في زِيَارَةِ قَبْرِ سَيِّدِنَا وَمَوْلاَنَا رَسُولِ الله - ﷺ - وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ وَعَظَّمَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ
اعْلَمْ أنَّ لمَدِينَةِ رَسُولِ الله - ﷺ - أسماءٌ خمسة (١): المدينةُ، وطَابَةُ، وَطيبَةُ، والدَّارُ، وَيَثْربُ (٢). قال الله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ الآية. وَثَبَتَ في صحيحِ مسلم عن جابر بْنِ سَمُرَةَ ﵄ عَنِ النبي - ﷺ - قال: "إِنّ الله تعالى سَمَّى المدينَة طابةَ قَالَ سُمِّيتْ طابةَ وطِيبَة لخُلُوصِهَا مِنَ الشرْكِ وَطَهَارَتِهَا مِنْهِ، وَقِيلَ: لِطِيبِ سَاكِنِيهَا لأَمْنِهِم وَدعَتهم، وَقِيلَ: لِطِيبِ الْعَيْشِ بِهَا. وَأَمَّا تَسْمِيتُهَا الدَّارَ فَلِلاستِقْرار بها لأمنها".
وأمَّا الْمَدينة قَالَ كَثِيرونَ مِنْ أهْلِ اللغَةِ وَغَيْرِهِم مِنْهُمْ قُطْرُبُ وابْنُ فارسٍ: هِيَ مِنْ دانَ أَيْ أَطَاعَ وَالدينُ الطَّاعَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأنَّهُ يُطَاعُ الله تعَالَى فيهَا وَقِيلَ غَيْر ذلِكَ والله أعلمُ، وَفِي البابِ مَسَائِلُ:
_________________
(١) هذه أَشْهَر أسماء المدينة، وإلا فقد أوصلها بعضهم إلى ألف اسم.
(٢) قال في الحاشية: فيه نظر فإنه تسمية جاهلية، وذكْرُهُ في القرآن إنما وقع في الحكاية عن المنافقين، كما حكى عنهم الكفر فلا حجة فيه، ومن ثَمّ غَيرَهُ رسول الله - ﷺ - على عادته في تغيير الأسماء القبيحة إذ التثريب الملامة والحزن. وفي الحديث "يقولون يثرب وهي المدينة" وهو ظاهر في كراهة أن تسمى باسمها في الجاهلية. وسميت به باسم مكان بها قيل وهذه اللفظة إنما وقعت في مُسَودة المصنف دون مبيضته. اهـ.
[ ٤٤٦ ]
الأولَى: إذَا انْصَرَفَ الْحُجاجُ وَالمُعْتَمِرُونَ مِنْ مَكةَ فَلْيَتَوَجهُوا إلى مَدينة رسول الله - ﷺ - لِزَيَارَةِ تربتِهِ - ﷺ - فَإنهَا مِنْ أهَم الْقُرُبَاتِ وَأَنْجَحِ المَسَاعِي. وَقَدْ رَوَى البزارُ والدارَقطْنِي بِإِسْنادهمَا عن ابنِ عمَر ﵄ قَالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: "مَنْ زَارَ قبرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي".
الثانيةُ: يستحب للزائِرِ أنْ يَنْوِيَ معَ زيارَتِهِ - ﷺ - التَقَرُّب إلى الله تعالَى بِالمسافَرة إِلى مَسْجِده - ﷺ - والصَّلاَة فِيهِ.
الثالثةُ: يُستَحَب إِذَا تَوَجهَ إِلَى زِيارتِهِ - ﷺ - أنْ يُكْثِرَ من الصلاةِ والتسْليمِ عليهِ في طريقِهِ فَإِذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى أَشْجَارِ الْمَدينة وَحَرَمِهَا وَمَا يُعْرَفُ بِهَا زَادَ مِنَ الصلاَةِ والتسْلِيمِ عَلَيْهِ - ﷺ - وَيَسْأَل الله تعالَى أَنْ يَنْفَعَه بِزِيارَتِهِ وَأَنْ يَتَقَبلها مِنْهُ.
الرابعةُ: يُسْتَحَب أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ دُخُولهِ وَيَلْبَسَ أَنْظَفَ ثِيَابِهِ.
الخامسةُ: يستحضرُ في قَلْبِهِ حِينَئِذ شَرَفَ الْمَدِينَة وَأَنهَا أَفْضَلُ الدُّنْيَا بَعْدَ مَكةَ عند بعضِ الْعُلَمَاءِ وعند بعضهم أفضلِها على الإِطلاق (١)، وَأَنَّ الذِي شُرفَتْ به - ﷺ - خَيْرُ الْخَلاَئِقِ أَجْمَعِينَ (٢). وَلْيَكُنْ من أَوَّلِ قُدُومِهِ إِلَى أن يَرْجِعَ مُسْتَشْعِرًا لتَعْظِيمِهِ مُمْتَلىء الْقَلْبِ مِنْ هَيْبتِهِ كَأَنهُ يَرَاه.
السادسةُ: إذَا وَصَلَ إلَى بَابِ مَسْجِدِهِ - ﷺ - فَلْيقُلْ مَا قَدمناهُ في دُخُولِ
_________________
(١) قد تقدم هذا الخلاف في الباب الخامس، وذَكَرْتُ دليل كُل في التعليق عليه.
(٢) ورحم الله القائل: وأفضل الخلق على الإِطلاق نبينا فحل عن الشقاق وقال غيره رحمه الله تعالى مغيرًا لبعض الشطر الأخير: وأفضل الخلق على الاطلاق نبينا أعلى المراقي راقي
[ ٤٤٧ ]
الْمسجدِ الحَرَامِ (١) وَيقدّمُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى في الدُّخُولِ وَالْيُسْرى في الْخُرُوجِ (٢)، وَكَذَا يَفْعَلُ في جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ. وَيَدْخُلُ فَيقْصِدُ الرَّوْضَةَ الْكَرِيمَةَ وهِيَ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ فَيُصَلِي تَحِيّة الْمَسْجِدِ (٣) بِجَنْبِ الْمِنْبَرِ (٤).
وَفِي إِحْيَاءِ عُلُومِ الدّينِ أَنهُ يَجْعَلُ عَمُودَ الْمِنْبَرِ حِذَاءَ مَنكبه الأَيمَنِ وَيستَقْبلُ السَّارِيةَ الَّتي إلى جَانبِها الصَّنْدُوقُ وَتكُونُ الدَّائِرَة التي في قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَذَلِكَ مَوْقِفُ رَسُولِ الله - ﷺ -.
وَقَدْ وُسّع الْمَسْجِدُ بَعْدَه - ﷺ - وَفِي كِتَابِ الْمَدِينة أنَّ ذَرْعَ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ
_________________
(١) وهو أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم بسم الله والحمد لله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وسلم. اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك.
(٢) ويقول الدعاء الذي قال في الدخول إلا أنه يقول: وافتح لي أبواب فضلك.
(٣) أي لما رواه الإمام مالك رحمه الله تعالى عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قدمت من سفر فجئت رسول الله - ﷺ - وهو بفناء المسجد فقال: (أدخلت المسجد فصليت فيه؟. قلت: لا. فاذهب فادخل المسجد فصلِ فيه ثم ائت فسلّم عليّ). ورحم الله العلامة ابن القيم إذ يقول في الكافية الشافية:- وكذا نشد رحالنا للمسجد النبوي خير مساجد البلدان من بعد مكة أو على الإطلاق فيه الخلف منذ زمان فإذا أتينا المسجد النبوي صلينا التحية أولًا ثنتان ثم انثنينا للزيارة نقصد القبر الشريف ولو على الأجفان فنقوم دون القبر وقفة خاضع متذلل في السر والإِعلان
(٤) هذا وما ذكره المصنف ﵀ عن الإِحياء للغزالي ﵀ باعتبار ما كان في زمانيهما. وكل هذا تغير، فالمسجد النبوي قد احترق مرتين، المرة الأولى عام ٦٥٤ هـ والثانية عام ٨٨٦ هـ وعمر وجُدّد مرات بعد ذلك. وسأذكر إن شاء الله موضع موقفه - ﷺ - في العمارة الأخيرة للمسجد النبوي عند قول المصنف (أربع عشرة ذراعًا وشبر).
[ ٤٤٨ ]
وَمَقَامِ النَّبِيّ - ﷺ - الذي كَانَ يُصَلَي فِيهِ حَتى تُوُفي أرْبَعَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا (١) وَشِبْر، وأنَّ ذَرْعَ مَا بَيْنَ المِنْبَرِ وَالْقَبْرِ ثَلاَث وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا وَشِبْر وَسَيَأْتِي إنْ شَاء الله تَعالَى بيانُ سِعَةِ الْمَسْجِدِ وَكَيْفَ حَاله في آخِرِ هذَا الْبَابِ والله أعلمُ.
