في السعي (١) وما يتعلق به
إذَا فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَي الطَّوافِ فَالسُنةُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمه (٢) ثُم يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصفَا إِلَى الْمَسْعَى ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. وذَكَرَ المَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِهِ الْحَاوِي أنَّهُ إذا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ
_________________
(١) = عليه الشافعي وقاسه الأصحاب على الإِحرام بالحج وعلى الوقوف وغيره، وقال أحمد: لا يقع عن فرضه إلا بتعيين النية قياسًا على الصلاة.
(٢) أجمع العلماء على أن ركعتي الطواف تصحان حيث صلاهما إلا مالكًا فإنه كره فعلهما في الحِجْر، وقال مالك: إذا صلاهما في الحجر أعاد الطواف والسعي إن كان بمكة فإنْ لم يصلهما حتى رجع إلى بلاده أراق دمًا ولا إعادة عليه، قال ابن المنذر: لا حجة لمالك على هذا لأنه إن كانت صلاته في الحجر صحيحة فلا إعادة سواء كان بمكة أو غيرها وإن كانت باطلة فينبغي أن تجب إعادتها وإن رجع إلى بلاده، فأما وجوب الدم فلا أعلمه يجب في شيء من أبواب الصلاة.
(٣) إذا صلى الطائف عقب طوافه فريضة أجزأته عن صلاة الطواف عند الشافعية على الأصح، وقال أحمد: أرجو أن يجزئه، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجزئه.
(٤) عند الشافعية يصلي ولي غير المميز عنه صلاة الطواف، وعند مالك لا يصلي عنه.
(٥) فيمن طاف أطوفةً ولم يصل لها، ثم صلى لكل طواف ركعتين مذهب الشافعية الجواز بلا كراهة، وبه قالت الحنابلة، وكره ذلك مالك وأبو حنيفة.
(٦) قال بركنية السعي الإمامان مالك والشافعي رحمهما الله تعالى لقوله - ﷺ -: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" أخرجه الشافعي في مسنده وأحمد مختصرًا ورواه غيرهما فلا يتم النسك إلا به، وبه قال الإِمام أحمد ﵀ في رواية، وقال الإِمام أبو حنيفة ﵀: هو واجب وهي الرواية الصحيحة عن الإمام أحمد فيجبر بدم.
(٧) قال في الحاشية أي ويقبله ويسجد عليه ثلاثًا فيهن أخذًا من قولهم يختم بما بدأ به ومن إلحاق الشافعي ﵁ لذلك بحالة الابتداء وبالتقبيل صرح القاضي أبو الطيب وصاحب الذخائر واعتمده الزركشي كالأذرعي لما أخرجه الحاكم وصححه أنه - ﷺ - =
[ ٢٥١ ]
استُحِب أنْ يأتِيَ المُلْتَزِمَ ويَدْعُو فِيهِ ويَدْخُلَ الحِجْرَ فَيَدْعُو فيه تَحْتَ الميزَابِ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الصحيح (١) وهو قول جماهير أصْحَابِنَا وَغَيْرهم أنْ لاَ يَشْتَغِلَ عَقِبَ الصلاَةِ إِلا بِالاسْتِلاَمِ ثُمَّ الخُروجِ إِلَى السَّعْيِ.
وَذَكَرَ ابنُ جَرِير الطبَرَيُ أَنهُ يَطُوفُ ثَم يُصَلي ركْعَتَيْهِ ثُمَّ يَأتِي الملْتَزَمَ ثُمَّ يَعُودُ إلى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمهُ ثُم يخْرُجُ إلى السَّعْي. وذكَرَ الغَزَالي رحمه الله تعالى: أنْ يَأتي المُلْتَزَمَ إذا فَرَغَ مِنَ الطَّوافِ قَبْلَ ركْعَتَيْهِ ثمَّ يُصَلِّيهمَا والمُخْتَارُ ما سَبقَ (٢) ثُمَّ إِذَا أرَادَ الْخُرُوجَ إلى المَسْعَى فَالسُّنَّةُ أنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا وَيأتِيَ سَفْحَ جَبل الصَّفَا (٣)
_________________
(١) = لما فرغ من طوافه قبله ووضع يديه عليه ومسح بهما وجهه وكأن صاحب البيان أخذ قوله هنا فيستلمه بيده ويمسح بها وجهه من هذا الحديث. قال الزركشي: وفي مسند أحمد بإسناد صحيح أنه - ﷺ - رمل ثلاثة أطواف من الحجر إلى الحجر إلى أن قال: ثم عاد إلى الحجر ثم ذهب إلى زمزم فشرب منها وصب منها على رأسه ثم رجع فاستلم الركن ثم رجع إلى الصفا قال: فينبغي فعل ذلك كله وهو وجيه من حيث الدليل لكن مقتضى كلام المصنف الآتي في رد كلام الغزالي وابن جرير خلاف ذلك ومع ذلك فينبغي أن يحمل قول الراوي ثم عاد إلى الحجر على أن ذلك كان آخر الطواف. وقوله: ثم عاد لزمزم على أنه كان بعد فراغه من ركعتي الطواف. واعلم أن ابن جماعة طعن في صحة هذا الحديث والذي قبله وعلى تسليم ما ذكره، فالدلالة فيهما باقية لأن غاية الأمر أنهما ضعيفان والضعيف يعمل به في مثل ذلك إجماعًا. اهـ.
