وَالْمُحْرم ضَرْبان رَجُل وَامْرَأة، فَأَمّا الرَّجُل فَيَحْرُمُ عليه سَتْرُ جَميع رَأسه أو بَعْضه (٣) بكُل ما يُعَدُ سَاترًا (٤) سَوَاء كانَ مَخِيطًا أو غَيْرَهُ مُعْتَادًا أو غَيْرَهُ فَلاَ يَجُوزُ أنْ يَضَعَ عَلَى رَأسه عمَامَة ولاَ خِرْقةً ولاَ قَلَنْسُوَةً مُقَورَةً ولا يَعْصبُهُ بِعصَابة (٥) ونَحْوها حَتى يَحْرُمَ أنْ يَسْتُرَ منْهُ قَدْرًا يقْصِدُ سَتْرَهُ لشَجةٍ.
وَنَحْوهَا إذَا لم يكُنْ به شَجة (٦).
_________________
(١) أي أو بالقران أو بالإحرام المطلق قبل صرفه إليهما أو إلى أحدهما.
(٢) قال في الحاشية: عدها بعضهم عشرين وبعضهم عشرة ولا تخالف لأن ما عدا السبعة المذكورة مما زيد داخل فيها. قيل: حكمة تحريمها الخروج عن العادة ليتذكر به ما هو فيه من العبادة. اهـ. وأقول: حكمته أيضًا - ما أشير إليه في الحديث من مصيره أشعث أغبر ليتذكر بذلك الذهاب إلى الموقف الأعظم فيجازى بأعماله فيحمله ذلك على غاية من إتقان تلك العبادة المهمة والإخلاص فيها.
(٣) دخل فيه البياض الذي وراء الأذن مما حاذى أعاليها وهو المعتمد كما في الحاشية.
(٤) أي عُرْفًا ولو شفافًا.
(٥) أي عريضة بحيث لا تقارب الخيط.
(٦) قال في الحاشية: مفهومه بالنسبة لعدم لزوم الفدية لا بالنسبة لعدم الحرمة غير مراد، لقول المجموع قال أصحابنا: لو كان على المحرم جراحة فشد عليها خرقة، فإنْ كانت في غير الرأس فلا فدية، وإنْ كانت في الرأس لزمته الفدية لأنه يمنع في الرأس المحيط وغيره. اهـ. قال بعضهم: والمراد بالشد هنا هو مجرد اللف لا العقد، وإن كان =
[ ١٤٦ ]
أمَّا مَا لاَ يُعَدُّ سَاترًا فَلاَ بأسَ به مثْلُ أنْ يَتَوَسَّدَ عمَامَةً أوْ وِسَادةً أوْ يَنْغمسَ في ماءِ (١) أوْ يَسْتَظَل بِمِحْمَلٍ (٢) أو نَحْوه فَلاَ بَأْس به سَوَاء مس المِحْمَلُ رَأسَهُ أم لاَ وَقِيل: إنْ مَسَّ المِحْمَلُ رَأسَهِ لزمَهُ الفِدْيةُ ولَيْسَ بشيءٍ (٣)
_________________
(١) = هو المراد من الشد الواقع في نحو شد الهميان والخيط على الإزار. اهـ. وهو متجه إن لم يحتج للعقد للاستمساك على الجراحة، وإلا فالوجه جواز العقد أيضًا لكن مع الفدية. ثم المراد بالعقد عقد الخرقة نفسها أما لو شد عليها في غير الرأس خيطًا وربطه، فإن ذلك لا يسمى عقدًا ولا يحرم ولا فدية به. اهـ.
(٢) أي ولو كدرًا.
(٣) بمحمل بكسر الميم الأولى وفتح الثانية أو بالعكس، وأما فتحهما معًا فمن لحن العوام.
