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه» . قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: «يعمد إلى سيفه، فيدقّ على حدِّه بحجر، ثم ليَنْجُ إن استطاع النَّجاء، اللهم هل بلَّغتُ؟ اللهم هل بلَّغت؟ (١)» قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن أكرهتُ حتى يُنْطَلَق بي إلى أحد الصَّفين، أو إحدى الفئتين، فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: «يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار» .
وخرَّج (٢) عن حذيفة بن اليمان قال: كان الناس يسألون رسول الله - ﷺ - عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشَّر؛ مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنّا كنّا في جاهلية وشرّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: «نعم»، فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم، وفيه دَخَن» ! قال: قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يُستَنُّون بغير سُنَّتي، ويهتدون بغير هَدْيي، تعرف منهم وتنكر»، فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها»، فقلت: يا رسول الله، صِفْهُم لنا، قال: «نعم، قوم من جلدتنا ويتكلَّمون بألسنتنا»، قلت: يا رسول الله، فما ترى إنْ أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامَهم»، فقلت: فإن لم تكُن لهم
جماعةٌ ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلَّها، ولو أن تَعَضَّ على أصل شجرة، حتى يدركك الموتُ، وأنت على ذلك» .
وخرّج -أيضًا- (٣)، عن أبي سعيد قال: قال رجل: أي الناس أفضل يا
_________________
(١) في مطبوع «صحيح مسلم» مكررة ثلاث مرات.
(٢) أي: مسلم في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ) (رقم ١٨٤٧) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب المناقب (باب علامات النبوة في الإسلام) (رقم ٣٦٠٦، ٣٦٠٧- مختصرًا) . وفي كتاب الفتن (باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة) (رقم ٧٠٨٤) .
(٣) في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب فضل الجهاد والرباط) (١٢٣) (١٨٨٨) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب أفضل الناس مؤمن يجاهد =
[ ٦٦٠ ]
رسول الله؟ قال: «مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله»، قال: ثم من؟ قال: «رجل معتزل في شعب من الشعاب، يعبد ربه، ويدع الناس من شَره» .
وروَى أبو بكر بن المنذر (١) مسندًا إلى أيوب بن عبد الله اللخمي قال: كنت عند عبد الله بن عمر، وهو يخلط لبعيره عَلَفًا، فجاءه نَفَر، فقالوا: ما تأمرنا يا أبا عبد الرحمن؟ هذا ابن الزبير، وابن مروان، ونَجدة، كلُّ واحدٍ منهم يدعو إلى نفسه! فقال رجل منهم: يقول الله ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، فقال ابن عمر: قد قاتلتُ أنا وأصحابي حتى كان الدِّين كلُّه لله، وذهب الشِّرك، ولكنك وأصحابك تقاتلون حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله! فقال رجل: لو فعل الناس مثل ما فَعَلْتَ؛ ما قام لله دين! فقال ابن عمر: لو فعَلَ الناس مثل ما فَعَلْتَ؛ ما أغلقت أمُّك عليها بابها، ولا اتَّكَأتَ في بيتك مضطجعًا!
وأسند إلى ابن عباس، أن سائلًا سأله، قال: إني بايعتُ ابن الزبير على أن أقاتل أهل الشام! قال: فقال: لا تقاتل أهل القبلة، ولكن ابْتعْ بَغْلًا أو بغلين، أو غلامًا أو غلامين، ثم انطلق نحو المشرق، فإنّك إنْ قُتلتَ على ما أنتَ عليه؛ قُتلتَ
_________________
(١) = بنفسه وماله في سبيل الله) (٢٧٨٦)، وفي كتاب الرقاق (باب العزلة راحة من خلاّط السوء) (رقم ٦٤٩٤)، وخرجته بتفصيل في تعليقي على «العزلة والانفراد» (١٩٨) لابن أبي الدنيا.
(٢) في كتابه «الأوسط» -الجزء المفقود منه-، وقد أشار في كتابه «الإشراف» (٢/٤٠٣) إلى أنه ذكر الأخبار التي جاءت عن النبي - ﷺ - في ذلك. وأصل الحديث في «صحيح البخاري» (رقم ٤٥١٣) من حديث نافعٍ عن ابن عمر -﵄-، دون الزيادة من قوله: «فقال رجل: لو فَعَلَ الناس مثل ما فعلت » . وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (١/٤٩٦) إلى أبي الشيخ وابن مردويه في «تفسيريهما» . وانظر: «تاريخ دمشق» لابن عساكر (٣١/١٨٧-١٨٨) . وسيذكر المصنف أخبارًا عن السلف في فضل العزلة عند اشتداد الفتنة، ذكرها ابن المنذر في «الأوسط» -الجزء المفقود- مسندة. وقد أشار إلى ذلك في «الإشراف» (٢/٤٠٥) حيث قال: وقد ذكرت أخبارًا تدل على فضل العزلة في الفتن وسائر الأوقات، التي تركت ذكرها ههنا.
[ ٦٦١ ]
إن شاء الله شهيدًا.
وأسند -أيضًا- إلى عبد الملك بن عمير، قال: رأيت أبا موسى أيام الفتنة يخرج من داره، فيصلِّي مع الإمام، فإذا قال الإمام: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله؛ وَثَبَ، فدخل داره، ورأيتُ عليه عمامةً سوداء، وبُرنسًا أسود (١) .
وعن طلحة بن عبيد الله، كان يقول: «أقلُّ العيب على المرء أن يجلس في داره» (٢) .
وعن أبي الدَّرداء قال: «نِعم صومعة المرء المسلم بيته، يكفُّ سمعه وبصره ودينه وعرضه، وإياكم والجلوس في الأسواق، فإنها تُلهي وتُلغي» (٣) .
_________________
(١) أسند الخطابي في «العزلة» (ص ٩١) إلى الأزرقي قال: لما انصرف أبو موسى الأشعري من الحَكمين نزل مكة، فبنى سقيفة من حجارة على فُوَّهة شعب أبي الدّب. وهناك مقبرة، فقال: «أجاور قومًا لا يغدرون»، يعني: أهل القبور. وإسناده واهٍ. وانظر في عزلته: «العزلة» لابن أبي الدنيا (رقم ١٨٣- بتحقيقي)، و«الزهد» لأبي داود (٢٨٥) .
(٢) أخرجه وكيع في «الزهد» (رقم ٢٥٤) -ومن طريقه ابن أبي الدنيا في «العزلة والانفراد» (رقم ٢٤- بتحقيقي) - عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن طلحة بن عبيد الله، به. وأخرجه هناد في «الزهد» (رقم ١٢٣٦)، وأبو داود في «الزهد» (رقم ١١٧، ١١٨)، وابن أبي الدنيا في «العزلة والانفراد» (رقم ١١٠، ١١١)، وابن سعد في «الطبقات» (٣/٢٢١)، وحنبل في «جزئه» (رقم ١٧)، وابن أبي عاصم في «الزهد» (رقم ٨١، ٩٩)، ونعيم بن حماد في «زيادات الزهد» (رقم ١٢)، والخطابي في «العزلة» (ص ٧٠) -ومن طريقه ابن عربي في «محاضرة الأبرار» (١/ ٣٠٧) -، وابن الأعرابي في «معجمه» (رقم ١٢٤١- ط. دار ابن الجوزي)، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» (٢/٧٣٥ رقم ٨٠٣، أو رقم ٣٦٦- منتقى السِّلفي) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٥/١٠٤- ط. دار الفكر) -، وابن عبد البر في «التمهيد» (١٧/٤٤٢-٤٤٣)، والبلاذري في «أنساب الأشراف» (١٠/ ١١٨- جمل منه/ ط. دار الفكر)، من طرقٍ عن إسماعيل، به. وهو في «المطالب العالية» (٣/٥) معزوٌ لمسدد في «مسنده» . وصححه ابن حجر والبوصيري. وأخرجه الخرائطي في «مكام الأخلاق» (ص ١٦٠) من طريق آخر عن طلحة.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في «العزلة والانفراد» (رقم ٢٥- بتحقيقي)، عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، عن يحيى بن سعيد، عن ثور بن يزيد، عن سليم بن عامر، عن أبي الدرداء، به. وإسناده صحيح. =
[ ٦٦٢ ]
وعن أبي ذرٍّ الغفاري قال: «الوحدة خير من جليس السوء، والجليس الصالح خيرٌ من الوحدة، وإملاء الخير خير من السكوت، والسكوت خير من إملاء الشر» (١) .