_________________
(١) أي بذراع اليد المعتدلة كما في الحاشية وجاء في كتاب (عمدة الأخبار في مدينة المختار) وذكر أبو غسان أن ما بين الحجرة الشريفة من المشرق وبين مقام النبي - ﷺ - ثمان وثلاثون ذراعًا، وأن ما بينه وبين المنبر الشريف أربعة عشر ذراعًا وشبرًا. اهـ. أقول: بهذا الذراع يتحقق موقفه - ﷺ - لأن ما ذكره المصنف وما جاء في الأخبار قد تغير كما تقدم لتكرر تجديد عمارة المسجد النبوي بعد ذلك. وآخر عمارة في هذا الموضع عمارة السلطان عبد المجيد العثماني رحمه الله تعالى التي بدأت سنة ١٢٦٣ هـ. وانتهت سنة ١٢٧٧ هـ ثم جاءت بعدها التوسعة العظيمة في الجهة الشمالية من المسجد المتصلة بالباقي من عمارة السلطان عبد المجيد كما وسع من جهة الشرق والغرب، بدأ التنفيذ فيها في ٥ شوال سنة ١٣٧٠ هـ بأمر الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ملك المملكة العربية السعودية ﵀ وانتهت العمارة والتوسعة سنة ١٣٧٥ هـ، وهي العمارة التي نشاهدها الآن للجزء الشمالي من المسجد المتصلة كما تقدم بالباقي من عمارة السلطان عبد المجيد وفق الله حكومتنا السعودية لما فيه الخير للعباد والبلاد آمين. أقول: ثم رأيت بعد كتابة ما سبق في كتاب فصول من تاريخ المدينة المنورة للأستاذ علي حافظ: أول من أحدث المحراب المجوف عمر بن عبد العزيز في عمارة الوليد بن عبد الملك للمسجد النبوي سنة (٨٨ إلى ٩١) كما نقله السيوطي في أوائله ونقل في نزهة الناظرين: والمحراب الموجود الآن هو من عمارة الأشرف قايتباي ﵀ ومصلى رسول الله - ﷺ - للكعبة يقع في الطرف الغربي لتجويفة المحراب فاجعل التجويفة في يسارك، وقف بينك وبين المنبر الشريف مقدار (١٤) ذراعًا وشبرًا تكن في موقف الرسول - ﷺ - في الصلاة. وقد كُتِب في جانب المحراب في نفس الموضع (هذا مصلى النبي - ﷺ -). اهـ مختصرًا. أقول: هذا الذي ذكره الأستاذ علي حافظ موافق لما ذكره المصنف عن كتاب المدينة وموافق أيضًا لما في عمدة الأخبار عن أبي غسان رحم الله الجميع ورحمنا معهم آمين. قال في الحاشية: إنما سنت التحية بالموقف الشريف اتباعًا له - ﷺ - فإنه لم يفرده =
[ ٤٤٩ ]
السَّابِعَةُ: إِذَا صَلى التحِية في الرَّوْضَةِ أَو غَيْرِهَا مِنَ الْمَسْجِدِ شَكَرَ الله تَعَالَى عَلَى هذه النعْمَةِ (١) وَيَسْألُهُ إتْمَامَ مَا قَصَدَهُ وَقَبُولَ زِيارَتِهِ، ثُمَّ يَأتِي الْقَبْرَ الْكَرِيمَ فَيَسْتَدْبِرُ الْقِبلَة (٢) وَيَسْتَقْبِلُ جِدَارَ الْقَبْرِ وَيبعُدُ مِنْ رَأْسِ الْقبْرِ نَحْوَ أرْبَعْةِ أَذْرُعِ.
وَفِي إِحْيَاءِ عُلُومِ الدّين أنْ يَسْتَقْبِلَ جِدَارَ الْقَبْرِ عَلَى نحو أَرْبَعَةِ أَذْرُعِ مِنَ السَّارِيةِ التِي عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ فِي زَاوِيةِ جِدَارِهِ وَيَجْعلَ القِنْدِيل الذي في الْقِبْلَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ عَلَى رَأْسِهِ وَيقف نَاظِرًا إِلَى أَسْفَلِ مَا يَسْتَقْبِلُهُ مِنْ جِدَارِ الْقَبْرِ غَاضَّ الطرْفِ في مَقَامِ الهَيْبَةِ وَالإِجْلاَلِ فَارِغَ الْقَلْبِ مِنَ عَلاَئِقِ الدُّنْيَا مُسْتَحْضِرًا في قَلْبِهِ جَلاَلَةَ مَوْقِفِهِ وَمَنْزِلَةَ مَنْ هُوَ بِحضرته ثُمَّ يُسَلّمُ وَلاَ يَرفعُ صَوْتَهُ بَلْ يقْتَصِدُ (٣)
_________________
(١) = بالقصد من سائر بقاع المسجد مع استمراره على ذلك إلى أن توفاه الله إلا لشرف عظيم، ومن ثَم كان أحب موضع للصلاة ثم ما لم يعارضه فضيلة الصف الأول وما يليه فالتقدم إليه أفضل، خلافًا لما أشار إليه الزركشي، ولو لم يتيسر له التحية في الموقف الشريف فما قرب منه من الروضة ثم ما قرب منها أفضل، ومحل الاشتغال بها إنْ لم ير جماعة تسن له الصلاة معهم أو نحو خوف فوات نحو مكتوبة وإلا قدّم ذلك. اهـ.
(٢) أي بقلبه ولسانه لا بسجدة الشكر كما في الحاشية خلافًا للسادة الحنفية القائلين إِنه يسن بعده الإتيان بتحية المسجد أن يسجد لله شكرًا وعليه يلزمهم ومَنْ وافقهم سَن سجدة الشكر عند رؤية الكعبة، ولم ينقل ذلك عنه صلوات الله وسلامه عليه ولا عن أحدٍ من الصحب الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
(٣) قال في الحاشية: هو مذهبنا ومذهب الجمهور كما لو كان حيًا خلافًا لأبي حنيفة وغيره. اهـ.
(٤) قال تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] وحرمته - ﷺ - ميتًا كحرمته حيًا ورحم الله العلامة ابن القيم إذ يقول في كافيته وشافيته: وكذا نشدّ رحالنا للمسجد النبوي خير مساجد البلدان فمن بعد مكة أو على الإطلاق فيه الخلف منذ زمان =
[ ٤٥٠ ]
فَيقُولُ: السلاَمُ عليكَ يا رسولَ الله، السلاَم عليك يا نبيَّ الله، السلاَم عليكَ يا خِيرةَ الله، السلامُ عليكَ يا خَيْرَ خَلْقِ الله، السلاَمُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ الله، السلامُ عَلَيْكَ يا نذير، السلامَ عليك يا بشيرُ، السلامُ عليكَ يا طُهْرُ، السلامُ عليك يا طاهِرُ، السلامُ عليكَ يا نبيَّ الرحمةِ، السلامُ عليك يا نبي الأَمَّةِ، السلامُ عليك يا أبا الْقَاسِمِ، السلاَمُ عليكَ يا رَسُولَ رب العالمينَ، السلامُ عليك يا سيدَ المُرْسَلينَ ويا خاتَم النَّبيين، السلامُ عليكَ يا خيرَ الخَلائِقِ أجْمَعينَ، السلامُ عليك يا قائد الغُر المُحَجَّلينَ، السَّلامُ عليكَ وَعَلى آلِكَ وأهْلِ بَيْتِكَ وأزواجِكَ وذُريتِكَ وأصحابِكَ أجمعين، السلاَمُ عليكَ وَعَلى سائِرِ الأنبياءِ وجميع عِبادِ الله الصَالحينَ، جَزَاكَ الله يا رَسُولَ الله عَنَّا أَفضَل مَا جَزَى نَبيًا وَرَسُولًا عَنْ أُمَتِهِ، وصلى الله عليك كُلَّمَا ذَكَرَكَ ذاكر وغفل عَنْ ذكرِكَ غَافِل، أفْضَلَ وَأكْمَلَ وأطْيَبَ مَا صَلَّى على أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ أجْمَعِينَ.
