في الإِفاضَةِ (٢) مِنْ عَرَفاتٍ إِلَى المزدلِفة وَمَا يَتَعلّقُ بِهَا
السُّنَّةُ للإمَامِ (٣) إِذا غَرَبَتْ الشمس وتَحققَ غُرُوبُهَا (٤) أنْ يُفِيضَ (٥) مِنْ عَرَفَاتٍ وَيُفيضَ الناسُ مَعَهُ (٦) ويُؤَخرُوا صَلاَةَ المَغْرِبِ بِنيةِ الجمعِ إلى العشاءِ (٧)
_________________
(١) لله الحمد والمنة ليس لهذه البدعة القبيحة في زماننا وجود.
(٢) أي الدفع والذهاب.
(٣) أي أو نائبه.
(٤) بأن لم يبقَ منها شيء أصلًا.
(٥) أي أن يدفع ويذهب.
(٦) أي فيندب للناس أن لا يدفعوا ويذهبوا قبل الإمام أو نائبه بل يكره حيث لا عذر من نحو زحام ولا ينافي ذلك قوله الآتي ولا بأس أن يتقدم الناس الإمام لأن المراد لا يحرم ذلك، فالمنفي فيما يأتي الحرمة لا الكراهة.
(٧) أي جمع تأخير بالمزدلفة ندبًا لمن سفره سفر قصر عند الشافعية لأنّ الجمع عندهم للسفر، وعند أبي حنيفة وبعض أصحاب مالك وجوب جمع التأخير لأنه عندهم للنسك كما سيأتي عن المجموع والله أعلم.
[ ٢٩٥ ]
وَيُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِ الله تعالى والسُّنَّةُ أنْ يَسلُكَ فِي طَرِيقِهِ إلى المُزْدَلِفَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمأزَمَيْنِ (١) وهو بينَ الْعَلَمَيْنِ اللَّذيْنِ هُمَا حَدُّ الحرَمِ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ وَالْمَأْزَمُ بالهمزَةِ بعدَ الميمِ المفتوحةِ وكسرِ الزّايِ هُوَ الطَّرِيقُ بَيْنَ الْجَبَلَيْن وَحَدُّ المزدلفةِ مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ المذكُورَيْنِ وقُرْب مُحَسِّرٍ يمينًا وشمالًا مِنْ تِلْكَ الموَاطِن الْقَوَابِلِ والظوَاهِرِ والشّعَابِ والجِبَالِ فَكُلهَا مِنْ مُزْدَلِفَةَ وَلَيْسَ المأْزِمَانِ وَلاَ وَادِي مُحَسِّرٍ مِنْ مُزْدَلَفَةَ وَهُوَ بِضَمّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ السّينِ الْمُشَدَّدَةِ الْمُهْمَلَتَيْنِ سُمّيَ بِذَلِكَ لأَنَّ فيل أصْحَابِ الفيلِ حَسَرَ فِيهِ أي أعْيَا (٢) وَكَل عَنِ الْمَسِيرِ وَهُوَ وَادٍ بَيْنَ مِنى وَالْمُزْدَلِفَةِ (٣).
واعلم أَنَّ بَيْنَ مَكَّةَ وَمنىً فَرْسخًا وَمُزْدَلِفَةُ مُتَوَسطَةٌ بينَ عَرَفَاتٍ ومنىً بَيْنَهَا وَبَيْنَ كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا فَرْسَخٌ وَهُوَ ثَلاَثَةُ أميَالٍ وإذا سَارَ إِلَى المُزْدَلِفَةِ سار مُلَبِّيًا مُكْثِرًا مِنْهَا وَيَسِيرُ على هَينَتِهِ وعَادَةِ مشيْهِ بسكينة وَوَقَارٍ (٤) فَإِنْ وَجَدَ فُرْجَةً (٥) اسْتُحِبَّ أنْ يُسْرِعَ وَيُحركَ دَابَّتَهُ اقتداءً بِرسُولِ الله - ﷺ - وَلاَ بَأْسَ (٦) أنْ يَتَقَدَّمَ
_________________
(١) أي الأخشبين، وقد تقدم الكلام عليهما في الصعود إلى عرفات فراجعه.
(٢) نظر فيه الفاسي ﵀ بقول ابن الأثير أن الفيل لم يدخل الحرم، وقيل لأنه يحسر ويتعب سالكيه ويسميه أهل مكة (وادي النار) قيل لأن رجلًا اصطاد فيه فنزلت نار فأحرقته.