_________________
(١) = وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٣/ق ٣٨٧) عن حفص ويحيى بن سعيد، عن ثور، به. وأخرجه الخرائطي في «مكارم الأخلاق» (٢/٧٣٦ رقم ٨٠٤، أو رقم ٣٦٧- منتقى السِّلفي): حدثنا عمر بن شبَّة، نا يحيى بن سعيد القطان، به. وأخرجه وكيع في «الزهد» (رقم ٢٥١) -ومن طريقه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٣/٣٠٩، أو ٨/٢٦٧- ط. دار الفكر)، وأحمد في «الزهد» (رقم ١٣٥) -ومن طريقه ابن الجوزي في «الحدائق» (٣/١٩٥) -، وابن أبي عاصم في «الزهد» (رقم ٨٠) -، وهناد في «الزهد» (رقم ١٢٣٥)، والأصبهاني في «الترغيب» (٢/٩١٢ رقم ٢٢٣٤)، والبيهقي في «الشعب» (٧ رقم ١٠٦٥٦) من طريق سفيان، وابن عبد البر في «التمهيد» (١٧/٤٤١-٤٤٢)، والبيهقي في «الزهد» (رقم ١٢٩) من طريق عيسى بن يونس، والخطابي في «العزلة» (ص ٧٠-٧١)، وابن الجوزي في «صفة الصفوة» (١/٦٤٠) من طريق حفص؛ كلهم عن ثور، به. وأخرجه نعيم بن حماد في «زياداته على الزهد» (رقم ٢٥): بلغني عن ثور، به. وهو عند الديلمي في «الفردوس» (٤ رقم ٦٧٩٢) . وذكره ابن الجوزي في «التبصرة» (٢/٢٨٩)، والجاحظ في «البيان والتبيين» (٣/١٣٢)، والعاملي في «المخلاة» (ص ١٢١)، وعزاه ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١٠/٤٠٥) لطاوس، وأسنده ابن البناء في «الرسالة المغنية» (رقم ١٦) بإسناد صالح عن الفضيل بن عياض، وأسنده المزيّ في «تهذيب الكمال» (٣٢/٥٢٩) عن الحسن البصري قوله.
(٢) أخرجه ابن الدنيا في «العزلة والانفراد» (رقم ١٥٨- بتحقيقي)، عن محمد بن عثمان العجلي، حدثنا أبو أسامة، أخبرني سفيان، عن أبي المحجَّل، عن ابن عمران بن حطان، عن أبيه، قال أبو ذر: «الصاحب الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من صاحب السوء، وعمل الخير خير من الصامت، والصامت خير من عمل الشر، والأمانة خير من الخائن، والخائن خير من ظنّ السوء» . قلت: وهذا إسناد حسن. إلا أني أخشى من علة الانقطاع؛ فعمران سمع ممن تأخرت وفاته من الصحابة، مثل أبي موسى، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس، ولم أظفر بنصٍّ فيه إثبات أو نفي السماع من أبي ذر، وأداة التحمل لا تساعد على ذلك. وأبو المحجل، اسمه: رديني بن مرة -وقيل: ابن مخلد، وقيل: ابن خالد-، البكري، قال أبو حاتم الرازي: «ما علمتُ إلا خيرًا»، وقال ابن معين: «ثقة» . =
[ ٦٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = انظر: «الجرح والتعديل» (٣/٥١٦)، و«التاريخ الكبير» (٣/٣٣١)، و«طبقات ابن سعد» (٦/ ٣٢٣)، و«ثقات ابن حبان» (٨/٢٤٦) . وابن عمران هو معفس بن عمران بن حطان السدوسي، سكت عنه البخاري في «تاريخه» (٨/ ٦٤)، وبيّض له ابن أبي حاتم (٨/٤٣٣)، وذكره ابن حبان في «ثقاته» (٧/٥٢٥)، وروى عنه ثلاثة؛ فيحسّن حديثه -إن شاء الله-. وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٣/٣٤١) -ومن طريقه ابن أبي عاصم في «الزهد» (رقم ٣٩- مقتصرًا على «الساكت خير من قيل الشر»، ورقم ٦٥- مقتصرًا على «الوحدة خير من صاحب السوء»)، وابن حبان في «روضة العقلاء» (ص ١٠١): أنا أبو أسامة، به. وخالف أبا أسامة: عبد الرزاق؛ فرواه عن سفيان، عن أبي المحجّل، عن رجل، عن أبي ذر، به؛ إلا أنَّ فيه: «الأمانة خير من الخاتم، والخاتم خير » . أخرجه الخطابي في «العزلة» (ص ١٤٦)، وقال المعلِّق عليه: «يعني: إذا كان لك مال، فختمت عليه حتى لا تسيء الظن بأهلك وخدمك؛ فهو خير أن تتركه غير مختوم وتظن بالناس الظنون» . ونقله من المعلق على «صفة الصفوة» (١/٥٩٦) وهو فيه معزوٌّ لعمر، وعزي في مطبوع «روضة العقلاء» إلى أبي الدرداء! * تنبيه: وقع بدل «سفيان» في «العزلة» للخطابي (ص ٤٩-ط. غير المحققة): أبو سليمان، وقال محققها الأستاذ ياسين السوّاس (ص ١٤٦): «وفي الأصل: «أبو سليمان»، ثم شطب على لفظ (أبو) وجعلت «سليمان»: «سفيان»» . وخالف سفيان: شريك؛ فرواه عن أبي المحجل، عن صدقة بن أبي عمران بن حطان؛ قال: أتيتُ أبا ذر، فوجدتُه في المسجد مُحْتَبِيًا بكساءٍ أسود وَحْدَهُ، فقلتُ: يا أبا ذر! ما هذه الوحدة؟ فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الوحدة خير من جليس السوء » . أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣/٣٤٣-٣٤٤) -ومن طريقة البيهقي في «الشعب» (٤ رقم ٤٩٩٣- ط. دار الكتب العلمية، و٩ رقم ٤٦٣٩-ط. الهندية) و«الزهد» (رقم ٢٣٥) عن محمد بن الهيثم القاضي، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» (١/٤٦٧ رقم ٤٧٥، و٢/٧٣٩ رقم ٨٠٩، أو رقم ٣٧٢- منتقى السِّلفي): حدثنا سعدان بن يزيد البزار، عن الهيثم بن جميل الأنطاكي، نا شريك، به. ووهم فيه شريك وهمين: الأول: قوله: «صدقة بن أبي عمران»، وصوابه ما تقدم. والآخر: رفعه، والصواب أنه موقوف. ولعل الوهم من الرواة عن شريك، أو أنه اضطرب فيه؛ إذ رواه عنه عون بن سلام وأوقفه، كما =
[ ٦٦٤ ]
النظر الثاني: في معرفة حدِّ قتال أهل البغي
الفرقة الباغية على الوجوه المتقدِّمة، إذا لم ترجع بوعظ ولا استصلاح إلى الإمام العادل، ولم يُرْجَ إقلاعهم، فإنَهم يقاتلون على ذلك، ما داموا على حالهم من الامتناع والخلاف، حتى يفيئوا إلى أمر الله.
واختلف أهل العلم في قتلهم إذا أدبروا منهزمين، أو أُخذوا مأسورين، أو أُثبتوا مثخنين، فقال الشافعي (١): «لا يقتل منهم المُدْبِر ولا الأسير ولا الجريح
_________________
(١) = عند التيمي في «الترغيب» (رقم ١٧١٠)، وسمى ابن عمران: «معفس»، وتصحف في المطبوع إلى «معفر»؛ فليصحح. قال ابن حجر في «فتح الباري» (١١/٣٣١ تحت رقم ٦٤٩٤) -بعد عزوه الأثر للحاكم-: «سنده حسن»، ثم قال: «لكن المحفوظ أنه موقوف عن أبي ذرٍّ أو عن أبي الدرداء، وأخرجه ابن أبي عاصم» . قلت: وأخرجه الديلمي في «الفردوس» (٤ رقم ٧٢٦٢)، والدولابي في «الكنى» (٢/ ١٠٧)، وأبو الشيخ، والعسكري -كما في «المقاصد الحسنة» (رقم ١٢٦١) -، وابن عساكر في «تاريخه» -كما في «فيض القدير» (٦/٣٧٣) -، والقضاعي في «الشهاب» (١٢٦٦) . وللموقوف طريق آخر، انظره عند الخرائطي في «مكارم الأخلاق» (١/٤٦٨ رقم ٤٧٦، و٢/٧٤٠ رقم ٨١٠)، وأخرجه ابن وهب في «جامعه» (١/٤٥٧ رقم ٣٤٢) بلاغًا إلى أبي ذر. وورد عن جمع، ومن مرسل الحسن، كما عند ابن وهب في «الجامع» (٢/ ٦٠١-٦٠٢ رقم ٥٠٤) . وانظر: «التمهيد» (١٧/٤٤٧)، «تاريخ دمشق» (١٧/ق ١٠)، «أنساب الأشراف» (١٣/٧٢)، «الدرر المنتثرة» (٤٣٢)، و«التمييز» (١٥٦٢)، و«كشف الخفاء» (رقم ٢٨٩٣)، و«السلسلة الضعيفة» (رقم ٢٤٢٢)، و«أسنى المطالب» (رقم ١٦٥٦) . وقد نظم الشاعر معنى هذه المقولة: وحدة الإنسان خير من جليس السوء عنده وجليس الخير خير من قعود المرء وحده قال السَّهرَوَردي في «عوارف المعارف» (٤٣٠): «وقد نبه القائل نظمًا على حقيقةٍ جامعة لمعاني الصحبة والخلوة، وفائدتهما وما يحذر فيهما بقوله » وذكرهما. وقد ورد نحوه بإسناد ضعيف، عن أبي موسى الأشعري -﵁-. انظره في «العزلة والانفراد» (رقم ١٦٢- بتحقيقي) .
(٢) في «الأم» (٤/٢٣١- ط. دار الفكر)، ونقله عنه ابن المنذر في «الإشراف» (٢/٣٨٩)، =
[ ٦٦٥ ]
بحال»، وهو المرويُّ عن علي بن أبي طالب -﵁-، أنه قال يوم الجمل: «لا تقتلوا مدبرًا، ولا تذفِّفوا على جريح، ولا تقتلوا أحدًا صبرًا، ولا توطأ أم
ولد، ولا النساء على عدتهن، والميراث على كتاب الله» (١) .
