بَابُ ذِكْرِ اخْتِلَافِهِمْ فِي قِرَاءَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلَاةِ أَوَّلَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَهَلْ هِيَ آيَةٌ مِنْهَا؟ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي قِرَاءَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَهَلْ هِيَ آيَةٌ مِنْهَا؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّهَا لَا تُقْرَأُ فِي أَوَّلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ لَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُمْ آيَةً مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهَا مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ إِلَّا فِي سُورَةِ النَّمْلِ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمُ﴾ [النمل: ٣٠] وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْهَا فِي كِتَابِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ. وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ الطَّبَرِيُّ
[ ١٥٣ ]
وَأَجَازَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ قِرَاءَةَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ فِي أَوَّلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَفِي سَائِرِ سُوَرِ الْقُرْآنِ لِلْمُتَهَجِّدِينَ وَلِمَنْ يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَرْضًا عَلَى الْمُقْرِئِينَ وَأُمُّ الْقُرْآنِ عِنْدَهُمْ سَبْعُ آيَاتٍ يَعُدُّونَ ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] آيَةً، وَهُوَ عَدُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَأَهْلِ الشَّامِ، وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي
[ ١٥٤ ]
لَيْلَى، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ: يَقْرَأُ الْإِمَامُ فِي أَوَّلِ
[ ١٥٥ ]
فَاتِحَةِ الْكِتَابِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَيُخْفِيهَا عَمَّنْ خَلْفَهُ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ ﵃ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي أَنَّهُ كَانَ يُخْفِيهَا، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخْعِيِّ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ
[ ١٥٦ ]
وَهِيَ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ عِنْدَ جَمَاعَةِ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ، وَجُمْهُورِ فُقَهَائِهِمْ، إِلَّا أَنَّ السُّنَّةَ عِنْدَهُمْ فِيهَا إِخْفَاؤُهَا فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ تَسْلِيمًا، وَاتِّبَاعًا لِلْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الْكَرْخِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنَّهُ لَا يُحْفَظُ عَنْهُ هَلْ هِيَ آيَةٌ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَمْ لَا؟ قَالُوا: وَمَذْهَبُهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَيْسَتْ آيَةً مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ يُسِرُّ بِهَا فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ قَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ: هِيَ آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ مُنْفَرِدَةٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ كُتِبَتْ فِيهِ فِي الْمُصْحَفِ، فِي أَوَّلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَفِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ،
[ ١٥٧ ]
وَلَيْسَتْ فِي شَيْءٍ مِنَ السُّوَرِ إِلَّا فِي سُورَةِ النَّمْلِ، وَإِنَّمَا هِيَ آيَةٌ مُفْرَدَةٌ، غَيْرُ لَاحِقَةٍ بِالسُّورَةِ، وَزَعَمَ الرَّازِيُّ أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ يَقْتَضِي عِنْدَهُ مَا قَالَ دَاوُدُ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُ إِلَى قِرَاءَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ جَهْرًا فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ وَسِرًّا فِي صَلَاةِ السِّرِّ وَقَالَ: هِيَ آيَةٌ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، أَوَّلُ آيَاتِهَا، وَلَا تَتِمُّ سَبْعَ آيَاتٍ إِلَّا بِهَا، وَلَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْهَا؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»،
[ ١٥٨ ]
وَقَوْلِهِ ﷺ: «كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ»، وَمَنْ لَمْ يَقْرَأْهَا كُلَّهَا فَلَمْ يَقْرَأْهَا، وَقَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ. وَرُوِيَ الْجَهْرُ بِهَا عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ ﵄ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمَا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَمَّارٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ
[ ١٥٩ ]
فِي الْجَهْرِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ: سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَطَاوُسٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ شِهَابٍ
[ ١٦٠ ]
الزُّهْرِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَمُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ، وَسَائِرِ أَهْلِ مَكَّةَ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي غَيْرِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ: هَلْ هِيَ مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ آيَةٌ
[ ١٦١ ]
مُضَافَةٌ إِلَى كُلِّ سُورَةٍ أَمْ لَا؟ وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِهَ أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «مَا كُنَّا نَعْلَمُ انْقِضَاءَ السُّورَةِ إِلَّا بِنُزُولِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ غَيْرِهَا» وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ،
[ ١٦٢ ]
وَمَكْحُولٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَطَائِفَةٌ، وَوَافَقَ الشَّافِعِيَّ عَلَى أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ: أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَأَهْلُ مَكَّةَ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ إِلَّا أَنَّ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبَا عُبَيْدٍ يُخْفُونَهَا فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ كَمَذْهَبِ سُفْيَانَ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَسَنِ بْنِ ⦗١٦٤⦘ حَيٍّ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَجَمَاعَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: لِكُلِّ فِرْقَةٍ مِنْ فِرَقِ الْفُقَهَاءِ الْمَذْكُورِينَ آثَارٌ رَوَوْهَا، وَصَارُوا إِلَيْهَا فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَعَنْ أَصْحَابِهِ، وَالتَّابِعِينَ نَذْكُرُ مِنْهَا مَا حَضَرَنَا ذِكْرُهُ عَلَى حَذْفِ التَّكْرَارِ وَالْإِتْيَانِ بِمَا عَلَيْهِ الْمَدَارُ بِعَوْنِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
[ ١٦٣ ]