وعلى الكفاية، ونَفل، وصفة من يجب ذلك عليه، وهل تجب الهجرة؟
[ ٧ ]
قال الله -ربنا ﷻ-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٠-١٣] .
وخرَّج النَّسائي وأبو داود كلاهما عن أنس، أن النبي - ﷺ - قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم»، قال النسائي: «بأموالكم وأيديكم وألسنتكم» (١) .
*****
_________________
(١) أخرجه النسائي في «المجتبى» (٦/٧ رقم ٣٠٩٦)، وأبو داود في «سننه» (رقم ٢٥٠٤)، وأحمد في «المسند» (٣/١٢٤، ١٥٣، ٢٥١)، والدارمي في «مسنده» (رقم ٢٤٣٦)، وابن حبان (١٦١٨- موارد)، والحاكم في «المستدرك» (٢/٨١)، وابن عدي في «الكامل» (٣/٩١٦)، والجصّاص في «أحكام القرآن» (٤/٣١٤)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/٢٣٣)، والبغوي في «شرح السنة» (١٢/٣٧٨)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/٢٠)، وابن عساكر في «الأربعين في الحث على الجهاد» (ص ١٠٣) الحديث رقم (٣١)، والضياء في «المختارة» (١٩٠٢ و١٩٠٥) من طرقٍ عن أنس بن مالك. وأخرجه النسائي (٦/٥١) بدون لفظ «المشركين» . وفي بعض روايات الحديث: «جاهدوا المشركين بأيديكم» . وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
[ ٩ ]
فصلٌ: في معنى الجهاد وحدِّه لغة وشرعًا
قال الله -تعالى-: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال
-تعالى-: ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦]، وقال -تعالى-: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] .
فالجهاد في اللغة، أصله: الجَهْد (١)، وهو: المَشَقَّة، يقال: جهدتُ الرجلَ: بَلغْتُ مشقته، وكذلك الجهاد في الله -تعالى-؛ إنما هو بذل الجهدِ في إذلالِ النفس وتذليلها في سُبلِ الشرع، والحملِ عليها بمخالفة الهوى، ومن الركون إلى الدَّعة واللذات، واتباع الشهوات (٢) .
خرَّج الترمذي عن فضالة بن عُبيد: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «المجاهد من جاهد نَفْسَه» (٣) .
_________________
(١) الجِهاد -بكسر الجيم- مصدر: جاهدت العدوَّ مجاهدة، وجهادًا، وأصله: جيهاد، كقيتال، فخُفِّفَ بحذف الياء، وهو مشتق من الجَهْد -بفتح الجيم- وهو التّعب والمشقة، لما فيه من ارتكابها، أو من الجُهد -بالضّم- وهو الطاقة، لأنّ كل واحد منهما بذل طاقته في دفع صاحبه، قاله القسطلاني في «إرشاد الساري» (٥/٣٠) .
(٢) انظر: «لسان العرب» (٣/١٣٤)، و«المحيط في اللغة» (٣/٣٦٩)، و«المصباح المنير» (ص ١٥٥) مادة (جهد) . وانظر تعريفه الاصطلاحي في: «تحفة الفقهاء» (٣/٢٩٣)، «بدائع الصنائع» (٦/٥٧)، «اللباب في شرح الكتاب» (١١٤)، «شرح الزرقاني على الموطأ» (١/٤٢٤)، «فتاوى البرزلي» (٢/٨)، «بلغة السالك» للصاوي (١/٣٥٤)، «تهذيب الأسماء واللغات» (٣/٥٦)، «فتح الباري» (٦/٣)، «شرح منتهى الإرادات» (١/٦١٧) . وانظر: «تفسير النيسابوري» (١١/١٢٦)، «المفردات» للراغب (١٠١)، «حاشية الجمل على الجلالين» (٣/٤٤١)، «دستور العلماء» (١/٢٩١)، «طلبة الطلبة» (١٦٥)، «القاموس الفقهي» (٧١)، «معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية» (١/٥٤٣-٥٤٤)، «أحكام المجاهد بالنفس» (١/٢٦-٢٧)، «الجهاد والقتال في السياسة الشرعية» (١/٣٨-٣٩) .
(٣) أخرجه الترمذي (رقم ١٦٢١)، وابن حبان (٦٤٢٤)، وأحمد (٦/٢٠)، والحاكم (٢/ ١٤٤) من حديث فضالة بن عبيد به. وهو قطعة من حديث أخرجه أحمد (٦/٢١) وابن المبارك في =
[ ١٠ ]
وخرَّج النسائي عن سبرة بن أبي فاكِهٍ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:..
فذكر حديثًا طويلًا في وسوسة الشيطان للمؤمن، وفيه: «ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد. فهو جهد النفس والمال » (١) الحديث.
والجهاد في الشرع يقع على ثلاثة أنْحاء: جهادٍ بالقلب، وجهادٍ باللسان، وجهادٍ باليد.
والدليلُ على هذه القسمة، وتسمية كل واحدٍ منها جهادًا: ماخرَّجه مسلم (٢)، عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله - ﷺ - قال: «مامن نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحابٌ، يأخذون بسُنَّته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخْلفُ من بعدهم خُلوفٌ، يقولون مالايفعلون، ويفعلون مالايؤمرون، فمن
_________________
(١) = «الزهد» (٨٢٦) -ومن طريقه ابن حبان (٤٨٦٢)، والبغوي في «شرح السنة» (١٤) -، وابن عبد الحكم في «فتوح مصر» (ص ٢٧٧)، ويعقوب بن سفيان الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/٣٤١-٣٤٢)، والطبراني في «الكبير» (١٨/ رقم ٧٩٦)، والحاكم (١/١٠-١١)، والبيهقي في «الشعب» (١١١٢٣) . وأخرجه مطولًا ومختصرًا: ابن ماجه (٣٩٣٤)، والبزار في «مسنده» (٣٧٥٢) وابن منده في «الإيمان» (٣١٥)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٣١) . والحديث صحيح، انظر: «المشكاة» (٣٤- التحقيق الثاني لشيخنا الألباني -﵀-)، و«التعليق الرغيب» (٢/١٥٠)، و«الصحيحة» (٥٤٩)، و«صحيح أبي داود» (١٢٥٨) .
(٢) أخرجه النسائي في «المجتبى» (٦/٢١/ رقم ٣١٣٤)، وأحمد (٣/٤٨٣)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٤/١٨٧-١٨٨)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٥/٢٩٣)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (١٠٤٣ و٢٦٧٥)، وفي «الجهاد» (١٣)، وابن حبان (٤٥٩٣)، والطبراني في «الكبير» (٦٥٥٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤٢٤٦)، والمزي في «تهذيب الكمال» (١٠/ ٢٠٢)، من حديث سبرة بن أبي فاكه. وإسناده قوي. وانظر: «صحيح سنن النسائي» (٤١٤٣٢) لشيخنا الألباني -رحمه الله تعالى-. وسبرة بن أبي فاكِه. قال ابن الأثير: هو سبرة بن الفاكِهِ. ويقال: ابن أبي الفاكِه. قيل: إنه مخزومي، وذكر ابن أبي عاصم أنه أسدي، من أسد بن خزيمة، يُعدُّ في الكوفيين.
(٣) في الهامش: «متآكل في الأصل» . والحديث في «صحيح مسلم» .
[ ١١ ]
جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراءَ ذلك من الإيمان حبَّة خَرْدل» (١) .
فالقول أولًا: في معنى جهاد القلب، وذلك راجعٌ إلى مغالبة الهوى، ومدافعة الشيطان، وكراهية ما خالف حدود الشرع، والعقدِ على إنكار ذلك، حيث لا يستطيع القيام في تغييره بقول ولا فعل، وهذا الضرب واجب على كل مسلم إجماعًا، وهو مما يتناوله قوله -تعالى-: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله -سبحانه-: ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦]، وقال -سبحانه-: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠]، وقوله - ﷺ -: «ومن جاهدهم
بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبَّة خردل» (٢) .
الثاني: جهادٌ باللسان، وذلك كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر (٣)، وزجرِ
_________________
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الإيمان (باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان) (٥٠) (٨٠)، وأحمد في «المسند» (١/٤٥٨ و٤٦١)، وأبو عوانة (١/٣٥، ٣٦)، وابن منده في «الإيمان» (١٨٣و ١٨٤)، والطبراني في «الكبير» (٩٧٨٤)، والبيهقي في «الكبرى» (١٠/٩٠)، من حديث أبي رافع، عن ابن مسعود، به. قال السندي: قوله: «ما من نبيٍّ » إلخ: لا بُدَّ من تخصيص الكلام بمن آمن من أمته قوم، وإلاّ فقد جاء أنَّ بعضهم ما آمن به أحد، أو آمن به واحد. وكلمة: خُلوف، كعُدُول: جمع خَلْف -بالسكون- كَعَدْل. والخَلْفُ: كل مايجيء بعد من مَضَى، إلا أنه بالتحريك في الخير، وبالتسكين في الشر، وجمع المتحرك أخلاف، والمعنى: يجيء بعد أولئك السَّلف الصالح أناسٌ لا خير فيهم، والله أعلم.
(٢) سبق تخريجه قريبًا.
(٣) ذكر المصنف في كتابه: «تنبيه الحكام على مآخذ الأحكام» (٣٢٠-٣٢٣)، أن مراتب تغيير المنكر على خمسة أقسام: ١) التعريف والبيّنة. ٢) الوعظ والتخويف. ٣) الزجر والتقريع باللسان. ٤) التغيير بمباشرة اليد. ٥) التغيير بالضرب وإيقاع التنكيل والعقوبة بالفاعل، وذلك في حقِّ من تلبَّس ولم يقدر على دفعه عنه إلا بذلك. وفصّل في هذه الأقسام الخمسة.
[ ١٢ ]
أهل الباطل، والإغلاظ عليهم، وما أشبه ذلك، مما يجب إبراء القول فيه.
وهذا الضرب واجب على المكلَّف بشروط:
منها: أن يكون عالمًا بطرق الإنكار، ووجه القيام في ذلك، من التَرَفُّقِ تارة، والغلظة أخرى، بحسب المُنكر في نفسه، والأحوال التي تَعترض، فإنْ لم يكن كذلك لم يجب، بل قد يحرم عليه القيام؛ لأنه ربما وقع في أَشدّ مما أنكر (١)،
قال
_________________
(١) قرر ابن القيّم -رحمه الله تعالى- في كتابه المستطاب: «إعلام الموقعين» (٤/٣٣٩-٣٤٠- بتحقيقي) أنّ إنكار المنكر أربع درجات، هي: الأولى: أن يزول ويخلفه ضده. الثانية: أن يقل وإن لم يُزل بجملته. الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله. الرابعة: أن يخلفه ما هو شرٌّ منه. قال: «فالدرجتان الأولتان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة» . قال: «فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشّطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحبّ إلى الله ورسوله كرمي النّشاب وسباق الخيل ونحو ذلك، وإذا رأيت الفسّاق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مُكاءٍ وتصدية فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيرًا من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك فكان ماهم فيه شاغلًا لهم عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلًا بكتب المجون ونحوها وخِفتَ من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسّحر فدعه وكتبه الأولى، وهذا باب واسع؛ وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله روحه ونوّر ضريحه يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التّتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنّما حرّم الله الخمر لأنها تصدّ عن ذكر الله وعن الصّلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم» وانظر في هذا: «الاستقامة» (٢/١٦٥-١٦٨)، و«مجموع الفتاوى» (٢٠/٥٧-٦١)، و«الأمر بالمعروف» (ص ١٧-١٨) كلها لابن تيمية. وفصّل المصنف في ذلك في كتابه المفيد «تنبيه الحكام على مآخذ الأحكام» (ص ٣٢٠) فقال: «فأمّا إن خيف مع الرّفق فوات عين المنكر، أو اتّصال الاستطالة على مثله لاستخفاف المقوّم عليه وقلّة التفاته ومبالاته، وعلم أن الرّفق لا ينفع في مثل ذلك، وأمن أن يثير الإغلاظ منكرًا أشدّ من الحاضر، فينبغي المعالجة بما يقاومه ويصلح به ذلك الأمر من الشدّة والعنف، وبحسب عظم المنكر=
[ ١٣ ]
الله -تعالى-: ﴿كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]، وقال -سبحانه-: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] .
ومنها: أن تكون له قوة في نفسه، وحالة يأمن معها أن يُسْطَاع ذلك، فإن لم يكن كذلك لم يجب عليه، لكنه إن فعل صابرًا محتسبًا قيامه في ذلك عند الله -﷿-: صحَّ، وكان مأجورًا. قال الله -﷿-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، وقال -تعالى-: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] .
وخرَّج الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - قال: «إن من أعظم الجهاد كلمة عدلٍ عند سلطان جائر» (١)، قال فيه: حسن غريب.
_________________
(١) = وما يليق في مثله، ويؤدّي إلى إزالة فعله، قال الله -تعالى- في صفة القوم يحبهم ويحبونه ويجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم: ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾» . ثم نقل -﵀- عن شيخه المشتهر بابن أبي درقة -﵀- قال: «كنت مرَّةً في غرَّة الشباب، ومبادي الطلب، فتشاغلت عن إحدى صلاتي العشاء إلى أن شارفت الفوات، فأتيت عَجِلًا إلى بعض المساجد، واعتمدت بعض زواياه، فصلّيتها مبادرًا متجوّزًا في بعض أركانها، وإذا بعض الشّيوخ يسارقني النَّظر، بحيث لم أشعر به، فلمّا أتممت صلاتي، وهممت بالانصراف استدعاني، فأتيته، فسألني قليلًا، ثم قال: يا بنيّ، رجلٌ تسلّف دراهم إلى وقتٍ، فلمّا حلّ الأجل، والغريم موسر قادرٌ على الأداء، تهاون بذلك واستخفّ، ولم يزل يتراخى به إلى أن استحق ذمّ التأخير، ثم أتاه بها بعد ذلك ناقصةً، زيُوفًا، فجميعٌ بين جنسي الإساءة في القضاء، فهل يكون لهذا حظٌّ في القبول؟ فما أتم كلامه حتى فهمت مقصده وتعريضه بما فعلت في صلاتي، فخجلت، ثم قلت له: فهمت يا عمّ، فما زاد على أن قال: قم يا بنيّ بارك الله فيك، فعدت لإتمام صلاتي، وأثّر ذلك عندي خير تأثير» . ثم قال: «فهذا النوع من الرِّفق والتلطّف في التّعليم بحسب فهم صاحب النّازلة وما يليق به، أوقع في النفوس وأقرب إلى الإجابة من كثير من العنف والشِّدَّة» .
(٢) أخرجه الترمذي في «الجامع» (رقم ٢١٧٤)، وأبو دواد في «سننه» (رقم ٤٣٤٤)، وابن ماجه في «سننه» (رقم ٤٠١١)، والخطيب في «التاريخ» (٧/٢٣٨)، والمزي في «تهذيب الكمال» (١٧/٤٠٥) من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، به. وفيه زيادة عند أبي داود، والخطيب: «أو أمير جائر» . وقال الترمذي: «حسن غريب من هذا =
[ ١٤ ]
ومنها: أن يرجو في قيامه كَفَّ ذلك المنكر وإزالته، فإن أَيِسَ من ذلك، فقد قيل: لا يجب عليه -أيضًا- إلا تبرُّعًا.
والأظهر عندي في هذا الوجه: أنه يجب عليه القول، وإن كان يائسًا من
كفّ ذلك المنكر؛ لأن الإنكار أخصُّ فريضةً، لا يسقطه عدم تأثر المنكر عليه، ألا ترى أنّ إنكار القلب حيث لا يستطاع الإنكار بالقول واجبٌ باتفاق، وهو لا أثَرَ له في دفع ذلك المنكر! فكذلك يجب القول إذا أمكنه، وإن لم يؤثر، وأيضًا ففي إعلان الإنكار تقريرُ معالم الشرع، فلو وقع التَّمالؤ في مثل هذا على التَّرْكِ حيث لا [يغني الكف] (١) والإقلاع، لأوشك دروسها. قال الله -﷿-: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، فالقول إذا قدر عليه واجب، أثّر أو لَم يؤثر (٢) .
_________________
(١) = الوجه» . وعطية: هو ابن سعد بن جنادة: صدوق يخطئ كثيرًا ويدلس، وكان شيعيًا مدلسًا. كما قال الحافظ في «التقريب» (٤٦١٦) . فإسناده ضعيف؛ لضعف عطية هذا. ولكن تحسين الترمذي له؛ لأحاديث الباب؛ ففي الباب عن أبي أمامة صدي بن عجلان -﵁-. انظر: «صحيح الترمذي» (٢١٧٤)، و«صحيح أبي داود» (٤٣٤٤) كلاهما لشيخنا الألباني -﵀-.
(٢) كتب أبو خبزة في هامش نسخته: «كلمة غير ظاهرة»، ولعلها كما أثبتنا.
(٣) اختلف العلماء فيما إذا كان القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متأكدًا من عدم التأثير؛ أو إنَّ أمره ونهيه لا يفيد، ولا يعود بطائل، على قولين: الأول: لا يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الحالة، وهو قول أبي حامد الغزالي في «إحياء علوم الدين» (٢/٢٨٠)، إذ قال -رحمه الله تعالى-: « أنْ يعلم أنه لا يفيد إنكاره، ولكنه لا يخاف، فلا تجب عليه الحسبة، لعدم فائدتها، ولكن تستحب لإظهار شعائر الإسلام، وتذكير الناس بأمر الدين»، وهو اختيار عزالدين عبد اللطيف بن عبد العزيز المعروف بابن ملك (ت ٧٩٧هـ) في «مبارق الأزهار في شرح مشارق الأنوار» (١/٥٠) حيث قال: «وأما النهي عن المنكر فلوجوبه شرائط منها: أنْ يغلب على ظنه أنَّ نهيه مؤثر لاعبث»، وإليه مال التفتازاني في «شرح المقاصد» =
[ ١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = (٢/٢٨١)، بقوله وهو يتحدث عن شروط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: «منها تجويز التأثير، بأن لا يعلم عدم التأثير قطعًا، لئلا يكون عبثًا واشتغالًا بما لا يعني، فإن قيل: يجب، وإن لم يؤثر، إعزازًا للدين، قلنا: ربما يكون إذلالًا» . الثاني: ويرى بعض العلماء أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجب في هذه الحالة، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وصححه أبو يعلى، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وعزاه ابن رجب إلى أكثر العلماء، كما في «لوامع الأنوار البهية» (٢/٤٣٥)، وهو اختيار المصنّف. يقول الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في «شرح صحيح مسلم» (٢/٢٣): «قال العلماء: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وقد قدمنا أن الذي عليه الأمر والنهي لا القبول، وكما قال الله -﷿-: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ﴾ [المائدة: ٩٩]» . والذي أراه راجحًا في هذه المسالة القول الثاني؛ لما يلي: أولًا: إذا جرى الحديث عن تأثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو عدم تأثيره، أريد به ظهور المعروف حينما أمر به، وانتفاء المنكر حينما نهى عنه، وبالعكس، ولكن لننظر في الأمر من وجهة نظر أخرى، وهي أن المسلم -ولو لم يؤثر فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تأثيرًا عاجلًا- لا بدَّ أن يتأثر في شعوره إلى حدٍّ ما، ومن الممكن أن يصير هذا التأثير، سببًا لفعله المعروف، وتركه المنكر فيما بعد، ومن هذه الناحية درس الإمام محمد بن الحسن الشيباني في «شرح السير الكبير» (٣/٢٣٩-٢٤٠)، نفسيَّة الأمة المسلمة، مراعاة كاملة، فقال: «وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يسعه الإقدام، وإن كان يعلم أن القوم يقتلونه، وأنَّه لا يتفرق جمعهم بسببه؛ لأنَّ القوم هناك مسلمون، معتقدون لما يأمرهم به، فلا بد من أنَّ فعله ينكئ في قلوبهم، وإن كانوا لا يظهرون ذلك» . ثانيًا: إذا أهمل السعي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة عدم جدواه، تقطعت أسباب الرجاء عن الإصلاح، وهلك المجتمع كله. ثالثًا: لا يصح بناء الحكم الفقهي على (التأثير) و(عدمه) فنقول: يجب الأمر بالمعروف عند حصول التأثير والإفادة، والعكس بالعكس؛ لأن التأثير وعدمه أمر غير ظاهر وغير منضبط، فكم من مأمور بالمعروف يُرجى فيه الخير ومنهيٍّ عن المنكر لا يرجى فيه ذلك، ولا يستجيب الأول ويستجيب الثاني. رابعًا: إن صح القول الأول فيحمل على أنَّ العامة عليهم أن يحافظوا على دينهم وإيمانهم، ولا يصح أن يلقى عليهم أعباء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن الخاصة منهم -أيضًا- إن لم يتقدموا إلى ذلك ظلموا أنفسهم وقدراتهم وإمكاناتهم. وانظر بسطًا للمسألة في: «أحكام القرآن» (٢/٧٩٧)، و«مختصر الفتاوى المصرية» (٥٨)، و«اقتضاء الصراط المستقيم» (١/١٤٨، ١٤٩)، و«طبقات الحنابلة» (٢/٢٨٠)، و«الآداب الشرعية» =
[ ١٦ ]
خرَّج مسلم، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيِّرُه بيده، فإن لَمْ يستطع فبلسانه، فإن لَمْ يستطع فبِقلْبِه، وذلك أضعف الإيمان» (١) .
وعلى هذا الضَّرب حَمَلَ جماعةٌ من العلماء ما أمر الله -تعالى- به نبيه - ﷺ - من جهاد المنافقين في قوله -تعالى-: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣]، فهذا إنما يكون في المنافقين بالقول من الزجر والوعيد والتهديد، وما أشبه ذلك؛ لأنه - ﷺ - لم يؤمر بقتلهم؛ لِمَا كانوا يظهرونه من الإسلام، قال ابن عباس (٢)،
_________________
(١) = (١/١٧٨)، و«نصاب الاحتساب» (٣١٣)، و«أضواء البيان» (١/١٧٥)، و«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (ص: ١٥٧ ومابعدها) لجلال العمري، و«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وواقع المسلمين اليوم» (ص: ١٠٣ ومابعدها) لصالح الدرويش، و«الأمر بالمعروف» لعبد الرحمن المقيط (ص ٥٠)، و«الأمر بالمعروف» (ص ٣٨٦) لخالد السبت، و«الجواب الأبهر لمن سأل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (ص ٥٧-٦١)، و«أصول الدعوة» (١٩٠، ٣١٢) لعبد الكريم زيدان.
(٢) أخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الإيمان (باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان) (رقم ٤٩) .
(٣) أخرجه ابن جرير في «التفسير» (١٠/١٨٣) عن ابن جريج عن ابن عباس قال: الكفار بالقتال، والمنافقين: أن تغلظ عليهم بالكلام. وأخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٦/١٨٤١/ رقم ١٠٣٠١)، وابن جرير في الموطن السابق، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٩/١١) عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله -تعالى-: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ قال: فأمره الله أن يجاهد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان، وأذهب الرفق عنهم. وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٤/٢٣٩) إلى ابن المنذر، وابن مردويه. ولكن علي بن أبي طلحة: قال دُحيم: لم يسمع التفسير من ابن عباس. وقال الفسوي: روى عن ابن عباس الناسخ والمنسوخ، ولم يره. وقال أبو حاتم: علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: مرسل، إنما يروي عن مجاهد والقاسم بن محمد. انظر: «جامع التحصيل» (ص ٢٤٠ رقم٥٤٢)، و«تحفة التحصيل» (ص ٢٣٤) . ولكن ابن أبي طلحة يروي من صحيفة عن ابن عباس. قال الحافظ ابن حجر في «العجاب» (١/٢٠٧): «وعليٌّ صدوق، لم يَلْق ابن عباس، لكنه إنَّما حمل عن ثقات أصحابه، فلذلك كان البخاري =
[ ١٧ ]
وغيره (١): معناه: «جاهد الكفار بالسَّيف، والمنافقين باللسان» .
وبسْط الكلام في ذلك، وفي الكفّ عن قتل المنافقين على عهد رسول الله - ﷺ - يقتضي مأخذًا واسعًا غير ما قُصد له في هذا الباب.
الثالث: جهاد باليد، وهو أنواع:
منه ما يرجع إلى إقامة الحدود، ونحوها من التعزيرات، وذلك إنما يجب على الولاة والحُكَّام، ومنه: مايدخل في باب تغيير المناكر، وذلك يجب حيث لا يُغني التغيير بالقول، وعلى الشروط التي قدَّمنا في حق القائم في ذلك، والقيام فيه بحسب الأحوال، وتدريج الانتقال.