وروي -أيضًا- أنه قال في يوم الجمل: «لا يذفف على جريح، ولا يهتك ستر، ولا يفتح باب، ومن أغلق بابه فهو آمن، ولا يتبع مدبر» (٢) . وقد روي نحو ذلك عن عمار بن ياسر (٣) .
وقال أصحاب الرأي في الخوارج: إذا هُزموا ولهم فئة يلجؤون إليها، فينبغي لأهل الجماعة أن يقتلوا مدبرهم، وأن يُجهزوا على جريحهم، وأن يقتلوا من أسروا منهم، فإن انهزموا، ولم تكن لهم فئةٌ يلجؤون إليها؛ لم يقتل مدبرهم،
_________________
(١) = وفي مطبوعه ومطبوع «الأم»: «ولا الأسير، ولا الجريح بحال» . وانظر: «المهذب» (٢/٢١٨)، «روضة الطالبين» (١٠/٥٧، ٥٨)، «المجموع» (١٩/٢٠٠)، «منهاج الطالبين» (٣/١٩٢)، «البيان» للعمراني (١٢/٢٢-٢٣)، «الأحكام السلطانية» للماوردي (ص ٦٠)، «مغني المحتاج» (٤/١٢٧)، «التهذيب» للبغوي (٧/٢٨١)، «تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام» لابن جماعة (ص ٢٤٣) .
(٢) أخرج نحوه سعيد بن منصور في «سننه» (٣/٣٨٩، ٣٩٠، ٣٩١ رقم ٢٩٤٧، ٢٩٤٨، ٢٩٥٠) .
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٥/٢٦٣، ٢٦٧، ٢٦٨، ٢٨١)، -ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» (٨/١٨١) - من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: أمر عليٌّ مناديه، فنادى يوم البصرة: «لا يتبع مدبر » . وأخرج نحوه عبد الرزاق في «المصنف» (١٠/١٢٣ رقم ١٨٥٩٠) -ومن طريقه ابن حزم في «المحلّى» (١١/١٠١) -، وسعيد بن منصور في «سننه» (٣/٣٩٠ رقم ٢٩٤٨)، وأبو يوسف في «الخراج» (ص ٢٣٤- ط. المكتبة الأزهرية) من طريق جعفر بن محمد، به. وانظر: «الأحكام السلطانية» للماوردي (ص ٦٠)، «البداية والنهاية» (٧/٢٤٥)، «التلخيص الحبير» (٤/٨٩-٩٠) . وقوله: «ولا يذفف على جريح» (بالدال والذال لغتان): أي: لا يجهز عليه. انظر: «تهذيب اللغة» (١٤/٧٣)، «الفائق» (١/٤٠٣)، «النهاية» (٢/٦٤) .
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٠/١٢٤ رقم ١٨٥٩١)، والبيهقي في «الكبرى» (٨/١٨١) .
[ ٦٦٦ ]
ولم يجهز على جريحهم، ولم يقتل أسراهم، ولكن يعاقبون، ويضرب من أخذ منهم ضربًا وجيعًا، ويُحبسون حتى يُقلعوا عما هم عليه، ويحدثوا توبة (١) . وإليه ذهب الأوزاعي في قتل من له فئة (٢) .
وقال أبو محمد بن حزم (٣): «ومن انهزم منهم، فإن كانت هزيمته إلى حصن، أو إلى جماعة منهم، أو ليبتعدوا عن الطلب، ويبقوا على رأيهم؛ أُتْبِعوا ولا بُدَّ، وإن كانت هزيمتهم افتراقًا، وتركًا لما هم عليه؛ لم يجز أن يُتْبَعُوا، ولا يُجْهَزُ على جريح من أحدِ هذه
الطوائف، ولا يقتل منهم أسير، فمن قتله فعليه القود» . فلم يفرق أبو محمد في الجريح والأسير بين أن تكون له فئةٌ أو لا تكون، لا يحل قتلهم بحال.
وروي عن ابن عباس -وقد سُئل عن أناس من الخوارج قاتلوا فانهزموا: أنقتلهم؟ قال: «اقتلهم ما كانت لهم فئةٌ يرجعون إليها، فإذا لم تكن لهم فئة؛ فلا تقتلوا مقبلًا ولا مدبرًا» (٤) . لعله إنما يعني مقبلًا في غير قتال، لا على أن يكون مقبلًا في القتال، فإن كل مقاتل على باطل؛ فلا ينبغي تركه، ولا يجب الكَفُّ عنه، والله أعلم.
والأظهر ما قاله الشافعي (٥) في وجوب الكفّ عن المدبر والجريح المُثْخَنِ
_________________
(١) انظر: «تحفة الفقهاء» (٣/٣١٣)، «الهداية» (٢/٤٦٤)، «بدائع الصنائع» (٧/١٤٠-١٤١)، «المبسوط» (١٠/١٢٦)، «أحكام القرآن» للجصاص (٣/٢٨٣- ٢٨٤) .
(٢) قال: «وما تحلُّ هذه السيرة في الفئة إذا افترقت الأمة، ولا في الطائفتين اللتين نزل فيهما وفي أشباههما القرآن، ولا في الخوارج إذا هزمهم المسلمون: قتل أسيرهم، والإجازة على جريحهم» . انظر: «الإشراف» لابن المنذر (٢/٣٩٠) .
(٣) في «المحلّى» (١١/١٠١) .
(٤) انظر: «الإشراف» لابن المنذر (٢/٣٩٠)، «المغني» (١٢/٢٥٢) .
(٥) وهو مذهب المالكية والحنابلة. انظر في مذهب المالكية: «الذخيرة» (١٢/٧)، «عقد الجواهر الثمينة» (٣/٢٩٤)، «جامع الأمهات» (ص ٥١٢)، «المنتقى» للباجي (٧/١٧٠-١٧١)، «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٤/٣٠٠) . =
[ ٦٦٧ ]
والأسير، وهو ظاهر فعل عليٍّ -﵁-، ولم يفرِّق بين أن تكون لهم فئة أَوْ لا، واحتجَّ الشافعي لذلك قال (١): «يقول الله -﷿- في الفئة الباغية: ﴿ حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات: ٩]، ولم يستثنِ الله -تعالى-، فسواءٌ كانت للذي فاء فئةٌ، أو لم تكن، فمتى فاء -والفيئة: الرجوع-؛ لم يحلَّ دمه» .
قال أبو بكر بن المنذر (٢): «وقد رُوينا في هذا الباب حديثًا مرفوعًا، في إسناده مقال، ولو كان صحيحًا كانت فيه حجة لمن قال هذا القول»، وذكر بإسناده، عن كوثر بن حكيم، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي - ﷺ - قال لرجل: «هل تدري كيف حكم الله فيمن بَغَى من هذه
الأمة؟ قال: لا يُجْهَز على جريحها، ولا يُطْلَب هاربها، ولا يُقْتَل أسيرها» (٣) .
_________________
(١) = وفي مذهب الحنابلة: «المغني» (١٢/٢٥٢)، «المقنع» لابن البنا (٣/١١٠٦)، «الواضح» (٢/٢١٤)، «رؤوس المسائل» لأبي جعفر الهاشمي (٣/١١٣٣)، «شرح الزركشي» (٦/٢٢٥-٢٢٧)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٤٤٢)، «المبدع» (٩/١٦٢-١٦٣)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/ ٥٧١ رقم ١٨١٩) .
(٢) في «الأم» (٤/٢٣١) .
(٣) لعلّه في «الأوسط» الجزء المفقود منه.
(٤) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢/١٥٥) -وعنه البيهقي في «الكبرى» (٨/١٨٢) -، والبزار في «مسنده» (٢/٣٥٩ رقم ١٨٤٩- «كشف الأستار») -ومن طريقه ابن حزم في «المحلّى» (١١/١٠١-١٠٢) -، والطبراني في «الأوسط» -كما في «مجمع البحرين» (٥/١٣٤ رقم ٢٨٠٩)، و«مجمع الزوائد» (٦/٢٤٣) -، وابن عدي في «الكامل» (٦/٢٠٩٦)، من حديث كوثر بن حكيم، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ - لعبد الله بن مسعود: وذكر الحديث. وقال البزار: «لا نعلمه يُروى عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه، ولا رواه عن نافع إلا كوثر» . وسكت عنه الحاكم. وتعقبه الذهبي فقال: «كوثر متروك» . وقال في «المهذب في اختصار السنن الكبير» للبيهقي: «كوثر واهٍ»، وقال أبو زرعة: ضعيف. وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال الإمام أحمد: أحاديثه بواطيل، ليس بشيء، وقال الدارقطني وغيره: مجهول، وقال البخاري: منكر الحديث. انظر: «تاريخ ابن معين» (١٩٥)، «علل أحمد» (١/١٧٠، ٢٤٩، ٢٩٤)، «التاريخ الكبير» (٧/ ٢٤٥)، «الضعفاء الصغير» (١٠٢)، «أحوال الرجال» (٢٠٠)، «ضعفاء أبي زرعة» (٢/٦٥٢)، «ضعفاء =
[ ٦٦٨ ]
قال: «وقد تُكُلِّم في كوثر؛ كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عنه، وقال محمد بن إسماعيل: كوثر عن نافع: منكر الحديث» .
