هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن على بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري المكي. والهيتمي: بالتاء المثناة لا بالثاء المثلثة كما هو شائع كما أفاده غير واحد من الفضلاء. ترجمة العيدروس في وفيات الأكابر فقال: وفي رجب سنة أربع وسبعين وتسعمائة توفي الشيخ الإمام شيخ الإسلام شهاب الدين. ثم قال: وكان بحرًا في علم الفقه وتحقيق لا تكدره الدلاء، وإمام الحرمين كما أجمع على ذلك العارفون، وانعقدت عليه خناصر الملأ، ولد في رجب سنه تسع وتسعمائة، ومات أبوه وهو صغير فكفله الإمامان الكاملان علمًا وعملًا، العارف شمس الدين بن أبي الخمائل، وشمس الدين الشناوي، وكان قد حفظ القرآن العظيم في صغره، ومن مشايخه الذين أخذ عنهم شيخ الإسلام القاضي زكريا [الأنصاري] الشافعي.
والشيخ الإِمام المعمَّر الزينى السنباطي، والشهاب الرملي الشافعي وغيرهم، وأذن له بعضهم بالإفتاء والتدريس، وعمره دون العشرين، وبرع في علوم
[ ١١ ]
كثيرة منها: التفسير، والحديث، وعلم الكلام، وأصول الفقه، وفروعه، والفرائض، والحساب، والنجوم، والصرف، والمعاني، والبيان، والمنطق، والتصوف. ومن محفوظاته في الفقه: المنهاج للنووي، ومقروءاته كثيرة لا يمكن تعدادها. وأما إجازات المشايخ له فكثيرة جدًا وقد استوعبها ﵀ في معجم مشايخه. وقَدِم مكة في آخر سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة فحج وجاور بها في السنة التي تليها، ثم عاد إلى مصر ثم حج بعياله في آخر سنة سبع وثلاثين ثم حج سنة أربعين وجاور من ذلك الوقت بمكة المشرّفة وأقام بها يؤلف ويفتي ويدرس إلى أن توفي، فكانت مدة إقامته بها ثلاثًا وثلاثين سنة.
ومن مؤلفاته: شرح المشكاة نحو الربع، وشرح المنهاج للنووي في مجلدين ضخمين، وشرحان على الإِرشاد للمقري: كبير وهو المسمى بالإِمداد، وصغير وهو المسمى فتح الجواد، وشرح همزية البوصيري، وشرح الأربعين النووية، والصواعق المحرقة على أهل البدع والضلال والزندقة، وكف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع، والزواجر عن اقتراف الكبائر، ونصيحة الملوك، وشرح مختصر الفقيه عبد الله بافضل المسمى المنهج القويم في مسائل التعليم، والإعلام بقواطع الإسلام، وشرح العباب المسمى بالإِيعاب، وشرح قطعة من ألفية ابن مالك، وشرح مختصر أبي الحسن البكري في الفقه، وشرح مختصر الروض لكن لم يتم، وله حاشية على الإيضاح، وحاشية غير تامة على شرح المنهاج وحاشية على العباب، واختصر الإيضاح والإرشاد والروض والأخير لم يتم، ومناقب أبي حنيفة الجواهر الحسان في مناقب النعمان، والتعرف في الأصلين والتصوف، ومنظومة في أصول الدين وشرح عين الدين في التصوف ولم يتم.
[ ١٢ ]
والهيتمي نسبة إلى محلة أبي الهيتم من إقليم الغربية بمصر. والسعدي نسبة إلى بني سعد بإقليم الشرقية من أقاليم مصر أيضًا ومسكنه الشرقية لكنه انتقل إلى محلة أبي الهيتم في الغربية، وأمّا شهرته بابن حجر فقيل: إن أحد أجداده كان ملازمًا للصمت لا يتكلم إلا عند ضرورة أو حاجة فشبهوه بحجر ملقى لا ينطق، فقالوا: حجر، ثم اشتهر بذلك. وقد اشتهر بهذا اللقب أيضًا شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني ﵀، فكان صاحب الترجمة يشبهه في فنه الذي اشتهر به وهو الحديث مع ما منحه الله به من الزيادة عليه من علم الفقه الذي لم يشتهر به الحافظ العسقلاني هذا الاشتهار كيف لا وهو سَميّه فأشبهه اسمًا ووصفًا وزادته نسبته إلى جوار الحرم الشريف شرفًا. قلت: من مؤلفاته فتاوى في الفقه كبرى وصغرى، والفتاوى الحديثية، انتهى من مختصر كتاب نشر النور والزهر للشيخ عبد الله مرداد رحمه الله تعالى، أقول: ولصاحب الترجمة رحمه الله تعالى أيضًا من المؤلفات: تحفة المحتاج بشرح المنهاج "عشرة أجزاء" والإِفادة فيما جاء في المرضى والعيادة، وتحرير المقال فيما يحتاجه مؤدب الأطفال، وتلخيص الأحراء في تعليق الطلاق بالإِبراء، وتكفير الكبائر وشرح بانت سعاد ومبلغ القرب في فخر العرب، والإفصاح عن أحاديث النكاح، وأشرف المداخل إلى معرفة الشمائل، والأربعين العدلية وتنبيه الأخيار، وتطهير العيبة من دنس الغيبة، وثبت شيوخه ودر الغمامة في در الطيلسان والعامة، وقرة العين في أن التبرؤ لا يبطله الدين، والمناهل العذبة في إصلاح الكعبة، وإتحاف أهل الإِسلام بخصوصيات الصيام، انتهى من مقدمة الأستاذ محمود النواوي على إتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام قمت باختصاره والتعليق عليه ولله الحمد والمنهة وسميتة (مختصر إتحاف أهل الإِسلام بخصوصيات الصيام) وذكرت في التعليق عليه أقوال الأئمة الأربعة رحم الله الجميع آمين، وهو مطبوع نفع الله به
[ ١٣ ]
وبجميع كتبي كما نفع بأصولها آمين، وللمترجم له وقف عقار بمكة في محلتي سوق الليل والقشاشية يدخل فيه آل المرحومي وآل سنبل وبعض من قال المفتي الأحناف لأنهم أسباطه فإنه لم يعقب ذكورًا والله أعلم. أقول: ذكر الأستاذ محمود النواوي في مقدمته السالفة الذكر في ترجمة المحقق ابن حجر المكي أن وفاته كانت سنة ٩٩٥ هـ ثم قال: ومن الناس من يقول إنها كانت سنة ٩٧٥ هـ وهذا تفاوت بعيد وإنما العلم عند الله وحده. اهـ. أقول: جاء في حاشية المترجم له على إيضاح الإِمام النووي أنه فرغ من تحريرها غروب شمس ثامن ذي الحجة سنة ٩٧٩ هـ، فهذا مما يدل على أن المترجم له عاش بعد ما قاله بعض الناس والمترجم له ومَنْ شاكله سلفًا وخلفًا من أهل العلم قد خلّدَ الله ذكرهم بالعلم بسبب إخلاصهم فهم أحياء على مدى الأزمان والدهور ورحم الله القائل:
أخو العلم حيٌّ خالد بعد موته وأوصاله بين التراب رميم
وذو الجهل مَيْت وهو يمشي على الثرى يُعَدُ من الأحياء وهو عديم