ومنه: قتال الكفار، والغزو. ويقتضي أنَّ لفظ الجهاد إذا أُطلق، إنما يُحمل على هذا النوع بخاصَّة، وهو الذي نُصِبَ له هذا المجموع، فَلنأْخُذ في ذلك على حسب ما يرزقنا الله فيه من الإمداد بالمعونة والتوفيق، لا ربَّ غيره.
_________________
(١) = وابن أبي حاتم وغيرهما يعتمدون على هذه النسخة» . فالأثر صحيح عن ابن عباس -﵁-. انظر: تفسير ابن عباس المسمى «صحيفة علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس» (ص ٢٦٨/ رقم ٥٨٢)، «فتح الباري» (٨/٤٣٨-٤٣٩) . وابن جريج: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج: ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل كما في «التقريب» (٤١٩٣) . وقال العلائي في «جامع التحصيل» (٢٢٩/ رقم ٤٧٢): ذكر ابن المديني أنه لم يَلقَ أحدًا من الصحابة.
(٢) كقتادة والضحاك والحسن البصري. أخرجه عنهم: ابن جرير في «التفسير» (٦/١٨٣-١٨٤)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٦/٢٤٠) إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة. وأخرج ابن جرير (١٠/١٨٣) وابن أبي حاتم (٦/١٨٤/رقم ١٠٣٠٠) في «تفسيريهما»، وابن المبارك في «الزهد» (١٣٧٧)، والطبراني -كما في «مجمع الزوائد» (٧/٢٧٦) -، وابن أبي الدنيا في «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (رقم ١٠٩)، وعبد الغني المقدسي في «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (١٨)، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه في «تفاسيرهم» -كما في «الدر المنثور» (٦/ ٢٣٩) - بأسانيد ضعيفة نحوه عن ابن مسعود -﵁-. وانظر: «الكشف والبيان» (٥/٦٩) .
[ ١٨ ]
فصلٌ: في ابتداء الأمر بالقتال والتدريج فيه
قال الله -﷿-: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:
١٥٨]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨]، وقال رسول الله - ﷺ -: «أُعطيتُ خَمْسًا لم يُعطهنَّ أحدٌ قبلي: كان كلّ نبيٍّ يبعث إلى قومه خاصة، وبُعثت إلى كل أحمر وأسود» الحديث. خرَّجه مسلم (١) .
فَثَبتَ بالبراهين القاطعة والآيات البيِّنة ومن الكتاب والسنَّة والإجماع القاطع المتواتر: أنَّ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف رسول الله - ﷺ - إلى الخلق أجمعين؛ إنْسِهم وجِنِّهم، أحمرهم وأسودهم، عَربهم وعجمهم، من كان منهم في عصره، ومن يأتي بعده إلى يوم القيامة، قال الله -تعالى-: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] .
فذكر أهل العلم والنقل، أن رسول الله - ﷺ - لما بعثه الله -﷿وهو على رأس أربعين سنة-، أقام بمكة يدعو إلى الله -تعالى-، ويُبيِّن عن ربه -﷿- ما أرسله به من الهدى، ويتلو عليهم القرآن، وينهاهم عن الشِّركِ وعبادة
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب المساجد ومواضع الصلاة (رقم ٥٢١) من حديث جابر بن عبد الله -﵁-، وتتمة الحديث: « وأُحلّت لي الغنائم، ولم تحل لأحدٍ قبلي، وجُعلت لي الأرض طيبة؛ طهورًا ومسجدًا، فأيما رجلٍ أدركته الصلاة صلَّى حيث كان، ونُصرت بالرعب بين يديَّ مسيرة شهر، وأُعطيت الشفاعة» . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب التيمم (الطهارة) (باب التيمم) (رقم ٣٣٥)، وفي كتاب الصلاة (باب قول النبي - ﷺ -: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا») (رقم ٤٣٨)، وفي كتاب فرض الخمس (باب قول النبي - ﷺ -: «أُحلت لي الغنائم») (رقم ٣١٢٢) مختصرًا ومقتصرًا على العبارة المذكورة في الباب.
[ ١٩ ]
الأوثانِ، والفواحش -التي حرّم الله تعالى- مدّة طويلةً، لم يُؤمر في شيءٍ من تلك المدّة بقتال؛ بل كان يؤمر بالإعراض عنهم، وبالصَّفح الجميل، والصَّبرِ على أذاهم؛ إمهالًا من الله -تعالى-، وإبلاغًا في الحجَّة، وإعذارًا في المُدَّة.
قال الله -تعالى-: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]، وقال -تعالى-: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقال -سبحانه-: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥] .
ولم يزل رسول الله - ﷺ - مُعلنًا بالرسالة والنَّذارة، صابرًا على ما يناله في ذلك من الأَذى، ناصِحًا لهم، مُحتسبًا ما أصابه فيهم، إلى أن آمن بالله وبما جاء به رسول الله - ﷺ - مَنْ أراد الله -تعالى- به خيرًا، وجعل له نورًا، وعاندَ من شاء الله
-تعالى-، وأقام رسول الله - ﷺ - على ذلك بمكة عشر سنين، وقيل: ثلاث عشر سنة، وفي ذلك يقول أبو قيس صِرمة بن أبي أنس بن صِرمة؛ من بني النَّجار (١):
_________________
(١) قال ابن هشام في «السيرة النبوية» (ص ٥١٠) في نَسَبِه: أبو قيس، صِرمة بن أبي أنس بن صِرمة بن مالك بن عَديِّ بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. وقال ابن إسحاق: وكان رجلًا قد ترهَّب في الجاهلية، ولبس المسوح، وفارق الأوثان، واغتسل من الجنابة، وتطهّر من الحائض من النساء، وهمَّ بالنصرانية، ثم أمسك عنها، ودخل بيتًا له، فاتخذه مسجدًا، لا تدخل عليه طامث ولا جنب، وقال: أعبد ربَّ إبراهيم، حين فارق الأوثان وكرهها، حتَّى قدم رسول الله - ﷺ - المدينة، فأسلم وحَسُنَ إسلامه، وهو شيخٌ كبير، وكان قوَّالًا بالحق، معظمًا لله -﷿- في جاهليته، يقول أشعارًا في ذلك حِسانًا. أخرج الحاكم في «المستدرك» (٢/٦٨٣/ رقم ٤٢٥٥- ط دار الكتب العلمية) -وعنه البيهقي في «دلائل النبوة» (٢/٥١٣) - عن إبراهيم بن ديزيل، عن إبراهيم بن المنذر، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار؛ قال: قلت لعروة بن الزبير: كم لبث النبي - ﷺ -؟ قال: عشر سنين. قلت: فإن ابن عباس يقول: لبث بضع عشرة حجة. قال: إنما أخذه من قول الشاعر. قال سفيان بن عيينة: ثنا يحيى بن سعيد؛ قال: سمعتُ عجوزًا من الأنصار تقول: رأيت ابن عباس يختلف إلى صرمة بن قيس يتعلم منه هذه الأبيات » وساق سبعة أبيات، أولها البيت المذكور. قلت: وهذا إسناد ضعيف من أجل المبهم الذي فيه. =
[ ٢٠ ]
ثَوَى في قريشٍ بِضْعَ عشرةَ حِجَّةً يذكِّر لو يَلْقى صديقًا مُواتيا (١)
ثم لما أراد الله -تعالى- إنفاذَ الوعيد فيمن أهلكه من كفار قريش، وعظماء أهل الشرك بمكة: أذِن الله تعالى لرسوله - ﷺ - في الهجرة منها إلى المدينة، فخرج، ولمَّا يؤمر حينئذٍ بقتال، ثم أذن له في القتال بَعْدُ.
خرّج النسائي (٢) عن ابن عباس قال: لما أخرج النبي - ﷺ - من مكة؛ قال أبو
بكر:
_________________
(١) = وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه» . قلت: خرَّجه مسلم في «صحيحه» (٤/١٨٢٥-١٨٢٦) مختصرًا هكذا: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عمرو؛ قال: «قلتُ لعروة: كم لبث النبي - ﷺ - بمكة؟ قال: عشرًا. قلت: فإنَّ ابن عباس يقول: بضع عشرة. قال: فغفَّره. وقال: إنما أخذه من قول الشاعر» . وأخرجه البيهقي في «الدلائل» (٢/٥١٣) عن عبد الله بن الزبير الحميدي، والشجري في «أماليه» (١/٧٤) عن أبي مطرف محمد بن أبي الوزير؛ والدينوري في «المجالسة» (رقم ٧٧٩- بتحقيقي) من طريق إبراهيم بن المنذر، كلهم عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، به. وقال ابن إسحاق -وهو في «سيرة ابن هشام» (٢/١٥٨) - ومن طريقه البيهقي في «الدلائل» (٢/٥١٥) -: «وقال صرمة بن قيس »، وذكر البيت ضمن أبياتٍ يذكر فيها ما أكرمهم الله -﵎- به من الإسلام، وما خصَّهم الله به من نزول رسول الله - ﷺ -. والخبر في: «المعارف» (ص ٦١، ١٥١)، و«التعازي والمراثي» (١٢٦) للمبرد، و«أسد الغابة» (٣/١٨)، و«الإصابة» (٢/١٨٣)، و«سيرة ابن كثير» (٢/٢٨٣)، و«منح المدح» (١٢٩-١٣٠) .
(٢) ثَوى: أي: أقام. ومواتيًا: موافقًا.
(٣) في «المجتبى» في كتاب الجهاد (باب وجوب الجهاد) (٦/٢/رقم ٣٠٨٥)، وفي «الكبرى»: كتاب «التفسير»، تفسير سورة الحج (١٤٤/٣٦٣) . وأخرجه أحمد (١/٢١٦)، والترمذي (٣١٧١) -وقال: هذا حديث حسن-، وابن جرير في «التفسير» (١٧/١٧٢)، وابن حبان (٤٧١٠)، والحاكم (٢/٦٦، ٢٤٦، ٣٩٠ و٣/٧-٨)، والطبراني (١٢٣٣٦)، والبزار في «البحر الزخار» (١/٦٩/ رقم ١٦)، من طرق عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به. ولم يرد عندهم قول ابن عباس: هي أول آية نزلت في القتال. وقال الحاكم: على شرط الشيخين، وأقره الذهبي. وهو كما قالا. وأخرجه الترمذي (٣١٧٢)، والطبري (١٧/١٧٢) عن سعيد بن جبير مرسلًا. =
[ ٢١ ]
«أَخْرَجُوا نبيَّهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكنّ»؛ فنزلت: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] . قال: «فَعَرفْتُ أنه سيكون قتال» . قال ابن عباس: فهي أول آية نزلت في القتال.
وكذلك روى القاضي إسماعيل في «أحكام القرآن» (١) عن عروة بن الزبير: أنها أوَّل آيةٍ نزلت في القتال، وقاله قتادة وغيره (٢) . وقد روي عن الربيع بن أنس (٣) وغيرهِ أن أول آيةٍ نزلت في القتال: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ
_________________
(١) = وعزاه ابن كثير في «التفسير» (٣/٢٢٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/٥٧) إلى ابن أبي حاتم. وهو في «تفسيره» (٨/٢٤٩٦/ رقم ١٣٩٦١) . وأخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (٢/٣٩) مقتصرًا على قول ابن عباس. وذكره الدارقطني في «العلل» (١/٢١٤-٢١٥/ السؤال ٢٢)، ومال إلى ترجيح الوصل. وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٦/٥٧) إلى ابن المنذر، وابن مردويه، والطبراني. وانظر: «الإقناع» لابن المنذر (٢/٤٤٧)، و«لباب النقول في أسباب النزول» للسيوطي (ص ١٥٠)، و«الصحيح المسند من أسباب النزول» للشيخ مقبل بن هادي الوادعي -رحمه الله تعالى- (ص ١٠١) .
(٢) قال الذهبي في «السير» (١٣/٣٤٠) عنه: «لم يسبق إلى مثله» . قلت: ومنه قطعة لا بأس بها في الزيتونة بتونس، ولم ينشر الكتاب بعد، يسّر الله له جادًّا من طلبة العلم. وأثر عروة، أخرجه ابن أبي حاتم في «التفسير» (٨/٢٤٩٦) رقم (١٣٩٦٣) ولم يعزه السيوطي في «الدر» (٦/٥٧) إلاَّ له، وهو عند ابن إسحاق في «السيرة» (٢/٤٦٧-٤٦٨- ط. حميد الله)، والبلاذري في «أنساب الأشراف» (١/٢٨٦)، وسنده صحيح. وذكره الزرقاني في «شرح المواهب اللدنية» (١/٣١٧، ٣٨٧)، وهو في «مغازي عروة» (ص ١٢٤/ رقم ١٠٧) تجميع سلوى الطاهر.
(٣) أخرج عبد الرزاق في «تفسيره» (٢/٣٩) عن معمر عن قتادة قال: هي أول آية نزلت في القتال، وأذن لهم أن يُقاتلوا. وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٦/٥٨) إلى ابن المنذر وعبد الرزاق، عن أبي هريرة -﵁-.
(٤) أخرجه ابن جرير في «التفسير» (٢/١٨٩) عن أبي جعفر، عن الربيع قوله. وأخرجه ابن =
[ ٢٢ ]
وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، أي: قاتلوا من قاتلكم، وكُفَّوا عمَّن كفَّ عنكم، لا تعتدوا بقتاله. هذا أحد التأويلات في الآية.
قال إسماعيل: إنما أَذِنَ الله -تبارك اسمه- للنبي - ﷺ - في القتال بعد قدومه المدينة، ثم أُمِرَ - ﷺ - بالقتال على أحوالٍ كانت؛ كان يؤمر فيها بالقتال، فمنها -والله
أعلم- هذه الآية وغيرها، يعني: قوله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]، ثُمَّ نسِخ ذلك كلُّه، وأمر بقتال المشركين كافَّة. وإلى ما ذكر القاضي إسماعيل ذهبَ كثيرٌ من أهل العلم في حمل الآيات الواردة في ذلك على أحوال؛ فمنها قوله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، فهذا لم يؤذن فيه في قتال من لم يقاتل، بل قال -تعالى-: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠]، وقال -تعالى- فيمن يقاتل: ﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾ [النساء: ٩١]، وكذلك قوله -تعالى-: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، فلم يؤمروا أن يبدؤوهم عند المسجد الحرام بقتال، حتى يكونوا هم يقاتلون، وكذلك قوله -تعالى-: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، ففي هذا بعض التوسيع عمّا تضمَّنتهُ الآي قبل هذا؛ من أنه لا يُقاتلُ إلا من قاتل، فكان الأمر هنا أعمَّ في الكفار الأدْنَين، فالآية تتضمن قتالهم على كل حال؛ قاتلوا أو لم يُقاتلوا، ثم نَسَخَ الله -تعالى- كلَّ كفٍّ ومهادنةٍ بقي في أمر الكفار بعد الإمهال والإعذار، وإيعاب البلاغ والإنذار، فقال -تعالى-: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥]، وقال -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ
_________________
(١) = أبي حاتم في «تفسيره» (١/٣٢٥/ رقم ١٧١٩) عن الربيع، عن أبي العالية، من قوله.
[ ٢٣ ]
كُلُّهُ لله﴾ [الأنفال: ٣٩]، وقال -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦] (١) .
فصلٌ: في بيان ما استقرّ عليه الأمر بالجهاد
اختلف أهل العلم في مقتضى الآيات الواردة بالتشديد والتعميم في الأمر
_________________
(١) ذكر الإمام ابن جرير في «التفسير» (٢/١٨٩-١٩٠) قول من قال بالنسخ، وقول من قال: يقاتل من قاتله، ويكفّ عمَّن كفَّ عنه، حتى نزلت آية التوبة. وأخرج بسنده إلى سعيد بن عبد العزيز قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عديّ بن أرطاة: إني وجدت آية في كتاب الله ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] أي: لا تقاتل من لا يقاتلك، يعني: النساء، والصبيان، والرهبان. ثم قال: وأولى هذين القولين بالصواب: القول الذي قاله عمر بن عبد العزيز؛ لأن دعوى المدعي نسخ آية يحتمل أن تكون غير منسوخة بغير دلالة على صحة دعواه تحكم، والتحكم لا يعجز عنه أحد. فتأويل الآية إذا كان الأمر على ماوصفنا: وقاتلوا أيها المؤمنون في سبيل الله، وسبيله: طريقه الذي أوضحه، ودينه الذي شرعه لعباده، يقول لهم تعالى ذكره: قاتلوا في طاعتي، وعلى ما شرعت لكم من ديني، وادعوا إليه من ولى عنه، واستكبر بالأيدي والألسن، حتى ينيبوا إلى طاعتي، أو يعطوكم الجزية صغارًا إن كانوا أهل كتاب. وأمرهم -تعالى ذكره- بقتال من كان فيه قتال من مقاتلة أهل الكفر دون من لم يكن فيه قتال من نسائهم وذراريهم، فإنهم أموال وخول لهم إذا غلب المقاتلون منهم فقهروا، فذلك معنى قوله: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]؛ لأنه أباح الكفّ عمن كفّ، فلم يقاتل من مشركي أهل الأوثان والكافين عن قتال المسلمين من كفار أهل الكتاب، على إعطاء الجزية صغارًا. فمعنى قوله ﴿وَلاَ تَعْتَدُواْ﴾: لا تقتلوا وليدًا ولا امرأة ولا من أعطاكم الجزية من أهل الكتابين والمجوس، ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: الذين يجاوزون حدوده. فيستحلون ماحرمه الله عليهم من قتل هؤلاء الذين حرم قتلهم من نساء المشركين وذراريهم. وانظر: «تفسير ابن كثير» (١/٢٤٢) . وسيأتي في الباب كلام للمصنف أنه لا نسخ في آية القتال ولا آية الكف، ولا المنّ ولا الفداء، وأنها كلها محكمة، وأن إعمال بعض الآيات دون بعض يكون في بعض المواطن في القتال دون بعض، وأن هذا راجع إلى رأي الإمام في ذلك، وهو الصواب، والله الموفّق والهادي.
[ ٢٤ ]
بالقتال من قوله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وقوله
-تعالى-: ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، و﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ [التوبة: ٣٩]، و﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]؛ فقيل: كان فرض الجهاد في أول الأمر على جميع المسلمين كافة؛ إلا من عَذَرَه الله -تعالى-، ثم نسخ ذلك بالكفاية، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]، رُوي ذلك عن ابن عباس؛ خرَّجه عنه أبو داود (١) .
_________________
(١) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في نسخ نَفير العامَّة بالخاصة) (رقم ٢٥٠٥)، ومن طريقه ابن الجوزي في «نواسخ القرآن» (ص ١٧٥) من حديث عكرمة، عن ابن عباس. وقال شيخنا الألباني -﵀- في «صحيح سنن أبي داود»: «حسن» . وأخرجه أبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ» (ص ٢٠٥/ رقم ٣٨٥) -ومن طريقه ابن المنذر في «التفسير» (٢/٧٨٥-٧٨٦) (رقم ١٩٨٥) من حديث عطاء الخراساني، عن ابن عباس. وفيه زيادة أن ابن عباس قال: تنفر طائفة وتمكث طائفة مع النبي - ﷺ -. قال: فالماكثون: هم الذين يتفقهون في الدين وينذرون إخوانهم إذا رجعوا إليهم من الغزو بما نزل من قضاء الله وكتابه وحدوده. اهـ. وروى نحوه ابن أبي حاتم في «التفسير» (٣/٩٩٨) (رقم ٥٥٨٢)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/٤٧) في كتاب السير (باب النفير وما يستدل على أن الجهاد فرض على الكفاية) . فمذهب ابن عباس ومقصده في النسخ فيما إذا خرجت سرية للجهاد، ولكن إذا احتيج للمسلمين: لم يسع أحدًا التخلف عن الجهاد. وما ذهب إليه المصنف من عدم النسخ هو الصواب، وهو مذهب جمهور العلماء. قال أبو جعفر النحاس في «الناسخ والمنسوخ» (ص ٢٠٩) في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] قال: مذهب ابن زيد أنه نسخها ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، ومذهب غيره أنه ليس ها هنا ناسخ ولا منسوخ، وأن الآية الأولى توجب إذا نفر النبي - ﷺ -، أو احتيج إلى المسلمين واستنفروا: لم يَسع أحدًا التخلف، وإذا بعث النبي - ﷺ - سرية تخلَّفت طائفة، وهذا مذهب ابن عباس والضحّاك وقتادة. اهـ. كلامه. ومذهب ابن زيد ذكره ابن العربي المالكي في «الناسخ والمنسوخ» (ص ٢٦٣)، وابن أبي زيد القيرواني في «النوادر والزيادات» (٣/١٨) . وذهب إلى النسخ -أيضًا-: الإمام المازري كما في «الذخيرة» (٣/٣٨٥)، والنحاس في «معاني القرآن» (١٠٥٨)، وغيرهم. =
[ ٢٥ ]
وروي عن عطاء (١)، أن الجهاد إنما كان فرضًا على الصحابة، قيل: يعني على الأعيان، فلما استقرَّ الشرعُ صار على الكفاية، وقال الجمهور: بل كذلك كان فرض القتال على الكفاية في أوّل الإسلام، وحملوا ما وقع في ذلك من التشديد والتعميم على أحوال، وذلك إذا احتيج إلى الجميع، إمَّا لقلة المسلمين، كما كان ذلك في أول الإسلام، أَوْ لما عَسَى أنْ يَعْرض، أوْ يكونَ ذلك خاصًا بأهل النَّفير
_________________
(١) = وهذا مذهب أبي عبيد في «الناسخ والمنسوخ» . وقال ابن الجوزي في النَّسْخ: إنه روي عن الحسن وعكرمة، وهذا ليس بصحيح. وذهب إلى إحكام الآيتين، وقال: وقد ذهب إلى إحكام الآيتين، ومنع النسخ جماعة: منهم: ابن جرير، وأبو سليمان الدمشقي، وحكى القاضي أبو يعلى عن بعض العلماء أنهم قالوا: ليس ها هنا نسخ، ومتى لم يقاوم أهل الثغور العدو، ففرض على الناس النفير إليهم، ومتى استغنوا عن إعانة من وراءهم، عذر القاعدون عنهم. وانظر: «الناسخ والمنسوخ» لأبي عبيد (ص ٢٠٦)، و«الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه» لمكي بن أبي طالب (ص ٣١٤-٣١٥)، و«الناسخ والمنسوخ» لابن العربي (ص ٢٦٣) .
(٢) قال النحاس في «الناسخ والمنسوخ» (ص ٣٨): وأما قول عطاء أنها فرض على الصحابة فقول مرغوب عنه، وقد ردَّه العلماء، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (١/٤٩٣) إلى ابن أبي حاتم، وإلى آدم بن أبي إياس في «تفسيريهما» عن أبي العالية في الآية ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]؛ قال: لأصحاب محمد، أمروا بقتال الكفار. وأخرج أبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ» (ص ٢٠٤) (رقم ٣٨١) -ومن طريقه الجصاص في «أحكام القرآن» (٤/٣١١) - عن حجاج، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أواجب الغزو على الناس؟ فقال هو وعمرو بن دينار: ما علمناه. وأخرجه -أيضًا- عبد الرزاق في «المصنف» (٥/١٧١) (رقم ٩٢٧١) . وقال الجصاص (٤/٣١٢): «وجائز أن يكون قول عطاء في أن الجهاد ليس بفرض، يعنون به أنه ليس فرضه متعينًا على كل أحد، كالصلاة والصوم، وأنه فرض على الكفاية» . وأخرجه ابن جرير (٢/١٩٠)، وابن أبي حاتم (١/٣٢٥/رقم ١٧٢٠) عن مجاهد قوله. وهو مذهب الأوزاعي، نقله عنه الطبري في «التفسير» (٣/٣٨)، وهو أحد قولي الشافعي، والمشهور عنه خلافه، كما هو مذهب الجمهور. انظر: «الهداية» (٢/١٣٥)، «شرح الدردير» (٢/١٧٣)، «مغني المحتاج» (٤/٢٠٩)، «المغني» (١٠/٣٦٤- مع الشرح الكبير)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤٧١) .
[ ٢٦ ]
الذين يُعيِّنُهمُ الإمامُ في الاستنِفار، وإذا لم يكن شيءٌ من ذلك فهو على أصل الكفاية، ولا نَسْخَ على هذا في شيءٍ من الآيات، بل هو راجعٌ إلى الأحوال، وما يجبُ في مقاومة الكفار، وهذا الأرجح، والله أعلم؛ لأن النَّسخ لا يُصارُ إليه إلا بتوقيفٍ أو اضطرار لا يمكن معه الجمع بين الأمرين، ويعلم مع
ذلك المتأخّر، فيكون هو الناسخ، وإلاَّ فلا.
وعلى كلا القولين، فلم يُختلف في أنَّ فرض الجهاد استقرَّ في الجملة على الكفاية، يحمله من قام بهِ من المسلمين عن سائرهم، هذا هو المشهور المعروف الذي عليه جماعة أهل العلم (١) .