(٤) في المجموع إنه ضعيف أو باطل. مذاهب العلماء في الاستظلال بغير ملاصق للرأس كالمحمل والسيارة غير المكشوفة ونحوهما قال في المجموع: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يجوز للمحرم أن يستظل في المحمل بما شاء، راكبًا ونازلًا، وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك وأحمد: لا يجوز، فإن فعل فعليه الفدية، وعن أحمد رواية أخرى: أنه لا فدية. وأجمعوا على أنه لو قعد تحت خيمة أو سقف جاز، ووافقونا على أنه إذا كان الزمان يسيرًا في المحمل فلا فدية، وكذا لو استظل بيده، ووافقونا أنه لا فدية. وقد يحتج بحديث عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة قال: (صحبت عمر بن الخطاب ﵁ فما رأيته ضرب فسطاطًا حتى رجع) رواه الشافعي والبيهقي بإسناد حسن، وعن ابن عمر: (أنه أبصر رجلًا على بعيره وهو محرم قد استظل بينه وبين الشمس فقال: اضحَ لمن أحرمت له) رواه البيهقي بإسناد صحيح وعن جابر عن النبي - ﷺ - قال: (ما من محرم يضحي للشمس حتى تغرب إلا غربت بذنوبه حتى يعود كما ولدته أمه" رواه البيهقي وضعفه، ودليلنا حديث أم الحصين ﵂ قالت: حججنا مع رسول الله - ﷺ - حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالًا وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي - ﷺ -، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة. رواه مسلم في صحيحه، ولأنه لا يسمى لابسًا. =
[ ١٤٧ ]
ولو وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأسهِ وأطَالَ أو شَدَّ عَلَيْه خَيْطًا لصُداع أو غَيْره فَلاَ بأس (١).
ولَوْ وَضَعَ عَلَى رَأسه حِمْلًا أو زِنْبِيلًا (٢) ونَحْوَه كُرِه (٣) وَلاَ يَحْرُمُ على الأَصَحِّ ولَوْ طَلَى على رَأسه بحناء أوْ طين أوْ مَرْهَم فَإنْ كَانَ رَفيقاَ فَلاَ شيء عليه وإنْ كانَ ثخينًا يَسْتُرُ وَجَبَت الْفِدْيةُ على الصَحيح (٤) وأمَّا غَير الرَّأسِ مِنَ الْوَجه وباقي الْبَدَن فَلاَ يَحْرُمُ سَتْرُهُ بالإِزَار والرِّداء ونَحْوهما (٥) وإنَمَا يَحْرُمُ فيه الْمَلْبُوسُ والمَعْمُولُ على قَدْر الْبَدَنِ أو قَمْر عُضْو منْهُ (٦) بحَيْثُ يحيطُ به إما
_________________
(١) = و(أما) حديث جابر المذكور فقد ذكرنا أنه ضعيف مع أنه ليس فيه نهي وكذا فعل عمر، وقول ابن عمر ليس فيه نهي ولو كان فحديث أم الحصين مقدم عليه والله أعلم.
(٢) وإن قصد بهما الستر.
(٣) الزنبيل: بكسر الزاي ويجوز فتحها مع حذف النون كوزن رغيف وهو القُفة.
(٤) محله إذا لم يقصد به الستر وإلا حرم هذا إذا لم يسترخ فإنْ استرخى على رأسه حتى صار كالقلنسوة ولم يكن فيه شيء يحمل أو كفاه على رأسه حرم، ولزمت الفدية، وإن لم يقصد به الستر حينئذ لأنه في هذه الحالة يسمى ساترًا عرفًا.
(٥) الدليل على تحريم تغطية رأس المحرم قوله - ﷺ - في المحرم الذي خر عن بعيره ميتًا: "لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا" رواه الشيخان رحمهما الله.
(٦) أي لإجماع الصحابة ولا يعارضه خبر مسلم الذي أخذ به الإمامان أبو حنيفة ومالك رحمهما الله: (ولا تخمروا رأسه ولا وجهه)، فقد قال البيهقي رحمه الله تعالى: ذكر الوجه وهمٌ من بعض الرواة. وحمله في كتاب الشامل على ما لا بد منه من كشفه من الوجه ليتحقق به كشف جميع الرأس على أنه نقل عنهما أنهما لا يقولان بمنع ستر رأس الميت ووجهه. اهـ حاشية.