(٣) أي وليس محسر من منى ولا من مزدلفة قال الأزرقي ﵀: وهو خمسمائة ذراع وخمسة وأربعون ذراعًا. اهـ.
(٤) سقطت مرتبة متوسطة ثبتت من فعله - ﷺ - لأنه لما أفاض كان في الزحام الشديد يسير بسكينَة، ويأمر بها، وعند خفة الزحام كان يسير سيرًا سهلًا في سرعة ليس بالشديد، فإذا وجد السعة من الأرض حَرك ناقته حتى استخرج منها أقصى سيرها، وهذا يسمى النص بفتح النون وتشديد الصاد المهملة وما قبله يسمى العَنَق بفتح العين المهملة والنون.
(٥) بضم الفاء وفتحها، ويقال فرج بلا ها، ثلاث لغات. اهـ مجموع.
(٦) أي ولا يحرم بل يكره تقدم الناس الإمام كما تقدم.
[ ٢٩٦ ]
النَّاسُ الإِمامَ أو يتأخرُوا عنهُ لكنْ مَنْ أراد الصَّلاَةَ مَعَهُ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنْهُ ثُمَّ إِنَّ الْجُمْهُورَ مِنْ أصحَابِنَا أطْلَقُوا الْقَوْلَ بتأْخِيرِ الصَّلاَتَيْنِ إلى المُزْدَلِفَةِ (١).
وقالَ جَمَاعَة يُؤخّرُهُمَا ما لم يَخْش فَوْتَ وَقْتِ الاختيار للعِشاء وهو ثلث الليل على القول الأصح وعلى قول نِصْفُ اللَّيلِ فإنْ خَافَهُ لَمْ يُؤَخرْ بَلْ يَجْمَعُ بالنَّاسِ في الطَّرِيقِ وإذا وَصَلَ المُزْدَلِفَةَ (٢) فَقَدْ اسْتَحَب الشافِعِي رحمَهُ اللهُ تعَالَى أنْ يُصَلِّي (٣) قَبْلَ حَط رَحْلِهِ ولا يُنيخُ الجمَالَ ويَعْقِلُهَا حتَى يُصَلّي لأنَّهُ ثَبَتَ في الصَّحيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أسامَةَ بْنِ زَيْدِ ﵄ أنَّ أصحاب رسول الله - ﷺ - صلوا المغرب والعشاء مع رسول الله - ﷺ - ولَمْ يَحُطُّوا رحالَهُمْ حتَّى صَلَّوْا العشاءَ (٤) وَالله تعالى أعلمُ، ثُم إِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا يكُونَ عَلى
_________________
(١) أي لخبر الصحيحين عن أسامة بن زيد ﵄: (أنه - ﷺ - دفع من عرفة حتى إذا كان بالشعب الأيسر نزل فبال ولم يسبغ الوضوء، فقلت له: الصلاة، فقال: الصلاة أمامك. فركب. فلما جاء إلى مزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئًا)، ومعنى لم يُسْبغ الوضوء أي لم يكمله، بأن لم يثلثه.
(٢) يقول دعاء المزدلفة وهو: (اللهم أني أسالك أن ترزقني جوامع الخير كله، وأن تصرف عني الشر كله، لا يفعل ذلك ولا يجود به إلا أنت).
(٣) أي المغرب لما تقدم في حديث أسامة: فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها. وفي أخرى له أيضًا أنهم لم يزيدوا بين الصلاتين على الإناخة فتستثنى هذه من ندب الموالاة بين الصلاتين في جمع التأخير كما في الحاشية.
(٤) لما في رواية مسلم: (فأقام المغرب ثم أناخ الناس في منازلهم ولم يحلوا حتى أقام العشاء الآخرة فصتى ثم حلوا).
[ ٢٩٧ ]
الأَصَحِّ بِأَذانٍ وبإقامتيْنِ لَهُمَا (١) ولَوْ تَرَكَ الْجَمْعَ وَصَلى كُل واحِدَةٍ فِي وَقْتِهَا أوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ أوْ جَمَعَ وَحْدَهُ لاَ مَعَ الإمَامِ أو صَلى إِحْدَاهُمَا مَعَ الإِمَامِ وَالأُخْرَى وَحْدَه جَامِعًا جَازَ وَفَاتَتْهُ الْفَضِيلَة (٢).