_________________
(١) قال الإمام الشافعي في «الأم» (٤/١٧٦): «قال الله -﵎-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦]، مع ما أوجب من القتال في غير آية، قال: فكان فرض الجهاد محتملًا لأن يكون -كفرض الصلاة وغيره- عامًا، ومحتملًا لأن يكون على غير العموم، فدل كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - على أن فرض الجهاد إنما هو على أن يقوم به من فيه كفاية للقيام به، حتى يجتمع أمران: أحدهما: أن يكون بإزاء العدو والخوف على المسلمين من يمنعه. والآخر: أن يجاهد من المسلمين من في جهاده كفاية؛ حتى يسلم أهل الأوثان، أو يعطي أهل الكتاب الجزية. فإذا قام بهذا من المسلمين من فيه كفاية له، خرج المتخلف منهم من المأثم، وكان الفضل للذين وُلُّوا الجهاد على المتخلفين عنه، قال الله -﵎-: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥] . قال الشافعي: فبين إذ وعد الله القاعدين غير أولي الضرر الحسنى: أنهم لا يأثمون بالتخلف، ويوعدون بالحسنى في التخلف؛ بل وعدهم بما وسع لهم من التخلف الحسنى، إذا كانوا مؤمنين لم يتخلفوا شكًا ولاسوء نية، وإن تركوا الفضل في الغزو. قال الشافعي: ولم يغز رسول الله - ﷺ - غزاة علمتها إلا تخلف عنه فيها بشر، فغزا بدرًا وتخلف عنه رجال معروفون، وكذلك تخلف عنه عام الفتح وغيره من غزواته. وقال في غزاة تبوك، وفي تجهيزه في الجمع للروم: «ليخرج من كل رجلين رجل، فيخلف الباقي الغازي في أهله وماله»، قال الشافعي: ففرض الجهاد على ما وصفت، يُخرج المتخلفَ من المأثم القائمُ فيه بالكفاية، ويأثمون معًا إذا تخلفوا معًا» ا. هـ كلامه -﵀-. =
[ ٢٧ ]
يحكي القاضي أبو محمد عبد الوهاب (١) أنه لا خلاف بين الأمة في وجوب الجهاد، يعني: على الكفاية. وقد نقل غيره في ذلك قولين شاذين:
أحدهما: أنه فَرْضُ عينٍ مرّةً في العُمر على كل مستطيع كالحج.
قال أبو بكر بن المنذر: روينا عن داود بن أبي عاصمٍ أنه قال: الغزو واجبٌ على الناس أجمعين، غزوة كهيئة الحج (٢) .
قال ابن المنذر: وقال مَعْمر: كان مكحول يستقبل القبلة، ثم يَحلِف عشر أيمان: أنَّ الغزو واجب، ثم يقول: إن شِئتُم زِدتكم.
_________________
(١) = وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن نَصْر المروزي في كتابه «السنة» (١٣٢) بعد كلام: « فوجدنا الكتاب والسنة قد دلا على أن الجهاد غير مفروض على كل مسلم في خاص نفسه، فقال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]، فدل ذلك على أن فرض الجهاد إنما هو على أن ينفر من فيه الكفاية، فإذا نفر من فيه الكفاية سقط المأثم عنهم جميعًا، وإن لم ينفر من فيه الكفاية أثموا معًا؛ لقوله: ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩] . قال بعض أهل العلم: يعني: إنكم إن تركتم النفير كلكم عذبتكم» . وانظر: «رسالة الإرشاد إلى بيان الحق في أحكام الجهاد» لأحمد بن يحيى النَّجمي (ص ٦٢- وما بعدها) . وانظر: «أحكام القرآن» (٤/٣٧٢-٣٧٣) للجصاص، «تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام» لبدر الدين بن جماعة (ص ١٥٤) .
(٢) في كتابه «المعونة» (١/٦٠١، ٦٠٢) . وانظر: «التلقين» له (١/٢٣٨)، و«التفريع» لابن الجلاَّب (١/٣٥٧)، و«الرسالة» لابن أبي زيد القيرواني (١٨٩)، «فتاوى البرزلي» (٢/٨)، و«بداية المجتهد» لابن رشد (٦/٥)، و«مراتب الإجماع» لابن حزم (ص ١١٩) .
(٣) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٥/١٧١/رقم ٩٢٧٢) عن ابن جريج عن داود بن أبي عاصم، به. وهو مذهب سعيد بن المسيب. انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/٣٥١)، «المغني» (١٣/٦)، و«النوادر والزيادات» (٣/١٨)، و«الذخيرة» (٣/٣٨٥)، «فتاوى البرزلي» (٢/٧، ٨) .
[ ٢٨ ]
قال ابن المنذر: وهذا لايصح عن مكحول؛ لأن بين معمر وبين مكحول رجلًا. حدثناه إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن رجلٍ، عن مكحول: أنه قال ذلك (١) .
والقول الآخر: أن الجهاد نَفْلٌ. قال النَّحَّاس (٢): هو قول ابن عمر، وابن
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٥/١٧٤ رقم٩٢٨١) عن رجل، عن مكحول. ثم قال عبد الرزاق: وسمعت الأوزاعي -أو: أخبرتُ عنه- أنه سمعه من مكحول. وأخرجه أبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ» (ص ٢٠٤ رقم ٣٨٢) -ومن طريقه الجصاص في «أحكام القرآن» (٤/٣١٢) - من طريق ابن جريج، قال: قال معمر: كان مكحول يستقبل القبلة إلخ، فلم يذكر رجلًا بين معمر ومكحول. وكلام ابن المنذر المذكور لم أجده في كتبه المطبوعة إلى غاية تدوين هذه السطور، وهي: «الأوسط»، و«الإشراف»، و«الاقناع»، و«التفسير» . وانظر: «أحكام القرآن» (٤/٣١١-٣١٢) للجصاص، «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/٣٥١)، «تكملة المجموع الثالثة» (١٩/٢٦٩)، «فقه مكحول» (١٨١) .
(٢) في «الناسخ والمنسوخ» (ص ٣٨) . وزاد: ومن حجتهم قول النبي - ﷺ -. رواه ابن عمر: «بني الإسلام على خمس.. الحديث» . وفيه أن رجلًا سأله فقال: ألا تغز؟ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: فذكر الحديث -وأصله في البخاري-. ثم قال: قال أبو جعفر -يعني نفسه-: وهذا لا حجة فيه؛ لأنه قد روي عن ابن عمر أنه قال: استنبطت ذلك، ولم يَرْفَعْهُ، ولو كان رَفْعُهُ صحيحًا لما كان فيه -أيضًا- حجة؛ لأنه يجوز أن يترك ذكر الجهاد ها هنا؛ لأنه مذكور في القرآن.. إلى آخر كلامه -﵀-. وانظر: «أحكام الجصاص» (٤/٣١٤)، «فتاوى البرزلي» (٢/٧) . وذكر ابن أبي زيد القيرواني في «النوادر والزيادات» (٣/١٣) قال: وروى ابن وهب قال: قال نافع في تخلُّف ابن عمر عن الغزو ولزومه الحج: إنه إنما ترك الغزو لوصايا عمر، ولِصبْيةٍ وضَيْعَةٍ كثيرة لا يصلحها إلا التعاهد، وقد كان يُغزي بنيه، ويرى أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الصلاة. ومذهب سفيان الثوري، ذكره أبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ» (ص ٢٠٥ رقم ٣٨٤) ولم يسنده؛ قال: وأما سفيان الثوري فكان يقول: ليس بفرض، ولكن لايسع الناس أن يجمعوا على تركه، ويجزئ فيه بعضهم عن بعض. قال أبو عبيد -بعد أن ارتضى هذا القول-: وإنما وسعهم هذا للآية الأخرى، قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] فإنه فيما يقال: ناسخة لفرض الجهاد. ا. هـ كلامه. =
[ ٢٩ ]
شُبرمة، وسفيان الثوري (١) . وذُكر عن عطاء، أن الجهاد إنما كان فرضًا على
الصحابة (٢)، وهذا يحتمل أن يريد فَرْضَ عين، فلما استقرَّ الشرع، صار على الكفاية، ويحتمل أن يذهب بذلك إلى قول من زعم أنه الآن نافلة، يَعْنُون: بعد فتح مكة.
ولم يختلفوا أنَّ الإمام إذا اسْتَنْفَرَ أحدًا للغزو، فإنه يجب ذلك عليه، لقوله - ﷺ -: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيَّة، وإذا استُنْفِرْتُم فانفروا» . خرَّجه
_________________
(١) = قوله: ناسخة لفرض الجهاد، أي الجهاد الذي على الأعيان، فهو على الكفاية إلا إذا احتيج إلى الجميع، كما ذكر ذلك المصنف -﵀-. وقال الجصاص في «أحكام القرآن» (٤/٣١١): «فحُكِيَ عن ابن شبرمة والثوري في آخرين أن الجهاد تطوع وليس بفرض» . وقال ابن العربي في «أحكام القرآن» -أيضًا- (١/١٠٣): «وقال جماعة من الفقهاء: إن الجهاد بعد فتح مكة ليس بفرض إلا أن يستنفر الإمام أحدًا منهم. قاله سفيان الثوري، ومال إليه سحنون، وظنه قوم بابن عمر حين رأوه مواظبًا على الحجّ تاركًا للجهاد، وقد قال النبي - ﷺ -: لا هِجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة، وإذا استنفرتم فانفروا. ثبت ذلك عنه. وهذا هو دليلنا؛ لأنه أخبر أن الجهاد باقٍ بعد الفتح، وإنما رفع الفتح الهجرة، وذلك لقوله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؛ يعني: كفرًا ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لله﴾ . ومواظبة ابن عمر -﵁- على الحجّ لأنه اعتقد الحق، وهو أن الجهاد فرضٌ على الكفاية إذا قام به بعض المسلمين سقط عن الباقين. ويحتمل أن يكون رأى أنه لا يجاهد مع ولاة الجور. والأول أصح؛ لأنه قد كان في زمانه عدول وجائرون، وهو في ذلك كله مُؤْثِرٌ للحج، مواظبٌ عليه» . وقال الجصاص في «أحكامه» (٤/٣١٥) بعد كلام: «وهذا يدل على أن مذهب ابن عمر في الجهاد فرض على الكفاية، وأن الرواية التي رويت عنه في نفي فرض الجهاد إنما هي على الوجه الذي ذكرنا من أنّه غير متعيّن على كل حالٍ في كل زمان» . وانظر: «الناسخ والمنسوخ» لأبي عبيد (ص ٢٠٣، ٢٠٦)، «فتح القدير» (٥/١٨٩)، «تفسير القرطبي» (٣/٣٩)، «الذخيرة» (٣/٣٨٥) .
(٢) ونقل ابن عبد السلام عن سحنون أنه سُنَّة، وأنكر شيخنا عليه نقله؛ لكونه غير معروف. قاله البرزلي في «فتاويه» (٢/٨) . ويُذكر هذا عن ابن دينار -أيضًا-. كما في «فتاويه» -أيضًا-.
(٣) مضى ذكره.
[ ٣٠ ]
البخاري وغيره (١) .
وكلا القولين محجوجٌ بالكتاب والسنة.
أمّاَ من ذهب إلى أن فرض الجهاد إنما كان على الصحابة، فلا مستند له، فإن (٢) زعم أنّ الخطابَ بإيجاب القتال والوعيدَ عليه والتشديدَ فيه إنما هو بصيغة المواجهة، واختصاص الحاضرين، كقوله -تعالى-: ﴿انْفِرُواْ﴾ و﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ [التوبة: ٣٩]، و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وما أشبه ذلك، لم يكن ذلك دليلًا؛ لأن عُرْفَ الشَّرْعِ المقطوعَ عليه في ذلك وأمثاله: أنه لهم ولمن بعدهم، إلاّ أن يُبين أنّه شيءٌ اختُصَّ به بعض المكلفين دون بعض. قال الله
-تعالى-: ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] .
وأيضًا، فيقال لمدَّعي ذلك: فيلزم أن كلَّ إيجابٍ أو حظْرٍ وردَ في القرآن،
أو في السنة على صيغة مثله أن يكون ذلك مخصوصًا بالصحابة، كقوله -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، و﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ولعلَّ أكثر الشرع على ذلك، وفي هذا ما لا خفاء به.
وأيضًا، فالأخبار عن رسول الله - ﷺ - دالةٌ على بقاء ذلك إلى يوم القيامة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في «صحيحه» (١٨٣٤، ٢٧٨٣، ٢٨٢٥، ٣٠٧٧، ٣١٨٩)، ومسلم في «صحيحه» (١٣٥٣) من حديث ابن عباس -﵄-. وأخرجه البخاري (٣٠٨٠، ٣٨٩٩، ٤٣١١)، ومسلم (١٨٦٤) من حديث عائشة -﵂-. وأخرجه أبو داود في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في الهجرة: هل انقطعت؟) (رقم ٢٤٨٠) . وورد نحوه عن صفوان بن أمية؛ أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (٢٣٥٢)، والنسائي (٧/١٤٥-١٤٦)، وأحمد (٣/٤٠١، ٤٦٥، ٤٦٦)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/١٦-١٧)، والطبراني في «الكبير» (١١/١٨/رقم ١٠٨٩٨) . ونحوه -أيضًا- عن غزية بن الحارث. وانظر: «كتاب الجهاد» لابن أبي عاصم (٢٦١، ٢٦٢، ٢٦٣) .
(٢) في الأصل والمنسوخ: «إن» .
[ ٣١ ]
روى مالك في «موطئه» (١)، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي - ﷺ - قال: «الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» . فسَّره العلماء أنه في الغزو، وكذلك جاء في بعض طرقه.
خرَّج البخاري (٢) عن عروة البارقي، عن النبي - ﷺ - قال: «الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخير: الأجْر والمَغْنمُ إلى يوم القيامة» .
وخرَّج مسلم (٣)، عن جابر بن سمرة، عن النبي - ﷺ - قال: «لن يبرح هذا الدين قائمًا، تقاتل عليه عصابةٌ من المسلمين، حتى تقوم الساعة» .
وأما من ذهب إلى أنه فرضٌ كالحج على الأعيان، فظاهر الكتاب والسنة يدلان على خلاف ذلك؛ قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، وقال -تعالى-: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥] .
فهذا بيّنٌ في سقوط المأثم في القعود عن الغزو إذا قام به بعض المسلمين.
وخرّج مالك في «موطئه» (٤) عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال:
«لولا أن
_________________
(١) (رقم ٤٧٤- ط. دار إحياء التراث) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) (رقم ٢٨٤٩ و٣٦٤٤)، ومسلم في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) (٩٦) (١٨٧١) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجهاد (باب الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) (رقم ٢٨٥٠ و٢٨٥٢)، وفي كتاب فرض الخمس (باب قول النبي - ﷺ -: «أحلت لي الغنائم») (رقم ٣١١٩)، وفي كتاب المناقب (باب منه) (رقم ٣٦٤٣) . ومسلم في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) (١٨٧٣) .
(٣) في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب قوله - ﷺ -: «لاتزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم») (١٧٢) (١٩٢٢) .
(٤) (رقم ٤٧٠) وفي الأصل: «ولكن لم أجد »، وفي المنسوخ: «ولكن لا»، والمثبت من مطبوع «الموطأ» . =
[ ٣٢ ]
أشقّ على أمتي، لأَحبَبْتُ أن لا أتخلَّف عن سريةٍ تخرج في سبيل الله، ولكني لا أجد ما أحملهم عليه، ولا يجدون ما يتحمَّلون عليه فيخرجون، ويشقُّ عليهم أن يتخلَّفوا بعدي » الحديث.
قال أهل العلم: فلو كان فرضًا معيَّنًا ما تخلف رسول الله - ﷺ -، ولا أباح لغيره التخلّف عنه.
وأُبينُ من هذا بيانًا: ما خرَّجه البخاري (١)، عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ آمن بالله وبرسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جَلَسَ في أرضه التي وُلِدَ فيها»، قالوا: يا رسول الله، أفلا نبشِّر الناس؟ قال: «إن في الجنة مئة درجة، أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض؛ فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، أُرى: وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجّر أنهار الدنيا» .
قوله في «الموطأ»: «عن سَريَّةٍ»، السَّرية: الجماعة من الخيل نحو أربع مئة، ويُحتمل أن يُسَمَّى ما دون ذلك سَرِيَّة.
قال النبي - ﷺ -: «خير السرايا أربع مئة» (٢)؛ خرَّجه الترمذي، وأبو دواد.
_________________
(١) = وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الجهاد (باب الجعائل والحملان) (٢٩٧٢)، ومسلم في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله) (١٠٣) (١٨٧٦) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب درجات المجاهدين في سبيل الله، يقال: هذه سبيلي وهذا سبيلي) (رقم ٢٧٩٠) . وفي كتاب التوحيد (باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]) (رقم ٧٤٢٣)، وفيه: «هاجر» بدل «جاهد» .
(٣) أخرجه أبو داود في «سننه» (رقم ٢٦١١)، والترمذي (رقم ١٥٥٥)، وابن خزيمة (رقم ٢٥٣٨)، وابن حبان (١٦٦٣)، وأحمد (١/٢٩٤)، والحاكم (١/٤٤٣ و٢/١٠١)، وعبد بن حميد في «المنتخب» (رقم ٦٥٢)، ومحمد بن مخلد في «المنتقى من حديثه» (٢/٣/٢)، والضياء في «المختارة» (٦٢/٢٩٢/٢)، وأبو يعلى في «مسنده» (٤ رقم ٢٥٨٧)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/١٥٦)، من طريق =
[ ٣٣ ]
فصلٌ
واستقرَّ الفرضُ في قتال الكفار أنه عامٌّ في كل زمان ومكان، سواء في ذلك الحَرَمُ، والأشهر الحُرُم، وغيرها، كلُّ ذلك لا يمنع من قتالهم ابتداءً، وإن لم يبدؤوا بذلك، وعلى هذا جمهور العلماء.
ورُوي عن مجاهدٍ وطاوسَ (١): أنه لا يحلُّ لأحدٍ أن يقاتل أحدًا في الحرَم إلا أن
_________________
(١) = وهب بن جرير، عن أبيه، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربع مئة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولا يُغلب اثنا عشر ألفًا من قِلَّة» . قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، لخلافٍ بين الناقلين فيه عن الزهري» . ووافقه الذهبي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لايسنده كبير أحدٍ غير جرير بن حازم، وإنما رُوي هذا الحديث عن الزهري، عن النبي - ﷺ - مرسلًا. وقد رواه حبَّان بن عليٍّ العنزي، عن عُقيل، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -. ورواه الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، عن النبي - ﷺ - مرسلًا. وقال أبو داود: والصحيح أنه مرسل. قلت: أخرجه في كتابه «المراسيل» (رقم ٣١٣): حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن حيوة، عن عقيل، عن الزهري، قال: قال رسول الله - ﷺ -:.. وذكر الحديث. وهو في «سنن سعيد بن منصور» (رقم ٢٣٨٧) . وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (رقم ٩٦٩٩) عن الزهري، به مرسلًا. قال شيخنا الألباني -رحمه الله تعالى- في «الصحيحة» (رقم ٩٨٦): قلت: «جرير بن حازم ثقة، احتجَّ به الشيخان، وقد وصله، وهي زيادة يجب قبولها، ولايضره رواية من قصر به على الزهري، ولذلك قال ابن القطان -كما في «الفيض» -: هذا ليس بعلَّة، والأقرب صحَّته، وقد تابعه حبان بن علي العنزي، على وصله، كما ذكره الترمذي، ووصله لوين في «حديثه» (رقم ١١) -قلت: وكذا وصله أبو يعلى (٥/ رقم ٢٧١٤) -، حدثنا حبان بن عليٍّ، به. وهكذا وصله ابن عدي في «الكامل» (١٠٨/١) - أو (٢/ ٤٢٧) - من طريق أخرى عنه، ووصله -أيضًا- الطحاوي في «المشكل» (١/٢٣٨)، والدارمي (٢/ ٢١٥) . فالحديث صحيح مرفوعًا» انتهى كلام شيخنا -﵀-. وانظر: «صحيح أبي داود» . قلت: ثم تراجع الشيخ عن تصحيحه. انظر: «الضعيفة» (٦١٨٠)
(٢) مذهب مجاهد: أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (٢/١٩٢)، وذكر مذهبه -أيضًا- الجصاص في «أحكام القرآن» (١/٢٦٨ و٤/٢٦٨)، وابن العربي في «أحكام القرآن» (١/١٠٧) . =
[ ٣٤ ]
يقاتله، فحينئذٍ يكون له قتاله، واستدلَّ من ذهب إلى ذلك بقول الله -تعالى-: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، وزعموا أن الآية مُحْكمة، وحُجَّة الجمهور: قوله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى
لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: شِركٌ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾ [الأنفال: ٣٩]، وقوله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥]، ومعلوم أنَّ هذه الآية نزلت بعد آية الأمر بالكفّ عند المسجد الحرام، فحملوها على أنَّها ناسخةٌ لها، كما نسخت جميع ما كان من مهادنةٍ قبل ذلك، واستدلوا على صحة ذلك بحديث مالكٍ (١)، عن ابن شهاب، عن أنس، أن رسول الله - ﷺ - دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجلٌ فقال: يا رسول الله، ابنُ خطَل متعلّق بأستار الكعبة! فقال: «اقتلوه» .
وكذلك قتال الكفار في الأشهر الحرم، نُسِخَ الحظْرُ فيه؛ الذي يدل عليه قوله -تعالى-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]،
_________________
(١) = وأسنده عن مجاهد: ابن جرير (١٤ رقم ١٦٣٦٤- ط. شاكر)، وأبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ» (رقم ٣٦٣) ونقله مجاهد عن علي. وأما طاوس فذكر مذهبه القرطبي في «تفسيره» (٢/ ٣٥١)، عند الآية (١٩١) من (سورة البقرة) . وقال: «وهو الذي يقتضيه نص الآية، وهو الصحيح من القولين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه» . وانظر لنصرته: «أحكام القرآن» للجصاص (١/٣٢١)، و«أحكام القرآن» (١/١٠٢-١٠٣، ١٠٧-١٠٨) لابن العربي.
(٢) أخرجه في «الموطأ» (رقم ١٤٤٧- رواية أبي مصعب الزهري، ورقم ٢٦٢- رواية يحيى الليثي، ورقم ٢ - رواية ابن القاسم، ورقم ٦٢١- رواية الحدثاني) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الحج (باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام) (رقم ١٨٤٦)، وفي كتاب الجهاد والسير (باب قتل الأسير وقتل الصَّبر) (رقم ٣٠٤٤)، وفي كتاب المغازي (باب أين ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح؟) (رقم ٤٢٨٦)، وفي كتاب اللباس (باب المغفر) (رقم ٥٨٠٨) . ومسلم في «صحيحه» في كتاب الحج (باب جواز دخول مكة بغير إحرام) (٤٥٠) (١٣٥٧) من طرقٍ عن مالكٍ، بهِ. وأخرجه جمعٌ كبير عن مالك -أيضًا-. فانظر تحقيقنا لكتاب «الحنائيات» (رقم ١)، فقد فصَّلنا -في التعليق عليه- بيان ذلك، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
[ ٣٥ ]
نسخ ذلك كلَّه آيةُ السيفِ في (براءة): ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فأبيحَ القتالُ في الأشهر الحرم وغيرها، وعلى هذا جماعة أهل العلم، إلا أن عطاءً ذهب إلى أنَّ الآية في الحَظْر مُحكمة، ولا يجوز عنده قتالٌ في الأشهر الحرم (١) .
والحجة فيما صار إليه الجمهور، أنَّ كل مهادنةٍ كانت، فقد نسختها آية السَّيفِ في (براءة)، وهي آخر ما أنزل في ذلك. قال النحَّاس (٢): «نُقلِ إلينا أن هذه الآية -يعني: قوله -تعالى-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]- نزلت في جمادى الآخرة -أو في رجب-، في السنةِ الثانية من هجرةِ رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، وقد قاتل رسول الله - ﷺ - هوازن بحُنينٍ، وثقيفًا بالطائف، في شوال، وذي القعدةِ، وذو القعدةِ من الأشهر الحرم، وذلك في سنة ثمانٍ من الهجرة» (٣)؛ يريد الاستدلال على أن الكفَّ في الأشهر الحرم منسوخٌ، والأشهر الحرم هي التي قال الله -﷿- فيها: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] .