_________________
(١) = فإذا أتينا المسجد النبوي صلينا التحية أولا ثنتان ثم انثنينا للزيارة نقصد القبر الشريف ولو على الأجفان فنقوم دون القبر وقفة خاضع متذلل في السر والإعلان فكأنه في القبر حَي ناطق فالواقفون نواكس الأذقان ملكتهم تلك المهابة فاعترت تلك القوائم كثرة الرجفان وتفجرت تلك العيون بمائها ولطالما غاضت على الأزمان فأتى المسلم بالسلام بهيبة ووقار ذي علم وذي إيمان لم يرفع الأصوات حول ضريحه كلا ولم يسجد على الأذقان كلًا ولم ير طائفًا بالقبر أسبوعًا كأن القبر بيتٍ ثان ثم انثنى بدعائه متوجهًا لله نحو البيت ذي الأركان هذي زيارةُ من غدا متمسكًا بشريعة الإسلام والإيمان من أفضل الأعمال هاتيك الزيارة وهي يوم الحشر في الميزان لا تلبسوا الحق الذي جاءت به سنن الرسول بأعظم البطلان هذه زيارتنا ولم ننكر سوى البدع المضلة يا أولي العدوان
[ ٤٥١ ]
أشْهَدُ أنْ لاَ إِلهَ إِلا الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّكَ عَبْدُهُ ورسوله وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وأشْهَدُ أنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ الرسَالة وَأدّيْتَ الأمَانَةَ وَنَصْحَتَ الأَمةَ وَجَاهَدْت في الله حَقَّ جهَادِهِ، اللَّهُمَّ وآتِهِ الوَسيلَةَ والفضيلَة وابعثهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الذي وَعَدْتَهُ، وآتَهِ نِهَايةَ ما ينبغي أَنْ يَسْأَلهُ السَّائِلُونَ.
اللَّهُمَّ صلِّ على محمد عَبْدِكَ وَرَسُولكَ النَّبيّ الأُمّي وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وأَزْوَاجِهِ وذريته كما صَلّيت على إبْرَاهِيِمَ (١) وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيم وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّد النَّبِيّ الأمَّي وعَلَى آل مُحَمَّدٍ وَأزْوَاجِهِ وذُرِّيَتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيم وَعَلى آلِ إبراهيم فِي الْعَالِمينَ إنَّكَ حَمِيدٌ مجِيدٌ.
_________________
(١) إنما خص إبراهيم الخليل ﵊ بالذكر من دون الأنبياء لأن الرحمة والبركة لم تجتمعا في القرآن لنبي غيره، قال الله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] فإن قيل: قد استشكل التشبيه في هذه الصيغة بأن محمدًا - ﷺ - أفضل من إبراهيم ﵇، فتكون الصلاة والبركة المطلوبتان أفضل وأعظم من الصلاة والبركة الحاصلتين لإبراهيم. فكيف شَبه ما يتعلق بالنبي بما يتعلق بإبراهيم مع أن المشبه به يكون أعلى من المشبه. (أجيب): عن ذلك بأجوبة (منها) أنّ التشبيه من حيث الكمية -أي العدد- دون الكيفية (أي القَدْر). و(منها) أن التشبيه راجع للآل فقط ولا يشكل أن آل النبي - ﷺ - ليسوا بأنبياء فهم بنو هاشم وبنو المطلب أو أمة الإجابة في مقام الدعاء، فكيف يساوون آل إبراهيم ﵇ فهم إسماعيل وإسحق وأولادهم وكل الأنبياء بعد إبراهيم من نسل إسحق إلا نبينا - ﷺ -، فمن ولد إسماعيل ﵇ مع أن غير الأنبياء لا يساوونهم مطلقًا لأنه لا مانع من مساواة آل النبي، وإنْ كانوا غير أنبياء لآل إبراهيم، وإن كانوًا أنبياء بطريق التبعية له - ﷺ -، ومنها: أنه توسل للفضل بالفضل أي كما تفضلت يا الله على إبراهيم وآله بذلك تفضل به على محمد وآله. وهذا الجواب لا يلزم عليه إشكال أصلًا. (ومنها) أن المشبه ليس بأعلى من المشبه به بل على العكس لأنه - ﷺ - هو أحد أفراد آل إبراهيم حيث إنه ولد إسماعيل فهو موجود في المشبه به، فعليه تكون الصلاة والبركة =
[ ٤٥٢ ]
وَمَنْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِ هَذَا أَوْ ضَاقَ وَقْتُهُ عَنْهُ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهِ وَأَقلهُ السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله - ﷺ -.
وَجَاءَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنَ السلَفِ ﵃ الاْقْتِصَارُ جدًا فَكَانَ ابنُ عُمَر يقولُ: السلاَمُ عليكَ يَا رَسُولَ الله، السلامُ عَلَيْكَ يا أبا، بكْرٍ السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أبتَاه (١).
وَعَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ الله تَعَالَى أنه كانَ يقولُ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أيها النَّبيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، ثُمّ إنْ كانَ قَدْ أَوْصَاهُ أَحَدٌ بِالسَّلاَم عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - فَلْيقُلْ (٢) السَّلاَمُ عَلَيْكَ يا رسولَ الله مِنْ فُلاَن ابْنِ فُلاَن، أَوْ فُلاَنُ ابنُ فُلاَنٍ يُسَلّمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنَ الْعِبَارَاتِ، ثُمَّ يتأخرُ إلى صَوْبِ يَمِينِهِ قدر ذراعٍ فَيُسَلّم على أبِي بكْر ﵁ لأنَّ رَأْسهُ عِنْدَ مَنكبِ رَسُول الله - ﷺ - فَيقُولُ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يا أبَا بكْرٍ صَفِيّ رسولِ الله وثانيه في الْغَارِ جَزَاكَ الله عَنْ أمةِ نبيه - ﷺ - خيرًا، ثُمَّ يَتَأخّرُ إلى صَوْبِ يمينه قدر ذِراعٍ للسَّلاَمِ عَلَى عُمَرَ ﵁ فَتقُولُ: السلامُ عَلَيْكَ يا عُمَرُ أعَزَّ الله بِكَ الإِسْلاَمَ جَزَاكَ الله عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - خَيْرًا.
_________________
(١) = الحاصلتان لإبراهيم ﵇ مع آله الأنبياء الذين أحد أفرادهم محمد - ﷺ - أفضل وأعظم من الصلاة والبركة المطلوبتين لنبينا محمد وآله الذين ليسوا بأنبياء والله أعلم.
(٢) أخذ بعضهم من قول ابن عمر ﵄: يا أبتاه أن من كان من ذرية أبي بكر أو من ذرية عمر قال ذلك وعلله بأنه أولى في استدعاء الرقة والعطف من المسلم عليه، ولعل ذلك في غيره - ﷺ - أمّا هو فينبغي أن يسلم عليه - ﷺ - كما يسلم من كان من غير الذرية.
(٣) أي ندبًا السلام إلخ بخلاف ما لو أوصى آخر بالسلام على غيره وجب عليه إن لم يصرح بعدم القبول أنه لا يسلم عليه ويجب على المُسَلم عليه الرد بلسانه فورًا، كما لو كان المسلم حاضرًا. والفرق بينهما أن المقصود من الأول التبرك فلذا ندب، والمقصود من الثاني ترك الضغائن وهذا طريقه فوجب والله أعلم.
[ ٤٥٣ ]
وَهذه صِفَةُ الْقُبورِ الْكَرِيْمَةِ:
* الصفة الأولى
- قبر النبي ﷺ
- - قبر أبي بكر ﵁
- - - قبر عمر ﵁
* الصفة الثانية
قبر النبي ﷺ
قبر أبي بكر ﵁ - قبر عمر ﵁
* الصفة الثالثة
قبر النبي ﷺ
قبر أبي بكر ﵁
قبر عمر ﵁
وَالمَشْهُورُ هُوَ الصفةُ الأُولى (١)، ثُمَّ يَرْجعُ إِلَى مَوْقِفِهِ الأوَّلِ قبَالَ وَجْهِ رسولِ الله - ﷺ - وَيَتَوَسَّلُ بِهِ في حَقّ نَفْسِهِ وَيَتَشَفَّعُ بِهِ إِلَى رَبّهِ ﷾، وَمِنْ أحْسَن مَا يقُولُ مَا حَكَاهُ أصْحَابُنَا عَنِ الْعُتْبِيّ مُسْتَحْسِنِينَ لَهُ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبي - ﷺ - فَجَاءَ أَعْرَابِيّ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيكَ يا رسول الله سَمِعْت الله يقُولُ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ وقد جئتك مستغفرًا من ذنبي
_________________
(١) أي لخبر الحاكم ﵀ الذي صححه عن القاسم بن محمد بن أبي بكر ﵃ قال: دخلت على عائشة ﵂ فقلت: يا أم المؤمنين اكشفي لي عن قبر رسول الله - ﷺ - وصاحبيه فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء، فرأيت رسول الله مقدمًا وأبا بكر رأسه بين كتفي رسول الله - ﷺ - وعمر رأسه عند رجلْي النبي - ﷺ -.