(فَرْع): فَإذَا وَصَلُوا مُزْدَلفَةَ بَاتُوا وَهَذَا المبِيتُ نُسُك وَهَلْ هُوَ وَاجِب أمْ سُنَّة؟ (٣) قولانِ للشافعي رحمهُ الله تعالى، فإنْ دفع بعد نِصْفِ اللَّيْلِ بِعُذْرٍ أوْ لغَيْرِهِ أوْ دَفَعَ قبل نصْفِ اللَّيْلِ وَعادَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ وإنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ مِنْ أصْلِهِ أوْ دَفَعَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَلَمْ يَعُدْ أوْ لَمْ يَدْخُلْ مُزْدَلِفَةَ أصْلًا صَحَّ حَجُّهُ وَأرَاقَ دَمًا فإنْ قُلْنَ الْمَبيتُ وَاجِحب كَانَ الدَّمُ وَاجِبًا وَإنْ قُلْنَا سُنَّة كَانَ الدَّمُ سُنَّةً وَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ (٤) مُزْدَلِفَةَ فِي النصفِ الأَولِ أصْلًا وَحَضَرَهَا
_________________
(١) هو المذهب الثابت في حديث مسلم، وقدم على رواية إقامتين فقط، ورواية إقامة واحدة، ورواية أذان وإقامة، لأن راويه أثبتَ ما لم يُثْبته غيره فوجب الأخذ بما حفظه ونسيه غيره. وبهذا المذهب أخذ الإمام أحمد، وبرواية أذان واحد وإقامة واحدة أخذ الإمام أبو حنيفة، وبرواية أذانين وإقامتين أخذ الإمام مالك ﵏ جميعًا ورحمنا معهم آمين.
(٢) قال المصنف رحمه الله تعالى في مجموعه: أجمع العلماء رحمهم الله تعالى على جواز الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة في وقت العشاء للمسافر، فلو جمع بينهما في وقت المغرب أو في غير المزدلفة جاز -هذا مذهبنا- وبه قال عطاء، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وسعيد بن جبير، ومالك، وأحمد، وإسحق، وأبو يوسف، وأبو ثور، وابن المنذر، وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة، ومحمد وداود، وبعض أصحاب مالك لا يجوز أن يصليهما قبل المزدلفة، ولا قبل وقت العشاء، والخلاف مبني على أن جمعهم بالنسك أم بالسفر. فعندنا بالسفر، وعند أبي حنيفة بالنسك.
(٣) المعتمد كما يأتي للمصنف وصححه في الروضة أنه إلا واجب لعذر.
(٤) يفهم من هذا أنه لو دفع من مزدلفة قبل النصف لعذر أو لغيره وعاد قبل الفجر لم يلزمه شيء وهو كذلك.
[ ٢٩٨ ]
سَاعَة (١) فِي النصفِ الثانِي مِنَ الليْلِ حَصَلَ المبيتُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي رَحَمهُ الله تعالى فِي الأم.
وَخَفِيَ هَذَا النَّص عَلَى بَعْضِ أصْحَابنَا فَقَالُوا خِلاَفَهُ (٢) وَلَيْسَ بِمَقْبُول مِنْهُمْ ويَحْصُلُ هذَا المبيتُ بالحُضُورِ في أَي بقعة مِنْ مُزْدَلفة (٣) وَقَدْ سَبق تحْدِيدُهَا، وَيُسْتَحَب أن يَبْقَى بِمُزْدَلِفَةَ حَتى يَطْلُعَ بها الفجْرُ ويُصَلّي وَيقِف عَلَى قُزَحِ كَمَا سَنَذكُرُه إنْ شاءَ اللهُ تعالَى فَيَكُونُ بمُزْدَلِفَةَ إِلَى قُبَيل طُلُوعِ الشَّمسِ (٤) ويتأكَدُ الاعْتِنَاءُ بِهَذَا المَبِيتِ سَواءٌ قلنا وَاجِبٌ أمْ سُنَّةٌ، فَقَدْ فَعَلَهُ النَّبِي - ﷺ - وَقَدْ ذهبَ إمَامَانِ جَلِيلاَنِ من أصْحَابِنَا إلى أن هذَا الْمَبِيت رُكْنٌ لا يصح الحج إلاَّ
_________________
(١) المراد بالساعة مطلق الزمن فلا ينافي تعبير غيره باللحظة.
(٢) أي منهم مَنْ قال تكفي ساعة بعد النصف إلى طلوع الشمس ومنهم مَنْ قال يجب الحضور حال الفجر، ومنهم مَن قال يجب المعظم وكل ذلك ضعيف أو شاذ.