النظر الثالث: في معرفة أحكام جناياتهم، وما أصابوه
وأصيب منهم
أهل البغي -كما تقدم- ضربان: متأوِّل وطالب دنيا بالفسوق، فأما الفسّاق فلا يختلف أنهم متبعون بكل ما جنوا وأصابوا من دمٍ، ومالٍ، وحقٍّ لذي حق، وكذلك في الحدود إن أصابوا من النساء حرامًا، وغير ذلك؛ لأن هؤلاء أصابوا ما أصابوه وهم عالمون بالتَّحريم، متعمّدون لارتكاب المعاصي، غير متأولين، ولا معتقدين لصواب ذلك من دينهم، فوجب أن يُقادَ منهم بمن قتلوا عمدًا، ويُقتصَّ لمن جَرَحوا، وتقام عليهم حدود الله فيما ثبت من ذلك منهم، ويغرمون جميع ما استهلكوا من مال، ويرجع جميع ما يوجد في أيديهم
لإنسان.
قال الله -تعالى-: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءِ للَّهِ﴾ [المائدة: ٨]، وقال -تعالى-: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] .
وليس في هذا النوع خلافٌ أعلمه، وكذلك ما استولي عليه من أموالهم وأحوالهم (١) هي لهم، وعلى ملكهم، لا يحل لأهل العدل الذين قاتلوهم ولا غيرهم أن يتمسكوا من ذلك بشيء، بل يُرَدُّ كل حق إلى مستحقِّه، وتُستوفى منهم الحقوق
_________________
(١) = النسائي» (٢٢٨)، «ضعفاء العقيلي» (٤/١١)، «الجرح والتعديل» (٧/١٧٦)، «المجروحين» (٢/ ٢٢٨)، «الكامل» (٦/٢٠٩٦)، «ضعفاء الدارقطني» (١٤٥)، «ضعفاء ابن شاهين» (١٦١)، «المغني من الضعفاء» (٢/٥٣٤)، «الميزان» (٣/٤١٦)، «اللسان» (٦/٤٢٦- ط. أبي غدة)، «التخليص الحبير» (٤/ ٨٣-٨٤)، «الدراية» (٢/١٣٩) .
(٢) غير واضحة في الأصل والمثبت من منسوخ أبي خبزة.
[ ٦٦٩ ]
التي وجبت عليهم؛ لأنه لم يكن منهم فيما فعَلوا قول ولا عمل يخرجهم عن الإسلام، ولا يوجب استحلال أموالهم ولا أحوالهم (١) إلا بحقِّها، قال الله -تعالى-: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] .
وخرَّج مسلم (٢)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: « كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه» .
وأما ما اختلف أهل العلم في أهل البغي الذين يخرجون متأولين: كالخوارج وأضرابهم؛ ممَّن عرضت لهم شبهة في النظر، فاعْتَقَدَ (٣) تكفيرَ من خالف مذهبهم، واستباحوا بذلك الدماء والأموال والفروج بالسِّباء في المسلمين؛ فقالت طائفة: ما أصاب هؤلاء أو أصيب منهم، من دم وجراحة فهو هَدْرٌ، رُوي ذلك عن سعيد بن المسيب (٤)، وقال ابن القاسم:
بلغني عن مالك أنه قال: الدماء موضوعة عنهم، وأما الأموال: فرأيي إن وَجدوا شيئًا بعينه أخذوه، قال: ولم يُتبعوا بشيء، يعني: مما استهلكوه؛ لأنهم إنما استهلكوها على التأويل (٥) .
_________________
(١) غير واضحة في الأصل والمثبت من المنسوخ.
(٢) في «صحيحه» في كتاب البر والصلة والآداب (باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودَمه وعرضه وماله) (٢٥٦٤) (٣٢) .
(٣) كذا في الأصل والمنسوخ، والأصوب أن تكتب: «فاعتقدوا» .
(٤) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١٠/١٢٢ رقم ١٨٥٨٧) عن سعيد بن المسيب قال: إذا التقت الفئتان، فما كان بينهما من دمٍ أو جراحة فهو هَدْرٌ، ألا تسمع إلى قول الله -﷿-: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ فتلا الآية حتى فرغ منها، قال: فكلُّ واحدة من الطائفتين ترى الأخرى باغية. قال ابن حزم في «المحلّى» (١١/١٠٦) في قول سعيد: ليس بشيء؛ لأن الله -تعالى- لم يكلنا إلى رأي الطائفتين، لكن أمرَ من صحَّ عنه بغيُ إحداهما بقتال الباغية، ولو كان ما قاله سعيد -﵀-؛ لما كانت إحداهما أولى بالمقاتلة من الأخرى، ولبطلت الآية، وهذا لا يجوز. وانظر: «الإشراف» لابن المنذر (٢/٣٩٠-٣٩١) .
(٥) انظر: «المدونة» (١/٤٠٧- ط. المطبعة الخيرية) .
[ ٦٧٠ ]
وقال الشافعي (١): «ما أصاب أهل البغي في حال الامتناع على وجهين:
أحدهما: ما أصابوه من دم ومالٍ [وفَرْج] (٢) على التأويل، ثم ظُهِر عليهم بَعْدُ؛ لم يقم عليهم منه شيء، إلا أن يوجد مال بعينه فيؤخذ» .
والوجه الثاني: ما أصابوه على غير وجه التأويل من حدٍّ لله أو للناس، ثم ظُهر عليهم؛ رأيت أن يُقام عليهم، كما يقام على غيرهم، ممَّن هرب من حدٍّ، أو أصابه وهو في بلادٍ لا واليَ
لها، ثم جاءها والٍ» .
وقال أهل الرأي (٣) نحوًا مما قال الشافعي في الدم والمال يصيبه أهل البغي
_________________
(١) في «الأم» (٤/٢٣١- ط. دار الفكر) . وانظر: «المهذب» (٢/٢٢١)، «منهاج الطالبين» (ص ١٣١-ط. مصطفى الحلبي، أو ٣/ ١٩١- ط. دار البشائر الإسلامية)، «التنبيه في الفقه الشافعي» (ص ٢٣٠)، «روضة الطالبين» (٧/ ٢٧٥- ط. دار الكتب العلمية)، «السنن الكبرى» (٨/١٧٥)، «الإشراف» لابن المنذر (٢/٣٩١)، «البيان» للعمراني (١٢/٣٠)، «المجموع» (١٩/٢٠٧- ط. دار الفكر) . وعدم الضمان في النفس والمال هو الراجح من مذهب الشافعية. والوجه الآخر عند الشافعية -وهو المرجوح-: هو رواية عن الإمام أحمد، والأشهر عند الحنابلة -أيضًا- عدم الضمان.
(٢) كتب أبو خبزة في هامش نسخته عند هذا الموطن: «أَكَلَتْها الأَرَضَة» . قلت: وما أثبتناه من مطبوع «الأم» للشافعي.
(٣) انظر: «مختصر الطحاوي» (٢٥٧-٢٥٨)، «تحفة الفقهاء» (٣/٥٣٧)، «المبسوط» (١٠/ ١٢٧-١٢٨)، «الهداية» (٢/٤٦٥)، «اللباب» (٤/١٥٦)، «بدائع الصنائع» (٧/١٤١)، «رؤوس المسائل» للزمخشري (٤٧٩)، «تحفة الملوك» (ص ١٩٧)، «جمل الأحكام» (٣٨٤)، «إعلاء السنن» (١٢/٦٣٣) . وهو مذهب المالكية فيما سبق نقله عن ابن القاسم. انظر: «المدونة» (١/٤٠٧)، «التفريع» (٢/٢٣٢)، «الرسالة» (٢٤٠-٢٤١)، «عقد الجواهر الثمينة» (٣/٢٩٤)، «جامع الأمهات» (٥١٢)، «الكافي» (٥٨٢)، «المعونة» (٣/١٣٦٥)، «مقدمات ابن رشد» (٣/٢٢١)، «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (٤/١٨١- بتحقيقي) . وهو -أيضًا- مذهب الحنابلة. انظر: «المغني» (١٢/٢٥٠)، «المقنع» لابن البنا (٣/١١٠٦)، «شرح الزركشي» (٦/٢٢٩)، =
[ ٦٧١ ]
بالتأويل، قالوا: وكذلك لا يؤخذ (١) للخوارج ما أصاب أهل الجماعة منهم، من دمٍ أو جراحٍ، إلا أن يوجد مالٌ بعينه فَيُردُّ عليهم.
فأقول: يحتمل -إن شاء الله- أن يقال: ما أصابه أهل البغي من أموال أهل العدل بالتأويل، فهو على وجهين:
* منه تأويل يشكل مثله، وتكون له شبهةٌ يخفى الخطأ فيه، ومَأخذٌ لا يَبْعدُ أن يؤدَّى إليه سابقٌ من النَّظر عند قوم، وإن كان ذلك خطأ عند أهل التحقيق، فما كانت هذه سبيله؛ أمكن أن يقال: إنهم لا يُتبعون فيما استهلكوه على ذلك بشيء، وعليه أكثر العلماء، وقد قيل -أيضًا-: إنهم يضمنون.