[ ٤٥٤ ]
مُسْتَشْفِعًا بِكَ إِلَى رَبّيِ ثُمَّ أنْشَأ يقُولُ:
يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أعْظُمهُ فَطَابَ مِنْ طِيبهِن القاعُ والأكَمُ
نَفْسِي فِدَاءٌ لِقَبْر أَنْتَ سَاكِنُهُ فِيهِ العَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ
أَنْتَ الشفِيعُ الَّذِي تُرْجَى شَفَاعَتُه عَلَى الصِّراطِ إِذَا مَا زَلَّتِ القَدَمُ
وَصَاحِبَاكَ فَلاَ أَنْسَاهُمَا أبَدًا مِنّي السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ مَا جَرَى الْقَلَمُ
قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ فَغَلَبتَنِي عَيْنَايَ فَرَأيْتُ رسول الله - ﷺ - في النَّوْمِ فَقَالَ: "يَا عُتْبي إلْحَقْ الأَعْرَابِيَّ وَبَشّرْهُ بِأن الله تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لَه". اهـ. ثُمَّ يَتَقَدمُ إلى رَأْسِ النَّبِي فَيقِفُ بَيْنَ الْقَبْرِ وَالأُسْطُوَانَةِ الَّتِي هُنَاكَ وَيَسْتَقبلُ الْقِبْلَةَ ويحْمَدُ الله تعالى ويُمَجدُهُ وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا أَهَمَّهُ وَمَا أحَبَّهُ وَلِوَالديهِ وَلِمَنْ شَاءَ مِنْ أقارِبِهِ وأَشْيَاخِهِ وَإِخْوَانِهِ وَسَائِرِ المُسلمينَ ثُمَّ يَأتِي الرّوضَةَ فَيُكْثِرُ فِيهَا مِنَ الدُّعَاءِ وَالصَّلاَةِ. فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبي هُرَيْرَة ﵁ أنّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: "مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي (١) رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الْجَنَّةِ (٢) وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي"، وَيقِفُ عِنْدَ الْمِنبر وَيَدْعُو.
_________________
(١) وفي رواية كما في الحاشية: (ما بين منبري وبيتي) وفي أخرى (ما بين حجرتي ومنبري) ولا اختلاف لأن قبره - ﷺ - في بيته والبيت هو الحجرة.
(٢) قال في الحاشية: قيل ومعنى كونه روضة من رياض الجنة أن العمل فيه يوصل لذلك وفيه نظر، والأولى ما قاله الإِمام مالك وغيره رحمهما الله من بقائه على ظاهره فينقل إلى الجنة، وليس كسائر الأرض يذهب ويفنى، أو هي من الجنة الآن حقيقة وإنْ لم تمنع نحو الجوع، عملًا بأصل الدار الدنيوية. وأنها آيلة للفناء، ومعنى قوله: (ومنبري على حوضي) أن ملازمة الأعمال الصالحة عنده تورد الحوض كذا قيل، وقيل يعيده الله على حاله فينصبه على حوضه وهو الأولى أيضًا لأن الأصل بقاء اللفظ على ظاهره الممكن. اهـ.
[ ٤٥٥ ]
الثامنةُ: لاَ يَجُوزُ أنْ يُطَافَ بِقَبْرِ النَّبِي - ﷺ - ويُكْرَهُ إلْصَاقُ الْبَطْنِ وَالظهْرِ بِجِدَارِ الْقَبْرِ قَالَهُ الْحَلِيميُّ وَغَيْرُهُ، وَيُكْرَهُ مَسحهُ بِالْيَدِ وَتَقْبِيلُهُ بَلْ الأَدَبُ أنْ يَبْعُدَ مِنْهُ كَمَا يَبْعُدُ مِنْهُ لَوْ حَضَرَ في حَيَاتِهِ - ﷺ - هذَا هُوَ الصَّوَابُ (١) وَهُوَ الّذِي قَالَهُ الْعُلَمَاءُ وَأطْبقُوا عَلَيْهِ، وَيَنْبَغِي أنْ لاَ يَغْتَرَّ بِكَثِيرِ مِنَ الْعَوَامّ في مُخَالَفَتِهِمْ ذلِكَ فَإِنْ الاقْتِدَاءَ وَالْعَمَلَ إنَّمَا يَكُونُ بِأَقْوَالِ الْعُلماءِ وَلاَ يلتفتُ إلى مُحْدَثَاتِ العَوَامِ وجهالاتهم، وَلَقَدْ أحْسَنَ السَّيّدُ الْجَلِيلُ أبُو عَلِيّ الفُضَيْلُ بنُ عِياضِ رَحِمَهُ الله تَعَالَى في قَوْلهِ مَا مَعْنَاهُ: اتَّبْعِ طُرُق الْهُدَى وَلاَ يَضُرُّكَ قِلّةُ السَّالِكِينَ، وإياكَ وَطُرُقَ الضلاَلَةِ وَلاَ تَغْتَرَ بِكِثْرةِ الْهَالِكِينَ، وَمَنْ خَطَرَ بِبَالِهِ أنَّ الْمَسْحَ بِالْيَدِ وَنَحْوهِ أبْلَغُ في الْبَرَكَةِ فَهُوَ مِنْ جَهَالَتِهِ وَغَفْلَتِهِ لأَن الْبَرَكَةَ إِنَّمَا هِيَ فِيمَا وَافَقَ الشَّرْعَ وَأَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ، وَكَيْفَ يَبْتَغِي الفضلَ في مُخَالَفَةِ الصَّوابِ (٢).
التاسعةُ: يَنْبَغِي لَهُ مُدَّة إقَامَتِهِ بِالْمَدِينَة أنْ يُصَلّي الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِمَسْجِدِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْوِيَ الاعْتِكَافَ فيه كَمَا قَدَّمْنَاه في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
الْعَاشِرَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ كُلَّ يَوْمِ إِلَى الْبقِيعِ خُصُوصًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ
_________________
(١) ورحم الله العلامة ابن القيم القائل في كافيته وشافيته: وأتى المسلم بالسلام بهيبة ووقار ذي علم وذي إيمان لم يرفع الأصوات حول ضريحه كلًا ولم يسجد على الأذقان كلاّ ولم ير طائفًا بالقبر أسبوعًا كان القبر بيت ثان
(٢) قال الفُضَيْل بن عياض ﵀ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] أخلصه وأصوبه، قيل يا أبا عليّ ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإن كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبَل حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. اهـ. أقول: أسأله تعالى أن يوفقني وإخواني المسلمين والمسلمات إلى السلوك عليها آمين.
[ ٤٥٦ ]
وَيَكُونُ ذلِكَ بَعْدَ السَّلاَمِ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - فَإِذَا انْتَهَى إِلَيْهِ قَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ (١) دار قَوْمِ مُومِنينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله بكم (٢) لاَحِقُونَ، اللهُمَّ اغْفِرْ لأَهْلِ بقيعِ الْغَرْقَدِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا وَلَهُمْ. وَيَزُورُ الْقُبُورَ الظَّاهِرَةِ فِيهِ كَقَبْرِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَعُثْمَانَ وَالْعَباسِ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِي وَعَلِي بْنِ الْحُسَيْنِ وَمُحَمدِ بْنِ عَلِي وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمدِ وَغَيْرِهِمْ وَيَخْتِم بِقَبْرِ صَفِيةَ ﵂ عَمَةِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَقَدْ ثَبَتَ في الصَحِيح في فَضْلِ قُبُورِ الْبقِيعِ وَزِيَارَتِهَا أَحَادِيثٌ كَثِيْرَة.
الْحَاديَةَ عَشْرَةَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَزُورَ قُبُورَ الشُّهَدَاءِ بِأُحُد وأفْضَلُهُ يَوْمُ الْخَمِيسِ وَابتداؤه بحمزة عَم رَسُولِ الله - ﷺ -، ويُبَكرُ بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ بِمَسْجِدِ رَسُولِ الله - ﷺ - حَتى يَعُودَ وَيُدْرِكَ جَمَاعَةَ الطهْرِ فِيهِ.