_________________
(١) قال أبو جعفر النحَّاس في «الناسخ والمنسوخ» (ص ٣٩) بعد ذكر مذهب عطاء أن الآية محكمة، قال: ويحتجُّ بما حدثناه.. وذكر حديثًا بسنده إلى جابر قال: كان رسول الله - ﷺ - لا يقاتل في الشهر الحرام، إلا أن يُغزى أو يغزو، فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ. قال أبو جعفر: وهذا الحديث يجوز أن يكون قبل النسخ للآية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ . والحديث صحيح، فهو من رواية الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر. وأخرجه من طريق الليث: ابن جرير في «التفسير» (٢/٣٤٦-٣٤٧)، وأبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ» (ص ٢٠٧/ رقم ٣٨٩، ٣٩٠)، وفي مطبوع «الناسخ والمنسوخ» للنحاس أبو الأزهر بدل: أبو الزبير، وهو خطأ فليصَحَّح. ونقل ابن العربي في «أحكام القرآن» (٢/٢٧) قول عطاء، وردَّه بقوله: «وهذا القول من عطاء مسبوق بالإجماع من الصحابة، والأخبار الواردة عن النبي - ﷺ - بقتاله في الأشهر الحرم، وإرساله سراياه فيها» .
(٢) في «الناسخ والمنسوخ» (ص ٤١) .
(٣) هذا الذي عليه المحققون من العلماء، ورجَّحه وانتصر له ابن القيم في «زاد المعاد» (٣/ ٣٤٠) .
[ ٣٦ ]
قال أهل العلم والنَّقل: هي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. وفي ذلك أثر مرفوع (١)، وهو مما لا خلاف فيه (٢)، أنها هذه الأربعة. وأما قوله -
تعالى-: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥]؛ فليس المراد بها هذه الأربعة التي تردد في كل عام، إنما ذلك أربعة أشهر مخصوصة، يقال لها: أشهرُ السياحة، أولها: يوم الحج الأكبر من سنةِ تِسعٍ من الهجرة، وآخرها: انقضاءُ عشرٍ من ربيع الآخر سنة
_________________
(١) وهو قوله - ﷺ -: «إن الزمان قد استدار، كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السَّنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حُرمٌ؛ ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرَّم، ورجب مضر الذي بين جُمادى وشعبان» . أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب التفسير (باب ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾) (رقم ٤٦٦٢) من حديث أبي بكرة -﵁-. وأخرجه -أيضًا- في كتاب بدء الخلق (باب ماجاء في سبع أرضين) (رقم ٣١٩٧) . وفي كتاب المغازي (باب حجة الوداع) (رقم ٤٤٠٦) . وفي كتاب الأضاحي (باب من قال: الأضحى يوم النحر) (رقم ٥٥٥٠) . وفي كتاب التوحيد (باب قول الله -تعالى-: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾) (رقم ٧٤٤٧) . وأخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب القسامة والمحاربين (باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال) (٢٩) (١٦٧٩) . * (فائدة ماتعة ومهمة): قال الجصاص في «أحكام القرآن» (٤/٣٠٦) شارحًا الحديث: «ذلك أنهم كانوا يجعلون صفر عامًا حرامًا وعامًا حلالًا، ويجعلون المحرم عامًا حلالًا وعامًا حرامًا، وكان النسئ من الشيطان، فأخبر النبي - ﷺ - أن الزمان يعني زمان الشهور قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وأن كل شهر قد عاد إلى الموضع الذي وضعه الله به على ترتيبه ونظامه. وقد ذكر لي بعض أولاد بني المنجم أن جده -وهو أحسب محمد بن موسى المنجم- الذي ينتمون إليه حسب شهور الأهلة منذ ابتاء خلق الله السموات والأرض فوجدها قد عادت في موقع الشمس والقمر إلى الوقت الذي ذكر النبي - ﷺ - أنه قد عاد إليه يوم النحر من حجة الوداع؛ لأن خطبته هذه كانت بمنى يوم النحر عند العقبة، وإنه حسب ذلك في ثماني سنين، فكان ذلك اليوم العاشر من ذي الحجة على ما كان عليه يوم ابتداء الشهور، والشمس والقمر في ذلك اليوم في الموضع الذي ذكر النبي - ﷺ - أنه قد عاد الزمان إليه مع النسيئ بالذي قد كان أهل الجاهلية ينسئون وتغيير أسماء الشهور، ولذلك لم تكن السنة التي حج فيها أبو بكر الصديق هي الوقت الذي وضع الحج فيه» .
(٢) وكذلك قال الجصاص في «أحكام القرآن» (٤/٢٦٧) .
[ ٣٧ ]
عشر، قاله مجاهد (١) والسدي (٢) وغيرهم (٣)، وقَّتها الله -تعالى- أجلًا، وجعلها مدَّة يسيح فيها المشركون، ولا يبقى لهم بعدها عهد، ولامهادنة، إلا السَّيف، بعث رسول الله - ﷺ - بذلك عليًا، فقرأ عليهم سورة (براءة) يوم الحج الأكبر (٤) . -واختُلف
_________________
(١) أخرجه عنه: ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٦/١٧٤٦ رقم ٩٢٢٠) قال: هي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات؛ عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشرة تخلو من ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم. ونحوه عند ابن جرير في «التفسير» (٦/٧٩) . وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٤/١٢٢، ١٣١) إلى أبي الشيخ، وابن أبي شيبة، وابن المنذر في «تفاسيرهم» . وانظر: «تفسير مجاهد» (١/٢٧٢)، و«أحكام القرآن» (٤/٢٦٨) للجصاص.
(٢) أخرجه عنه: ابن أبي حاتم (٦/١٧٥٢/ رقم ٩٢٥١)، وابن جرير (٦/٧٩) في «تفسيريهما»، وانظر: «تفسير السدي الكبير» (ص ٢٨٧، ٢٩٢) جمع وتوثيق محمد عطا يوسف.
(٣) مثل: قتادة، وعمرو بن شعيب، وابن زيد، وابن إسحاق؛ أخرجه عنهم ابن جرير (٦/٧٨-٧٩) . وأخرج ابن أبي حاتم (٦/١٧٥٢/رقم ٩٢٥٢) عن الضَّحَّاك قال: «عَشرٌ من ذي القعدة، وذو الحجة، والمحرم؛ سبعون ليلة»، وانظر: «تفسير الضحاك» (١/٣٩٧) . وذكر السيوطي في «الدر» (٦/١٣١-١٣٢) عن قتادة قال: «كان عهد بين رسول الله - ﷺ - وبين قريش أربعة أشهر بعد يوم النحر، كانت تلك بقية مدتهم، ومن لا عهد له، إلى انسلاخ المحرم، فأمر الله نبيه - ﷺ - إذا مَضَى هذا الأجل أن يقاتلهم في الحِلِّ، والحرم، وعند البيت، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» . وعزاه إلى ابن المنذر في «تفسيره» . وانظر من القسم المطبوع منه (٢/٨٢٣) . وانظر لمذاهب السابقين: «المحرر الوجيز» (٦/٤٠١)، «زاد المسير» (٣/٣٩٤)، «ناسخ القرآن ومنسوخه» (٤٢٣) .
(٤) أخرج البخاري في «صحيحه» في كتاب التفسير (باب ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾) (رقم ٤٦٥٥) بسنده إلى حُميد بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة -﵁- قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة، في مؤذنين بعثهم يوم النحر، يؤذنون بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حُميد بن عبد الرحمن: ثم أردف رسول الله - ﷺ - بعليِّ بن أبي طالب، وأمره أن يؤذِّن ببراءة. قال أبو هريرة: فأذَّن معنا عليٌ يوم النحر في أهل مِنىً ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان. وأخرجه في كتاب الصلاة (باب مايستر العورة) (رقم ٣٦٩ و١٦٢٢ و٤٣٦٣ و٤٦٥٦ و٤٦٥٧) ولم يذكر فيه عليًا -﵁-، ولا التأذين ببراءة. ونحوه من حديث مِقسم عن ابن عباس، =
[ ٣٨ ]
فيه؛ فقيل: يوم النحر (١)، وقيل: يوم
عرفة (٢) -، ونبذ إليهم عهدهم، قال الله
_________________
(١) = أخرجه الترمذي (٣٠٩١)، وابن أبي حاتم (٦/١٧٤٥ رقم ٩٢١٥)، ونحوه عن زيد بن يُثَيعْ عن أبي بكر عند أحمد (١/٣) . وأخرجه الترمذي (٨٧١ و٣٠٩٢)، والحميدي (٤٨)، وأحمد (١/٧٩)، والدارمي (١٩٢٥)، من حديث زيد بن يُثيع عن عليّ. وأخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (١/٢٤٠)، ومن طريقه ابن أبي حاتم (٦/١٧٤٥ رقم ٩٩٤٨) من حديث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. وعزاه السيوطي في «الدر» (٤/١٢٣) إلى ابن المنذر من هذا الطريق. وأخرجه النسائي في «المجتبى» (٥/٢٤٧)، والدارمي (١٩٢١)، وابن خزيمة (٢٩٧٤) من حديث أبي الزبير، عن جابر. وذكره السيوطي في «الدر» (٤/١٢٢) من حديث علي، وعزاه إلى أبي الشيخ، وابن مردويه، وذكره (٤/١٢٣) من حديث سعد بن أبي وقاص، وعزاه إلى ابن مردويه، وابن أبي حاتم، وذكره من حديث أبي هريرة، وعزاه إلى ابن مردويه، وابن المنذر. وعزاه -أيضًا- إلى ابن مردويه، من حديث ابن عمر. وللحديث طرقٌ كثيرة جدًا. انظر: «الدر المنثور» (٤/١٢٣-١٢٥) .
(٢) وهو الصواب؛ فقد أخرج البخاري في «صحيحه» في كتاب الجزية والموادعة (باب كيف يُنْبَذُ إلى أهل العهد) (رقم ٣١٧٧) من طريق حميد بن عبد الرحمن -وهو الحديث المذكور في الهامش السابق- وفيه قال: ويوم الحج الأكبر يوم النَّحر، وإنما قيل: الأكبر؛ من أجل قول الناس: الحج الأصغر. وعنده -أيضًا- (رقم ٤٦٥٧): فكان حميد يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة. وانظر: «تفسير ابن أبي حاتم» (٦/١٧٤٧/رقم ٩٢٢٦) . وأخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الحج (باب لا يحج البيت مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وبيان يوم الحج الأكبر) (٤٣٥) (١٣٤٧) . وهو مذهب أبي بكر، وابن عمر، وأبي هريرة، والمغيرة ابن شعبة، وأبي جحيفة، وعبد الله بن أبي أوفى، وسمرة بن جندب، وعبد الله بن شداد، وسعيد بن جبير -على اختلاف فيه-. وقاله ابن مردويه. انظر: «تفسير ابن جرير» (٦/٦٩-٧٤)، و«أحكام القرآن» (٤/ ٢٦٨) للجصاص، و«الدر المنثور» (٤/١٢٧-١٢٨)، و«زاد المعاد» (٢/٢٥٢) .
(٣) وهو مذهب عمر -﵁-، وابن عباس، وابن الزبير، وأبي جُحيفة، والمسور بن مخرمة، ومحمد بن قيس بن مخرمة، وعطاء، وكيسان والد طاوس. واختلف فيه عن عليٍّ؛ فقيل: يوم النحر، وقيل: يوم عرفة. أخرج الترمذي (٩٥٧) مرفوعًا، =
[ ٣٩ ]
-تعالى-: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ. فَسِيحُواْ
فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ. وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [التوبة: ١-٢]، إلى قوله -تعالى-: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥]، وإنما سميت هذه حُرمًا؛ لأنها كُفَّ عنهم فيها، وحرم قتالهم إلى انسلاخها، وكلّ ذلك منقول مشهور عند أهل العلم.
فصلٌ: في بيان فرضِ الجهاد، وتفصيل أحكامه على الأعيان
وعلى الكفاية، وما هو من ذلك نفلٌ بحسبِ الأحوال
قال الله -﵎-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقال -تعالى-: ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]، وقال -سبحانه-: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ. إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٨-٣٩] .
وخرَّج مسلم (١)، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ مات ولم يَغْزُ،
_________________
(١) = و(٩٥٨) موقوفًا عن علي، قال: يوم الحج الأكبر: يوم النحر. والموقوف والمرفوع ضعيفان؛ لأنه من رواية الحارث الأعور، عن علي. والحارث ضعيف. وانظر: «تفسير الطبري» (٦/٦٧-٦٨)، و«أحكام القرآن» (٤/٢٦٨) للجصاص، و«الدر المنثور» (٤/١٢٨-١٢٩) . وعن سعيد بن المسيب أنه قال: «الحج الأكبر: اليوم الثاني من يوم النحر» . انظر: «الدر المنثور» . وقال مجاهد وسفيان الثوري: أيام الحج كلها، نقله الجصاص (٤/٢٦٨) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب ذم من مات ولم يَغزُ، ولم يحدث نفسه بالغزو) =
[ ٤٠ ]
ولم يحدّث نفسه بغزو؛ مات على شعبةٍ من نفاق» .
وخرَّج أبو داود (١)، عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ لم يَغْزُ أو
يُجهِّزْ غازيًا أو يَخْلُف غازيًا في أهله بخير؛ أصابه الله بقارعةٍ قبل يوم القيامة» .
وخرَّج -أيضًا- عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم» (٢) .
_________________
(١) = (١٥٨) (١٩١٠) . ومن طريقه ابن حزم في «المحلَّى» (٧/٢٩١) .
(٢) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب كراهية ترك الغزو) (رقم ٢٥٠٣) بسنده إلى الوليد بن مسلم، عن يحيى بن الحارث الذماري، عن القاسم بن عبد الرحمن الدمشقي أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة. وأخرجه من طرقٍ عن الوليد به: الدارمي (٢٤٢٣)، وابن ماجه (٢٧٦٢)، والطبراني في «الكبير» (٨/٢١١/٧٧٤٧)، وفي «مسند الشاميين» (رقم ٨٨٣)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/٤٨)، وأبو الفرج المقرئ في «الأربعين في فضل الجهاد والمجاهدين» (ق ١٧٧/ب)، وشمس الدين المقدسي في «فضل الجهاد والمجاهدين» (٢٨)، وابن أبي عاصم في «كتاب الجهاد» (رقم ٩٩) . والوليد بن مسلم؛ قال الحافظ في «التقريب» (٧٤٥٦): «ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية» . وقد صرَّح الوليد عند ابن ماجه، والدارمي، والطبراني، وأبي الفرج بالسماع من يحيى، لكنه لم يصرح بتحديث القاسم ليحيى -ولابد من ذلك-؛ لأنه كما سبق يدلس تدليس التسوية. ولكن أخرج الحديث: الروياني في «مسنده» (٢/٢٧٩ رقم ١٢٠١) فقال: حدثنا علي بن سهل، قال: حدثنا الوليد بن مسلم به. فصرّح بتحديث القاسم ليحيى، وبتحديث أبي أمامة للقاسم، فزالت شبهة تدليسه. وعلي بن سهل، هو الرملي: «صدوق» . كما في «التقريب» (٤٧٤١) . ومن طريق الروياني: أخرجه ابن عساكر في «الأربعين في الحث على الجهاد» (ص ٨٤-٨٥) . وعلى أيٍّ، فالحديث حسن -إن شاء الله-. انظر: «صحيح أبي داود» (٢/٩٧) لشيخنا الألباني -رحمه الله تعالى-. وله شاهد من حديث مكحول، عن أبي هريرة -﵁-؛ أخرجه عبد بن حميد (١٤٣٢)، والطبراني في «الشاميين» (رقم ٢٨٧) بإسناد ضعيفٍ، مع إرساله. وأخرجه -أيضًا- ابن أبي عاصم في «كتاب الجهاد» (رقم ٩٨)، والطبراني في «الشاميين» (رقم ٧٩٦) بإسناد ضعيف -أيضًا-. لكن يشهد له حديث أبي أمامة المذكور آنفًا، والله الموفق.
(٣) في الأصل علامة إلحاق، ولايوجد شيء في الهامش، ولعلَّ الناسخ أراد إلحاق =
[ ٤١ ]
فإذا تقرَّر ذلك، فللقيامِ بالجهاد من حيث الحاجة والاستغناء؛ ثلاثة أحوال:
حالٌ يكون فيها الجهادُ فَرضًا في الجملة على الكفاية، وحالٌ يكون فيها فرضًا على الأعيان، وحالٌ يكون فيها نَفْلًا.
فأما الحالة الأولى: حيث يكون الجهاد فرضًا في الجملة؛ فهي حالة الأصل التي تَقدَّم فرضُ القتال فيها على الكفاية، وذلك مالم يَعْرض عارضٌ ينقل الفرضَ إلى التعيين، فواجبٌ على المسلمين في الجملة غزو الكفار ابتداءً، وجهادهم على الإيمان؛ ولتكون كلمة الله هي العليا؛ حتى يقهروهم، ويضطروهم إلى أَوْكَسِ الأحوال، المرَّة بعد المَرَّة، قال بعض أهل العلم (١): وأَقلُّه مرةً في العام، وهذا عندي صحيح (٢)؛ لأنه قد تقدم أن الجهاد فرضٌ يتكرر على الكفاية، ولم يجعل
الله
-تعالى- لمن أبَى على مرِّ الأعصار غايةً يتعقبها الكَفُّ إلا بأحدِ أمرين: إما أن يدخلوا في الإسلام، وإمّا أن يُؤدُّوا الجزية، -على خلافٍ فيمن تُقبل الجزية منهم، نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى-.
قال الله -سبحانه-: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ -أي: شركٌ-: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾ [الأنفال: ٣٩]، وقال -تعالى-: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ
_________________
(١) = كلمة «وألسنتكم»؛ لأنها تتمة لفظ الحديث. وقد مضى تخريجه في أول الباب. فانظره هناك. وهو صحيح.
(٢) هو مذهب الحنابلة، انظر: «المغني» (١٣/١٠- ط. هجر)، و«المقنع»، و«الشرح الكبير» و«الإنصاف» (١٠/١٢- كلها مطبوعة مع بعضها- ط. هجر) . قالوا: لأن الجزية تجب على أهل الذمة في كل عام، وهي بدلٌ عن النُّصرة، فكذلك مُبْدلُها وهو الجهاد، فيجب في كل عام مَرَّةً، إلا من عُذرٍ. وهذا -أيضًا- مذهب الشافعية كما في الهامش الآتي.
(٣) قال بدر الدين بن جماعة في كتابه: «تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام» (ص ١٥٥): ثم إن كان المسلمون مستظهرين على عدوهم، فأقل ما يجزيء في كل سنة غزوة، فلا يجوز خلوّ دين الإسلام عنها، إمّا بنفس الإمام أو نائبه، في سريةٍ أو جيشٍ ونحوه، فإن عطّل السلطان سنة من غير عذرٍ أثم، وإن دَعَت الحاجة إلى أكثر من غزوةٍ في السنة وجب بقدر الحاجة. ا. هـ كلامه -﵀-. وانظر: «المهذب» للشيرازي (٢/٢٢٧)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٠٨) .
[ ٤٢ ]
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . فدلَّ ذلك كلُّه على أنه مَهما بقي من الكفار أحدٌ يمكن التوصُّل إليه، فواجبٌ على المسلمين قتالهم حتَّى يسلموا، أو يؤدُّوا الجزية إن كانوا من أهلها.
وإذا تقرَّر هذا، فلم يَبقَ إلا أن يكون ذلك متواليًا مُتَّصلًا، لا يفترُ المسلمون عنه، وفي ذلك إجحافٌ، قد عُلم في الشَّرع التَّخفيف دونه، أو أن يتكرر ذلك على أوقاتٍ يَتَّسعُ الناس في أثنائها، فلا تجد ذلك أقلَّ من مرَّةٍ في العام، قال الله
-تعالى- في المنافقين وتقريعهم: ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٦] . فأَعْلَمَنا -سبحانه- أن فتون أهل الكفر وإصابتهم في كلٍّ عامٍ مرَّة مقنعٌ في العقاب، ومذكِّرٌ لأولي الألباب.
وقال كثيرٌ من أهل العلم (١) في حدِّ الأَداء لوجوب القيام بفرض الجهاد: هو أن يُدفع العدو، وتُحمى الثغور، ويُستظهر على أهل دار الحرب، فإذا قيم بذلك سقط الفرض، ومن قام به من المسلمين أجزأ، وهذا صحيح ما دام بالمسلمين حاجةٌ إلى ذلك، وإنما يكون القول بإيجابِ المرَّة بعد الخلو والتَّفَرّغ من ذلك كلِّه، ومُضيِّ السنين، من غير احتياجٍ إلى شيءٍ منه، ومهما احتيج في سدِّ الثغور، وصلاح أحوال المسلمين إلى التعهُّد بأكثر من ذلك، فهو يجب بحسب ما تدعو إليه الحال، كما عُلِمَ من فعلِ النبي - ﷺ -، وتواتَرَ من موالاته غزو الكفار المرّة بعد المرّة.
خرّج مسلم (٢) عن بُريدة: غزا رسول الله - ﷺ - تسع عشرة غزوة، قاتل في
_________________
(١) انظر: «الوسيط» للغزالي (٧/٦)، «البحر الرائق» (٥/١٢٠) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجهاد (باب عدد غزوات النبي - ﷺ -) (١٤٣) (١٢٥٤)، من حديث بريدة -﵁-. وعن زيد بن أرقم قال: «غزا رسول الله - ﷺ - تسع عشرة غزوة، وغزوت معه سبع عشرة غزوة» . أخرجه أحمد (٤/٣٤٧) من طريق ميمون أبي عبد الله، عن زيد، به. ونحوه عن أبي إسحاق عن زيد؛ أخرجه البخاري (٣٩٤٩)، ومسلم (١٤٣) (١٢٥٤)، والترمذي (١٦٧٦)، وأحمد (٤/٣٦٨، ٣٧٠، =
[ ٤٣ ]
ثمانٍ مِنهنّ.
قال أبو محمد بن حزم (١): غزا رسول الله - ﷺ - بنفسه خمسًا وعشرين غزوة -ذكرها واحدةً واحدةً- أوَّلها: ودَّان، -وهي: الأبْواء-، وآخرها: غزوة تبوك، قال: وكانت له - ﷺ - بعوثٌ (٢) كثيرة جدًا.
ففي ذلك كلِّه أدلُّ دليلٍ على موالاة غزو الكفار مع الإمكان، وإن لم تَدْعُ إلى ذلك ضرورة.
وأما الحالة الثانية: حيثُ يتعين فرضُ الجهاد، فهو إذا أَظلَّ العدو بلدًا، أو جانبًا من ثغور المسلمين مُقاتلًا لهم، فيتعيَّن فرض الجهاد حينئذٍ على كل واحد ممَّن هنالك من المسلمين في خاصَّته، وعلى قدْرِ طاقته، إلى أن تقع الكفاية،
_________________
(١) = ٣٧١، ٣٧٣)، وعبد بن حميد (٢٦١) . وعن البراء بن عازب قال: «غزا رسول الله - ﷺ - خمس عشرة غزوة» . أخرجه أحمد (٤/٢٩٠، ٣٠١) من طريق الجراح -والد وكيع- عن أبي إسحاق، عن البراء. وفي رواية عند البخاري (٤٤٧١)، وأحمد (٤/٢٩٢) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق عنه، قال: «غزوت مع النبي - ﷺ - خمس عشرة غزوة» . وهذا يفسر الرواية السابقة أن البراء غزا مع النبي - ﷺ - خمس عشرة غزوة، لا أن غزوات النبي - ﷺ - التي قاتل فيها والتي لم يقاتل فيها هي خمس عشرة غزوة، وإنما هي تسع عشرة غزوة، كما قال بريدة وزيد بن أرقم -﵄-.
(٢) في «جوامع السيرة» (ص ١٦) . وأورد (غزوات النبي - ﷺ -) في ثَبَتٍ مستقلٍّ كل من الواقدي (٢-٨)، وابن حبيب (١١٠-١٢٥)، وابن الجوزي في «تلقيح الفهوم» (٢٢-٣٦)، وابن القيم في «زاد المعاد» (١/٦٦)، وأبي نعيم في «دلائل النبوة» (١٧٣)، وابن كثير في «السيرة النبوية» (٢/٣٥٢) . وأوْرَدَتْها سائر كتب السيرة على التفصيل. وفي ترتيب هذه الغزوات اختلافٌ بين العلماء، وابن حزم أقرب أهل السيرة إلى ما اختار ابن هشام، إلا أنه جعل غزوة العشيرة رابعة في الترتيب، وجعلها ابن حزم -كما فعل ابن حبيب- ثالثة، وعَدَّ ابن هشام الغزوات سبعًا وعشرين، بينما عدَّها ابن حزم خمسًا وعشرين.
(٣) جمعها الدكتور بريك العمري في دراسته المنشورة في مجلدة بعنوان: «السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة» .