** وما كان مما لا يُشكل، والخطأ فيه ظاهر، وهو لايجري على طريقة أخذِ العلماء ونظرهم وتأويلهم بوجهٍ من الوجوه وإن بَعُد، بل يكون وقوعهم فيه بجهلٍ، وخروجٍ عن طرق العلم بكل حال، وتأويلهم باطل باتفاق؛ فسبيل ما كان هكذا: أن يتبعوا به؛ لأنه -بلا شك- أكلُ مالٍ بالباطل، وقد حرم الله ذلك، وأمر بالقيام بالقسط، وقال -تعالى- في الفئة الباغية: ﴿فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا
بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ [الحجرات: ٩]، فمن الإصلاح بالعدل: أن تُردَّ الحقوق والظلامات إلى مستحقّها، ويُعدى المظلوم على الظالم، هذا هو العدل والإقساط كما أمر الله -تعالى-، والكلام إنما هو فيما استهلكوه من الأموال، وأما ما وجد؛ فالاتفاق على أنه مردود لصاحبه، وهذا كله تفصيل في الأموال، وأما في الدماء والجراحات؛ فالأظهر أن لا قودَ في شيء من ذلك على حال، إذا كان إصابتهم ذلك بتأويل، سواءٌ في ذلك ما كان لهم فيه شبهة، أو كان من الخطأ المتفق عليه.
والفرق بين الأموال فيما فَصَّلْتُهُ وحقوقِ الأبدان: أنَّ القصاص لا يثبت إلا
_________________
(١) = «الواضح» (٢/٢١٤)، «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٤٤٤)، «رؤوس المسائل» لأبي جعفر الهاشمي (٣/١١٣٢)، «الروايتين والوجهين» (٢/٣٠٦)، «رؤوس المسائل الخلافية» للعكبري (٥/٥٦٩) .
(٢) في نسخة أبي خبزة: «يوجد» .
[ ٦٧٢ ]
بتعمّد التّعدي والظلم، وغُرْمُ المال المتلف ثابتٌ على كل حالٍ من قصد الغَصْب، أو ظنّ الاستباحة والحِلِّيَّة، أو غير ذلك من الأحوال؛ بل يجب ذلك مع الأحوال التي لا يقع عليها التكليف، كالناسي والطفل: جَعَل الشرع ذلك كلَّه أسبابًا للتَعَبُّد (١) بالغرم، فلم يتوقف إغرام المتلفات من الأموال على قصد التَعَدِّي فقط.
وأما أمر القود والقصاص: فمن باب العقوبة والعذاب؛ فلم يثبت إلا على من تعمد ظلمًا، لكن قد ينبغي أن يقال: فإذا سقط القود من مثل ذلك؛ لكونه لم يتعمد العدوان؛ فكان يجب أن يعقبه العقل والأرش إذا كان التأويل باتفاق، كالحال في جنايات الخطأ، فيكون ذلك فرق ما بين التأويلين في الدماء، كما كان الغرم فرق ما بين التأويلين في الأموال؛ فهو قول صحيح، ووجه ظاهر مستقيم، وهو الأرجح عندي، والله أعلم.
ونحوه يقول أبو محمد بن حزم (٢)، قال في أهل البغي: إن خرجت طائفة، إما بتأويلٍ خطأ: كالخوارج ومن سَلَكَ تلك الطريق، وإما بلا تأويل، لكن طلب رئاسة، أو تعصبًا لإنسان بعينه، أو لأهل بيتٍ بعينه، لا لإنكار منكر؛ فإنَّ هاتين الطائفتين هي الطائفة الباغية، ففرضٌ على أهل العدل قتالهم، إمَّا حتى يفيئوا إلى الله، ويتركوا طلبهم للريّاسة (٣)، وتأويلهم الفاسد، فإذا تركوا ذلك؛ فلا شيء عليهم إلا القود في المتعصّبةِ وطالبةِ الدُّنيا فيمن قَتَلوا، أو
الدِّية، يعني: إذا قَبِلَ ذلك منهم أولياءُ المقتول.
قال: وأما المتأولة: فالدية فقط، ولا قودَ في ذلك، وكلهم يضمنون ما أتلفوا من الأموال.
وعند الشافعية قولان: أحدهما ما تقدم من قول الشافعي وتفصيله.
_________________
(١) كذا في الأصل والمنسوخ، ويمكن أن يقال: «للتعمّد بالغُرْم» .
(٢) في «المحلّى» (١١/٩٧، ١٠٤، ١٠٦، ١٠٧) .
(٣) أثبتها أبو خبزة: «للدية» . وكتب في الهامش: «كذا، ولعلها: للرياسة» .
[ ٦٧٣ ]
والثاني: أنه يجب على أهل البغي الضَّمان على كلِّ حالٍ فيما أتلفوا؛ لأنه بعدوان (١) .
ولهم في تأويل هذا القول وجهان:
أحدهما: أنه يراد به الضمان في القصاص وسائر الأحكام.
والثاني: أن ذلك في غير القصاص، وأما القصاص فلا يجب قولًا واحدًا؛ لأنه يسقط بالشبهة، وقد كان لأهل البغي شبهةٌ في القتل بتأويلهم، فهذا القول نحوٌ مما ذكرناه.
فصل
واختلف أهل العلم فيما وُجد بعينه من أموال أهل البغي في أيدي فريق العدل؛ فقال الشافعي (٢): «يجب ردُّه على صاحبه؛ لأنه مالُ مسلمٍ، قال: ولا يستمتع من أموالهم بدابة تركب، ولا متاعٍ، ولا سلاحٍ يقاتل به في حربهم، وإن كانت قائمة، ولا بعد تَقَضّيها، ولا غير ذلك من أموالهم، وذلك أن الأموال في القتال إنما تحل من أهل الشرك الذين يتحولون إذا قدر عليهم؛ فأما من أسلم، فلا يؤخذ ماله» . وروي نحو ذلك عن عليٍّ (٣) -﵁-.
وذهبت طائفة (٤) في الخوارج إلى أنهم تُغنم أموالهم، وحملوهم
محمل
_________________
(١) انظر: «مختصر المزني» (٢٥٩، ٢٦٧)، «الإقناع» (١٧٤)، «حلية العلماء» (٧/٦١٩، ٦٢٩) .
(٢) في «الأم» (٤/٢٣٣)، وانظر: «منهاج الطالبين» (٣/١٩٢-١٩٣)، «التهذيب» للبغوي (٧/٢٨١)، «البيان» للعمراني (١٢/٢٨)، «المجموع» (١٩/٢٠٥) . وهو مذهب الحنابلة في المشهور عنهم، انظر: «المقنع» لابن قدامة (٣/٥١١)، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٥٧١)، «رؤوس المسائل» لأبي جعفر الهاشمي (٣/١١٣٣) .
(٣) انظر: «مصنف عبد الرزاق» (١٠/١٢٢، ١٢٣، ١٢٤)، «الخراج» لأبي يوسف (ص ٢٥٤، ٢٥٥)، «المحلّى» (١١/١٠٠)، «الإشراف» (٢/٣٩٢)، «موسوعة فقه علي بن أبي طالب» (ص ١٣١) .
(٤) كالحسن بن حي، قال: أموال اللصوص المحاربين مغنومة مُخَمَّسة، ما كان منها في عسكرهم، وذهب أبو يوسف صاحب أبي حنيفة إلى تخميس سلاح وكراع أهل البغي دون الأموال. =
[ ٦٧٤ ]
أهل الكفر، واستدل من ذهبَ إلى ذلك بما تضمَّنتهُ ظواهر الآثار في شأنهم، وأنهم: «لا يجاوز إيمانهم حناجرهم»، وأنهم: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» (١)، وأنهم: «شرُّ الخليقة» (٢)، إلى غير ذلك مما ورَدَ فيهم، مما ظاهره التكفير (٣)، وفرقوا بينهم وبين غيرهم من أهل البغي.
_________________
(١) = وقد ردَّ كلامهما ابن حزم، انظر: «المحلَّى» (١١/١٠٢، ١٠٣) . وقال ابن المنذر في «الإشراف» (٢/٣٩٣) عن هذا المذهب: هذا قول طائفة من أهل الحديث، ولا أعلم أحدًا وافقهم على هذه المقالة.
(٢) مضى تخريجه بالتفصيل (ص ٦٥٤) .
(٣) أحاديث ذكر الخوارج وصفاتهم كثيرة مشتهرة، والصفات المذكورة في «الصحيحين» . انظر -على سبيل المثال-: «صحيح البخاري» (الأرقام ٣١٣٨، ٣٣٤٤، ٣٦١٠، ٣٦١١، ٤٣٥١، ٤٦٦٧، ٥٠٥٧، ٦١٦٣، ٦٩٣٠، ٦٩٣١، ٦٩٣٣، ٦٩٣٤، ٧٤٣٢) . و«صحيح مسلم» (الأرقام ١٠٦٣-١٠٦٨) .