الثَّانِيَةَ عَشْرَة: يُسْتَحَبُّ اسْتِحْبَابًا مُتَأكدًا أنْ يأتي مَسْجِدَ قُبَاء وَهُوَ فِي يَوْمِ السَبْتِ أوْلَى، نَاوِيًا التَّقَرُّبَ بِزِيارَتِهِ وَالصَّلاَةَ فِيهِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ في كِتَابِ التّرْمِذِي وَغَيْرِهِ عَنْ أسُيْد بن ظهير ﵁ أنّ رَسُولَ الله - ﷺ - قال: "صَلاَةٌ في مَسْجِدِ قُبَاء كَعُمْرَةٍ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَأتي مَسْجِدَ قُبَاء رَاكِبًا وَمَاشِيًا فَيُصَلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. وَفِي
_________________
(١) قال في التعليق عن ابن علان رحمه الله تعالى تصح قراءة (دار) بالنصب على النداء أو الاختصاص أو المدح أو بإضمار أعني وبالجر بدلًا من الضمير لإفادته الإِحاطة والشمول. اهـ.
(٢) جيء بالمشيئة تبركًا وامتثالًا لعموم ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أو لخصوص المكان أو على وصف الإيمان. اهـ ابن علان. اهـ تعليق.
[ ٤٥٧ ]
رِوَايةٍ صَحِيحَةٍ كَانَ يَأتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ وَيُسْتَحَب أَنْ يَأْتِي بِئْرَ أرِيسٍ (١) الَّتي رُوَي أَن النبِيَّ - ﷺ - تفَلَ فيها عِنْدَ مَسْجِدِ قُبَاء فَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا وَيَتَوَضّأ مِنْهُ.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: يُسْتَحَب أَنْ يَأتِيَ سَائِرَ الْمَشَاهِدِ بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ نَحْوُ ثَلاَثِينَ مَوْضِعًا يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَلْيقصد ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَكَذَا يَأْتِي الآبارَ الَّتي كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يتَوَضَّأ مِنْهَا وَيَغْتَسِلُ فَيَشْربُ وَيَتَوَضَّأ وَهِيَ سَبْعُ آبَار (٢).
_________________
(١) هي إحدى الآبار السبعة المباركة التي تنسب إليه - ﷺ -. وقد نظمها بعضهم بقوله: "أرِيسٌ" و"غُرْسٌ "رُومَةٌ" و"بُضَاعَةٌ" كذا "بُصةٌ" قُلْ "بَيْرُحَاء" مع "العِهْنِ" (فأريس) كأمير، (وغرس) بضم الغين وفتحها فراء ساكنة أو مفتوحة، وهي شرقي مسجد قباء، ورد أنه - ﷺ - اغتسل فيها وشرب منها وأهدى له عسل فصبه فيها، و(رومة) بضم الراء المهملة المضمومة وتقع هذه البئر في عرصة عقيق المدينة الكبرى. قال لي بعض الإخوان هي البئر التي في مزرعة المدينة بالوسيطة، والله أعلمِ، وماؤها صافٍ عذب، ولذا رغب النبي - ﷺ - أصحابه في شرائها وحفرها بقوله: "مَنْ حَفرَ بئر رومة فله الجنة"، وروى عنه - ﷺ - فيها "نعم القليب قليب المزنى"، وفي رواية "نعم الحفير حفير المزنى"، فلما سمع عثمان ﵁ هذا اشتراها وحفرها وتصدق بها على المسلمين. و(بضاعة) بضم الباء الموحدة ثم ضاد معجمة ممدودة بألف ثم عين مهملة تقع غربي بيرحاء إلى جهة الشمال صَح أنه - ﷺ - قال لما قيل له نستقي لك من بئر بضاعة وهي بئر فيها لحوم الكلاب والمحايض (خرق الحيض) وعذر الناس فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء" و(بُصَّة) بباء موحدة مضمومة فصاد مهملة وقيل مشددة: قريبة من البقيع في حديقة، و(بيرحاء) بباء موحدة مفتوحة أو مكسورة ثم ياء ثم راء مهملة مفتوحة أو مضمومة ممدودًا أو مقصورًا (وحاء) اسم انسان أو مكان وكان - ﷺ - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، وهي تَقع قرب بال المجيد (والعهن) بكسر العين المهملة فسكون الهاء وهو في الأصل الصوف الملون وهي معروفة بالعوالي منقورة في الجبل.
(٢) تقدمت أسماؤها منظومة، وتقدم الكلام عليها قريبًا.
[ ٤٥٨ ]
الرَّابِعَةَ عَشْرَة: مِنْ جَهَالَةِ الْعَامَّةِ وَبِدَعهم تَقَرُبُهُمْ بِأَكْلِ التَّمْر الصَّيْحَانِي (١) فِي الرَّوْضَةِ الكريمَةِ وَقَطْعِهِمْ شُعُورَهُمْ وَرَمْيِهَا في القِنْدِيل هَذَا مِنَ المُنْكَراتِ الشَّنِيْعَةِ (٢).
الخَامِسَةَ عَشْرَة: كَرِهَ مَالِكٍ (٣) رَحِمَهُ الله تعالَى لأَهْلِ المدينَةِ كُلَّمَا دَخَلَ أَحَدُهُم الْمَسْجِدَ وَخَرَجَ الْوُقُوفَ بِالْقَبْرِ قَالَ: وَإنَّمَا ذَلِكَ لِلْغُرَبَاءِ قَالَ: وَلاَ بَأْسَ لِمَنْ قَدِمَ مِنْهُمْ مِنْ سَفَرٍ أَوْ خَرَجَ إِلَى سَفَر أَنْ يقِفَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيّ - ﷺ - فَيُصلِي عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُ وَلأبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. قَالَ الْبَاجِي: فَرّقَ مَالِكُ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينةِ وَالْغُرَبَاءِ لأَنَّ الغُرَبَاءَ قَصَدُوا لِذلِكَ وأهْلَ الْمَدِينَةِ مقيمُونَ بِهَا، وَقَدْ قَالَ - ﷺ -: "اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وثنًا يُعْبَد" (٤).
_________________
(١) سبب تسميته بذلك ما أخرجه ابن المؤيد الحموي لكن رُدَّ بأنه موضوع عن جابر ﵁: كنت مع النبي - ﷺ - يومًا في بعض حيطان المدينة ويد عليّ في يده فمررنا بنخل، فصاح النخل: هذا محمدٌ سيد الأنبياء، وهذا علي سيد الأولياء أبو الأئمة الطاهرين، ثم مررنا بنخل فصاح هذا محمد رسول الله وهذا عليٌّ سيف الله. فالتفت النبي - ﷺ - لعلي وقال: سَمه الصيحاني. فسمى من حينئذ. اهـ حاشية.
(٢) جميع ما ذكر المصنف رحمه الله تعالى من هذه البدع ليس بشيء منها في زماننا والحمد لله نسأله تعالى إماتة الباع وإحياء السنن آمين.
(٣) قال السبكي رحمه الله تعالى كما في الحاشية: هو جارٍ على قاعدته رحمه الله تعالى في سد الذرائع أي لأن ذلك يفضي إلى الملل، والمذاهب الثلاثة يقولون باستحباب الإكثار منها لأن الإكثار من الخير خير. اهـ.
(٤) قد استجاب الله ﷾ دعاء نبيه صلوات الله وسلامه عليه فصان قبره الشريف من التقبيل والتمسح به والطواف حوله كما يفعل بقبور غيره، فحفظه وصانه بالجدران المحيطة به ثم بالمقصورة الحديدية وهي الشباك. فصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد الآخذ بحجز أمته عن وقوعها في مهاوي الهلكة ومزالق الشرك. ورحم الله العلامة ابن القيم القائل: =
[ ٤٥٩ ]
السادِسَةَ عَشْرَة: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُلاَحِظَ بِقَلْبِهِ فِي مُدَّة مُقَامِهِ بِالْمَدِيْنَةِ جَلاَلتَهَا وَأنهَا الْبَلْدَةُ الَّتي اخْتَارَهَا الله تَعَالَى لِهِجْرَةِ نبيهِ - ﷺ - واستيطَانِهِ وَمَدْفَنِهِ وَلْيَسْتَحْضِرْ تَرَدُّدهُ - ﷺ - فيهَا وَمَشْيَهُ في بِقَاعِهَا.