(٧) منه أي من البدن قال في الحاشية: يشمل ما يعمل على قدر الوجه بحيث يستمسك عليه كما يتخذ من الحديد للمقاتل وكيس اللحية إذ ليس المراد بالعضو حقيقته المباينة للشعر، وهي كما في القاموس كل لحم وافر بعظمه، ومن ثم عبر بعضهم بنحو =
[ ١٤٨ ]
بخَياطة وإمَّا بغَيْرِ خيَاطَة (١) وذلك كالقَمِيص والسَّرَاويل والتبهان (٢) والجُبة والقَبَاء والْخُفِّ وكَجُبَّة اللِّبْد والْقَميص الْمَنسُوج غير المُحِيط ودرْع الزرَد والجَوْشن (٣) والجَوْرَبِ والمُلْزَق بَعْضُهُ ببَعْض سَوَاء كانَ مِنَ الْجُلُود والقُطْن أو غيرِهما وسَوَاء أخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ كُم الْقَبَاء أمْ لا (٤) والأصَح تَحْريمُ المَدَاس (٥) وشبْهِهِ بخِلاَفِ النعْل فإنْ لَبِسَ شيئًا مِنْ هذه لَزِمَهُ الْفِدْيةُ طَالَ الزمان أم قَصُرَ.
_________________
(١) = العضو، فاستشكال وجوب الفدية في ذلك بأنها (أي اللحية) من الوجه وهو لا يحرم ستره غفلة عن الحيثية التي قالها المصنف.
(٢) أي كنسج ولزق وضفر وتلبيد وعقد وغيرهما.
(٣) التبان: سراويل من الجلد قصيرة فوق الركبة غالبًا.
(٤) الجوشن: هو الدرع فهو من باب عطف الرديف أو أن بينهما نوع مغايرة، وقوله: (والجورب) هو المسمى الآن بالشراب.
(٥) هو كالعباءة والمشلح قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في مجموعه: فإنْ لبسه لزمه الفدية، وبه قال مالك وحكاه ابن المنذر بمعناه عن الأوزاعي. وقال إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأبو ثور والخِرقي من أصحاب أحمد: يجوز لبسه إذا لم يدخل يده في كميه، ودليلنا على تحريمه حديث ابن عمر أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب؟، قال: "لا يلبس القميص ولا العمامة، ولا البرنس، ولا السراويل، ولا القباء، ولا ثوبًا يمسه وَرْس أو زعفران". رواه البيهقي بإسناد صحيح على شرط الصحيح، قال البيهقي: وهذه الزيادة وهي ذكر القباء صحيحة محفوظة، وعن ابن عمر أيضًا قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن لبس القمُص والأقبية والسراويلات والخفين إلا أن لا يجد نعلين) رواه البيهقي بإسناد صحيح، ولأنه محيط فكان محرمًا موجبًا للفدية كالجبة. (أما) تشبيههم إياه بمن التحف بقميص فلا يصح، لأن ذلك لا يسمى لبسًا في القميص ويسمى لبسا في القباء، ولأنه غير معتاد في القميص، ومعتاد في القباء والله أعلم. اهـ.
(٦) أي المحيط بجوانب الرجل كالكنترة ونحوها المغطية للأصابع كالتليك ونحوه، والحاصل: ما ظهر منه العقب ورؤوس الأصابع يحل مطلقًا وما ستر الأصابع فقط أو العقب فقط لا يحل إلا مع فقد النعلين.
[ ١٤٩ ]
وأمَّا ما لَمْ يُوجَدْ فيه الإِحاطَةُ المَذْكُورَةُ فَلاَ بأسَ به وإنْ وُجدَتْ فيه خِيَاطَةٌ فَيَجُوزُ أنْ يَرْتَدي القَمِيص والجُبةِ وَيَلْتَحِفَ به في حال النَّوم وأنْ يَتَّزِرَ بِسَرَاويِلَ أو بإِزَارِ مُلَفق مِنْ رِقَاع مَخيطَة ولَهُ أَن يَشْتَمِلَ بِالعَبَاءةِ وبِالإِزَارِ والرِّداء طاقين وثلاثةً وأَكْثَرَ وَلَهُ أنْ يَتَقَلدَ السَّيْفَ (١) وَيَشُدَّ عَلَى وَسَطِهِ الهِمْيَانِ (٢) وَالمِنْطَقَة (٣) وَيلْبَس الْخَاتَم (٤) وَلَوْ ألْقَى عَلَى نَفْسِهِ قَباء (٥) أو فَرَجيةَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ فَإنْ كَانَ بِحَيثُ لَوْ قَامَ يُعَدُّ لاَبسَه (٦) لزَمهُ الفِدْيةُ وَإنْ كَانَ بحَيْثُ لَوْ
_________________
(١) قال في المجموع: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يجوز أن يتقلد السيف، وبه قال الأكثرون. ونقل القاضي أبو الطيب عن الحسن البصري: كراهته. وعن مالك: أنه لا يجوز. اهـ. أقول: وعند الإِمام أحمد: إن احتاج إليه فله ذلك كما في المغني للإمام ابن قدامة رحم الله الجميع، ورحمنا ورحم المسلمين آمين.