[ ٤٤ ]
ويحصلَ الاستقلال بقتال العدو ودفعه، فإنْ قصَّر عددُ من هنالك، أو قوَّتهم عن دفاعهم؛ وجَبَ كذلك على كل من صاقبهم وقرُبَ منهم من المسلمين إعانتهم والنفير إليهم، ثم كذلك أبدًا إن غارّهم العدوُّ، حتى يعُمَّ الفرض جميع المسلمين، أو يقع الاستغناءُ من دون ذلك بمقاومتهم ودفعهم (١)، والدليل على صحة ذلك:
قوله -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، وقوله -تعالى-: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، فمن ترك دفاع كافرٍ عن مؤمنٍ تثاقلًا من غير عذرٍ يُسْقط به عنه القيام، فقد ترك المعاونة على البرِّ والتقوى، وجعل للكافرين سبيلًا على المؤمنين، وقد نفى الله -تعالى- ذلك أن يكون من الشَّرع؛ ففعل ذلك معصيةٌ، وتعدٍّ لحدود الله -تعالى-.
خرَّج أبو داود (٢)، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول
_________________
(١) ولا يجزيء فيه أحدٌ عن أحد، ولا يجب في هذه الحال استئذان العبد سيده، ولا الولد والده، ولا من عليه الدَّينُ صاحبه. وانظر: «الأم» للشافعي (٤/٩١)، «الوجيز» للغزالي (٢/١١٤)، «بدائع الصنائع» للكاساني (٤٣٠٠)، «الإفصاح» (٢/٢٧٣) لابن هبيرة، «بداية المجتهد» (١/٣٩٧) لابن رشد، «تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام» لبدر الدين بن جماعة (ص ١٥٦)، «الاعتصام» للشاطبي (٣/٢٧- بتحقيقي) .
(٢) في «سننه» في كتاب الديات (باب أَيُقاد المسلم بالكافر؟) (رقم ٤٥٣١)، وفيه زيادة: «ويردُّ مشدّهم على مضعفهم، ومُتَسرِّيهم على قاعدهم» . وأخرجه في كتاب الجهاد (باب في السرية تردُّ على أهل العسكر) (رقم ٢٧٥١) وفيه زيادة -أيضًا-. وأخرجه ابن ماجه (٢٦٨٥)، وأحمد (٢/١٩٢)، وابن الجارود (١٠٧٣)، والطيالسي (٢٢٥٨)، والبغوي (٢٥٣٢)، والبيهقي (٨/٢٩) من طرقٍ عن عمرو بن شعيبٍ، به. وهو قطعة من حديث خطبة الفتح الطويل؛ أخرجه الترمذي (١٤١٣ و١٥٨٥)، وأبو داود (١٥٩١)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٥٧٠)، وأحمد (٢/١٨٠، ٢٠٥، ٢١٥، ٢١٦)، وابن ماجه (٢٦٥٩)، وابن الجارود (١٠٥٢)، وابن خزيمة (٢٢٨٠)، والبيهقي (٨/٢٩)، والبغوي (٢٥٤٢) . والحديث صحيح. انظر: «صحيح أبي داود» لشيخنا الألباني -﵀-.
[ ٤٥ ]
الله - ﷺ -: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويُجير عليهم أقصاهم، وهم يدٌ على من سواهم» .
وذلك مما لا يُعرف فيه خلاف (١) .
_________________
(١) هذا النوع يسمى عند غير واحد من الفقهاء (جهاد الدّفع) . وهو: «أصعب من جهاد الطلب، فإن جهاد الدفع يشبه باب دفع الصائل، ولهذا أبيح للمظلوم أن يدفع عن نفسه، كما قال الله -تعالى-: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ [الحج: ٣٩]» قاله ابن القيم في «الفروسية» (ص ١٨٧- بتحقيقي)، وزاد: «فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعمّ وجوبًا، ولهذا يتعيّن على كل أحد يقم، ويجاهد فيه العبد بإذن سيده وبدون إذنه، والولد بدون إذن أبويه، والغريم بغير إذن غريمه، وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق. ولا يُشترط في هذا النوع من الجهاد أن يكون العدو ضِعْفَي المسلمين فما دون؛ فإنهم كانوا يوم أحد والخندق أضعاف المسلمين، فكان الجهاد واجبًا عليهم؛ لأنه حينئذٍ جهاد ضرورة ودفع، لا جهاد اختيار، ولهذا تباح فيه صلاة الخوف بحسب الحال في هذا النوع، وهل تُباح في جهاد الطلب إذا خاف فوت العدو ولم يخف كرّته؟ فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن الإمام أحمد. ومعلوم أن الجهاد الذي يكون فيه الإنسان طالبًا مطلوبًا أوجب من هذا الجهاد الذي هو فيه طالب لا مطلوب، والنفوس فيه أرغب من الوجهين. وأما جهاد الطلب الخالص؛ فلا يرغب فيه إلا أحد رجلين: إمّا عظيم الإيمان يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كلّه لله، وإما راغب في المغنم والسَّبي. فجهاد الدفع يقصده كل أحد، ولا يرغب عنه إلا الجبان المذموم شرعًا وعقلًا، وجهاد الطلب الخالص لله يقصده سادات المؤمنين، وأما الجهاد الذي يكون فيه طالبا مطلوبًا؛ فهذا يقصده خيار الناس؛ لإعلاء كلمة الله ودينه، ويقصده أوساطهم للدفع ولمحبة الظّفر» . ونفي الخلاف في هذا الوجوب العيني في هذا النوع مسبوق به المصنف، وهو مشهور في كتب العلماء، قال الجصاص في «أحكام القرآن» (٤/٣١٢): «ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو، ولم تكن فيهم مقاومة لهم، فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة: أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين، وهذا لا خلاف فيه بين الأمة، إذ ليس من قول أحدٍ من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين وسَبْيَ ذراريهم» . وقال القرطبي في «تفسيره» (٨/٥١): «إذا تعيّن الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا، ويخرجوا إليه خفافًا وثقالًا، شبابًا وشيوخًا. كلٌّ على قدر طاقته ، فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا، =
[ ٤٦ ]
قوله: «تتكافأ دماؤهم»، أي: هم في القصاص سواء؛ الشريف والمشروف، والرجل والمرأة. ومعنى: «يسعى بذمتهم أدناهم»: إنَّ كلَّ مسلمٍ أمَّن حرْبيًا، فأمانه جائز على سائر المسلمين، سواء كان شريفًا أو وضيعًا، حرًا أو عبدًا، رجلًا أو امرأة. ونحوٌ منه قوله في هذا الحديث: «ويجير عليهم أقصاهم»، أي: يلزمهم ذلك، وإن بَعُدَ، وروي هذا الحرف في غير هذا الحديث: «ويردُّ عليهم أقصاهم» (١) . قيل: هو في السَّرِيَّة تخرج من العسكر فَتَغْنَم، فيكون ذلك لها، وللعسكر الذي خرجت منه، وإن بعدت في المغزى (٢) .
ومعنى:: «وهم يدٌ على من سواهم»: أن عليهم التعاون في دفع العدو، إذا نزلَ على أحدٍ منهم، فواجب عليهم أن يكونوا يدًا واحدةً في ذلك على الكفار.
ويلحق (٣) هذه الحالة في تعيين الجهاد -أيضًا- للأمر يَعْرض: حالةُ استنقاذ الأسرى إذا حازهم العدو، وكان بالمسلمين قدرة على استنقاذهم بالقتال، قال
_________________
(١) = على حسب ما لزم أهل تلك البلدة حتى يعلموا أنّ منهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم. وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه -أيضًا- الخروج إليهم، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم» . () وهذا اللفظ -أيضًا- عند أبي داود، والمعنى الذي ذكره المصنف هو الذي بوَّب به أبو داود.
(٢) قال الخطابي في «معالم السنن» (٢/٣١٤): «ومعناه: أن يخرج الجيش، فينيخوا بقرب دار العدو، ثم ينفصل منهم سرية فيغنموا، فإنهم يردُّون ما غنموه على الذين هم ردءٌ لهم لا ينفردون به، فأمّا إذا كان خروج السريّة من البلد، فإنهم لا يردّون على المقيمين في أوطانهم شيئًا» . وانظر «حاشية السندي على سنن ابن ماجه» (رقم ٢٦٥٩، ٢٦٨٥) .
(٣) ويتعيّن الجهاد: إذا تقابل الصفّان، فيحرم في حق من شهده الانصراف، لقوله -تعالى-: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ﴾ [الأنفال: ٤٥]، وكذا إذا عيّن إمام المسلمين شخصًا بعينه للجهاد، وعلى هذا يكون الجهاد فرض عين على العسكر المعيّنين من قبل الإمام في ديوان الجند، وكذا إذا كان النفير عامًا، كأن يستنفر الإمام أهل بلد أو قرية إلى الجهاد، لقوله - ﷺ -: «وإذا استنفرتم فانفروا» . أخرجه البخاري (٢٨٢٥)، ومسلم (١٣٥٣) من حيث ابن عباس. وانظر: «المغني» (١٣/٨)، «معونة أولي النهى» (٣/٥٨٨) .
[ ٤٧ ]
الله -تعالى-: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥]، قيل: يريد قتال أهل مكة لاستنقاذ من فيها من المستضعفين (١)، وكذلك يدل
قوله - ﷺ -: «وهم يدٌ على من سواهم» . وقال - ﷺ -: «فُكُّوا العاني»؛ خرَّجه البخاري (٢) . ولا خلاف في ذلك أعلمه. قيل: فإن لم تكن لهم قدرة على استنقاذهم بالقتال، وكانت هنالك أموالٌ يُفدَون بها؟! وَجبَ فداؤهم بالمال، وإن كانت لهم قدرةٌ، وهناك أموالٌ، كانوا بالخيار بين القتال والفداء، واجبٌ عليهم أن يمتثلوا أحدَ الأمرين (٣) .
وأما الحالة الثالثة (٤): فهي ما وراء القيام بالفريضة في الحالتين
المتقدمتين،
_________________
(١) أخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٣/١٠٠٢/ رقم ٥٦١٠) بسنده إلى مجاهد في تفسير هذه الآية، قال: «أمرَ المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة» . وأخرجه ابن جرير في «التفسير» (٤/١٦٨)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٢/٥٩٣) إلى عبد بن حميد في «تفسيره» .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسِّير (باب فكاك الأسير) (رقم ٣٠٤٦)، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «فكّوا العاني -يعني: الأسير- وأطموا الجائع، وعودوا المريض» . وأخرجه في كتاب النكاح (باب حقّ إجابة الوليمة والدعوة، ومَن أولم سبعة أيام ونحوه) (رقم ٥١٧٤) . وفي كتاب الأطعمة (باب وقول الله -تعالى-: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾) (رقم ٥٣٧٣) . وفي كتاب المرضى (باب وجوب عيادة المريض) (رقم ٥٦٤٩) . وفي كتاب الأحكام (باب إجابة الحاكم الدعوة) (رقم ٧١٧٣) .
(٣) وسيأتي تفصيل (أحكام الأسرى والتصرف فيهم) في (الباب الخامس) -إن شاء الله تعالى-.
(٤) بقيت (حالة رابعة)، وهي مهمة جدًا، وهي تخصُّ نوازل الجهاد في هذا الزمان، فقد تقع وستجدّ ملابسات، ما كانت في حسبان فقهائنا الأقدمين، تؤثر على الحكم العيني أو الكفائي، تجعل الموفَّق من (المفتين) يأخذها بعين الاعتبار، كما وقع تمامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- لما ذكر أنَّ الناس كانوا في وقت الشدائد يطوفون بالقبور، ويستنجدون بهم، ويطلبون منهم =
[ ٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = النصر، قال في كتابه «الاستغاثة والرد على البكري» (٢/٦٢٣) بعد أن قرر هذا: «ولهذا كان أهل المعرفة بالدِّين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله، ولما يحصل في ذلك من الشر والفساد وانتفاء النصرة المطلوبة في القتال، فلا يكون فيه ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة، لمن عرف هذا وهذا، وإن كان كثير من المقاتلين الذين اعتقدوا هذا قتالًا شرعيًا أُجروا على نياتهم» في كلام مهم تنظر تتمته. قال أبو عبيدة: هذا من دقة شيخ الإسلام ابن تيمية المتناهية في المسائل الفقهية؛ فالجهاد في الظروف الصعبة، والأحوال غير الطبيعية يحتاج إلى أحكام تراعى فيه ظروفه، وما يحيط به من مستجدات، وهو ليس كالصلاة، لابد من أدائه على أية حال! كما يعتقد بعض الداعين إليه، والمتحمسين له! ولست مبالغًا إن قلت: إنّ أبرز آثار (الفوضى) في (الفتوى) اليوم تظهر علينا في (الجهاد) وأحكامه! والعجب من المفتين التناقض الشديد بينهم في هذا الميدان، واختلافهم في الجملة على حسب البلدان، ويدور مع مصالحهم دون النظر إلى مآلات الأفعال، وقد بلونا جملة من الوقائع، سمعنا فيها عجبًا من أناس يشار لهم بالبنان، يتكلمون على أنهم علماء الأمة، ويطلقون التكفير بمراهقة الشبان، وهم كبار كبار؛ في أسنانهم، ودعواتهم، ومناصبهم، ولكنهم -والله! - ليسوا كذلك في تقعيدات العلماء وأصولهم! وأكبر مثال وأشهره -وهو ما زال ماثلًا للعيان-: الجهاد في العراق لصد العدوان الأمريكي؛ فكثير من الناس أفتى بالوجوب العيني على الشباب، بناءً على أن أمريكا هي أصل الشر، و، و، و، دون اعتبار جميع الأوصاف والقيود التي لها أثر في الفتوى؛ فالنتائج محسومة، والأمور محسوبة، والأمن للمجاهدين غير حاصل، والنظام القائم بَعْثيٌّ لا شرعي، ولو قيل بالجواز لهان الخطب، أمّا الوجوب، والوجوب العيني؛ فهذ -والله! - غفلة عما نبه شيخ الإسلام ابن تيمية على ما هو دونه، ووصف غير المقاتلين للتتر آنذاك «أهل المعرفة بالدين» ! والخلط والخبط في الأزمات يشتدّ، ولا سيما في أحكام الجهاد؛ فهذا قائل بوجوب القتال مع العراق، وآخر بوجوب القتال ضدّه، وكلا الصنفين ينعت وجوبه بـ: «الشرعي»، وتكرر هذا الخلط عدة مرات، ابتداءً من الحرب ضد إيران، ومرورًا باحتلال الكويت، وأخيرًا عند قدوم الأمريكان!! -والله أعلم بما سيكون في قابل الزمان- ووراء كل صنف إعلام ومؤسسات وهيئات للفتوى! و(الشباب) متحمّس ومتوثّب ومتثبّت، ومواقفهم -ما لم يعصمهم الله- متذبذبة، وسماع الوجوب العيني مع عدم فعله له آثار تربوية سيئة مدمرة! لا يقدّره إلا الراسخون المربون من العلماء. أما آن للمفتين قبل استدعاء النصوص -التي يعرفها كل طالب علم- فحص المكان والواقع الذي ستنزّل عليه، والنظر إلى المآلات؟! وأخيرًا إنّ إماتة لفظة (الجهاد) من مشاعر المسلمين، سواء بسوء استخدامها، ووضعها في =
[ ٤٩ ]
فمن جاهد بعد ذلك، وقد قيم بفرض الكفاية، وتَمَّ الدفاع عن المسلمين؛ فهو له نافلةٌ، وفيه فضلٌ كثير، وأجرٌ عظيم، وهو من أفضل أعمال البر، وأعلى درجات الطاعة، قال الله -تعالى-: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥]، ثم قال -تعالى-: ﴿وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]، فمعلومٌ أن عِدَةَ الحُسنى لا تكون لمن ترك الفرض ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] .
فصلٌ: في صفة من يجب عليه الجهاد ومن لا يجب
اتفق أهل العلم، أن الحرَّ البالغ المطيق للقتال هو من أهل الجهاد الذين يتوجَّه تكليف ذلك عليهم، بعد وجوبه بحسب الأحوال التي قدَّمناها، واتفقوا كذلك أن المرأة ومن لم يبلغ، والمريض الذي لا يستطيع القتال، لاجهاد فَرْضًا عليهم،
وكذلك الفقير الذي لا يقدر على زادٍ، لا خِلاف في (١) شيءٍ من ذلك كلِّه. قال الله -تعالى-: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: ٩١] .
_________________
(١) = غير مكانها، أو بإيجابها على عاجزين، لا يقل سُوءًا عن صنيع تلك الثلة التي تعمل على إخماد نورها وإطفاء لهيبها! والمحصّلة والثمرة واحدة، فهل من مدكر؟! والذي أراه ضرورةً؛ مراعاة المفتين إعادة (الهيبة) إلى هذا (المصطلح)؛ بترك ابتذاله، وسوء إسقاطه، وكذا من الخطباء والوعاظ؛ بترك استخدامه زينةً -فحسب- لخطب رنانة، وكذا من الدعاة والأحزاب؛ بترك توظيفه للوصول إلى أعناق الجماهير، والمجالس النيابيّة، وتزيينه بالبيانات الحزبية، وإنما العمل على التكامل بينهم للنهوض بواجب الوقت، والوصول بالأمة إلى ذورة السنام، وترك التآكل، والبعد عن السذاجة وتفويت فرص التربّص، والتربية الشرعية الجادة الموصلة للولاية لله ورسوله والمؤمنين.
(٢) في الأصل بعدها علامة إلحاق، وكتب أبو خبزة في هامش نسخته بعدها: هنا كلمة أخرجت بهامش الأصل، أصابها القطع ولعلَّها (شيء من) . قلت: وهي تليق في هذا المحل؛ ولهذا أثْبَتُّها.
[ ٥٠ ]
واختلفوا في العبد ومن له أبوان، هل يستأذنهما؟ ومن عليه دينٌ، هل يخرج بغير إذن غُرمائه؟ فأمًّا العبد: فالجمهور على أنَّه ليس من أهل الفرضِ في الجهاد، وأنه لم يخاطب بذلك إلاَّ الأحرارُ؛ لأنَّ فِعلَ الجهاد تُصابُ (١) فيه النفس والمال بالإتلاف، وهو مقصورٌ عن ذلك بالشرع (٢) . قال قوم: ولو غزا مع سيده ليخدمه، فلا يقاتل إلا بإذنه، إلا أن يدخل العدوَّ عسكرَ المسلمين، فليقاتل ويدفعْ (٣) . فمنعوه من القتال ابتداءً؛ لأن في ذلك الهلاكَ غالبًا، وهو مالٌ لمالكه محظورٌ في الشرع تصرُّفٌ فيه بما يُعرِّضه للهلاك من غير إذن سيِّده، فأما في ضرورة الاقتحام ونحوه، فذلك أمرٌ يتعيَّن فيه القتال على كلِّ مكلفٍ قادرٍ، ولا أعلم الآن من يقول بإيجاب الجهاد عليه -أعني: الذي هو فرض كفاية، كما يكون ذلك على الأحرار- إلا ما تأتي عليه أصول (٤) أهل الظاهر، فإنهم يرون الخطاب الواردَ في الشرعِ مَوْرِدَ العموم يتناول الحُرَّ والعبدَ على حدٍّ سواء، إلاّ أن يخصَّصَ شيئًا من
_________________
(١) في هامش نسخة أبي خبزة: «في الأصل بقية كلمة، وكلمة أخرى أصابتها الأرضة» .
(٢) قال بدر الدين بن جماعة في «تحرير الأحكام» (ص ١٥٦): «الجهاد الذي هو على الكفاية: إنما يجب على المسلمين، البالغين، الذكور، العقلاء، الأحرار، والأصحّاء المستطيعين، ومتى فقد هذه الأوصاف السبعة لم تجب عليه» . وانظر: «الأم» (٤/٨٥، ٨٦)، «والوجيز» (٢/١١٣)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٠٩، ٢١٠)، «المهذب» (٢/٢٢٨) .
(٣) لا يشترط إذن السيد في قتال العبد عند تعيّنه عليه، ويشترط فيما دون ذلك دون خلاف، انظر: «شرح السير الكبير» (٤/١٤٥٥)، «بداية المبتدي» (٢/١٣٥، ١٣٧)، «فتح القدير» (٥/٤٤٢)، «التاج والإكليل» (٣/٣٤٩)، «الشرح الكبير» (٢/١٧٥)، «روضة الطالبين» (١٠/٢١٤)، «مغني المحتاج» (٤/ ٢١٧، ٢١٩)، «الإنصاف» (٤/١١٧)، «كشاف القناع» (٣/٣٣)، «أحكام إذن الإنسان في الفقه الإسلامي» (٢/٦٢٧) .
(٤) كلام المصنف دقيق، فهو يخرّج على أصول الظاهرية، وهذا يدلل على أنه (فقيه نفس)، والمنقول عن داود أن العبد إذا خالف أمر سيده، وأحرم بالتطوع أو النذر فلا ينعقد إحرامه خلافًا للجماهير، والمسالة مبسوطة في «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (رقم ٧١٥- بتحقيقي)، ونقل فيها مذهب داود الظاهري، ونقله -أيضًا- النووي في «المجموع» (٧/٣٧، ٤٧)، وانظر: «فقه داود» (٥٧٧) .
[ ٥١ ]
ذلك قرآن، أو سُنَّة ثابتةٌ، أو إجماعٌ صحيحٌ، وكذلك أوجبوا عليه الحجَّ بهذا الاعتبار مع الاستطاعة، ورأوا ذلك إذا فعله مُجزءًا عنه إذا عُتِقَ
بعدُ؛ لأنه كان مخاطبًا بذلك في حال الرِّق، فإذا فعله سقط عنه الفرضُ.
وأمَّا من له أبوان؛ فإن كانا يضيعان بخروجه إلى الجهاد، فهو إجماعٌ على أن فرض الجهاد ساقِطٌ عنه، ذكره أبو محمد بن حزم في «مراتب الإجماع» (١) . وإن كانا ممَّن لا يضيع، فذهب الجمهور إلى أن عليه أن يستأذنهما، فإن أذنا له خرج، وإن أبَيَا عليه لم يَجُزْ له أن يخرج، رُوي ذلك عن مالكٍ، والأوزاعي، وسفيان الثوري، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أهل العلم. قال أبو عمر بن عبد البر (٢): «لا خلاف أعلمه أن الرجل لا يجوز له الغزو ووالداه كارهان، أو أحدهما» .
قلت: ذلك إذا لم يتعيَّن الفرض، مثل أن يفْجأ العدو (٣)، فيُحتاج إليه في الدفع، ونحو ذلك مما يتعيَّن فيه؛ لأنه مالم يتعيَّن، يعصي والديه ويعقّهُما في غير شيء أوجبه الشرع، فذلك حرامٌ عليه، وأما إذا تعيَّن الفرض، فلايستأذنهما في ترك الفرائض (٤)، قال الله -تعالى-: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ
_________________
(١) (ص ١٣٨-١٣٩)، وانظر الإجماع في: «المحلى» (٥/٣٤١)، «رحمة الأمة» (٥٢٨)، «مشارع الأشواق» (١/٩٩)، «الفروع» (٤/٢٦١) .
(٢) في «الاستذكار» (١٤/٩٦- ط. قلعجي) . وتتمة كلامه: «لأنَّ الخلاف لهما في أداء الفرائض عقوق، وهو من الكبائر، ومن الغزو ما قلت» .
(٣) هل حضور الولد الصّف بعد الإذن، يؤثر فيه رجوع الأبوين عن الإذن؟ خلاف بين أهل العلم، بخلاف رجوعهما قبل حضور الصف، فالواجب على الولد الرجوع ما لم يتعين عليه الجهاد، انظر بسط المسألة في: «روضة الطالبين» (١٠/٢١٢)، «أسنى المطالب» (٤/١٧٧-١٧٨)، «مغني المحتاج» (٤/٢١٨)، «كشاف القناع» (٣/٤٠)، «أحكام إذن الإنسان» (٢/٦٢٤-٦٢٥)، «رسالة الإرشاد إلى بيان الحق في حكم الجهاد» (ص ٧٤- وما بعدها) .
(٤) انظر: «المعونة» (١/٦٠٢-٦٠٣)، «الرسالة» (ص ١٩١)، «الكافي» (ص ٢٠٦)، «بداية المجتهد» (١/٣٩٧)، «المقدمات» (١/٣٥١)، «بلغة السالك» (١/٣٥٦)، «حاشية الخرشي» (٤/ =
[ ٥٢ ]
لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت: ٨] .
خرَّج البخاري (١)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - يستأذنه في الجهاد، فقال: «أحيٌّ والداك؟» قال: نعم. قال: «ففيهما
فجاهد» .