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: يُسْتَحَبُّ الْمُجَاورة بِالْمَدِينة بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدّمِ بالْمُجَاوَرَةِ بِمَكّة فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِم عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبي هُرَيْرَةَ ﵃ عَنِ النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ صَبَرَ عَلَى لأوَاءِ الْمَدِيْنةِ وَشِدَّتِهَا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا أوْ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
الثَّامِنَة عَشْرَةَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَصُومَ بالمَدِينَةِ مَا أَمْكَنَهُ وأن يتصدق بما أمكنه عَلَى جِيرَانِ رَسُولِ الله - ﷺ - فإِنْ ذلِكَ مِنْ جُمْلَةِ بِرهِ.
التاسِعَةَ عَشْرَة: لَيْسَ لَهُ أن يَسْتَصْحِبَ شَيْئًا مِنَ الأكر المعمُولة من تُرَاب حَرَامِ الْمَدِينَةِ وَلاَ الأَباريق وَالْكِيزَانِ وَلاَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ تُرَابِهِ وَأَحْجَارِهِ كَما سَبقَ فِي حَرَمِ مَكَّةَ (١).
الْعِشْرُونَ: يَحْرُمُ صَيْد حَرَمِ المَدِينة وَأشْجَارِهِ عَلَى الْحَلاَلِ وَالْمُحْرِمِ كَمَا سَبَقَ فِي حَرَمِ مَكَّةَ، وَسَيَأتِي بيانُ ضَمَانِهِ فِي الْبَاب السَّابِعِ إنْ شَاءَ الله
_________________
(١) = ولقد نهانا أن نصير قبره عيدًا حذار الشرك بالرحمن ودعا بأن لا يجعل القبر الذي قد ضمه وثنًا من الأوثان فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران حتى اعتدت أرجاؤه بدعائه في عزة وحماية وصيان
(٢) أي في المسألة العشرين من الباب الخامس في المقام بمكة وطواف الوداع وهو قوله: (لا يجوز أنْ يأخذ شيئًا من تراب الحرم وأحجاره معه إلى بلاده، ولا إلى غيره من الحل ..) إلخ. أقول: قد ذكرت هناك في التعليق الدليل على عدم الجواز وعلة ذلك فراجعه.
[ ٤٦٠ ]
تَعَالَى (١). وَحَدُّ حَرَمِ المَدِينَةِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنِ النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: "الْمَدِيْنَةُ حَرَم ما بينَ عَيْرَ إلى ثَوْرٍ (٢).
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلاَم وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عير جَبَل بالْمَدِينة.
وَأَمَّا ثَوْرُ فَلاَ يَعْرِفُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِهَا جَبَلًا يقَال لَهُ ثَوْر، إِنَّمَا، ثَوْر، بِمَكَّة (٣) قَالُوا: فنرَى أَنَّ أَصلَ الْحَدِيثِ مَا بَيْنَ عير إِلَى أَحُد.
وَقَالَ الحافِظ أَبُو بكر الحازِمِيُّ في كِتَابِهِ المؤتلف في أسماء الأَمَاكِنِ في الحديثِ حَرَم رسول الله - ﷺ - مَا بينَ عير إِلى أُحُدٍ قَالَ: هَذ الرّوَايةُ الصَّحِيحَةُ، وَقِيلَ إِلى ثَوْرٍ وليسَ لَهُ مَعْنَى، وَفِي الصّحيحينِ من حديثِ أبي هريرة ﵁ قَالَ: لَوْ رَأيْتُ الظبَاءَ بِالمدينة تَرْتَعُ مَا ذَعَرْتُهَا، وَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "مَا
_________________
(١) بيّن المصنف الضمان في الباب السابع بقوله ﵀: فإن أتلفه ففي ضمانه قولان للشافعي ﵀: الجديد لا يضمن وهو الأصح عند أصحابنا. أقول: وهو مذهب الإِمام أبي حنيفة كما في كتاب (رحمة الأمة) والقديم أنه يضمن وهو المختار، وعلى هذا في ضمانه وجهان أحدهما: كضمان حرم مكة وأصحهما أخذ سلب الصائد وقاطع الشجر. أقول: وهو مذهب الإِمامين مالك وأحمد كما في كتاب رحمة الأمة والمراد بالسلب ما يسلب القتيل من الكفار ثم هو للسالب على الأصح وقيل لفقراء المدينة وقيل لبيت المال. اهـ بزيادة ما بين القوسين.
(٢) قال في الحاشية: هما المرادان بمأزميها في رواية (وإن حرمت ما بين مأزميها). اهـ.
(٣) هذا الحصر ممنوع كما في الحاشية فقد قال كثيرٌ من المحققين كالزمخشري وغيره ﵏، ونقله بعضهم عن طوائف من العرب العارفين بتلك الأرض أن ثورًا اسم جبل صغير خلف أحُد، وبه يعلم أن أحُدًا من حرم المدينة. اهـ.
[ ٤٦١ ]
بينَ لاَبَتَيْهَا حَرَام"، وَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابةِ في الصّحِيحِ، وَاللاّبَتَانِ الْحرّتَانِ (١).
الحَادِيةُ والْعِشْرُونَ: إِذَا أَرَادَ السَّفَر مِنَ الْمَدِينةِ وَالرُّجُوعَ إِلَى وَطَنِهِ أَوْ غَيْرِهِ اسْتُحِب أَنْ يُوَدعَ الْمَسْجِدَ بِرَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ وَيَأَتِي الْقَبْرَ (٢) وُيعيدُ نَحْوَ السَّلاَمِ وَالدُّعَاءِ المذكُور في ابْتِدَاءِ الزّيَارَةِ وَتقُولُ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ هَذَا آخِرَ الْعَهْدِ بِحَرَمِ رَسُولكَ وَيَسرْ لِي الْعَوْدَ إِلَى الْحَرَمَيْنِ سَبِيلًا سَهْلَة وارْزُقْنِي العفو والْعَافِيَةَ في الدُّنْيَا وَالآخِرة وَرُدنا سَالِمِينَ غَانِمِينَ، وَيَنْصَرِفُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَلاَ يَمْشِي قهقرَى إِلَى خَلْفِهِ.
الثَّانِيَةُ والعِشْرُونَ: فِي أَشْيَاءَ مُهِمّةٍ تتعَلَّقُ بِمَسْجِدِ رَسُولِ الله - ﷺ -. رَوَيْنَا في صَحِيحِ الْبُخَارِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ - مَبْنيًِا بِاللَّبِنَ وَسَقْفُه الْجَرِيدُ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخلِ فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بكْر ﵁ شَيئًا (٣) وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ ﵁
_________________
(١) الحرة: بفتح الحاء: هي الأرض ذات الحجارة السود كما في الحاشية وقال فيها: وهذا حَد الحرم في العَرْضِ، وما مَرَّ حَدُّه في الطول، وإنما لم يأخذ أصحابنا بقضية أحاديث وردت مِنْ أن حرمَ الطير والوحش والقتال وغيرها إلا الشجر ما بين الحرتين، وحَرَم الشجر بريد في بريد من سائر جوانب المدينة لأنها لم تثبت، وإنْ أخَذَ بذلك مالك ﵀. اهـ.
(٢) أي ثم يأتي القبر خلافًا لمن قال: يقدم وداعه - ﷺ - على توديع المسجد بركعتين. اهـ حاشية.
(٣) لقصر مدة خلافته ﵁ التي قضاها أو معظمها في حروب الردة، وتثبيت الإسلام الذي رجع عنه بعد موته - ﷺ - معظم سكان الجزيرة فأعاده الله على يديه، وثبت الناس عليه فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء. قال أبو هريرة ﵁: (والله الذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف ما عُبدَ الله) كررها ثلاثًا.
[ ٤٦٢ ]
وَبَنَاهُ عَلَى بِنَائِهِ (١) فِي عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ - باللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَادَ عُمَدَهُ خَشَبًا، ثُم غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيادة كثيرة (٢) وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ المَنْقُوشة وَالْقَصَّة وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَة مَنْقُوشَة وَسقفَهُ بِالسَّاجِ هذَا لَفْظُ رِوَاية الْبُخَارِي.
وَقَوْلُهُ القَصَّةِ هِيَ بِفَتْحِ القَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلة وهي الْجصُّ.
وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْد أَحَدِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَة (٣) قَالَ: بَنَى
_________________
(١) = أقول: ومَنْ أراد الاطلاع على حياة أبي بكر فعليه بكتابي (إتحاف الصَّديق بمناقب الصِّدِّيق) وهو مطبوع نفع الله به وبجميع كتبي آمين.