(٤) وقد فصَّل تفصيلًا حسنًا، وجمع بين النصوص التي فيها ذكر الخوارج، وأنهم شر الخلق والخليقة، والنصوص التي فيها تحريم دم ومال المسلم، وكذا الآيات التي فيها ذكر البغاة: ابن حزم في «المحلّى» (١١/١٠٤-١٠٥) . فانظره هناك. والله الموفق. أما بالنسبة إلى تكفيرهم، فالأصل عدمه، ما لم يقم برهان واضح على ذلك. فمن وصل منهم إلى إنكارِ مُجْمَعٍ عليه معلوم من الدين بالضرورة، كمن يقول ببعث نبيّ، أو ينكر سورة يوسف، فهو كافر، وذهب غير واحد من المحققين إلى هذا، قال الشاطبي في «الموافقات» (٥/١٧٥- بتحقيقي): «ليس في النصوص الشرعية ما يدل دلالة قطعية على خروجهم عن الإسلام، والأصل بقاؤه حتى يدل دليل على خلافه»، وأكده بمؤيِّدات، وتعرض للمسألة في كتابه العظيم «الاعتصام» (٣/١٥١، ١٧٩)، وأيده بعمل السلف، قال (٣/١٥١): «وقد اختلفت الأمة في تكفير هؤلاء الفرق أصحاب البدع العظمى، ولكن الذي يقوى في النظر وبحسب الأثر عدم القطع بتكفيرهم، والدليل عليه عمل السلف الصالح فيهم»، ثم ذكر صنع عليٍّ في الخوارج، وكونه عاملهم في قتالهم معاملة أهل الإسلام، وكذا هجر السلف لِمَعْبَدٍ القدَري، ولم يقيموا عليه حدّ الردة، وصنيع عمر بن عبد العزيز مع الحرورية. ثم قال (٢/٦٩٥- ط. ابن عفان): «ومن جهة النظر: إنا وإن قلنا: إنهم متبعون للهوى ولِمَا تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله؛ فإنهم ليسوا بمتبعين للهوى بإطلاق، ولا متبعين لما تشابه من الكتاب من كل وجه، ولو فرضناهم كذلك لكانوا كفارًا؛ إذ لا يتأتى ذلك من آخذٍ في الشريعة إلا مع ردّ محكماتها عنادًا، وهو كفر، وأما من صدّق بالشريعة ومن جاء بها وبلغ فيها مبلغًا يظن به أنه متّبع للدليل، فمثله لا يقال فيه: إنه صاحب هوى بإطلاق، بل هو متبع للشرع في نظره، لكن بحيث يزاحمه الهوى في =
[ ٦٧٥ ]
وذهب قوم إلى التفريق بين أن يظفر بعسكرهم، ولهم فئة يلجؤون إليها أو لا تكون لهم فئة؛ فمن تاب منهم، رُدَّ إليه ما عُرف أنه له من مالٍ وسلاح وكُراع، دون من كانت له فئة وأَصَرَّ على أمره، وأظنه قول أصحاب الرأي (١)، قال أبو محمد
_________________
(١) = مطالبه من جهة إدخال الشبه في المحكمات بسبب اعتبار المتشابهات؛ فشارك أهل الهوى في دخول الهوى في نحلته، وشارك أهل الحق في أنه لا يقبل إلا ما دل عليه الدليل على الجملة. وأيضًا؛ فقد ظهر منهم اتحاد القصد مع أهل السنة على الجملة في مطلب واحد، وهو الانتساب إلى الشريعة، ومن أشد مسائل الخلاف مثلًا مسألة إثبات الصفات، حيث نفاها من نفاها؛ فإنا إذا نظرنا إلى مقاصد الفريقين وجدنا كل واحدٍ منهما حائمًا حول حمى التنزيه ونفي النقائص وسمات الحدوث، وهو مطلوب الأدلة، وإنما وقع اختلافهم في الطريق، وذلك لا يخل بهذا القصد في الطرفين معًا؛ فحصل في هذا الخلاف الشبه الواقع بينه وبين الخلاف الواقع في الفروع. وأيضًا؛ فقد يعرض الدليل على المخالف منهم؛ فيرجع إلى الوفاق لظهوره عنده، كما رجع من الحرورية الخارجين على عليّ -﵁- ألفان، وإن كان الغالب عدم الرجوع، كما تقدم في أن المبتدع ليس له توبة» . ا. هـ وقرر شيخ الإسلام ابن تيمية نحو هذا في «منهاج السنة النبوية» (٣/١٩- وما بعدها)، وفي «الردّ على البكري» (ص ٢٥٦-٢٦٠)، و«مجموعة الرسائل والمسائل» (٥/١٩٩-٢٠٤)؛ فانظر كلامه فإنه من النفائس، وقلّما تعثر على مثله-بالاستطراد والتأصيل والتقعيد- في غيره. وهذا -أعني: عدم التكفير- ما نَحَى إليه جماهير العلماء والباحثين؛ كما تراه في «الاقتصاد في الاعتقاد» (الباب الرابع: بيان من يجب تكفيره من الفرق) للغزالي، «أصول الدين» للبغدادي (ص ٣٣٢-٣٣٣)، «فتح الباري» (١٢/٢٨٣-٣٠٢)، و«شرح مشكاة المصابيح» (١/١٤٧-١٤٨) للشيخ علي القاري، و«حديث افتراق الأمة» للصنعاني.
(٢) مذهب الحنفية في أموال أهل البغي من سلاح وكراع، أنه: يجوز الاستعانة بها على حربهم، فإذا وضعت الحرب أوزارها؛ رُدَّت إليهم، على ما ذكره المصنف في التفريق بين من كانت لهم فئة يلجؤون إليها، ومن لم تكن لهم. انظر: «تحفة الفقهاء» (٣/٣١٣)، «اللباب» (٤/١٥٥)، «الهداية» (٢/٤٦٥)، «البناية» (٥/٨٩٦)، «بدائع الصنائع» (٧/١٤١)، «إعلاء السنن» (١٢/٦٣١-٦٣٢) . وهذا مذهب المالكية، انظر: «جامع الأمهات» (ص ٥١٢)، «عقد الجواهر الثمينة» (٣/ ٢٩٥)، «الذخيرة» (١٢/١١-١٢)، «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٤/٣٠٠) . ونقل ابن حزم في «المحلّى» (١١/١٠٢) عن مالك أن مذهبه كمذهب الشافعي، وهذا خطأ على مالك.
[ ٦٧٦ ]
ابن حزم (١): ولا يحل أخذ شيءٍ من أموالهم، وهي مضمونة على من أخذها إلا ما عُقر في حال القتال من فرس، أو كسر من سلاح، فلا ضمان فيه؛ وكذلك لا شيء فيمن قتل منهم في القتال. وهذا نحو قول الشافعي في ذلك، وقد احتج له الشافعي حسبما ذكرنا عنه، وهو الصحيح: أن لا يستباح منهم مال بِحال، إلا ما استُهلك في حومة القتال لضرورة دفاعهم، والنظر
في استصلاحهم المأمور به شرعًا، لأن الله -تعالى- يقول: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وهؤلاء إنما أبيح قتالهم لاستصلاح فاسدهم، وردعهم عن الإقبال على باطلهم، حتى يفيئوا إلى أمر الله، فلم يؤذن في أموالهم؛ ولا في سِبائهم بالوجه الذي أذن به في الكفار، بل كل ذلك منهم معصوم بحرمة الإسلام، إلا المقدار الذي شرع من قتالهم فقط، وليس كل من وجَبَ قتله أو قتاله يستباح لذلك ماله، وفيما نَبَّه عليه الشافعي -﵀- من ذلك مُقنعٌ، والحمد لله. قال الله ربنا -ﷻ-: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُو الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧-١٨] .
باب: من الدعاء والذِّكر المروي عن رسول الله - ﷺ - مما
يختم به هذا المجموع بحول الله -تعالى-
مسلم (٢)، عن زيد بن أرقم، أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم وعذاب القبر، اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكّاها، أنتَ وليُّها ومولاها، اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها» .
_________________
(١) انظر: «المحلّى» (١١/١٠٣-١٠٤) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الذكر والدعاء (باب التعوذ من شرِّ ما عُمل، ومن شرِّ ما لم يُعمل) (٧٣) (٢٧٢٢) .
[ ٦٧٧ ]
ما يقال إذا خرج من بيته، أو شرع في سفره
الترمذي (١)، عن أم سلمة، أن النبي - ﷺ - كان إذا خرج من بيته قال: «بسم الله، توكلت على الله، اللهم إني (٢) أعوذ بك من أن نَزِلَّ، أو نَضِلَّ، أو نَظْلِم، أو نُظْلَم، أو نَجْهَل، أو يُجْهَلَ علَينا» .
أبو داود (٣)، عن أبي هريرة قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا سَافَرَ قَالَ: «اللَّهُمَّ
_________________
(١) في «جامعه» في أبواب الدعوات (باب رقم ٣٥) . وأخرجه الحميدي (٣٠٣)، وأحمد (٦/٣٠٦، ٣١٨، ٣٢١)، وعبد بن حميد (١٥٣٦)، وأبو داود (٥٠٩٤)، وابن ماجه (٣٨٨٤)، والنسائي في «المجتبى» (٨/٢٦٨، ٢٨٥)، وفي «عمل اليوم والليلة» (٨٦، ٨٧)، والحاكم (١/٥١٩)، وأبو نعيم في «الحلية» (٧/٦٥)، والبيهقي (٥/٢٥١)، والخطيب في «التاريخ» (١١/١٤١)، وهو صحيح. وانظر: «صحيح الترمذي» (٢٧٢٥) لشيخنا الألباني -﵀-.
(٢) كذا في الأصل والمنسوخ: وصوابه: «إنّا نعوذ » .