وخرَّج النسائي (٢) عن معاوية بن جاهمة السَّلمي، أنَّ جاهمة جاء إلى النبي
_________________
(١) = ١١)، «الأم» (٤/٩١)، «الوجيز» (٢/١١٤)، «روضة الطالبين» (١٠/٢١٤)، «مغني المحتاج» (٤/ ٢١٩)، «الإفصاح» (٢/٢٧٣)، «بدائع الصنائع» (٤٣٠)، «تبيين الحقائق» (٣/٢٤١)، «فتح القدير» (٥/٤٤٢)، «الفتاوى الهندية» (٢/١٨٩)، «تحرير الأحكام» لابن جماعة (ص ١٥٦)، «المغني» (٨/ ٣٥٨)، «الإنصاف» (٤/١١٧)، «كشاف القناع» (٣/٣٩، ٤٠) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب الجهاد بإذن الأبوين) (رقم ٣٠٠٤) . وفي كتاب الأدب (باب لا يجاهد إلاّ بإذن الأبوين) (رقم ٥٩٧٢) . وأخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب البر والصلة (باب بر الوالدين وأنهما أحقّ به) (رقم ٢٥٤٩) .
(٣) في «المجتبى» (٦/١١/رقم ٣١٠٤) من طريق ابن جريج، قال: أخبرني محمد بن طلحة -وهو ابن عبد الله بن عبد الرحمن- عن أبيه طلحة، عن معاوية بن جاهمة، به. وهذا إسناد حسن، محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن: أي عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وقد روى عن محمدٍ جَمْعٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٧/٣٦٧) . وقال الحافظ في «التقريب»: صدوق، وحديثه عند النسائي وابن ماجه، وأبوه طلحة روى عنه جَمْعٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٤/٣٩٢)، وقال ابن حجر في «التقريب»: مقبول، وقال الذهبي في «الكاشف»: صدوق. ومعاوية بن جاهمة، قال الحافظ: لأبيه وجده صحبة، وقيل: إن له صحبة. وابن جريج: هو عبد الملك بن عبد العزيز، وهو مُدلِّس، وقد صرح بالتحديث هنا، فانتفت شبهة تدليسه. وأخرجه ابن ماجه (٢٧٨١)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٢١٣٢)، والحاكم (٢/١٠٤)، والبيهقي في «السنن» (٩/٢٦)، وفي «الشعب» (٧٨٣٣) و(٧٨٣٤) من طريق حجاج بن محمد، وأحمد (٣/٤٢٩) عن روح -وهو ابن عبادة-، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (١٣٧١)، والطحاوي (٢١٣٢)، والحاكم (٤/١٥١) من طريق أبي عاصم ثلاثتهم عن ابن جريج، به. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وأخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» (٢١٣٣) عن أبي أمية، قال: حدثنا أبو عاصم وحجاج =
[ ٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ابن محمد، عن محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن معاوية بن جاهمة، عن رسول الله - ﷺ - مثله. قلت: وهذه رواية مرسلة؛ لأنَّ صحابي الحديث هو جاهمة كما سلف. وأخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٢٠٢) من طريق سفيان بن حبيب، عن ابن جريج، عن محمد ابن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن معاوية بن جاهمة، عن جاهمة، به. قال البيهقي: ورواية حجاج عن ابن جريج أصح، قلنا: وقد تابعه أبو عاصم، وروح بن عبادة. وقد خالف ابنَ جريج محمدُ بنُ إسحاق: فأخرجه ابن ماجه (٢٧٨١) من طريق محمد بن سلمة الحراني، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (١٣٧٢) من طريق المحاربي، كلاهما عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة، عن أبيه، عن معاوية بن جاهمة السلمي، قال: أتيتُ رسول الله - ﷺ -. فجعله من حديث معاوية، وقد وهم في ذلك. وأخرجه ابن أبي شيبة (١٢/٤٧٤) عن عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة، عن أبيه طلحة بن معاوية السُّلمي، قال: جئت رسول الله - ﷺ - فذكر نحوه، وجعله من حديث طلحة بن معاوية. قال الحافظ في «الإصابة»: وهو غلطٌ نشأ عن تصحيف وقلب، والصواب عن محمد بن طلحة، عن معاوية بن جاهمة، عن أبيه، فصحف «عن» فصارت «ابن»، وقدَّم قوله: عن أبيه، فخرج منه أن لطلحة صحبة، وليس كذلك. وجماعُ القول في هذا الحديث ما قاله الحافظ في «تهذيب التهذيب» (٤/١٠٥- ط. مؤسسة الرسالة) من أن الصحبة لجاهمة، وأنه هو السائل، وأن رواية معاوية ابنه عنه صواب، وروايته الأخرى مرسلة، وقول ابن إسحاق في روايته عن معاوية: أتيتُ النبي - ﷺ -، وهمٌ منه؛ لأن ابن جريج أحفظ من ابن إسحاق وأتقن، على أن يحيى بن سعيد الأموي قد روى عن ابن جريج مثل رواية ابن إسحاق، فوهم، وقد نبَّه على غلطه في ذلك أبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة»، والله -تعالى- أعلم. قلت: وانظر «الإصابة» في ترجمة جاهمة، فقد بسط الحافظ ابن حجر القول في هذا الحديث. قال السندي: قوله: «إِلزمها»: من لَزِمَ، كَسَمِعَ. قوله: «فإن الجنة»، أي: نصيبك منها، لا يصلُ إليك إلا برضاها، بحيث كأنه لها وهي عليه قاعدة، فلا يصل إليك إلا من جهتها، فإن الشيء إذا صار تحت رجلِ أحدٍ فقد تمكَّن منه، واستولى عليه، بحيث لا يصل إلى الآخر إلا من جهته، والله -تعالى- أعلم. وانظر: «الكبائر» للذهبي (رقم ٤٩- التحقيق الثاني) .
[ ٥٤ ]
- ﷺ - فقال: يارسول الله، أردْتُ أن أغزو، وقد جئتُ أسْتَشِيرُكَ، فقال: «هل لك من أمٍّ»؟ قال: نعم. قال: «فَالْزَمْهَا؛ فإن الجنة عند رجليها» .
وخرّج أبو داود (١)، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركتُ أبويَّ يبكيان، قال: «ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما» .
وفيه (٢) عن أبي سعيد الخدري، أن رجلًا هاجر إلى النبي - ﷺ - من اليمن فقال:
«هل لك أحدٌ باليمن»؟ فقال: أبواي. قال: «أذنا لك»؟ قال: لا. فقال:
_________________
(١) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في الرجل يغزو وأبواه كارهان) (رقم ٢٥٢٨) . وأخرجه عبد الرزاق (٩٢٨٥) -وعنه أحمد (٢/١٦٠، ١٩٤، ١٩٨، ٢٠٤) -، والنسائي في «المجتبى» (٧/١٤٣)، والبخاري في «الأدب المفرد» (١٣)، والحميدي (٥٨٤)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٢٣٣٢)، والحاكم (٤/١٥٢)، والبغوي (٢٦٣٩)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/٢٦)، وأبو نعيم في «الحلية» (٧/٢٥)، وفي «تاريخ أصبهان» (٢/٢٤٨)، وابن الجوزي في «كتاب البر والصلة» (ص٤٥) من طرقٍ عن عبد الله بن عمرو بن العاص. والحديث صحيح. وانظر: «صحيح سنن أبي داود» لشيخنا الألباني -﵀-.
(٢) في «سننه» (الباب السابق) (رقم ٢٥٣٠) من طريق عمرو بن الحارث، عن دَرَّاج بن سَمْعان، عن أبي الهيثم سليمان بن عمرو العُتْواري، عن أبي سعيد الخدري -﵁-. وأخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (٢٣٣٤)، وابن حبَّان (٤٢٢)، والحاكم (٢/١٠٣-١٠٤)، والبيهقي في «السنن» (٩/٢٦)، من طريق عمرو بن الحارث، به. وأخرجه أحمد (٣/٧٥)، وأبو يعلى (١٤٠٢)، وابن الجوزي في «كتاب البر والصلة» (ص ٤٦)، من طريق ابن لهيعة، عن دَرَّاج، به. وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة، إنما اتفقا على حديث عبد الله بن عمرو: «ففيهما فجاهد»»، وتعقبه الذهبي بقوله: «درَّاجٌ واهٍ» . ومع هذا، فقد قال الهيثمي في «المجمع» (٧/١٣٧-١٣٨): «رواه أحمد وإسناده حسن» . وفاتَه أن ينسبه إلى أبي يعلى. فإسناد هذا الحديث ضعيف، فمداره على دراج هذا، ومنهم من مشَّى روايته إن لم تكن عن أبي الهيثم خاصة، انظر: «تهذيب الكمال» (٨/٤٧٨-٤٧٩) . ولكن يشهد له حديث عبد الله بن عمرو السابق ذكره.
[ ٥٥ ]
«ارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرَّهمَا» .
وقال الحسن البصري (١) -﵀-: «إذا أذنَتْ له أُمُّه في الجهاد، وعلِمَ أنَ هواها أن يجلس؛ فليجلس» . وقيل للأوزاعي (٢) فيمن غزا بإذن والديه، واشترطا عليه أن لا يقاتل، فلقوا العدو، فقال: «لا طاعة للوالدين في ترك الفرائض، والجُمع، والحجِّ، والقتال»، وهذا صحيح (٣) كما تقدم؛ وذلك أن القتال يتعيَّن عند لقاء العدو، فلم يكن للوالدين ثَمَّ طاعة.
واختلفوا في الأبوين إذا كانا مشركين؛ فقيل: لا يغزو إلا بإذنهما؛ لعموم الأمر في ذلك، رُوي ذلك عن سفيان الثوري (٤) . وقال به سحنون (٥) وغيره، قيل: إلا أن يكون يعلم أنهما يمنعانه لعداوة الإسلام. وقال الشافعي (٦): له أن يغزو بغير إذنهما إذا كانا مشركين، فَخُصِّص الأمر في ذلك بالمسلمين.
قال ابن المنذر (٧): والأجداد آباء، والجدَّات أمهات، فلايغزُ المرء إلا بإذنهم.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٥/١٧٦ رقم ٩٢٨٨)، وانظر: «النوادر والزيادات» (٣/ ٢١-٢٢)، و«فقه الحسن البصري» (١/١٠٧، ٣٠٢) .
(٢) انظر: «المغني» (١٣/٢٦-٢٧- ط. هجر)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٣٩٣) .
(٣) وهذا أظهر قولي الشافعية، وبه قالت الحنابلة، انظر: «مغني المحتاج» (٤/٢١٨)، «كشاف القناع» (٣/٤٠) .
(٤) انظر: «المغني» (١٣/٢٦)، و«النوادر والزيادات» (٣/٢٣)، واختاره ابن المنذر.
(٥) «النوادر والزيادات» (٣/٢٣)، «حاشية الخرشي» (٤/١١-١٢)، «بلغة السالك» (١/ ٣٥٦)، «الفواكه الدواني» (١/٦٢٧) . وقاله الأوزاعي -أيضًا-، وهو مذهب الحنفية، انظر: «البحر الرائق» (٥/١٢٢)، «شرح السير الكبير» (١/١٣٥)، «حاشية ابن عابدين» (٦/٢٠٢)، «أحكام الإذن» (٢/٦٢١)، «أحكام المجاهد بالنفس» (١/٣١٨-٣٢٣) .
(٦) انظر: «مختصر المزني» (ص ٢٦٩)، «الحاوي الكبير» (١٨/١٣٤، ١٣٦)، «المهذب» (٢/٢٢٩)، «روضة الطالبين» (١٠/٢١١)، «تحرير الأحكام» لابن جماعة (ص ١٥٨)، «حلية العلماء» (٧/٦٤٦) . وهومذهب الحنابلة. انظر: «المغني» (١٣/٢٦) . وهذا إذا كان الجهاد فرض كفاية.
(٧) لعلَّه في «الأوسط» (القسم المفقود منه) . وسوَّى كذلك بينهم أبو حنيفة، خلافًا للمالكية، =
[ ٥٦ ]
وأما المِدْيان فاختلفوا فيه، فرُوي عن الأوزاعي (١) أنه أرخص في خروجه إلى الجهاد من غير إذن صاحب الحق، وروي عن الشافعي أنه ليس له أن يغزو بحالٍ إلا بإذن أهل الدَّيْن، وسواء كان الدَّين لمسلم أو كافر (٢)، وفرَّق مالكٌ بين أن يجد قضاءً أو لا يجد، واختلفت مع ذلك فيه الروايات عنه (٣)، والأصل في هذا ما خرَّجه مالك في «الموطأ» (٤) عن أبي قتادة، أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله
_________________
(١) = فلا يبلغ الجدُّ والجدة أن يلحقا بالوالدين. وقال سحنون: وأمّا الجدُّ والجدَّةُ فبرُّهما واجب، ولا يلحقان في هذا بالأبوين. انظر: «النوادر» (٣/٢٣)، «عقد الجواهر الثمينة» (١/٤٦٥)، «الذخيرة» (٣/٣٩٥) . وقال الماوردي في «الحاوي الكبير» (١٨/١٣٧): «فأما استئذان الجد والجدَّة، فإن كان الأبوان معدومين، أو مشركين، أو منافقين، قاما مقام الأبوين في وجوب استئذانهما، وإن كان الأبوان باقيين مسلمين، ففي وجوب اسئتذان الجد والجدة وجهان: لا يجب استئذانهما؛ لحجبهما عن الولاية والحضانة بالأبوين. والثاني: يجب استئذانهما لوجود إشفاق الأبوين فيهما» .
(٢) نقله عن القرطبي في «تفسيره» (٨/١٥٠)، وابن النحاس في «مشارع الأشواق» (١/ ١٠٠)، وانظر: «أحكام إذن الإنسان» (٢/٦٣٢، ٦٣٥) .
(٣) انظر: «الأم» (٤/٨٦) -ونقل كلامه البيهقي في «معرفة السنن والآثار» (١٣/١٢٤) - «مختصر المزني» (ص ٢٦٩)، «الحاوي الكبير» (١٨/١٣٢-١٣٣)، «روضة الطالبين» (١٠/٢١١، ٢١٤)، «مغني المحتاج» (٤/٢١٧، ٢١٩)، «أسنى المطالب» (٤/١٧٧)؛ لأن فرض الجهاد على الكفاية -مالم يتعيَّن عليه-، وفرض الدَّيْن متعينٌ عليه، وفروض الأعيان مقدمة على فروض الكفاية، ولأن الجهاد من حقوق الله، وهي أوسع من حقوق الآدميين، وهي أضيق، فقدّم الأضيق على الأوسع، وهذا إذا لم يخلِّف المجاهد وفاءً، والله أعلم. نعم؛ لا يجوِّزون الخروج إلى الجهاد بغير إذن الدائن إلا إذا ترك وفاءً، أو أقام كفيلًا، أو وثّق الدّين بِرَهْن، وبهذا قالت الحنابلة -أيضًا-، انظر: «المحرر» (٢/١٧٠)، «كشاف القناع» (٣/٣٩) .
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/٢٣)، «الكافي» (١/٤٦٤)، «المقدمات الممهدات» (١/ ٣٥١)، «التاج والإكليل» (٣/٣٤٩)، «الخرشي» (٣/١١١)، «حاشية الدسوقي» (٢/١٧٥) .
(٥) (ص ٢٨٥) . وأخرجه مسلم (١١٧) (١٨٨٥)، والترمذي (١٧١٢)، والنسائي في «المجتبى» (٦/٣٤، ٣٥)، والدارمي (٢٤١٧)، وعبد بن حميد في «المنتخب» (١٩٢)، والحميدي في «مسنده» (٤٢٥) من طرقٍ =
[ ٥٧ ]
- ﷺ - فقال: يا رسول الله، إنْ قُتِلتُ في سبيل الله صابرًا محتسبًا، مُقْبِلًا غير مُدبرٍ، يُكفِّر الله عَنِّي خطاياي؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «نعم»، فلمَّا أدْبَرَ الرجل، ناداه رسول الله - ﷺ - -أو: أمر به فنودي له- فقال رسول الله - ﷺ -: «كيف قُلْت»؟ فأعاد عليه قوله، فقال: «نعم، إلاّ الدَّيْن، كذلك قال لي جبريل» .
وخرَّج مسلم (١) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - قال: «يُغفر للشهداء كُلُّ ذنب، إلاَّ الدَّيْن» .
وقد جاء في أمر الدَّيْن تشديد كثير غير هذا؛ فأقول:
إنّ تعلق المأثم بالدَّين، إنما يكون حيث التقصيرُ المُتْلِفُ لذلك الحقِّ، إمَّا بالمَطْل أو بالجحود، أو ترك أن يوصي به، وإمَّا أن يَدَّانَ في غير الواجب، وهو ممنَّ لا يقدر على الأداء، وما أشبه ذلك.
وللمِدْيان عند إرادة الغزو حالان: مَلاَءٌ أو عَدمٌ.
فأما المليء، فإن كان حلَّ دينه، فالظاهر أنه لا يجوز أن يغزو بغير إذن صاحب الحَقّ، فإن كان دينه لم يحلَّ بعد، فهذا له أن يغزو (٢)، وعليه أن يوكِّل من يقضيه عنه عند حلوله، والدليل على ذلك أنَّ من كان مليئًا، وقد حلَّ الحقُّ عليه،
_________________
(١) = عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، به. وأخرجه مسلم (١١٨) (١٨٨٥)، والحميدي (٤٢٦)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٢٥٥٣)، من طريق محمد بن قيس، عن النبي - ﷺ -، مرسلًا.
(٢) في «صحيحه» في كتاب الإمارة (باب من قتل في سبيل الله كُفِّرت خطاياه، إلا الدَّين) (١١٩ و١٢٠) (١٨٨٦) .
(٣) هذا مذهب الحنفية والمالكية، وهو أصح الوجوه عند الشافعية، وهو قول عند الحنابلة. انظر: «شرح السير الكبير» (٤/١٤٥٠)، «البحر الرائق» (٥/١٢١)، «الفتاوى الهندية» (٢/ ١٩٠)، «حاشية ابن عابدين» (٤/١٢٦)، «المقدمات الممهدات» (١/٣٥١)، «حاشية الدسوقي» (٢/ ١٧٥)، «بلغة السالك» (١/٣٥٦)، «الذخيرة» (٣/٣٩٥)، «روضة الطالبين» (١٠/٢١١)، «مغني المحتاج» (٤/٢١٧)، «الإنصاف» (٤/١٢٢)، «المبدع» (٣/٣١٥) .
[ ٥٨ ]
فهو مأمورٌ كل وقت بالقضاء، ففعله ما يحول بينه وبين ذلك من غير إذن صاحب الحق لا يحلُّ له.
خرَّج مسلم (١) عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «مَطْلُ الغني ظلم، وإذا أُتبع أحدكم على مليءٍ فَلْيتبَعْ» .
وأما إذا لم يَحُلْ، فلا حَقَّ عليه الآن في الأداء (٢)، فلا يتَّصف بالمطلِ، فليس عليه أن يستأذنه، لكن عليه باتفاقٍ أن يوصي به، ويُوكِّل على قضائه، فإذا فعل ذلك فقد أدَّى ما لزِمه ساعتئذٍ، وقد قال - ﷺ -: «وإذا أُتبع أحدكم على مليءٍ فَلْيتْبَعْ» (٣) .
وأما إن كان عديمًا لا يجد قضاءً، ولا يرجو كسبًا، فهذا روي عن مالك أنه
سُئِل عنه فلم يرَ بجهاده بأسًا، يعني: وإن لم يستأذن غريمه، وهذا ظاهر؛ لأنه لا منفعة له في منعه، وليس ممّن عليه حبسٌ ولا سلطان، بل هو مخلًّى بإنظار الله -﷿- إيَّاه، فلا يجب له عليه شيءٌ، ما دام على حالته تلك. قال بعض المتأخرين: ولعله يُرزق في الغزو ما يؤدي به دَينه، ففي الغزو خيرٌ لهما (٤) .
_________________
(١) في «صحيحه» في كتاب المساقاة (باب تحريم مطل الغنيِّ، وصحَّة الحوالة، واستحباب قبولها إذا أُحيل على مليء) (٣٣) (١٥٦٤) . وأخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الحوالات (باب في الحوالة، وهل يرجع في الحوالة) (رقم ٢٢٨٧) . وفي الباب الذي بعده (رقم ٢٢٨٨)، وفي كتاب الاستقراض (باب مطل الغني ظلم) (رقم ٢٤٠٠) -مختصرًا-.
(٢) استدل المانعون -وهم الشافعية، ويدل عليه كلام الإمام الشافعي في «الأم» (٤/٨٦) - أنه إنْ خرج ولم يترك وفاءً أو وثّق الدين برهن، أو أقام كفيلًا، فإن خروجه يعرّضه للقتل، فلا يؤمن أن يقتل فيضيع دينه، ويدل عليه صنيع عبد الله بن عمرو بن حرام -والد جابر-، فإنه خرج إلىأُحد وعليه دين كثير، واستشهد، وقضاه عنه ابنهُ بعلم النبي - ﷺ -، ولم يذمه النبي على ذلك، ولم ينكر فعله، بل مدحه، وقال: «ما زالت الملائكة تظلّه بأجنحتها حتى رفعتموه» أخرجه مسلم (٢٤٧١) .
(٣) سبق تخريجه قريبًا.
(٤) انظر: «الذخيرة» (٣/٣٩٥)، «المقدمات الممهدات» (١/٣٥١)، «حاشية الخرشي» (٤/ =
[ ٥٩ ]
وقد رُوِيَ -أيضًا- عن مالك ما ظاهره، أنه يجب الاستئذان على من لم يجد وفاءً من دَيْنِهِ (١)، ولا استئذان على من ترك وفاءً.
ذكر أبو الوليد بن رُشد (٢) قال: حكى ابن حبيب في «الواضحة» عن مالكٍ، أنه كان يوسِّع لمن عليه دينٌ أن يغزو إذا خلَّف وفاءً من دينه، أو: أذن له غرماؤه بالخروج (٣) إن لم يَدَعْ وفاءً من دَيْنِهِ، قال أبو الوليد: وذلك بعيد.
فأقول: يحتمل أن يكون وجهه أنه إذا خلَّف وفاءً، فلم يتعرض لإتلاف حقٍّ الغريم بتعرِّضه للقتل في الجهاد، وإذا لم يُخلِّف وفاءً، وذِمَّتُه بالحق معمورة، والغزو مظنة الهلاك، ففي ذلك تلفٌ لحق الغريم، فوجب ألاّ يجوز إلا بإذن صاحب الحق، وهذا ظاهر، وعليه يجيء مذهب الشافعيِّ في مَنْع المديان على الإطلاق من الغزو (٤)، والله أعلم.
والقول في استئذان المِدْيان -كما تقدم فيمن له أبوان-: هو إذا لم يتَعيَّن الفرض، فإذا تعيَّن؛ لم يكن لأحدٍ في دفعه اختيار.
*****
_________________
(١) = ١١)، وهو قول الشافعية على الصحيح، انظر: «روضة الطالبين» (١٠/٢١٠)، «حاشيتا قليوبي وعميرة» (٤/٣٢٨) .
(٢) هذا اختيار ابن عبد البر في «الكافي» (١/٤٦٤) . وانظر: «الفواكه الدواني» (١/٦٢٧)، وهو مذهب الحنفية والحنابلة. انظر: «البحر الرائق» (٥/١٢١)، «حاشية ابن عابدين» (٦/٢٠٤)، «كشاف القناع» (٢/٣٧٢)، وبعدها في المنسوخ: «أو: أذن له غرماؤه بالخروج» . وفوقها علامة الحذف.
(٣) في «البيان والتحصيل» (٢/٥٣٠) .
(٤) في مطبوع «البيان والتحصيل»: «وإن لم يدع وفاء من دينه» . بواو العطف في (إن) . وبعدها: «فظاهر قوله أنه ليس عليه أن يستأذن غريمه، إلا إذا لم يدع وفاءً» . ثم قال: «وذلك بعيد» .
(٥) الصحيح من مذهبهم عدم اشتراط إذن الدائن، إذا حلّ عليه الدين وهو معسر، والاشتراط وجه عندهم فحسب. انظر: «المهذب» (٢/٢٢٩)، «روضة الطالبين» (١٠/٢١٠، ٢١١)، «تحرير الأحكام» لابن جماعة (ص ١٥٨)، «حاشيتا قليوبي وعميرة» (٤/٣٢٨) .
[ ٦٠ ]
فصلٌ: في بيان الهجرة، وما يجب من ذلك
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وقال -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧] .
ذكر أهل العلم أنّه لمَّا فرض الله -﷿- الجهاد على رسوله - ﷺ -، أوجَبَ على من كان تخلَّف من المسلمين بمكة الخروج منها، وأنْ يهجروا دار الشرك، ويلحقوا برسول الله - ﷺ -، فيقال: إنَّ قومًا ممن كان بمكة أسلموا، وأقاموا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر، فأصيب بعضهم، فنزلت فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، إلى آخر الآية (١) .