(٢) الهميان: هو المسمى الآن بالكمَر، والمنطقة: حزام من جلد على هيئة الكمر إلا أنها ليس فيها موضع للنقود.
(٣) أي ولو بلا حاجة، والمراد بشدهما ما يشمل العقد وغيره سواء كان فوق ثوب الإِحرام أو تحته ولا يضر الاحتباء بحبوة وغيرها وله أن يلف على وسطه عمامة ولا يعقدها.
(٤) صرح به المصنف في المجموع أيضًا ومثل الخاتم الآن الساعة اليدوية فإنهما ليسا محيطين بالعضو؛ فالأول محيط بجزء من الإِصبع والثانية محيطة بالمعصم الذي هو جزء من الساعد، وقد قال المصنف رحمه الله تعالى: وإنما يحرم فيه -أي البدن- الملبوس والمعمول على قدر البدن أو قدر عضو منه إلخ. وقد ألف شيخنا زكريا بيلا رسالة في جواز لبس المحرم للساعة اليدوية أسماها آخر ساعة في حكم لبس المحرم للساعة.
(٥) القباء بالمد، والقصر: هو ما يكون مفتوحًا من قدام كالشاية والجبة والبالطو والكوت، والمشلح والفرجية والعباءة كما تقدم.
(٦) أي بأن استمسك القباء ونحوه على عاتقه بنفسه من جهة طوقه سواء أدخل يده في كمي القباء ونحوه أم لا.
[ ١٥٠ ]
قَامَ أوْ قَعَدَ لَمْ يَسْتَمْسك (١) عَلَيْهِ إلا بإصْلاَحِ فَلاَ فِدْية وَلَهُ أنْ يَعْقِد الإِزَارَ (٢) وَيَشُدَّ خَيْطًا وَيَجْعَلَ لَهُ مثْلَ الْحُجْزةِ (٣) وَيُدخل فيها التكَّةَ (٤).
ولَهُ أنْ يَغْرزَ طَرَفَيْ ردَائه في إزَارِهِ ولا يَجُوزُ عَقْد الرِّدَاء (٥) وَلاَ أنْ يَزُرَّهُ ولا يَخُلّهُ بخِلال أوْ مِسلّة (٦) ولا يَرْبطُ خَيْطًا في طَرفه ثُمَّ يَرْبطهُ في طَرَفه الآخَر فَافْهَمْ هَذَا فإنَّهُ ممَّا يَتَسَاهَلُ فيه عَوَامّ الحُجَّاج ولاَ تَغتَر بقَوْلِ إمام الحَرَمَيْنَ يَجُوزُ عَقْدُ الرِّدَاءِ كالإِزار فَإنَّهُ شاذ مَرْدُود وَمُخَالفٌ لنَصَ الشَّافعيّ وأصْحَابِهِ.
وَقَدْ رَوَى الشافِعِيُّ تَحْريمَ عَقْد الرِّدَاءِ عن ابن عُمَر ﵄ ولَوْ شَقَّ الإِزارَ نصْفَيْن ولفّ على كلِّ ساقٍ نصْفًا فهو حَرَام (٧) على الأصَحِّ وتجبُ به الفْدَية.
وأمَّا المرأةُ فَالْوَجْهُ في حَقِّهَا كَرَأسِ الرَّجُل فَتَسْتُرُ رَأسَها وسائرَ بَدَنها سِوَى الْوَجْه بالمحيط وجميعِ ما كانَ لها السَّتْرُ به قبلَ الإِحرام كالْقَميصِ والسَّراويلِ والخُفِّ وتَسْتُرُ من وجهها الْقَدْرَ اليسيرَ الذي يلي الرَّأسَ إذْ لا
_________________
(١) أي بأن وضع القباء ونحوه منكسًا بأنْ جعل طوقه مما يلي رجليه وأسفله فوق.
(٢) أي لا بأزارير في عرفاته فإنه ممتنع ففيه الفدية. لكن قيد الغزالي ومجلي رحمهما الله تعالى بما إذا تقاربت الأزارير بحيث تشبه الخياطة.