(٢) أي حديث جابر الذي رواه مسلم وفيه: "ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا".
(٣) هو المعتمد لحديث جابر ﵁ المتقدم.
(٤) الصفا: طرف سفح جبل أبي قبيس عليه أقيمت قبة عظيمة في عمارة الحكومة السعودية المسجد الحرام بعد توسعته عام ١٣٧٢ هـ وشملت هذه العمارة والتوسعة المسجد الحرام والمسعى والصفا والمروة فاتصل المسجد الحرام بالمسعى وجعل على المسعى طابق كما جعل المسجد الحرام من ثلاثة طوابق فأصبح الناس يطوفون ويصلون =
[ ٢٥٢ ]
فَيَصْعَدُ قَدْرَ قَامَة حَتَّى يَرَى الْبَيْتُ (١) وَهُوَ يَتَرَاءَى لَهُ مِنْ باب الْمَسجِدِ بَاب الصَّفَا لا مَنْ فَوْق جدَارِ الْمَسْجِدِ بِخِلاَفِ المَرْوَة فَإِذا صَعَدَ اسْتَقْبَلَ الْكَعبةَ وَهَلَّلَ وَكَبرَ فَيقُولُ (٢): اللهُ أكبرُ الله أكْبَرُ الله أكْبرُ وَلِلهِ الْحَمْد، الله أكبَرُ عَلى مَا هَدَانَا والْحَمْدُ لِله عَلَى مَا أوْلاَنَا لاَ إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ (٣) بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير، لاَ إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَاب (٤) وَحْدَهُ، لاَ إِلهَ إِلا اللهُ وَلاَ نَعْبُدُ إِلا إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدَينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.
_________________
(١) = ويسعون في راحة تامة نسأل الله تعالى أن يوفق الحكومة السعودية والحكومات الإِسلامية لمرضاته آمين.
(٢) أي لحديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه مسلم: (أن النبي - ﷺ - لمَّا فرغ مِنْ طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت). الحديث.
(٣) هو ما نَص عليه الشافعي ﵀ أخذًا من أحاديث وآثار متفرقة، منها حديث مسلم: فوحَّد الله وكبر، وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، وَنَصَرَ عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هؤلاء ثلاث مرات) زاد أبو عوانة وابن المنذر والنسائي ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ وإسنادهما صحيح، وكون التكبير ثلاثًا رواه ابن المنذر بإسناد صحيح أيضًا.
(٤) زاد الرافعي بعد ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: "وهو حيٌّ لا يموت" واعترض هو "وبيده الخير" بأنهما لم يردا. اهـ حاشية.
(٥) الأحزاب: هم كفار قريش وغطفان واليهود ومَنْ تبعهم الذين تَحَزبوا واجتمعوا لقتاله - ﷺ - وأصحابه الكرام فسميت الغزوة باسمهم فهزمهم الله تعالى بحوله وقوته وردهم خائبين.
[ ٢٥٣ ]
ثُم يَدْعُو (١) بِمَا أحَبَّ مِنْ أمر الدينِ والدُّنْيَا وحَسُنَ (٢) أنْ تقُولَ (٣): اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ وقوْلُكَ الحقُّ ادْعُوني أستَجِبْ لَكُمْ وإِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ المِيعَادَ وَإِنِّي أسْألُكَ كَمَا هَدَيْتَنِي للإْسْلاَمِ أنْ لاَ تَنْزِعَهُ مِنَي وأنْ تتوَفَّانِي مُسْلِمًا (٤) ثُمَّ يَضُمُّ إِلَيْهِ مَا شَاءَ مِنَ الدُّعَاءِ (٥) وَلاَ يُلَبِّي (٦) على الأَصَح ثمَّ يُعَيد جميعَ ما سَبقَ مِنَ الذّكْرِ والدُّعَاءِ ثَانِيًا ثُمَّ يُعِيدُ الذِّكْرَ ثَالِثًا.
وهل يعيد الدعاء؟ فيه خلاف، الأصح أنه يستحب إعادته. فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ في صَحيحِ مُسْلِم مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ثمَّ يَنْزِلُ مِنَ الصَّفَا مُتَوجّهَا إِلَى الْمَرْوَةِ (٧) فَيَمْشِي حَتَّى يبقى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِيلِ الأَخْضَرِ
_________________
(١) أي له، ولمن شاء والظاهر كما قال العلامة عبد الرؤوف تأخير الدعاء عن الذكر أيضًا ولا ينافيه ذكره له قبله. اهـ تقريرات.