_________________
(١) أخرجه بنحو هذا اللفظ: عبد الرزاق في «التفسير» (١/١٧١) -ومن طريقه ابن جرير في «التفسير» (٩/١٠٦-١٠٧ رقم ١٠٢٦٦) -، وسعدان بن نصر في «جزئه» (رقم ٤٧) -ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٩/١٤- ط. الهندية أو ٩/٢٤-٢٥ رقم ١٧٧٥٩- ط. العلمية) -؛ كلاهما عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، به. ورواه محمد بن شريك عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، وزاد: عن ابن عباس. أخرجه ابن أبي حاتم في «التفسير» (٣/١٠٤٦ رقم ٥٨٦٣)، وابن جرير في «التفسير» (٩/ ١٠٢-١٠٣ رقم ١٠٢٦٠) من طريق أحمد بن منصور الرمادي، والبزار (٤ رقم ٢٢٠٤- زوائده) من طريق أبي نعيم؛ كلاهما عن محمد بن شريك، به. قال البزار: «لا نعلم أحدًا يرويه عن عمرو إلا محمد بن شريك» . وقال الهيثمي في «المجمع» (٧/١٢-١٣): «رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، غير محمد ابن شريك، وهو ثقة، وثقه أحمد وابن معين، وأبو زرعة والدارقطني. وقال أبو حاتم والنسائي والفسوي: ليس به بأس»، وانظر له: «تهذيب الكمال» (٢٥/٣٦٩) . وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٢/٢٠٥) -أيضًا- لابن المنذر في «تفسيره» -وهو ليس في القسم المطبوع منه-، وابن مردويه. واقتصر في «لباب النقول» (ص ١٠٧) عزوه على ابن المنذر وابن جرير. وكذلك فعل -قبله- ابن حجر في «الفتح» (٨/٢٦٣)، وسكت عنه. =
[ ٦١ ]
فكانت الهجرة حينئذٍ فرضًا، يجب على كل من أسلم أن يلحق برسول الله - ﷺ -: مجاهدًا، ومؤازرًا، ومعينًا، إلا من كان له عذرٌ عذره الله -تعالى- به، قال الله
-سبحانه-: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٨] .
ولا خلاف في وجوب الهجرة حينئذٍ على مَنْ كان من المسلمين بمكة،
_________________
(١) = وورد نحوه من طريق أخرى عن ابن عباس عند الطبراني في «الكبير» (١١/٢٧٢ رقم ١١٧٠٨)، وعن الضحاك عند ابن أبي حاتم (٣/١٠٤٦ رقم ٥٨٦٦)، وابن جرير (٩/١٠٨ رقم ١٠٢٦٨) . وأصح ما ورد في هذا: ما أخرجه البخاري (٤٥٩٦، ٧٠٨٥)، والنسائي في «الكبرى»: كتاب التفسير (رقم ١٣٩)، والطبراني في «الكبير» (١١ رقم ١١٥٠٥، ١١٥٠٦)، و«الأوسط» (٣٥٨، ٨٦٣٨)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (٣ رقم ٥٨٦٢)، وابن جرير (٩ رقم ١٠٢٦١، ١٠٢٦٢)، وأبو الليث السمرقندي في «بحر العلوم» (١/٣٨١)، وابن حجر في «تغليق التعليق» (٤/١٩٨) عن عبد الرحمن ابن عبد الرحمن أبي الأسود قال: قطع على أهل المدينة بَعْثٌ، فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس: أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون سواد المشركين على رسول الله - ﷺ -، يأتي السهم فيُرْمى به، فيُصيب أحدهم فيقتُلُه، أو يُضرب فيُقتل، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] الآية، وهذا لفظ البخاري. وقوله: «قطع على أهل المدينة بعث» أي: أُلزموا بإخراج جيشٍ لقتال أهل الشام في خلافة عبد الله بن الزبير على مكة. قال ابن حجر في «الفتح» (٨/٢٦٣): «واستنبط سعيد بن جبير من هذه الآية وجوب الهجرة من الأرض التي يعمل فيها بالمعصية» . وانظر -غير مأمور-: «أسباب النزول» (ص ١٣١)، «سيرة ابن هشام» (٢/٢٩٤-٢٩٥)، «الكشف والبيان» (٣/٣٧١-٣٧٢)، «الوسيط» للواحدي (٢/١٠٥-١٠٦)، «تفسير القرطبي» (٥/ ٣٤٥)، «تفسير ابن كثير» (٤/٢٢٦-٢٢٨- ط. أولاد الشيخ)، «المعتمد من المنقول فيما أوحي إلى الرسول - ﷺ -» (١/٣٠١)، «المصنف الحديث في أسباب النزول» (ص ١٢٠-١٢١)، «الصحيح المسند من أسباب النزول» (ص ٥١) . * فائدة: نقل البغوي في «شرح السنة» (١٤/٣٩٩) -وعنه حيدر القاشي في «المعتمد من المنقول» (١/٣٠١) -: عن مالك قال: إني لأكره المقام بالبلدة التي يُعصى الله فيها علانية.
[ ٦٢ ]
وإنما اخْتُلِف فيمن أسلم من غير أهل مكة، فقيل: كانت الهجرة لهم نافلةً، ومُرَغَّبًا فيها، ولم تكن واجبة، وقيل: إنما كانت الهجرة واجبةً على من أسلم، فأما إذا أسلم كلُّ مَنْ في الموضع، فلا هجرة عليهم، واستدلَّ من صار إلى هذا بما كان من تعليم رسول الله - ﷺ -، وأمره، ونهيه؛ لوفدِ عبدِالقيس حين أسلموا، ولم يأمرهم بالهجرة، بل أقرَّهم بأرضهم (١) .
فالهجرة -على هذا- تقع على أمرين:
أحدهما: ماكان مخصوصًا بمؤازرة النبي - ﷺ - ومعاونته، والجهادِ معه، حتى
أعْلَى الله -تعالى- كلمة الإسلام، وأظهَرَ دين نبيه محمدٍ - ﷺ -؛ الذي أرسله بالهدى ودين الحقِّ ليظهره على الدّين كلِّه، ولو كره المشركون، فهذا هو الذي وَرَدتْ فيه الآثار الصحيحة: أنه نُسخ بعد فتح مكة، وعُلوِّ الإسلام وأهله.
خرَّج البخاري (٢) عن ابن عباس قال: قال النبي - ﷺ - يوم الفتح بمكة: «لاهجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونيّة، وإذا استنفرتم فانفروا» . فقوله - ﷺ -: «إذا استنفرتم فانفروا» بيانٌ أن الهجرة التي نُسِخَتْ هي ماكان من مهاجرة أرضهم وديارهم في اللِّحاق بالنبي - ﷺ -؛ لإقامة الجهاد معه، فلما علا الدِّينُ، وتمَّ وعد الله؛ رُفعَ ذلك عنهم، وأوجب إجابة النفير متى احتيج في أمر الجهاد إلى طائفة تستنفر من المسلمين.
_________________
(١) أخرج قصتهم البخاري (٥٣)، ومسلم (١٧)، ومطولة أحمد (٣/٤٣٢ و٤/٢٠٦)، وابن شبة في «تاريخ المدينة» (٢/٥٨٦-٥٩١)، وكانوا يسكنون البحرين، وينسبون إلى عبد القيس بن أَفْصى بن دُعْمي بن جليلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، ولهم وفادتان على رسول الله - ﷺ - قبل الفتح سنة خمس أو قبلها، وأما الوفادة الثانية فكانت في سنة الوفود، وكان عددهم حينئذٍ أربعين رجلًا، ويدل على ما ذكره المصنف من إقرار النبي - ﷺ - بقائهم بأرضهم، قولهم: «بيننا وبينك كفار مضر» .
(٢) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب فضل الجهاد والسّير) (رقم ٢٧٨٣) . وفي (باب وجوب النفير، ومايجب من الجهاد والنية) (رقم ٢٨٢٥)، وفي (باب لا هجرة بعد الفتح) (رقم ٣٠٧٧)، وفي كتاب الجزية والموادعة (باب إثم الغادر للبرّ والفاجر) (رقم ٣١٨٩) .
[ ٦٣ ]
والثاني: هجرة دار الكفر إذا أسلم هنالك أحدٌ، وكان سائرهم على الكفر (١) .
خرَّج أبو داود (٢)، عن أبي هند، عن معاوية، قال: سمعت رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) انظر: «النوازل الجديدة الكبرى» لأبي عيسى الوزّاني (٣/٣٨-٤٢)، «الرخص الشرعية، أحكامها وضوابطها» (حكم الهجرة، ص ١٣٩- وما بعدها) لأسامة الصلابي.
(٢) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في الهجرة: هل انقطعت؟) (رقم ٢٤٧٩) . وأخرجه النسائي في «الكبرى» (٥/٢١٧/ رقم ٧٨١١)، وأحمد (٤/٩٩) -ومن طريقه المزي في «تهذيب الكمال» في ترجمة عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي-، والدارمي (٢٥١٦)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٩/٨٠)، وأبو يعلى (٧٣٧١)، والطحاوي في «المشكل» (٢٦٣٤)، والطبراني في «الكبير» (١٩/ رقم ٩٠٧)، وفي «مسند الشاميين» (١٠٦٤ و١٠٦٥)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/ ١٧) من طرقٍ عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عوفٍ الجُرشي، عن أبي هندٍ البجلي، عن معاوية، به. وأبو هند البَجَلي: قال الحافظ في «التقريب» (٨٤٢٧): «شامي، مقبول» . أي: إذا توبع، ولم يتابع؛ فهو لين الحديث. وقد انفرد بالرواية عنه عبد الرحمن بن أبي عوف، فهو مجهول. لذا قال عنه الذهبي في «الميزان» (٤/٥٨٣)،: لا يُعرف، وقال ابن القطَّان: مجهول. واحتج به النسائي. والحديث مرويٌّ من غير وجه؛ فقد أخرجه النسائي في «الكبرى» من طريق عبد الله بن السعدي، عن محمد بن حبيب المصريِّ قال: أتينا رسول الله - ﷺ - وذكر حديثًا طويلًا، وفي آخره: «لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار» . ثم قال النسائي بعده: محمد بن حبيب هذا: لا أعرفه. وقال الحافظ في «التقريب»: محمد بن حبيب النَّصري -بالنون- صحابي، مختلف في إسناد حديثه. وذكره في «الإصابة» (٧٧٧١) وقال: قال ابن منده: لا يُعرف في الشاميين، ولا في المصريين ذكره في الصحابة. لكن أخرجه أحمد (٥/٢٧٠) من حديث ابن محيريز، عن عبد الله بن السَّعدي عن النبي - ﷺ -. ليس فيه محمد بن حبيب. وعبد الله بن السَّعدي: صحابي. يقال: مات في خلافة عمر، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية. وأخرجه النسائي في «المجتبى» (٧/١٤٧)، وفي «الكبرى» (٥/٢١٦/رقم ٨٧٠٨) من طريق أبي إدريس الخولاني، عن حسَّان بن عبد الله الصخري، عن عبد الله بن السعدي، به. وقال في حسَّان: ليس بالمشهور. لكن روايته مقبولة. ولكنه أخرجه في «المجتبى» (٧/١٤٦)، و«الكبرى» (٥/٢١٦/رقم ٨٧٠٧) من طريق أبي إدريس الخولاني، عن عبد الله بن السعدي، به. ليس فيه حسان بن عبد الله. وأخرج نحوه أحمد (١/ =
[ ٦٤ ]
يقول: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» .
وخرَّج -أيضًا- (١) عن عبد الله بن عمرو قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» .
فهو فرض واجبٌ على كل من كان في دار الكفر من المسلمين أن يخرج منها، ويهجرها لله -تعالى- ولدين الإسلام، وحكم الفرضية في ذلك باقٍ مستمرٌ إلى يوم القيامة. قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وقال -تعالى-: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام ٦٨]، وقال -تعالى-: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، وقال -تعالى-: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] .
ومعلوم أن في الإقامة معهم موالاةً لهم، ومشاهدةً لكفرهم واستهزائهم
_________________
(١) = ١٩٢) من طريق مالك بن يَخامر، عن ابن السعدي. ومالك: مخضرم، وقيل: له صحبة. وأخرجه أحمد (٥/٣٦٣) من طريق رجاء بن حيوة، عن الرسول الذي سأل النبي - ﷺ - عن الهجرة فقال: «لا تنقطع ما جوهد العدوّ» . وللحديث شاهد -أيضًا- من حديث عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وقُرن بهما معاوية؛ أخرجه أحمد (١/١٩٢)، والبزار (١٠٥٤) من حديث عبد الرحمن بن عوف -وحده-؛ بإسناد حسن. فالحديث بهذه الشواهد صحيح. والله الهادي. وانظر: «صحيح أبي داود» لشيخنا الألباني -﵀-.
(٢) في «سننه» (رقم ٢٤٨١) . وأخرجه البخاري (رقم ١٠ و٦٤٨٤) .
[ ٦٥ ]
وخوضهم في حدود الله وآياته، وإمكانًا لسبيلهم عليه؛ بجريان أحكامِهم هنالك
وسلطانهم، وكلّ ذلك حرام بنصِّ القرآن.
وخرَّج أبو داود (١) عن جرير بن عبد الله قال: بعث رسول الله - ﷺ - سريَّةً إلى خثعم، فاعتصم ناسٌ منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي - ﷺ -؛ فأمر لهم بنصف العقل. وقال: «أنا بريءٌ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين»، قالوا: يا رسول الله، لمَ؟! قال: «لا تُراءى ناراهما» .
وخرَّج -أيضًا- (٢) عن سمرة بن جندب: أما بعد، وقال رسول الله - ﷺ -: «من
_________________
(١) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود) (رقم ٢٦٤٥) . وأخرجه الترمذي (رقم ١٦٠٤) مرسلًا، ليس فيه ذكر جرير. وقال: وهذا أصح، ورجّح البخاري وغيره المرسل. وأخرجه الطبراني في «الكبير» (رقم ٢٢٦١ و٢٢٦٢)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/١٢-١٣)، وفي «الشعب» (٧/٣٩/٩٣٧٣) مختصرًا بلفظ: «من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذِّمة» . وأورده الهيثمي في «المجمع» (٥/٢٥٣) من حديث خالد بن الوليد، أن رسول الله - ﷺ - بعثه إلى ناس من خثعم الحديث. وقال: «رواه الطبراني، ورجاله ثقات» . قلت: رواه الطبراني في «الكبير» (٤/١٣٤ رقم ٣٨٣٦) . والحديث صحيح. انظر: «السلسلة الصحيحة» (٢/٢٢٨/رقم ٦٣٦) .
(٢) في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في الإقامة بأرض الشرك) (رقم ٢٧٨٧)، والطبراني في «الكبير» (رقم ٧٠٢٣، ٧٠٢٤)، من طريق سليمان بن موسى أبي داود، عن جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خُبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة، به. وإسناده ضعيف. ففيه: سليمان بن سمرة. قال الحافظ: «مقبول» . وفيه ابنه خبيب: مجهول. وجعفر بن سعد بن سمرة: ليس بالقوي. وسليمان بن موسى أبو داود: فيه لين. وأخرجه البزار (ق ٢٥٣- الكتانية)، والطبراني في «الكبير» (رقم ٦٩٠٥)، والحاكم (٢/ ١٤١-١٤٢)، والبيهقي (٩/١٤٢)، عن إسحاق بن إدريس، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (١/١٢٣)، عن أبي العباس الشعراني، عن إسحاق بن سيَّار، عن محمد بن عبد الملك، كلاهما (إسحاق، ومحمد) عن همَّام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا، نحوه. فالحديث حسن بهذين الطريقين. وانظر: «السلسة الصحيحة» (رقم ٢٣٣٠)، و«صحيح أبي داود» لشيخنا الألباني -﵀-. والحديث السابق يشهد لهذا.
[ ٦٦ ]
جامعَ المشرك وسكن معه؛ فإنه مثله» .
وبالجملة؛ فلا خلاف في وجوب الخروج من دار الكفر، واللّحاق بدار المسلمين (١) .
_________________
(١) قد اتفق الفقهاء على وجوب الهجرة من ديار الكفار إلى ديار المسلمين في حالة خوف الافتتان في الدين؛ فتجب الهجرة حين لايجد المسلم مستقرًا لدينه في أرضٍ يفتتن فيها ويمْتَحَنُ في دينه، فلم يَعُد في وُسعهِ إظهار ما كلَّفه الله به من أحكامٍ شرعية، خشية أن يُفتن في نفسه من بلاءٍ يقع عليه، أو مسِّ أذىً يصيبه في بدنه، فينقلب على عقبيه. قال الإمام النووي في «روضة الطالبين» (١٠/٢٨٢): «المسلم إذا كان ضعيفًا في دار الكفر، لا يقدر على إظهار الدِّين حَرُمَ عليه الإقامة هناك، وتجب عليه الهجرة إلى دار الإسلام » . اهـ. وحين يجد المسلم موضِعًا -داخل القطر الذي يعيش فيه- يَأمنُ فيه على نفسه ودينه وأهله، وينْأى فيه عن الفتنة التي حلَّت به في مدينته، أو في قريته، فعليه -إن استطاع- أن يهاجر إلى ذلك المكان داخل قطْره نفسه، وهذا أولىَ -وبلا شك- من أن يهاجر إلى خارج قطره، إذ يكون أقرب إلى بلده ليُسرع بالرجوع إليه بعد زوال السَّبب الذي من أجله هاجر. وقد هاجر أشرف إنسان وأعظمه محمدٌ - ﷺ -، من أشرف بقعة وأعظمها؛ مكة المكرمة، وكل إنسان -منذ خلق الناس إلى الساعة-، دون محمد - ﷺ -؛ منزلةً، وكل بقاع الأرض، دونها؛ شرفًا وقُدسيةً. والهجرة كما أنها مشروعة من قُطر إلى قُطر، فهي مشروعة من قرية أو من مدينة إلى قرية أو مدينةٍ داخل القطر نفسه، والمهاجرُ يعرف من نفسه ما لا يعرفه منه غيره. والهجرة من قُطر إلى قُطر لا تشرع إلا بدواعيها وأسبابها، ومن أعظم هذه الأسباب: أن تكون الهجرة للإعداد واتخاذ الأهبة التي أمر الله بها ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾؛ لإجلاء الأعداء عن أرضٍ من أرضِ المسلمين، وتخليصها من أيديهم؛ ليعود إليها حكم الإسلام كما كان من قبل. فالهجرة -إذن- من الإعداد الذي أمر الله به وحضَّ عليه، ومن أبطأ فيها -وقد تهيأت أسبابها ودواعيها- فقد عصى الله، ونأى بجانبه عن أمره. فإن علم المسلم -أو المسلمون- أنهم ببقاءهم في ديارهم يزدادون وهنًا إلى وهن، وضعفًا إلى ضعف، وأنهم إن هاجروا ذهب الوهن عنهم، وزال الضعف منهم، وبقوا -بعد علمهم هذا- ولم يهاجروا -إن استطاعوا-؛ فهم آثمون عاصون أمر الله، وربما عوقبوا بمعصيتهم هذه عقوبة أعظمَ وأشدَّ نُكرًا، تتلاشى فيها شخصيتهم، وتغيبُ معها صورتهم، وتضل بها عقيدتهم، ثم لا يجدون لهم من دون الله وليًا ولا نصيرًا. =
[ ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وما صار إليه المسلمون في الأندلس، وفي غيرها من البلاد، شاهدٌ منظورٌ يقصُّ علينا من نبئه ما يبعث مَنْسِيَّ الشَّجن، ويُنسي لذة الوَسَن، ويُذكر محظور السُّنن! فهل من مدَّكِر؟! فقد كانت محنة المسلمين بالأندلس من أشد المحن التي شهدها العالم الإسلامي، وفيها أفتى كثير من الفقهاء بوجوب الهجرة. ومن أشهر من أفتى في هذا الموضوع: الفقيه الونشريسي الذي رأى أن هجرة المسلمين من الأندلس واجبة، ومن لم يهاجر مع قدرته على الهجرة فهو آثم، في رسالة له عنوانها: «أسنَى المتاجر في بيان أحكام من غلَبَ على وطنه النصارى ولم يهاجر، وما يترتب عليه من العقوبات والزواجر» -وهي ضمن كتابه «المعيار المعرب والجامع المُغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب» - (٢/١١٩-١٣٢) . وقد حدَّدَ المخاطرَ التي تهدد حياة المسلم المقيم بأرض الكفر فيما يلي: أولًا: الخوف من تعطيل الدين، كتعطيل الزكاة، والحج، والجهاد. ثانيًا: الحط من قدر الإسلام بالتعرض للاستغراق في مشاهدة المنكرات. ثالثًا: الخوف من نقض النصارى لعهودهم. رابعًا: الخوف من الفتنة في الدين. خامسًا: الخوف على الأبضاع والفروج. سادسًا: الخوف من غلبة عاداتهم ولغتهم ولباسهم على المقيمين بينهم. سابعًا: الخوف من التسلط على المال بإحداث الوظائف الثقيلة والمغارم المجحفة. وقد رأى بعض الباحثين -وهو الدكتور حسين مؤنس في دراسته لفتوى الونشريسي في صحيفة: «معهد الدراسات الإسلامية» (ص ١٢٩-١٩١ العدد ١ سنة ١٩٥٧م/١٣٧٧هـ) -، في رأي الونشريسي نوعًا من التجني والظلم، ورأى أن المصلحة تقتضي إقامة القادرين على الهجرة من أجل العاجزين عنها، يقول: «ولو أقام الرؤساء والأعيان ونقباء أهل المهن وشيوخ الدين؛ لَمَا انحلَّ أمرُ هذه الجماعات، ولكان لها شأن آخر، شأنها في ذلك شأن المستعربين، فقد أقام معهم تحت ذمة الإسلام أغنياؤهم ورؤساؤهم وقساوستهم، فظلت لجماعاتهم شخصيتها؛ وإن قلَّت أعدادها، وظل فيها دائمًا من يتكلم باسمها ويخاطب رجال الدولة في شأنها، فلم تتلاش أبدًا. وربما عزى معظم ما أصاب المدجنين إلى تخلي رؤسائهم ورجال دينهم عنهم، ونرى مسؤولية الشيوخ واضحة، إذ لم يكفهم أن يفروا بأنفسهم مُخَلِّفين أهل دينهم، بل حرَّموا البقاء على من أراده من الرؤساء، وطلبوا إليهم الهجرة، ومعنى ذلك ترك الضعفاء وحدهم يفعل العدو بهم ما يريد» . إلا أنه قد فات الدكتور أنه لايمكن قياس حال المسلمين المقيمين تحت سلطة الكفار بحال =
[ ٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أهل الذمة المقيمين تحت سلطة المسلمين، ذلك أنَّ الإسلام يتميز برعايته الخاصة لأهل الذمة وبضمانه لكافة حقوقهم، والتاريخ شاهد بأن أهل الذمة عاشوا دائمًا تحت السلطة الإسلامية معززين مكرمين، ولم يتعرضوا أبدًا لتلك الإبادة الوحشية التي تعرض لها المسلمون بالأندلس، والذين وجدوا أنفسهم أمام اختيارين لا ثالث لهما، فإما أن يهاجروا وإما أن يتنَصَّرُوا. ومن ثم كان من المنطقي أن يدعو الونشريسي وغيره من المسلمين إلى الهجرة صيانة للدين الإسلامي وإنقاذًا للمسلمين، وكان من المنطقي -أيضًا- أن يكفروا من قدر على الهجرة ولم يهاجر؛ لأن إقامته بأرض الكفر تعرض الدين لمخاطر كثيرة. ويعتبر هذا الحكم الذي رآه الونشريسي وغيرهُ من الفقهاء موقفًا معقولًا وواقعيًا، إلا أن الغريب حقًا هو أنهم لم يهتموا اهتمامًا كافيًا بالطرف الآخر من المشكلة وهو: إلى أين يهاجر هؤلاء؟ وواجب المسلمين الآخرين في استقبالهم وإيوائهم وحمايتهم، ومن الذي يتحمل هذه المسؤولية، هل الأقرب أم الأقوى؟ فهل كان الأمر عندهم مفروغًا منه ولا يحتاج إلى إفتاء؟ أم أنهم لم يرغبوا في إثارته لأسباب خاصة؟! والواقع أن أمر الهجرة لم يكن أمرًا يسيرًا على كل حال، فقد اعترضت المهاجرين عراقيل مختلفة، كان منها ماتكلفه هذه الهجرة من تضحيات مادية، ومايحسه المهاجر من فروق بيئته القديمة التي هاجر منها، والبيئة الجديدة التي هاجر إليها. إلا أن هذه العراقيل لا ينبغي أن تكون مسوِّغًا للقول بالإقامة بأرض الكفر وعدم الهجرة منها؛ لأن حل المشكلة يكمن في القضاء على تلك العراقيل وتذليلها وليس في العدول عن الهجرة بالمرة، ويخطيء من يثير قضية الوطن في هذا الموضوع، فالمسلم لا يرتبط بالأرض، ولكنه يرتبط بدينه، فأينما تحققت مبادىء الإسلام وضمنت الحقوق الإسلامية فثمة وطن المسلم، وهذا لا يعني أننا ننكر مشاعر الإنسان ولا إحساسه تجاه وطنه، ولكننا ننكر أن ينتفخ هذا الإحساس ويتضخم إلى درجة أن يصبح في حجم الدين بالنسبة للمسلم. ففكرة الوطنية كانت من أشد ما ابتلي به الإسلام في الحقبة الأخيرة، إلى جانب القوميات القائمة على أساس الجنس. وكما نرى، فالإمام الونشريسيُّ لم يقم أي وزن لاعتبار المصلحة في فتواه، بينما يرى الإمام المازريُّ مراعاة المصلحة في ذلك؛ فقد سئل عن أحكام قاضي صقلية وشهادة عدولها، ولايدري السائل إقامة المسلمين هنالك تحت الكفر: اختيارية أم ضرورية؟ فكان من ضمن ما أجاب به المازري قوله: «وهذا المقيم ببلد الحرب، إن كان اضطرارًا فلا شكَّ أنه لا يقدح في عدالته؛ وكذا إن كان اختيارًا، جاهلًا بالحكم، أو معتقدًا للجواز، إذ لا يجب عليه أن يعلم هذا الطَّرف من العلم وجوبًا يقدح تركه في عدالته. =
[ ٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وكذا إن كان متأولًا، وتأويله صحيحًا، كإقامته بدار الحرب؛ لرجاء افتكاكها وإرجاعها للإسلام، أو لهداية أهل الكفر أو نقلهم عن ضلالةٍ ما » . ومما لا شك فيه أن هذا كله منوط بالقدرة والاستطاعة؛ لقوله -تعالى-: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولقوله -سبحانه-: ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، فإن لم يجد المسلم أرضًا يأوي إليها غير الأرض التي هو فيها؛ يأمنُ فيها على دينه، وينجو من الفتنة الواقع فيها، أو حيل بينه وبين الهجرة بأسباب مانعةٍ قاهرةٍ لا يستطيعُ تذليلها، أو استوت الأرض كلها في الأسباب والدواعي الموجبة للهجرة، أو علم في نفسه أن بقاءه في أرضه آمن لدينه ونفسه وأهله، أو لم يكن من مُهاجَر إلا إلى أرض يحكم فيها بالكفر الصّراح علانية، أو كان بقاؤه في أرضه المأذون له بالهجرة منها محققًا مصلحة شرعية، سواءٌ أكانت هذه المصلحة للأمة، أم بإخراج أهل الكفر من كفرهم، وهو لا يخشى الفتنة على نفسه في دينه، فهو في هذه الأحوال كلّها، وفي الأحوال التي تحاكيها، ليس في وسعه إلا أن يبقى مقيمًا في أرضه، ويُرجَى له ثواب المهاجرين، فرارًا بدينهم، وابتغاء مرضاة ربهم. قال البرزلي في «فتاويه» (٢/٣٠) فيما نقله عن ابن الحاج في كتابه «النوازل»، قال: «من خرج من وطنه فارًا بنفسه وماله وولده مخافة العدو وفرضته، فلما اتصل ببلد الإسلام أراد الرجوع لوطنه المذكور وهو على ما ذُكر من الخوف من العدو، وهل يكون في رجوعه من المرابطين، أو من المغرّر بنفسه، أو بقاؤه في موضعه أفضل، أو في زعمه أنه يكون مرابطًا وأفضل لزيارة أهله؟ جوابها: رجوعه لوطنه وتلافيه المخافة وتكثير عدد المسلمين أفضل من بقائه في الموضع الذي هو فيه. ولزومه للموضع المخوف من أبواب الرباط، والترغيب فيه مأثور. فقد روي عنه -﵊- أنه قال: «كل الميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمو له عمله ويؤمن من فتان القبر» . قلت: رجوعه لوطنه بنفسه لا بأهله لقوله في السؤال (بنفسه) وقوله: وأفضل له لزيارة أهله؛ لأن الرواية عن مالك أنه لا يكون مرابطًا إذا كان بأهله. وحكى ابن رقيق في ترسيم القيروان أنها دون ما تقصر فيه الصلاة من العدو من أجل أن يكتب لهم فضل الرباط. وكذا ما حكى أن أهل تونس كانوا يكبرون بعد العشاء الآخرة والصبح قبل هذا الزمان، ويقولون إنّ مالكًا نصّ على أنها الرباط في كتاب الحبس منها. فظاهر هذا أنه مرابط، ولو كان بأهله. وإن كان بعضهم أنكر هذا الأخذ، ويحملها على من ليس له بها أهل. وقال شيخنا الفقيه الإمام: يختار إن سكنها برسم الرباط وجلب الأهل للإعانة عليه فهو مرابط، وإن سكن بغير أهل أفضل، وإن اتخذها وطنًا من غير هذه النية؛ فليس بمرابط. ورسم الرباط هو موضع الحرس في الأوقات التي يتوقع فيها العدو. فلو كان العدو حاضرًا أو توقع حضوره فهو الحرس» . =
[ ٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال الإمام النووي في «الروضة» (١٠/٢٨٢) -متممًا كلامه الذي نقلته عنه قبل-: « فإن لم يقدر على الهجرة فهو معذور إلى أن يقدر» . قلت: ولا تعارض بين قوله - ﷺ -: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة»، وقوله: «لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو» . فأنقل إليكم ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في الحديثين المذكورين، وأنه لا تعارض بينهما، فقال في «مجموع الفتاوى» (١٨/٢٨١- وما بعدها): «وكلاهما حق، فالأول أراد به الهجرة المعهودة في زمانه؛ وهي الهجرة إلى المدينة من مكة وغيرها من أرض العرب؛ فإن هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت مكة وغيرها دار كفر وحرب، وكان الإيمان بالمدينة، فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبة لمن قدر عليها، فلما فتحت مكة وصارت دار الإسلام، ودخلت العرب في الإسلام، صارت هذه الأرض كلها دار الإسلام، فقال: «لا هجرة بعد الفتح»، وكون الأرض دار كفر ودار إيمان، أو دار فاسقين، ليست صفة لازمة لها: بل هي صفة عارضة بحسب سكانها، فكل أرض سكانها المؤمنون المتقون هي دار أولياء الله في ذلك الوقت، وكل أرض سكانها الكفار فهي دار كفر في ذلك الوقت، وكل أرض سكانها الفساق فهي دار فسوق في ذلك الوقت، فإن سكنها غيرُ ماذكرنا، وتبدلت بغيرهم فهي دارهم. وكذلك المسجد إذا تبدَّل بخمارة أو صار دار فسق أو دار ظلم أو كنيسة، يشرك فيها بالله كان بحسب سكانه، وكذلك دار الخمر والفسوق ونحوها إذا جعلت مسجدًا يعبد الله فيه -جل وعز- كان بحسب ذلك، وكذلك الرجل الصالح يصير فاسقًا، والكافر يصير مؤمنًا، أو المؤمن يصير كافرًا، أو نحو ذلك، كل بحسب انتقال الأحوال من حال إلى حال، وقد قال -تعالى-: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً﴾ [النحل: ١١٢] الآية، نزلت في مكة لما كانت دار كفر، وهي ما زالت في نفسها خير أرض الله، وأحب أرض الله إليه، وإنما أراد سكانها، قد روى الترمذي مرفوعًا أنه قال - ﷺ - لمكة وهو واقف بالحزورة: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن قومي أخرجوني منك لَمَا خرجت» [وإسناده صحيح، انظر: «المشكاة» (٢٧٢٥)] . وفي رواية: «خير أرض الله، وأحب أرض الله إليَّ»، فبيَّن أنها أحب أرض الله إلى الله ورسوله، وكان مقامه بالمدينة ومقام من معه من المؤمنين أفضل من مقامهم بمكة لأجل أنها دار هجرتهم؛ ولهذا كان الرباط بالثغور أفضل من مجاورة مكة والمدينة، كما ثبت في «الصحيح»: «رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطًا، مات مجاهدًا، وجرى عليه عمله، وأجرى رزقه من الجنة، وأمن الفتان» [رواه مسلم] . وفي «السنن» عن عثمان عن النبي - ﷺ - أنه قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» [حسَّنه الترمذي، وصححه الحاكم والذهبي] . =
[ ٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال أبو هريرة: «لأن أرابط ليلة في سبيل الله، أحب إليّ من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود» . [بل هو مرفوع، رواه ابن حبان وغيره بسندٍ صحيح. انظر: «الصحيحة» (١٠٦٨)] . قلت: ولهذا كان أفضل الأرض في حق كل إنسان أرضٌ يكون فيها أطوعَ لله ورسوله، وهذا يختلف باختلاف الأحوال، ولا تتعين أرض يكون مقام الإنسان فيها أفضل، وإنما يكون الأفضل في حق كل إنسان بحسب التقوى والطاعة والخشوع والحضور، وقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان: هلم إلى الأرض المقدسة! فكتب إليه سلمان: إن الأرض لاتقدس أحدًا، إنما يقدس العبد عمله [صحيح، وخرَّجته مفصلًا في تعليقي على «المجالسة» (١٢٣٨)] . وكان النبي - ﷺ - قد آخى بين سلمان وأبي الدرداء، وكان سلمان أفقه من أبي الدرداء في أشياء من جملتها هذا. وقد قال الله -تعالى- لموسى -﵇-: ﴿سَأوْرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥]، وهي الدار التي كان بها أولئك العمالقة، ثم صارت بعد هذا دار المؤمنين، وهي الدار التي دلَّ عليها القرآن من الأرض المقدسة، وأرض مصر التي أورثها الله بني إسرائيل، فأحوال البلاد كأحوال العباد، فيكون الرجل تارة مسلمًا، وتارة كافرًا، وتارة مؤمنًا، وتارة منافقًا، وتارة برًا تقيًا، وتارة فاسقًا، وتارة فاجرًا شقيًا. وهكذا المساكن بحسب سكانها، فهجرة الإنسان من مكان الكفر والمعاصي إلى مكان الإيمان والطاعة؛ كتوبته وانتقاله من الكفر والمعصية إلى الإيمان والطاعة، وهذا أمر باق إلى يوم القيامة، والله -تعالى- قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥] . قالت طائفة من السلف: هذا يدخل فيه من آمن وهاجر وجاهد إلى يوم القيامة، وهكذا قوله -تعالى-: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، يدخل في معناها كل من فتنه الشيطان عن دينه أو أوقعه في معصية، ثم هجر السيئات وجاهد نفسه وغيرها من العدو، وجاهد المنافقين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك، وصبر على ما أصابه من قول أو فعل. والله -﷾- أعلم» . وأنقل لك -أخي القارئ- فتوى ابن عربي الصوفي الحاتمي الطائي في كتابه «الوصايا» (ص ٥٨-٥٩) في مسألة الهجرة من ديار الكفر إلى ديار الإسلام، قال ما نصُّه: «وعليك بالهجرة ولا تقم بين أظهر الكفار، فإن في ذلك إهانة دين الإسلام، وإعلاء كلمة الكفر على كلمة الله، فإن الله ما أمر بالقتال إلا لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وإياك والإقامة أو الدخول تحت ذمة كافر ما استطعت، واعلم أن المقيم بين أظهر الكفار -مع تمكنه من الخروج من بين ظهرانيهم- لاحظّ له في الإسلام (!!) فإن النبي - ﷺ - قد تبرأ منه، ولا يتبرأ رسول الله - ﷺ - من مسلم، وقد ثبت عنه أنه - ﷺ - قال: «أنا برئ من مسلم يقيم بين أظهر المشركين»، فما اعتبر له كلمة الإسلام، وقال الله -تعالى- فيمن مات وهو بين أظهر المشركين ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ =
[ ٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]، فلهذا حَجَرْنا في هذا الزمان على الناس زيارة بيت المقدس والإقامة فيه؛ لكونه بيد الكفار، فالولاية لهم والتحكم في المسلمين، والمسلمون معهم على أسوء حال -نعوذ بالله من تحكم الأهواء-، فالزائرونَ اليوم البيت المقدَّس، والمقيمون فيه من المسلمين، هم الذين قال الله فيهم: ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]، وكذلك فلتهاجر عن كل خلق مذموم شرعًا قد ذمّه الحق في كتابه، أو على لسان رسول الله - ﷺ -» ا. هـ. وأذكر -هاهنا- فتوى دَنْدَنَ حولها كثير من الشانئين، وأوقعت بعض المُحبِّينَ في حيرة، وهي فتوى لشيخنا محدِّث العصر العلامة محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى- حول قضية خروج أهل فلسطين منها! وهذه قصَّتُها؛ نسجِّلها هنا تأدية لبعض حق شيخنا -﵀- علينا، ولشهادة التاريخ، وللإنصاف والمسؤولية العلمية، فنقول: ضمَّ الشيخ -﵀- وآخرَ مثله في السِّن- لا في العلم- مجلسٌ، وسأل المُسِنُّ القادمُ من فلسطين الشيخَ -﵀- عن مسائل، وقع ضمنها توَجُّعٌ وشكاية وتألم من حال المسلمين الساكنين في فلسطين، فأفتى الشيخ -كعادته وبصراحته وجرأته فيما يعتقد- أن مكة خير من فلسطين، وأن النبي - ﷺ - لما لم يستطع إقامة الدين فيها هاجر منها، فعلى كل مسلم لا يستطيع أن يقيم دينه في أي بقعة أن يتركها وينتقل إلى بلدة يستطيع فيها ذلك، فكان ماذا؟ وقعت هذه الفتوى لبعض (الأشاعرة) (الصوفيين) في بلادنا، وأخذ يدندن فيها، متّهمًا الشيخ بأنه (يهودي) ! مستدلًا بكلامه هذا! وأثارت (الصحف) و(الجرائد) هذه القضية، وكتب فيها العالم والجاهل، والسفيه والحقير والوضيع، وصرح بعضهم أنه لا يبغض (الألباني) ولا يعاديه! وإنما يعمل على محاربة (منهجه) فحسب! اللهم يا مقلب (العقول) ثبت (عقلي) على دينك وسنة نبيك - ﷺ -. ويا ليت هؤلاء تكلموا بأدلة، أو بِلُغةِ أهل العلم، وإنما بلغة (الجرائد): السباب، وعرض (العضلات)، وعدم التعرض للمسألة: بتأصيل أو تكييف أو تدليل أو تأريخ، وإنما لامَسَتْ شيئًا في نفوسهم من (نفورٍ) أو (حسد) أو (حقد)، ففرَّغوا مافيها، فارتاحوا وانتعشوا، وظنوا أنهم نهوا وأمروا! وفازوا وظفروا! حقًا؛ إنها -أي: المقالات- مكتوبة بلغة، لا يربأ صاحبُ القلمِ الحرِّ العلميِّ إلا السكوت عنها، أو القول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فلقد سئل الشيخ -﵀- عن بعض المدن التي احتلها اليهود عام ١٩٤٨م، وضربوا عليها صبغة الحكم اليهودي بالكلية، حتى صار أهلها فيها إلى حال من الغُرْبَةِ المُرْمِلَةِ في دينهم، وأَضْحَوا فيها عبدةً أذلاء؟ فقال: هل في قرى فلسطين أو في مدنها قريةٌ أو مدينةٌ يستطيع هؤلاء أن يجدوا فيها =
[ ٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = دينهم، ويتخذونها دارًا يدرءون فيها الفتنة عنهم؟ فإن كان؛ فعليهم أن يهاجروا إليها، ولايخرجوا من أرض فلسطين، إذْ أنَّ هجرتهم من داخلها إلى داخلها أمرٌ مقدورٌ عليه، ومحقِّقٌ الغاية من الهجرة. وهذا -والله- تحقيقٌ علميٌّ دقيقٌ يَنْقضُ زعم من شوّش وهوَّش، مُدَّعيًا أنّ في فتوى الشيخ إخلاءً لأرض فلسطين من أهلها، أو تنفيذًا لمخططات يهود!! ﴿مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . أفٍّ لكم أيها الناقدون الحاقدون! هل علمتم هذا التفصيل أم جهلتموه؟! إن كنتم علمتوه فلِم أخفيتموه وكتمتموه؟! وإن كنتم جهلتموه! فلماذا رضيتم لأنفسكم الجهل، وللشيخ الظلم، وللناس التضليل؟! أم أنَّ هذه تجارتكم تخشون كسادها؟! بِئْسَتِ البضاعة، وبِئْسَت التجارة! وليعلم المسلم أن الحفاظ على الأرض والنفس، ليس أولى من الحفاظ على الدين والعقيدة، بل إن استلاب الأرض -ممن يظل مقيمًا فيها رجاءَ الحفاظ عليها، غير واضع في حسابه الحفاظ على دينه أولًا- قد يكون أيسرَ، وأشدَّ إيذاءً، وأعظم فتنة. والعدو الكافر الذي يحتلُّ أرضًا -وأهلها مقيمون فوقها- يملك الأرض ومن عليها وما عليها، فالكفر لايحفظ للإسلام عهدًا، ولا يرعى للمسلمين إلًاّ ولا ذمة، ولا يقيم لهم في أرضهم وخارج أرضهم وزنًا. قال أبو عبيدة: وتكلم الشيخ -رحمه الله تعالى- على هذه المسألة بإسهاب في كتابه «السلسلة الصحيحة» عند حديث رقم (٢٨٥٧) فانظره هناك،، والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب. وقد فصَّلت في مسألة الهجرة -بعامة- ومن أرض فلسطين -بخاصة-، ونقلت كلام الشيخ -﵀-، وذكرت المسألة بتأصيل وتقعيد، ونَقْلِ كلام أهل العلم في ذلك، وذكرت حكم عمليات الاقتحام بالنفس، التي تسمَّى اليوم: بالعمليات الفدائية -أو الاستشهادية- بكلام لا مزيد عليه، في كتابي: «السَّلفيون وقضية فلسطين» فانظره هناك. مع أن المصنّف سيتعرض لهذه المسألة -وهي الاقتحام بالنفس- في الأبواب القادمة، لكن دون التفصيل الذي ذكرته في كتابي هذا، والله المسدِّد. وأخيرًا؛ نحيل على دراسات مفردة لمن رام الاستزادة في هذا الموضوع، -وهو الهجرة من ديار الكفر إلى ديار الإسلام- وهي مهمة: الأولى: لمصطفى بن رمضان البولاقي (ت١٢٦٣هـ-١٨٤٧م): «رسالة فيما إذا كان يحل للمسلمين العيش تحت حكم غير المسلمين والتعايش معهم» . الثانية: لعلي الرسولي رسالة في الموضوع نفسه، وبالعنوان السابق، وهي والتي قبلها ضمن مجموع منسوخ في القرن (١٣هـ/ ١٩م) في جامعة ييل بأمريكا، تحت رقم [٤٠٥-L (٩٧٠)] . انظر «المخطوطات العربية في مكتبة جامعة ييل» (١٠٦) . =
[ ٧٤ ]
وأمّا قوله: «لا تُراءى ناراهما»، فسببه قولان؛ ذكرهما أبو عبيد (١):
_________________
(١) = الثالثة: لأبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي (ت٩١٤هـ-١٥٠٨م): «أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر، وما يترتب عليه من العقوبات والزواجر»، نشرت بتمامها في «المعيار المعرب» (٢/١١٩-١٤١)، ونشرها -قديمًا- حسين مؤنس في صحيفة «معهد الدراسات الإسلامية في مدريد» (المجلد ٥)، سنة ١٩٧٥م، (ص ١٢٩-١٨٢) -وقد سبق الإشارة إليها-، وأعاد نشرها المحقق نفسه في مجلة «معهد المخطوطات العربية» (مجلد٥/ الجزء ١ ذو القعدة ١٩٥٩) (ص ١٤٧-١٨٤)، ثم ظهرت عن دار البيارق في طبعة رديئة! غير مقابلة على نسخ خطية، ومنها نسخة في شنقيط [٣٧٠ أش] في (١٧ ورقة)، كما في «فهرس مكتبة شنقيط وودان» (١٦٠)، وأخرى في مكتبة قاريونس، تحت رقم (٨٤٥)، كما في «فهارس مكتبة جامعتها» (٢/٣١) . الرابعة: «بيان وجوب الهجرة وتحريم موالاة الكفرة ووجوب موالاة مؤمني الأمة» لعثمان بن محمد بن فودي، منه ثلاث نسخ في نيجيريا في جامعة أحمد وبلو، بأرقام [١/١٢٧. P و٦/٨. P و٤٣/٧.k]، ورابعة في قاريونس/ ليبيا في (٧٧ ورقة)، تحت رقم (١٩١٧)، كما في «فهر س مكتبة جامعة قاريونس» (٢/٢٧) . الخامسة: «سفر المسلمين إلى بلاد النصارى» منه نسخة في مكتبة الجامع الكبير بصنعاء، ضمن مجموع (١٦٣) في (٧) ورقات. السادسة: «الشمس المنيرة الزَّهْرَا في تحقيق الكلام فيما أدخله الكفار دارهم قهرا» للحسين ابن ناصر المهلاّ، منه نسخة في مكتبة الجامع الكبير بصنعاء، تحت رقم (١٤٧١) في (٢١) ورقة. السابعة: للأستاذ الحسن اليوبي كتاب: «الفتاوى الفقهية من أهم القضايا من عهد السعديين إلى ماقبل الحماية» / دراسةٌ وتحليل. تَعرَّض في (المبحث الأول) من (الفصل الثاني) منها (ص ٢٠٣-٢١٣) لمبحث: (هجرة الأراضي المحتلة)، مع مناقشةٍ لفتوى الإمام المازري والإمام الونشريسي حول هذه القضية. الثامنة: فتوى الإمام المازري؛ حيث سئل عن أحكام قاضي صقلية وشهادة عدولها، ولا يدري إقامة المسلمين هنالك تحت أهل الكفر: اختيارية أم ضرورية. وهي ضمن كتاب: قضايا ثقافية من تاريخ العرب الإسلامي (نصوص ودراسات) / للدكتور: عبد المجيد التركي (ص ٧٢-٧٥) . التاسعة: «إعلام الزُّمرة بأحكام الهجرة» للشيخ العلامة: حماد بن محمد الأنصاري -﵀-. العاشرة: «الفصل المبين في مسألة الهجرة ومفارقة المشركين» للشيخ حسين العوايشة -حفظه الله-.
(٢) في «غريب الحديث» (٢/٨٨-٨٩) . وانظر: «عون المعبود» (٧/٣٠٥) .
[ ٧٥ ]
أحدهما: أنه لا يحل لمسلمٍ أن يسكن بلادَ المشركين، فيكون منهم بقدر ما يرى كلُّ واحدٍ منهما نار صاحبه، قال: فجعل الرؤية للنار، وإنما الرؤية لصاحبها، ومعناه: أن تدنو هذه من هذه.
والوجه الآخر، يقال: إنه أراد بقوله: «لا تراءى ناراهما»؛ يريد نار الحرب، قال الله -تعالى-: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]، فيقول: فناراهما مختلفتان؛ هذه تدعو إلى الله، وهذه تدعو إلى الشيطان، فكيف يتفقان؟ !، وكيف يساكن المسلم المشركين في بلادهم، وهذه حال هؤلاء وهؤلاء؟! هذا الوجه الثاني أوقع في معنى الحديث، وما سيق له التعليل بذلك في تحريم المساكنة، والله أعلم.
وأما أمره - ﷺ - بنصْف العقل، فيحتمل أن يكون إنما أهْدَر النِّصْفَ الثاني؛ لأنهم أعانوا على أنفسهم، حيث أقاموا بدار الكفر، وعَرَّضوا أنفسهم بذلك للقتل، والله أعلم.
وفي هذا الحديث ردٌّ على من زَعمَ أنْ لا دِيَةَ لمن أقام من المسلمين بدار الحرب، مع إمكان الخروج، حتى أصابه المسلمون في مَعَرَّة الاقتحام، وإليه ذهبت المالكية (١) . *****
_________________
(١) انظر: «أحكام القرآن» لابن العربي (٤/١٣٩)، «تفسير القرطبي» (١٦/٢٤٣) وهو مذهب الحنفية، انظر: «تبيين الحقائق» (٣/٢٤٣)، «بدائع الصنائع» (٦/٦٣) . وقال ابن القيم في «تهذيب سنن أبي داود» (٧/٣٠٤): «قال بعض أهل العلم: إنما أقر لهم بنصف العقل بعد علمه بإسلامهم؛ لأنهم قد أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين ظهراني الكفار، فكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره. وهذا حَسَن جدًا» .
[ ٧٦ ]