(٣) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب ما يقول الرجل إذا سافر) (رقم ٢٥٩٨) . وأخرجه أحمد (٢/٤٣٣)، والنسائي في «المجتبى» (٨/٢٧٣)، وفي «عمل اليوم والليلة» (٥٠٠)، والطبراني في «الدعاء» (٨٠٨)، والبيهقي في «الدعوات الكبير» (٧٩٩)، والمحاملي في «كتاب الدعاء» (رقم ٢٧) من حديث سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وقال شيخنا الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٧/٣٤٩- ٣٥٠-ط. غراس) ما نصُّه: وله طريق أخرى، يرويها شعبة، عن عبد الله بن بِشْرٍ الخثعمي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ، به، وزاد في رواية: «اللهم! اصْحَبْنَا بنُصْحِك، واقبَلْنا بذمَّتك» . أخرجه الترمذي (٣٤٣٤)، والنسائي في (الاستعاذة)، وأحمد (٢/٤٠١)، وقال الترمذي: «حديث حسن غريب»، وهو كما قال أو أعلى؛ فإن رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير الخثعمي، وقد وثقه ابن حبان. وقال أبو حاتم: «شيخ»، وروى عنه جمع من الثقات -غير شعبة- منهم سفيان الثوري. وله متابع عند الحاكم (٢/٩٩)، وله شاهد من حديث ابن عباس.. أتم منه: أخرجه ابن حبان (٩٦٩)، وأحمد (١/٢٥٦ و٢٩٩-٣٠٠)، وابنه -أيضًا- من طريق أبي الأحوص عن سِماك بن حرب، عنه، وسنده جيد. ومن حديث عبد الله بن سرجس: أخرجه مسلم (٤/١٠٥)، والترمذي (٣٤٣٥)، والنسائي في «الاستعاذة»، وابن ماجه (٣٨٨٨)، والدارمي (٢/٢٨٧)، والطيالسي (١١٨٠)، وأحمد (٥/٨٢) . وقال =
[ ٦٧٨ ]
أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ، اللَّهُمَّ
اطْوِ لَنَا الأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ» .
وفيه (١)، عن ابْنَ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بِعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣]، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِن الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، اللَّهُمَّ اطْوِ لَنَا الْبُعْدَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ»، وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ، وَزَادَ فِيه: «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» .
ما يقال إذا ودَّع مسافرًا أو جيشًا
أبو داود (٢)، عن عبد الله الخطمي قال: كان النبي - ﷺ - إذا أراد أن
يستودع
_________________
(١) أي «سنن أبي داود» في كتاب الجهاد (الباب السابق) (رقم ٢٥٩٩) . وأخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الحج (باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره) (رقم ١٣٤٢) . ووقعت زيادة عند أبي داود -بعد هذا- وهي: «وكان النبي - ﷺ - وجيوشه إذا عَلوا الثنايا؛ كبَّروا، وإذا هبطوا، سَبَّحوا، فوضعت الصلاة على ذلك» . ورواه عبد الرزاق (٩٢٣٢)، والترمذي (٣٤٤٤)، والنسائي في «التفسير»، و«عمل اليوم والليلة» من «الكبرى» -كما في «التحفة» (٦/١٦) -، وابن خزيمة (٢٥٤٢)، وأحمد (٢/١٤٤، ١٥٠)، والطيالسي (١٩٣١)، والدارمي (٢/٢٨٧) دون هذه الزيادة. وهذه الزيادة لا تصح في الحديث المرفوع، فهي مدرجة في الحديث، وسيذكرها المصنف قريبًا. وأيضًا؛ فإن قوله: «فوضعت الصلاة على ذلك» شاذة. وانظر تفصيل الكلام عليها: «صحيح سنن أبي داود» (٧/٣٥١-٣٥٣- ط. غراس) .
(٢) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في الدعاء عند الوداع) (رقم ٢٦٠١) . =
[ ٦٧٩ ]
الجيش قال: «أَستودع الله دينكم، وأمانتكم، وخواتم أعمالكم» .
ما يقال إذا صَعَّد في سفره أو صوَّب
أبو داود (١)، من حديث ابن عمر: وكان النبي - ﷺ - وجيوشه إذا علوا الثنايا؛ كبروا، وإذا هبطوا؛ سبَّحوا، فوضعت الصلاة على ذلك.
البخاري (٢)، عن أبي موسى الأشعري: قال: كنا مع رسول الله - ﷺ -، فكُنَّا إذا أشرفنا على وادٍ؛ هلَّلْنا وكبَّرنا، وارتفعت أصواتنا، فقال النبي - ﷺ -: «يا أيها النَّاس! ارْبَعُوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنه معكم، إنه سميع قريب» .
مسلم (٣)، عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَهُمْ يَصْعَدُونَ فِي ثَنِيَّةٍ، قَالَ: فَجَعَلَ رَجُلٌ كُلَّمَا عَلا ثَنِيَّةً؛ نَادَى: لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ: فَقَالَ
_________________
(١) = والذي في مطبوع «السنن»: «وخواتيم» . وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وانظر: «السلسلة الصحيحة» (رقم ١٥) . وأخرجه النسائي (٥٠٧)، وابن السني (٤٩٨)؛ كلاهما في «عمل اليوم والليلة»، وابن أبي شيبة في «مسنده» -كما في «إتحاف الخيرة المهرة» (٦/٣٠٢ رقم ٥٩٤٩) -، وابن قانع في «معجم الصحابة» (٢/١١٤)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١٥/١٩٦ رقم ٥٩٤٢)، والمحاملي في «الدعاء» (٩٠-٩١)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٤/١٨٠٤ رقم ٤٥٦٢)، والحاكم (٢/٩٧-٩٨)، والبيهقي (٧/٢٨٢)، وهو صحيح، كما في «الأذكار» (١/٥٥٣) .
(٢) في «سننه» (رقم ٢٥٩٩)، وقد سبق قريبًا الكلام على هذه اللفظة، وأنها مدرجة في الحديث.
(٣) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير) (رقم ٢٩٩٢) . وتتمته: «تبارك اسمه، وتعالى جدّه» . وأخرجه البخاري نحوه (رقم ٦٣٨٤، ٦٤٠٩، ٦٦١٠، ٧٣٨٦) وفيه زيادة. وأخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الذكر والدعاء (باب استحباب خفض الصوت بالذكر) (رقم ٢٧٠٤) بالزيادة، وستأتي في الحديث الذي بعده.
(٤) في «صحيحه» في كتاب الذكر والدعاء (باب استحباب خفض الصوت بالذكر) (٤٥) (٢٧٠٤) . وأخرجه البخاري (رقم ٦٣٨٤، ٦٤٠٩، ٧٣٨٦) .
[ ٦٨٠ ]
نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّكُمْ لاَ تُنَادُونَ أَصَمَّ، وَلا غَائِبًا»، قَالَ: فَقَالَ: «يَا أَبَا مُوسَى -أَوْ: يَا عَبْدَاللَّهِ بْنَ قَيْسٍ- أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ
مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ»؟ قُلْتُ: مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ» .
ما يقال في السفر إذا أقبل الليل، أو نزل منزلًا
أبو داود (١)، عن عبد الله بن عمر قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -
إِذَا سَافَرَ، فَأَقْبَلَ
_________________
(١) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب ما يقول الرجل إذا نزل المنزل) (رقم ٢٦٠٣) من حديث الزبير بن الوليد، عن عبد الله بن عمر، به. وإسناده ضعيف؛ لأجل الزبير بن الوليد هذا، فهو مجهول. وذكره ابن حبان في «الثقات» (٣/٧٦) على قاعدته في توثيق المجاهيل. وأخرجه النسائي في «الكبرى» (١٠٣٩٨)، وفي «عمل اليوم والليلة» (٥٦٣)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٥٧٢)، والحاكم في «المستدرك» (١/٤٤١، ٢/١٠٠)، وأحمد (٢/١٣٢، ٣/١٢٤)، والبيهقي في «الكبرى» (٥/٢٥٣) . وانظر: «ضعيف سنن أبي داود» (١٠/٣٢٣-ط. غراس) . قوله: «يا أرضُ، ربِّي ورَبُّكِ الله» بكسر الكاف؛ لأن الخطاب للأرض، قيل: فيه إشعار بأن للأرض شعور بكلام الداعي، وقيل: خاطب الأرض اتساعًا، والأول هو الصواب بالنسبة إليه - ﷺ -، فقد كَلَّمَهُ وخاطبه الجمادُ. ثم شر الأرض نفسها هو الشر الذي لا دخل فيه لشيء معين من صفاتها. وشر ما فيها من صفاتها كاليبوسة والبرودة وضدهما، هو الشر الذي فيه دخل لغلبة صفاته، وشر ما خلق فيها هو شر ما استقر فيها من الحشرات والبهائم. وشر ما يدب عليها، أي: يتحرك عليها من المؤذيات وإن كان مندرجًا فيه، لكنْ صُرِّحَ به اعتناءً بالاستعاذة منه لعظم شره. وكذا تخصيص الأسود كالأفعى، وهو الحية العظيمة التي فيها سواد، وهوأخبث الحيات لذلك. قال الخطابي: ساكن البلد هم الجن الذين هم سكان الأرض، فالبلد من الأرض ما كان مأوى للحيوان، وإن لم يكن فيه بناء ومنزل، وقال: يحتمل أن المراد بالوالد: إبليس، وما وَلَد: الشياطين، قلت: ويحتمل أن المراد كل والد ومولود على عموم النكرة في الإثبات، كما في قوله -تعالى-: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ﴾، والله -تعالى- أعلم. قال ابن علان في «الفتوحات الربانية» (٣/١٦٧) تعليقًا على قول الخطابي: «ساكن البلد: =
[ ٦٨١ ]
الليْل قَالَ: «يَا أَرْضُ، رَبِّي وَرَبُّكِ اللَّهُ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّكِ، وَشَرِّ مَا فِيكِ، وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيكِ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَدبُّ عَلَيْكِ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ أَسَدٍ وَأَسْوَدَ، وَمِنْ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ، وَمِنْ سَاكِنِ الْبَلَدِ، وَمِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ» .