(٢) أي عند الأصحاب رحمهم الله تعالى.
(٣) أي بعد الذكر في المرات الثلاث.
(٤) رواه مالك في الموطأ عن ابن عمر ﵄. وزاد ابن المنذر وغيره عنه أدعية أخرى.
(٥) مما استحبه الأصحاب: (اللهم اعصمنا -أي احفظنا- بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك وجنبنا حدودك -أي محارمك- اللهم اجعلنا نحبك ونحب ملائكتك، وأنبياءك ورسلك ونحب عبادك الصالحين، اللهم حببنا إليك وإلى ملائكتك وإلى أنبيائك ورسلك وإلى عبادك الصالحين، اللهم يَسر لنا اليسرى وجنبنا العسرى واغفر لنا في الآخرة والأولى واجعلنا من أئمة المتقين).
(٦) هو المعتمد ومقابله قول مرجوح عن الشافعي ﵀ أنه يلبي.
(٧) المروة: واقعة على سفح جبل لَعْلَع الذي عليه محلة القرارة، وجبل لعلع هو أنف جبل قيقعان، وقد تقدم الكلام على هذا في التعليق على دخول مكة من الثنية العليا وهي كداء -بفتح الكاف والدال- المعروفة بالحجون، ويقال المروة: الصفا وما بينهما هو المسعى، ويقع في وادي إبراهيم على نبينا محمد وعليه أفضل الصلاة والسلام، وعرضه ما بين الميلين الأخضرين، وكان سابقًا يجري بينهما والآن جعل لمجرى السيل خندق =
[ ٢٥٤ ]
الْمُعَلَّقِ (١) بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى يَسَارِهِ قَدْرَ سِتةِ أذْرُع ثُم يَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا (٢) حَتَى يَتَوَسَّطَ بَيْنَ المِيلَيْنِ الأَخْضَرَيْنِ اللذين أحَدُهُمَا فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ والآخَرُ مُتصِلٌ بِدارِ (٣) العباسِ ﵁ ثُمَّ يَتْرُكُ شِدَّةَ السَّعْي وَيَمْشِي عَلَى عَادَتِهِ حَتَّى يَصِلَ الْمَرْوَةَ فَيَصْعَدَ (٤) حَتى يَظْهَرَ لَهُ الْبَيْتُ إنْ ظَهَرَ (٥) فَيَأْتي بالذِّكْرِ والدُّعَاءِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا فَهَذِهِ مَرَّةٌ مِنْ سَبْعَةٍ ثُمَ يَعُودُ مِنَ الْمَرْوَةِ إِلَى الصَّفَا فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيهِ في مَجِيئِهِ وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سعيه فَإِذَا وَصَلَ الصَّفَا صَعده وفَعَلَ كَمَا فَعَلَ أَوَّلًا وَهَذِهِ مَرَّةٌ ثَانِيةٌ مِنْ سَعْيهِ ثُم يَعُودُ إلى المروَة فيفعلُ كَمَا فَعَل أَولا ثمَّ يَعُودُ إِلَى الصَّفَا وَهَكَذَا حَتَّى يَكْمُلَ سَبع مَرَّاتٍ يبْدأ بالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَروةِ.
_________________
(١) = تحت المسعى يمر منه إلى أسفل مكة كل هذا فَعَلَتْه حكومتنا السعودية طلبًا لراحة الحجاج والعقار والمواطنين وفقها الله لمرضاته آمين.
(٢) هذا على ما كان سابقًا قبل التوسعة وعمارة المسجد الحرام العمارة السعودية.
(٣) أي لفعله - ﷺ - ذلك روى أحمد ﵀ في مسنده عن حبيبة بنت أبي يجراه بكسر الياء المثناة وسكون الجيم بعدها راء ثم ألف ساكنة ثم هاء وهي إحدى نساء بني عبد الدار. قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين ننظر إلى رسول الله - ﷺ - وهو يسعى بين الصفا والمروة، وإن مئزره ليدور في وسطه من شدة سعيه، الحديث. وهو كما في الفتح له طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة مختصرة إذا انضمت إلى الأولى قويت ولا ينافي ذلك ما صَح عنه - ﷺ - من أنه - ﷺ - سعى راكبًا لما في مسلم من أنه - ﷺ - سعى أولًا ماشيًا فكثرت عليه الزحمة فركب.
(٤) قد أزيلت هذه الدار وأدخلت في توسعة الشارع واستبدلت بدار أخرى في محلة أجياد يسكنها الفقراء.
(٥) قال الشيخ عبد الله بن جاسر ﵀ في كتاب مفيد الأنام: أما بعد العمارة الجديدة فالظاهر أنه لا يكون مستوعبًا للسعي إلا إذا رقى على المحل المتسع وهو آخر درجة والله أعلم.
(٦) هذا شرط ليظهر لا ليصعد لأن الصعود لا بد منه سواء ظهر البيت له أم لم يظهر كذا في الحاشية.
[ ٢٥٥ ]