(٣) الحُجْزة: بضم الحاء على وزن حجرة.
(٤) التكة: بكسر التاء.
(٥) فيه وما بعده الفدية.
(٦) ولا يلصقه بنحو صمغ لأنه يكون في معنى المخيط من حيث أنه يستمسك بنفسه.
(٧) أي إن عقده بخلاف ما لو شده بخيط مثلًا فإنه لا يحرم، وفرق بين الشد والعقد بأن العقد يصير المعقود مستمسكًا بنفسه، فوجدت فيه الإحاطة الممتنعة، ولا كذلك الشد عليه بخيط لأنه غير مستمسك بنفسه فلا يسمى مخيطًا والله أعلم.
[ ١٥١ ]
يُمكن سَتْرُ جميع الرأس إلا به (١) والرَّأْسُ عَوْرَةٌ تجب الْمُحافَظَةُ على سَتْرِهِ ولها (٢) أنْ تَسْدِلَ على وجههَا ثَوْبًا مُتَجافيًا (٣) عنْهُ بخَشَبة ونَحْوها سَوَاء فَعَلَتْهُ لحَاجَة مِنْ حَرّ أوْ بَرْد أو خَوْف فتْنة ونَحْوها أو لغَيْر حاجَة فإنْ وَقَعَتْ الْخَشَبَةُ فأصابَ الثوْبُ وَجْههَا بغير اخْتيارها ورَفَعَتْهُ في الحال فلا فِدْيةَ وإنْ كانَ عَمْدًا أو وَقَعَتْ بغَيْرِ اخْتيارِها فاسْتَدامَتْ لزمَتْهَا الْفِدْيةُ وإنْ سَتَرَ الْخُنْثَى الْمشْكلُ وجْهَهُ فقط (٤) أو رَأسَهُ فَقَطْ (٥)
_________________
(١) ولم يعكس لأن الستر أحوط.
(٢) أي بل يجب ذلك عليها عند خشية الفتنة، فلو تحققتها مع وجود السدل المذكور فينبغي وجوب الستر عليها بالملاصق مع الفدية. وعند الحنابلة جواز سدل المرأة الثوب من فوق رأسها لا رفعه من أسفل ولو مس وجهها، ولا فدية للحاجة كمرور الرجال قريبًا منها لقول عائشة ﵂: (كان الركبان يمرون بنا، ونحن محرمات مع رسول الله - ﷺ - فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه) رواه أبو داود وابن ماجة وغيرهما رحمهم الله تعالى، ذكر هذا في المجموع. ولم يأخذ الشافعي بهذا الحديث لأن إسناده ضعيف كما أفاده المصنف في مجموعه، قال شيخنا زكريا بيلا -متع الله بحياته آمين- في كتابه آخر ساعة: والآن لا يسع المرأة الشافعية إلا أن تقلد هذا المذهب المعتبر لتستتر عن الرجال ولتتخلص من الإثم والفدية. فقد عَم وطم اليوم ركوب المرأة مع الرجال الأجانب في الباخرة والطائرة والسيارة، واجتماعها بهم في السكن والخيمة زمن موسم الحج، ويمرون بها في المطاف والمسعى وعند رمي جمرة العقبة إلى آخر كلامه.
(٣) اشترط القاضي أبو يعلى من الحنابلة هذا الشرط كالشافعية في المسدل على وجه المرأة ورده الموفق في مغنيه بقوله: ولم أرَ هذا الشرط عن أحمد، ولا هو في الخبر إلى آخر كلامه.
(٤) أي بغير مخيط أما به فتلزمه الفدية مطلقًا بناء على حرمة ستر وجه الذكر بمخيط لأن المرأة يحرم عليها ستره مطلقًا، والرجل يحرم عليه ستره بمخيط.
(٥) هذا بالنسبة للحرمة أما الوجوب فسيأتي.
[ ١٥٢ ]
فلا فِدْيَةَ عليه وإنْ سَتَرَهمَا معًا (١) لَزِمَتْه الْفِدْيةُ (٢).
(فرع): يَحْرُمُ على الرَّجُل لبْسُ القُفازَيْن (٣) في يَده (٤) وَيَحْرُمُ على الْمَرْأة أَيضًا على الأَصَحِّ (٥).