(٢) جاء في (عمدة الأخبار عن مدينة المختار) عن ابن عمر ﵄ قال: كثر الناس في عهد عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين: لو وسعت في المسجد. فزاد فيه عمر وأدْخل فيه دار العباس فجعل طوله مائة وأربعين ذراعًا وعرضه مائة وعشرين، وبدل أساطينه بأخر من جذوع النخل كما كانت في عهد رسول الله - ﷺ -، وسقفه بجريد، وجعل سترة المسجد فوقه ذراعين أو ثلاثة وقد بنى أساسه بالحجارة إلى أنْ بلغ قامة، وجعل له ستة أبواب: بابين عن يمين القبلة وبابين عن يسارها وبابين خلفها. فلما فرغ من زيادته قال: لو انتهى بناؤه إلى الجبانة لكان الكل مسجد رسول الله - ﷺ -. اهـ.
(٣) أي في قبلي المسجد وذلك في العام الرابع من خلافته ﵁ حينما كلمه الناس أنْ يزيد في المسجد وشكوا إليه ضيقه فشاور عثمان أهل الرأي فأشاروا عليه بذلك.
(٤) المنظومة أسماؤهم رحمهم الله تعالى في قول بعضهم رحمهم الله تعالى: ألا كل مَنْ لا يقتدي بأئمة فقسمته ضيزى عن الحق عاريه فخذهم عُبَيْد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجه (أحدهم): سعيد بن المسيب القرشي المخزومي المدني إمام التابعين. (ثانيهم): خارجة بن زيد بن الضحاك الأنصاري النجاري المدني التابعي. (ثالثهم): عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني التابعي. (رابعهم): القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التابعي القرشي التيمي. =
[ ٤٦٣ ]
رَسُولَ الله - ﷺ - مسْجدَهُ سَبْعِينَ (١) ذِرَاعًا أَوْ يَزِيدُ، قَالَ أَهْلُ السّيَرِ جَعَلَ عُثْمَانُ طُولَ المسجد مَائَةَ وَسِتّينَ ذِرَاعًا وَعَرْضَهُ مَائَة وخَمْسِينَ ذِراعًا وَجَعَلَ أَبْوَابَهُ سِتَّة كَمَا كَانَتْ في زَمَنِ عُمَر ثُمَّ زَادَ فِيهِ الْوَليدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ (٢) فَجَعَلَ طُولَهُ مَائتيْ
_________________
(١) = (خامسهم): عبيد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني التابعي عم أبيه عبد الله بن مسعود الصحابي. (سادسهم): سليمان بن يسار التابعي الهلالي أخو عطاء وعبد الملك وعبد الله موالي ميمونة أم المؤمنين ﵂. قال ابن سعد: ويقال: إن سليمان نفسه كان مكاتبًا لها. (سابعهم): اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال كما في تهذيب الأسماء واللغات للمصنف ﵀. (فقيل) سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب (وقيل) أبو سلمة التابعي المدني ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري واسم أبي سلمة عبد الله على الصحيح المشهور، وقيل إسمعيل (وقيل) أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي التابعي المدني. قيل اسمه محمد وقيل اسمه أبو بكر وكنيته أبو عبد الرحمن. والصحيح أن اسمه كنيته كما في تهذيب المصنف وعلى القول بأن السابع من الفقهاء السبعة أبو بكر بن عبد الرحمن جاء النظم المتقدم رضي الله عن الصحب الكرام وأتباعهم وعنا وعنهم آمين.
(٢) أي في ستين ذراعًا هذا بناؤه المرة الأولى وبناه - ﷺ - كما في الحاشية المرة الثانية وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع وكذا في العرض. اهـ. أقول: ومما يعضد ما في الحاشية قول جعفر بن محمد كما في عمدة الأخبار. قال: بناه رسول الله - ﷺ - مرتين حين قدم أقل من مائة، فلما فتح الله عليه خيبر بناه وزاد فيه مثله من الدور وضرب الحجرات ما بينه وبين القبلة والشرق إلى الشام، ولم يضربها في غربيه وكانت خارجة من المسجد مدبرة به إلا من المغرب وكانت أبوابها شارعة في المسجد. اهـ.
(٣) الأموي رحمه الله تعالى في سنة ٨٨ - ٩١، وقيل ٩٣ هـ، وقام بالعمارة عامله بالمدينة المنورة عمر بن عبد العزيز، وأحدث فيها المنابر والمحراب والشرفات وأدخل في المسجد حجرات أمهات المؤمنين بعد أنْ هدمها وكانت زيادة في الشرق والغرب والشمال من المسجد.
[ ٤٦٤ ]
ذِرَاعٍ وَعَرْضَهُ في مُقَدَّمِهِ مَائَتَيْ ذراعَ وَفِي مُؤَخرِهِ مَائَةً وَثَمَانِينَ ثُمَّ زَادَ فِيهِ الْمَهْدِيُّ (١) مَائَة ذِراع مِنَ جِهَةِ الشَّامِ فَقَطْ دُونَ الْجِهَاتِ الثَّلاثِ (٢).
_________________
(١) = رأي سعيد بن المسيب ﵀ في حجرات أمهات المؤمنين روي عن عطاء رحمه الله تعالى: سمعت سعيد بن المسيب يقول: (والله لوددت أنهم تركوها -يعني الحجرات على حالها-، ينشأ ناس من أهل المدينة، ويقدم قادم من الأفق، فيرى ما اكتفى به رسول الله - ﷺ - في حياته فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والفخر). قال الشيخ علي حافظ في كتابه (فصول من تاريخ المدينة المنورة): تُرَى هل هذه إشارة من سعيد بن المسيب أحد أعلام الفقه والحديث في الاحتفاظ بالآثار التاريخية التي لها معنى العظة والعبرة؟ أقول: مع سعيد ليتهم فعلوا. اهـ.
(٢) العباسي ﵀ أي سنة ١٦١ - ١٦٥ هـ.
(٣) قال بعض المؤرخين رحمهم الله تعالى: بزيادة المهدي هذه صار طول المسجد النبوي (٣٠٠) ذراع، وعرضه مائة وثمانين (١٨٠) ذراعًا، وزخرفه بالفسيفساء، وأدخل عمد الحديد في سواريه، كما فعل الوليد بن عبد الملك الأموي رحم الله الجميع، ثم زاد فيه السلطان الأشرف قايتباي نحو ذراعين وربع ذراع جهة الشرق حينما ظهر ضيق عند بناء القبة الخضراء فخرجوا بالجدار الذراعين والربع فيما حازى ذلك، وهذه الزيادة وقعت منه عندما عَمره بعد حريق عام ٨٨٦ هـ الحريق الثاني للمسجد النبوي وتمت العمارة سنة ٨٩٠ هـ وسبب هذا الحريق أنه حصلت غيوم في السماء شهر رمضان عام ٨٨٦ هـ وبرق البرق وهدر الرعد وسقطت صاعقة أصاب بعضها هلال المنارة الرئيسية فسقط، وكان رئيس المؤذنين شمس الدين بن الخطيب يؤذن فتوفي ﵀ صعقًا، وأصاب ما نزل من الصاعقة سقف المسجد النبوي الأولى عند المنارة فعلقت النار فيه وفي السقف الأسفل وأخذ لهبها يزحف نحو الشمال والغرب وعجز الناس عن إطفائها، وهذه العمارة التي احترقت هي العمارة التي قام بها عدد من الملوك والحكام المسلمين رحم الله الجميع. أما الحريق الأول للمسجد النبوي فكان في أول شهر رمضان عام ٦٥٤ هـ وكان سببه دخول أحد فراشي المسجد النبوي مخزن الزاوية الغربية الشمالية للمسجد لاستخراج قناديل المسجد وتَرْكه الضوء الذي كان بيده على قفص القناديل مضيئًا فاشتعلت النار =
[ ٤٦٥ ]
فَإِذَا عَرَفْتَ حَالَ الْمَسْجِدِ فَيَنبغي أنْ تَعْتَنِي بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلاَةِ فِيمَا كَانَ في عَهْدِ الرسول - ﷺ - فَإِنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي سبق ذِكْرُهُ صَلاَة فِي مَسْجِدي هَذَا أفْضَلُ مِنْ ألْفِ صَلاَة فيما سواه من المَسَاجِدِ إنَّما يَتَنَاولُ مَا كَانَ في