مسلم (١)، عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا، ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ؛ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» .
ما يقال في الانتصار بالله إذا غزا، وعند خوف العدو
أبو داود (٢)، عن أنس قال: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - إِذَا غَزَا قَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ» .
وأسند ابن المنذر (٣) إلى أبي موسى، أن رسول الله - ﷺ - كان إذا
خاف قومًا
_________________
(١) = الجن»، أي: بناء على أن المراد بالبلد الأرض، ومنه قوله -تعالى-: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾، وهو الظاهر؛ لأن النبي - ﷺ - إنما قاله في البراري لا في الأبنية، أما إذا أريد بالبلد ما هو المتبادر منه من الأبنية، فُسِّرَ البلد بمأوى الحيوان من الأرض الشامل للأبنية وغيرها، وفُسِّرَ الساكن بالجن.
(٢) في «صحيحه» في كتاب الذكر والدعاء (باب في التعوُّذ من سوء القضاء، ودَرك الشقاء) (٥٤) (٢٧٠٨) .
(٣) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب ما يُدْعى عند اللقاء) (رقم ٢٦٣٢) . وأخرجه الترمذي (٣٥٧٨)، وأبو عوانة (٤/٨٦)، وأحمد (٣/١٨٤)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٦٠٤)، وابن حبان (١٦٦١)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (ص ٩١)، وفي «الدعوات الكبير» (٤٢٥)، والضياء في «المختارة» (٦/٢٣٨، ٢٣٩ رقم ٢٣٦٠، ٢٣٦١، ٢٣٦٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/٥٢) من طرقٍ عن أنس -﵁-، ووقع عند بعضهم زيادة في أوله، وقال الترمذي: «حسن غريب» . وانظر: «صحيح سنن أبي داود» (٧/٣٨٣- ط. غراس) لشيخنا الألباني -﵀-.
(٤) في «الأوسط» (القسم المفقود) . والحديث أخرجه: أبو داود (١٥٣٧)، والنسائي في «الكبرى» (٨٦٣١، ١٠٤٣٧)، وفي «عمل اليوم والليلة» (٦٠١)، وأحمد (٤/٤١٤-٤١٥)، والطيالسي (٥٢٤)، والروياني (٤٦١)، والبزار =
[ ٦٨٢ ]
قال: «اللهم إني أجعلك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم» .
مسلم (١)، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله - ﷺ - على الأحزاب فَقَالَ: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، سَرِيع الحِسَاب، هَازِمَ الأَحْزَابِ، اللهم اهْزِمْهُمْ وزلزلهم» . وفي بعض طرقه (٢): «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ؛ اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ» .
ما يقال إذا رأى قريةً يريد دخولها، أو بلدًا
أسند ابن المنذر (٣) إلى صهيب؛ أن رسول الله - ﷺ - لم ير قرية
قطُّ يريد
_________________
(١) = (٣١٣٦) في «مسانيدهم»، والحاكم في «المستدرك» (٢/١٤٢)، وابن حبان (٤٧٦٥)، والقضاعي (١٤٨٢)، وابن المقرئ في «معجمه» (١٣٥٨)، والطبراني في «الأوسط» (٢٥٣١)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٣٢٨)، والبيهقي في «السنن» (٥/٢٥٣)، وفي «الدعوات» (٤٢٠)، وابن حجر في «الأمالي المطلقة» (ص ١٢٧)، من طرقٍ عن أبي موسى الأشعري، به. وقال الحاكم: «صحيح على شرطهما»، ووافقه الذهبي، وصححه العراقي (١/٢٩٥)، والنووي في «رياض الصالحين» (رقم ٩٩٣- تحقيق شيخنا الألباني)، وحسَّنه الحافظ ابن حجر، كما في «الفتوحات الربانية» (٤/١٦) . وانظر: «صحيح سنن أبي داود» (٥/٢٦٣- ط. غراس) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب استحباب الدعاء بالنَصر عند لقاء العدو) (٢٢) (١٧٤٢) . وأخرجه البخاري (٢٩٣٣، ٤١١٥، ٦٣٩٢، ٧٤٨٩، ٧٤٩١) .
(٣) في باب كراهة تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء (٢٠) (١٧٤٢) . وهو طرف من حديث قال فيه النبي - ﷺ -: «يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو » . وأخرجه البخاري (٢٨١٨، ٢٨٣٣، ٢٩٦٥، ٣٠٢٤، ٧٢٣٧) .
(٤) في القسم المفقود من «الأوسط» . وأخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (٦/٤٧١-٤٧٢)، والنسائي في «المجتبى» (٣/٧٣)، و«السنن الكبرى» (١/٤٠٠ رقم ١٢٦٩، و٥/٢٥٦ رقم ٨٨٢٧)، وفي «عمل اليوم والليلة» (٥٤٣، ٥٤٤، ٥٤٥)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٥٦٥)، والطحاوي في «المشكل» (٣/٢١٥)، وأبو يعلى في «المسند الكبير» -ومن طريقه الضياء في «المختارة» (٨/٧١-٧٢ رقم ٦٧) -، والخرائطي في =
[ ٦٨٣ ]
دخولها، إلا قال حين يراها: «اللهم ربَّ السموات السبع وما أَظْلَلْنَ، وربَّ الأرضين السَّبع وما أَقْلَلْنَ، وربَّ الشَّياطين وما أَضْلَلْنَ، وربَّ الرياح وما أَذْرَيْنَ؛ أسألك خيرَ هذه القرية، وخيرَ أهلها، وخيرَ ما فيها، وأعوذ بك من شرِّها، وشرِّ أهلها، وشرِّ ما فيها» .
ما يقال إذا قفل من غزو أو سفر
مسلم (١)، عن عبد الله بْنِ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا قَفَلَ مِنْ الْجُيُوشِ أَو السَّرَايَا أَوْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ، إِذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ، أَوْ فَدْفَدٍ؛ كَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ،
صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ» .
_________________
(١) = «مكارم الأخلاق» (٢/٧٩٢ رقم ٨٧٨)، والمحاملي في «الدعاء» (٤٩، ٥٠)، والحاكم في «المستدرك» (١/٤٤٦، ٢/١٠٠)، وابن السنّي في «عمل اليوم والليلة» (٥٢٥)، والطبراني في «الدعاء» (٨٣٨)، وفي «المعجم الكبير» (٧٢٩٩)، وابن حبان في «صحيحه» (٦/٤٢٥- ٥٢٦ رقم ٢٧٠٩- «الإحسان»)، وأبو نعيم (٦/٤٦)، والبيهقي في «الكبرى» (٥/٢٥٢) من طرقٍ عن موسى بن عُقبة، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، عن كعب الأحبار، عن صهيب بن سنان، به. قال الحاكم: «صحيح الإسناد» . وقال الهيثمي في «المجمع» (١٠/١٣٥): «رجاله رجال الصحيح، غير عطاء بن أبي مروان وأبيه، وكلاهما ثقة» . وأبو مروان، ذكره ابن حبان في «الثقات» (٧/٦٥٩)، وروى عنه جمع؛ فإسناده حسن. وحسَّن إسناده الحافظ ابن حجر، فيما نقله عنه صاحب «الفتوحات الربانية» . وله طريق آخر إسناده صحيح عند النسائي في «الكبرى» (٥/٢٥٦ رقم ٨٨٢٦)، و«عمل اليوم والليلة» (٥٤٣)، ومن طريقه الطحاوي في «المشكل» (٣/٢١٥) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الحج (باب ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره) (٤٢٨) (١٣٤٤) . وأخرجه البخاري (١٧٩٧، ٢٩٩٥، ٣٠٨٤، ٦٣٨٥، ٤١١٦) .
[ ٦٨٤ ]
البخاري (١)، عَنْ أَنَسِ بنِ مالِكٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رسول الله - ﷺ - مَقْفَلَهُ مِنْ عُسْفَانَ.. الحديث، وفيه: فَلَمَّا أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» . فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، ﷺ تسليمًا.
تم كتاب (الإنجاد)، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليمًا.
وهذه النسخة المباركة أمر بنسخها سيدنا ومولانا: الخليفة الإمام، الواثق بالله -تعالى-، المعتمد عليه، أمير المؤمنين أبو العُلى، ابن سيدنا ومولانا، الأمير المجاهد في سبيل الله: أبي عبد الله، ابن سيدنا ومولانا المجاهد في سبيل الله: أبي حفص، ابن سيدنا ومولانا الخليفة الإمام أمير المؤمنين، أدام الله -تعالى- أيامهم، وشكر اعتناءهم بالعلم واهتمامهم، وجعل (٢) إليهم، في وقت تتكامل سعوده، وتتتابع بالمسرة وفُودُه بمنِّه.
وكان كمالها في عشر جمادى الأولى سنة .
نقلت هذه النسخة المباركة من الأصل العتيق الذي هو أصل المؤلف الذي بخطه وذلك على يَدِ عبد الله (وهنا اسم الناسخ داخل شكل عدليٍّ غير واضح) (٣) .
انتهت بحمد الله وتوفيقه.
*****
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب ما يقول إذا رجع من الغزو) (رقم ٣٠٨٥) .
(٢) كتب الناسخ في الهامش بعدها: «مأكولة» .
(٣) من كلام أبي خبزة.
[ ٦٨٥ ]