ويَلْزَمُهُما بلبْسِهِ الْفِدْيةُ ولَوْ اخْتَضَبَتْ ولفت على يَدِهَا خِرْقَةَ أو لفّتها بلا خِضَابِ فَالصَحيحُ أنَّهُ لا فِدْيةَ (٦).
_________________
(١) أي في إحرام واحد، وإن ستر أحدهما في إحرام والآخر في إحرام ثان فلا يضر.
(٢) ولا تلزم الخنثى الفدية فيما لو ستر رأسه ثم اتضح بالذكورة أو وجهه ثم اتضح بالأنوثة والله أعلم.
(٣) أي وتجب به الفدية لأنه ملبوس على قدر العضو فأشبه الخف، ولا يحرم على الرجل ستر وجهه لقوله - ﷺ - في الذي خرّ من بعيره: "ولا تخمروا رأسه" فخص الرأس بالنهي، والقفازان تثنية قفاز، وهو شراب اليد يعمل لها، ليقيها من نحو البرد، ولبس القفاز الواحد كلبس القفازين.
(٤) أي ولو كانت زائدة.
(٥) قال في المجموع ﵀: وبه قال عمر، وعلي، وعائشة ﵃. اهـ. أقول: وهو مذهب أحمد ومالك كما في المغني لابن قدامة لما رواه أبو داود بإسناد حسن. كما في المجموع عن ابن عمر ﵃ أنه - ﷺ - نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مسه الورس والزعفران من الثياب من مُعَصفر أو خز أو حرير أو حلي أو سراويل أو قميص أو خف. وقال الثوري وأبو حنيفة: يجوز، وحكى ذلك عن سعد بن أبي وقاص. اهـ. أقول: واحتجوا كما في مغني ابن قدامة بما روي عنه - ﷺ -: "إحرام المرأة في وجهها".
(٦) هو المعتمد ومثل اللف الشد، وإنما حرم على المرأة لبس القفاز لأنه ملبوس عضو ليس بعورة فأشبه خف الرجل، وهو الأصح كما في الحاشية فإن قيل: يلزم عليه =
[ ١٥٣ ]
(فرع): هذا الَّذي ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَحْريم اللبس والستْر هو فيما إذا لم يَكُنْ عُذْر فإذا لَبِسَ أو سَتَر شَيْئًا ممَّا قُلْنَا إنَّهُ حَرَامٌ أَثِم (١) ولَزِمَتْهُ الْفِدْيةُ الّتي يَأتي بَيَانُها في آخر الكِتابِ إنْ شَاء اللهُ تَعَالى.
وأَمَّا الْمَعْذُورُ ففيه صُوَر:
أَحدهمُا: لو احْتَاج (٢) الرَّجُل إلى سَتْرِ رَأسه أو لبْس الْمَخيطِ لِحَر أو بَرْد أو مُدَاوَاة أو نَحْوها أو احْتَاجَتْ الْمَرأةُ إلَى سَتْر وَجْهها (٣) جازَ وَوَجَبَتْ الْفِدْية.
الثَّانِيَة: لو لَمْ يَجِدْ ردَاء ووَجَدَ قَميصًا لم يَجُزْ لُبْسُهُ بل يَرْتَدِي به ولو لم يجد إزَارًا وَوَجَدَ سَرَاويلَ جازَ له لُبسهُ (٤)
_________________
(١) = حرمة لبسها للخف لأنه أيضًا ملبوس عضو ليس بعورة. أجيب: بأن الخف ملبوس عضو هو عورة على الإِطلاق بخلاف الكفين فإنهما ليسا عورة بالنسبة للصلاة والله أعلم.
(٢) أي إن كان مكلفًا، أما غيره فالإِثم على وليه إنْ علم وأقره.
(٣) المراد بالحاجة هنا وفي سائر محظورات الإِحرام حصول مشقة لا يحتمل مثلها غالبًا، وإن لم تبح التيمم، ويجب إذا زال العذر النزع فورًا، وإن ظن عود العذر، ولو على قرب وله نزع القميص من رأسه فإن استدام ففدية واحدة.
(٤) أي كما لو خافت من نظرٍ إليها يجرّ لفتنة.