_________________
(١) = وامتدت واستولت على جميع ما حواه المسجد من سقفه وغيرها، ولم تبق إلا القبة التي كانت بوسط صحن المسجد التي بناها الناصر لدين الله سنة ٥٧٩ هـ لحفظ ذخائر المسجد مثل المصحف العثماني وعدة صناديق أثرية صنعت عام ٣٠٠ هـ، وهذه العمارة التي احترقت هي عمارة الوليد بن عبد الملك الأموي والمهدي العباسيّ رحمهما الله تعالى. اهـ من كتاب فصول من تاريخ المدينة المنورة للأستاذ علي حافظ. ثم حدث خراب في بعض أجزاء عمارة السلطان قايتباي للمسجد النبوي التي مَرّ عليها نحو ٣٨٧ سنة هجرية فأمر بهدمها السلطان عبد المجيد العثماني وأعاد البناء في سنة (١٢٦٥ هـ إلى ١٢٧٧ هـ) وسقَفَه بالقباب بدلًا من الخشب وزاد فيه نحو خمسة أذرع وربع ذراع من المنارة الرئيسية وهي المجاورة للقبة الخضراء وموقعها في الركن الجنوبي الشرقي للمسجد وهي والقبة الخضراء الآن على عمارة الأشرف قايتباي رحمه الله تعالى إلى ما يلي باب جبريل لضيق المسجد في ذلك الموضع ثم في يوم ١٥ شوال عام ١٣٧٠ هـ نفذ أمر جلالة الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله تعالى بتوسعة المسجد النبوي الشريف وانتهت العمارة والتوسعة عام ١٣٧٥ هـ في عهد الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود ﵀ وهي العمارة التي نشاهدها في جهة الشمال للمسجد النبوي المتصلة بالباقي من عمارة السلطان عبد المجيد العثماني كما وسع من جهة الشرق والغرب قليلًا، وقد أزيلت مبانٍ في مناطق التوسعة بعد تعويض أصحابها بقيم مرضية، وأزيلت أيضًا مبانٍ أخر في الشمال والشرق والغرب لتوسعة الطرق حوله، وأصبحت مساحة المسجد النبوي في الوقت الحاضر ١٦٣٢٧ مترًا مربعًا بعد أن كانت (١٠٣٠٢) أمتارًا مربعة ولا زالت حكومتنا السعودية جادة في توسعة المسجد النبوي فقد أزالت مبانٍ كثيرة من جهة الغرب في عهد الملك فيصل والملك خالد ابني الملك عبد العزيز آل سعود بعد تعويض أصحابها بما يرضيهم، وأقامت موضعها قبابًا مؤقتة يؤدي فيها المصلون صلاتهم مع الجماعة ريثما يتم اتصال مبناها مع المسجد من هذه الجهة وفق الله حكومتنا السعودية لمرضاته آمين. =
[ ٤٦٦ ]
زَمَنِهِ - ﷺ - (١) لكِن إذا صَلى جَمَاعَةً فَالتَّقَدُّمُ إلَى الصَّفّ الأَوَّلِ ثُمَّ مَا يَلِيهِ أفْضَلُ فَلْيُفْطَنْ إلْى مَا نبهْتُ عَلَيْهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْن عَنْ أبي هُرَيْرَة ﵁ عَنْ رسُولِ الله - ﷺ - قَالَ: "مِنْبري عَلَى حَوْضِي" قَالَ الإِمامُ الْخَطابي: مَعْنَاهُ مَنْ لَزِمَ الْعِبَادَةَ عِنْدَ مِنْبَرِي يُسْقَى مِنَ الْحَوْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتَقَدّمَ الْحَدِيثُ الآخَرُ فِي الصحيح: "مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي روْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ".
الثالِثَةُ والعشرون: مِنَ العامّة مَنْ زَعَمَ أنّ رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: "مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبِي إبْرَاهِيمَ في عَام واحد ضَمِنْتُ لَهُ الْجَنَّة" وَهَذَا بَاطِلٌ، لَيْسَ هُوَ عَنْ
_________________
(١) وافق المصنف جمع منهم السبكي وابن عقيل الحنبلي والولي العراقي رحم الله الجميع آمين، واعترضه جمع كالمحب الطبري وغيره ﵏ بأشياء منها أن المضاعفة في مسجد مكة لا تختص بما كان موجودًا في زمنه - ﷺ - كما في مسلم وبأن الإشارة في قوله: "مسجدي هذا" إنما هي لإخراج غيره من المساجد المنسوبة إليه وبأن الإمام مالكًا رحمه الله تعالى سئل عن ذلك فأجاب بعدم الخصوصية لأنه صلوات الله وسلامه عليه زويت له الأرض وعلم -أي عن الله تعالى- ما يحدث وأخبر به، ولولا هذا ما استجاز الخلفاء الراشدون أن يزيدوا فيه بحضرة الصحابة ولم ينكروا عليهم. اهـ. وأجاب في الحاشية عنها بما حاصله أن (أل) في قوله - ﷺ -: "وصلاة في المسجد الحرام" الحديث أضعف في الدلالة على الحضور واليقين من الإشارة "في مسجد هذا" بدليل ما قيل إنه اسم لجميع الحرم لما شاع في القرآن وغيره من إطلاقه عليه، كما مَرّ ولم يقل في المسجد النبوي وأن قولهم: "إنما هي لإخراج غيره .. " إلخ ممنوع فيحتاج إلى دليل (وأن سكوت الصحابة) يحتمل أنه لما رأوه من المصلحةِ لكثرة الناس حينئذ فوسعوه لخشية تضررهم بالزحمة فأقروا على ذلك، وما روي مرفوعًا مما يقتضي المضاعفة في الزيادات ضعيف. فصَح وسَلم ما قال النووي رحم الله الجميع آمين. (تنبيه): قال في الحاشية: لا فرق في مضاعفة الصلاة بين فرضها ونفلها خلافًا لبعض المالكية والحنفية.
[ ٤٦٧ ]
رَسُول الله - ﷺ - وَلاَ يُعْرَفُ في كِتاب بَلْ وَضَعَهُ الْفَجَرةُ، وَزِيَارَةُ الخليل - ﷺ - غَيْرُ مُنكَرَةٍ وإِنَّمَا المُنكَرُ مَا رَوَوهُ وَلاَ تَعَلقَ لزِيَارَةِ الْخَلِيلِ بِالْحَج بَلْ تِلْكَ قُرْبَةٌ مستقلة، وَمِثلُ ذلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الْعَامَّةِ إذَا حَج: أقدّسُ حَجّي، وَيَذهْبُ فَيَزُورُ بَيْتَ المقدسِ وَيَرَى ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ الْحَجّ، هَذا بَاطِلٌ أَيْضًا وَزِيَارَةُ الْقُدسِ مُسْتَحَبّةٌ لكَنَّهَا غيرُ مُتَعَلقَة بِالحَجّ وَالله أعلمُ.
الرابِعَةُ والعشْرُونَ: لَوْ نَذَر الذهابَ إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ الله - ﷺ - أوْ إِلَى الْمَسْجدِ الأَقْصَى فَفِيهِ قَوْلاَنِ للشَّافِعِي رَحِمَهُ الله تَعَالَى أَصَحُّهُمَا أَنهُ يُسْتَحَب (١) لَهُ الذَّهابُ وَلاَ يَجِبُ (٢)، وَالثَّانِي يَجبُ. فَعَلَى هذا إِذَا أتَاهُ وَجَبَ عليه فِعْلُ عِبَادة فيه إِمَّا صَلاَةٌ وإِمَّا اعتكافٌ هذَا هُوَ الأَصَحُّ وقيل تتعين الصلاة وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ الاعْتِكَافُ وَالمُرَادُ اعْتِكَافُ سَاعَة وَالمُرادُ الصَّلاَةُ رَكْعَتَانِ وَقِيْلَ رَكْعَةٌ والمُرادُ نَافِلَةٌ وقِيلَ تكفِي الْفَرِيضَةُ.
_________________
(١) أي لأنه أحد المساجد الثلاثة التي تشد الرحال إليها.
(٢) أي لأنه مسجد لا يقصد بالنسك كغيره (فإنْ قيل) كيف أوجبتم الاعتكاف فيه بالنذر. (أجيب): كما في الحاشية: وجب الاعتكاف فيه بالنذر لأنه عبادة مستقلة مختصة بالمسجد فإذا كان له فضل ولها فيه مزيد ثواب فكأنه التزم فضيلة في العبادة الملتزمة والإتيان بخلافه. اهـ. وأما لو نذر الذهاب إلى مسجد مكة أو محل من حرمها وجب قصد ذلك بالنسك لأنه يقصد لذلك كما تقدم في الثاني عشر من المسألة الخامسة والعشرين من الباب الخامس في الأحكام التي يخالف فيها الحرم غيره من البلاد عند قول المصنف ﵀: إذا نذر قصده لزمه الذهاب إليه بحج أو عمرة .. إلخ.
[ ٤٦٨ ]