(٥) قال في الحاشية: فارق هذان ما يأتي من وجوب قطع الخف أسفل من الكعبين بالأمر بقطعه، وكأن وجهه أنه يلزمه من الفتق هنا ظهور عورته وهو ما يستحى منه، ولو في الخلوة بخلاف قطع الخف، والفرق بخلاف هذا فيه نظر لا يخفى على الفطن. ثم رأيت المصنف في المجموع صوّب أنه لو قدر على أن يستبدل بالسراويل إزارًا واستوت قيمتهما وجب إن لم يمض زمن تبدو فيه عورته وإلا فلا، وهو يؤيد ما فرقت به، ولو لم يجد إزارًا ووجد سراويل يتأتى الاتزار به على هيئته اتزر به ولم يجز له لبسه، فكلامه هنا في سراويل لا يتأتى الاتزار به على هيئته، ومثله قميص كذلك، واعلم إنه لا يجب في السراويل قطع ما زاد على العورة، قال في المجموع: لإضاعة المال. اهـ. =
[ ١٥٤ ]
ولا فِدْية (١) سواء كَانَ بِحَيْثُ لو فَتَقَهُ جاءَ مِنْهُ إزار أو لم يكن، وَقِيلَ: إنْ أمْكَنَ فَتْقُهُ واتخاذُ إزار منهُ لزِمَ فَتْقُهُ ولم يَجُزْ لُبْسُهُ سَرَاويلَ والصَّحيحُ أنهُ لا فَرْقَ وإذا لَبِسَهُ ثُمَّ وَجَدَ إزارًا وَجب نَزْعُهُ فَإِنْ أَخرَ عَصَى وَوَجَبَتِ الفِدْيةُ.
الثالثةُ: لو لم يَجدْ نعْلَينِ جاز لُبْسُ المُكَعَّب وإنْ شَاءَ قَطَعَ الخُفَّينِ أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْن ولَبِسَهُمَا وَلاَ فِدْيةَ (٢) وإنْ لَبسَ المكَعّبَ أَو المقطُوعَ لفقْدِ النعْلين
_________________
(١) = وحينئذ فالفرق بينه وبين وجوب قطع الخف الآتي غامض، إلا أن يفرق أن ما يلي العورة قد يستحى من ظهوره أيضًا بخلاف ما يظهر من القدم. اهـ.
(٢) قال في المجموع: وبه قال أحمد وداود وجمهور العلماء. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز له لبسه، وإن عدم الإزار فإن لبسه لزمته الفدية، وقال الرازي من الحنفية: يجوز لبسه وعليه الفدية، ودليلنا حديث ابن عمر وابن عباس، أقول: يعني قول ابن عباس: سمعت رسول الله - ﷺ - يخطب بعرفات يقول: "السراويل لمن لم يجد الإزار والخفات لمن لم يجد النعلين يعني المحرم" رواه البخاري ومسلم.
(٣) ظاهره له جواز قطع الخفين مع وجود المكعب، وبعضهم بحث حرمة القطع لإضاعة المال بلا حاجة. (تتمة): كل محظور جاز لحاجة فيه الفدية إلا نحو السراويل، والخفين المقطوعين وما يأتي في دم الحلق والصيد ويعلم مما مر وما يأتي أنه لا تجب الفدية في اللبس إلا على عامد عالم بالحرمة مختار لم يتحلل. مذاهب العلماء رحمهم الله تعالى فيمن لم يجد نعلين قال في المجموع: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يجوز له لبس خفين بشرط قطعهما أسفل من الكعبين، ولا يجوز من غير قطعهما وبه قال مالك وأبو حنيفة وداود والجمهور، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وعروة والنخعي، وقال أحمد: يجوز لبسهما من غير قطع، وروى ذلك عن عطاء وسعيد بن سالم القداح. واحتج أحمد بحديث ابن عباس قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يخطب بعرفات يقول: =
[ ١٥٥ ]
ثُم وَجَدَهُما وجبَ النَّزْعُ فإنْ أخرَ عَصَى وَوَجَبَتِ الْفِدْيةُ. والمرادُ بفقدِ الإِزار والنَّعْلَينِ أنْ لا تقْدِرَ على تَحْصيله إما لفقدِه وإمّا لَعَدَمِ بذل مالكهِ وإما لِعَجْز عن ثَمَنِهِ أو أجْرَتهِ، ولو بيعَ بِغبْن أو نسيئة أو وُهبَ لَهُ لم يلزمهُ قَبُولهُ وإنْ أعيرَ وَجَبَ قَبُولهُ.