(٣) أي بعد نصف الليل وإنْ لم يحط رحله. قال في الحاشية: وهو كذلك. بل قال السبكي رحمه الله تعالى: يجزىء المرور كما في عرفات، وعليه يدل كلام المصنف وغيره. اهـ. أقول: عند الإمام مالك لا يكفي المرور بل لا بد من النزول، ويدفع متى شاء وإلا فعليه دم. قال في الحاشية: وإنما وجب في مبيت منى معظم الليل لأن الوارد ثم الأمر بالمبيت وهو لا يحصل إلا بذلك بخلاف هنا، وأيضًا فصنعه - ﷺ - يدل لذلك فإنهم لا يصلونها عادة إلا بعد نحو ربع الليل، ومع ذلك فقد قدم الضعفة بعد نصفه، فدل على عدم وجوب المعظم، ومن ثم قال في المجموع: اتفق أصحابنا على أنه لو دفع منها بعد النصف أجزأه ولا دم. اهـ. أقول: هو قول للإمام أحمد رحمه الله تعالى.
(٤) هذا كمال السنة في المبيت بمزدلفة لحديث جابر ﵁ الطويل، وفيه: (أنه - ﷺ - لما أتى المزدلفة صلى المغرب والعشاء ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، ولم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا، ثم دفع قبل طلوع الشمس).
[ ٢٩٩ ]
بِهِ، قَالَهُ أبو عَبْدِ الرَّحْمن ابنُ بنتِ الشَّافِعِي وأبُو بكر محمَّدُ بن إسحقَ بن خُزَيْمَةَ (١) فَيَنْبَغِي أنْ يَحْرِصَ عَلَى الْمَبِيتِ للْخُروجِ مِنَ الْخِلاَفِ.
(فرعٌ): وَيُسْتَحَبُّ أنْ يَغْتَسِلَ فِي مُزْدَلِفَة بالليْلِ (٢) للْوُقُوفِ بالْمَشْعَرِ الحَرَامِ ولِلْعِيدِ وَلِما فيها مِنَ الاجْتِمَاع، وَقَدْ سَبَقَ أنَّ مَنْ لم يجِدْ ماء تَيَممَ وَهذِهِ اللَّيْلَةُ وَهِيَ ليلةُ العِيدِ عظيمة لَيْلَةٌ جَامِعَة لأَنْوَاع مِنَ الفَضْل مِنْهَا شَرَفُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فإِنَّ الْمُزْدَلِفَةَ مِنَ الْحَرَم كَمَا سَبقَ وَانْضَمَّ إلى هذَا جَلاَلَةُ أهْلِ الْجَمْعِ الحَاضرينَ بِهَا وَهُمْ وَفْدُ الله وخيرُ عبادهِ وَمَنْ لاَ يُشْقَى بِهِمْ جَليسُهُمْ، فَيَنْبَغِي أن يَعْتَنِيَ الحَاضِرُ بها بإحْيائِهَا (٣) بِالْعِبَادة مِنَ
_________________
(١) قد سبقهما بهذا القول خمسة من أئمة التابعين: علقمة والأسود والشعبي والنخعي والحسن البصري ﵏. واحتج لهم بما مَرّ في حديث جابر المار قريبًا، وعند الإمام أبي حنيفة إذا لم يكن بالمزدلفة بعد طلوع الفجر لزمه دم إلا لعذر من ضعف أو غيره فإن كان بها أجزأه، وإن لم يكن قبله، وهو ظاهر ما نقله البغوي عن مالك وأحمد، وفي قول لأحمد كالشافعي كما تقدم: يجوز الدفع بعد نصف الليل لعذر أولًا، لقول ابن عباس ﵄ بعثني رسول الله - ﷺ - في الثقل أو في الضعفة من جمع بليل، وابن عباس لم يكن من الضعفة. وعن أم حبيبة رضط الله عنها أن النبي - ﷺ - بعث بها من جمع بليل.
(٢) أي بعد نصفه إذ به يدخل وقت الغسل كما في المجموع، والأفضل بعد صلاة الصبح.
(٣) قال في الحاشية وهو لا يحصل إلا بمعظم الليل وإنما يُسَن له ذلك لأنها ليلة عيد. وقد قال - ﷺ -: "من أحيا ليلتي العيد أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب" وإنكار العز ابن جماعة كابن الصلاح لسنة إحيائها لمشقته الشديدة على الحاج لكثرة أعماله قبلها وبعدها، ولأنه - ﷺ - لم يصح عنه فيه شيء لاضطجاعه عقب صلاته جمعًا إلى الفجر، مردود بما مَرّ من الترغيب الشامل لهذه الليلة، ومَنْ قال يُحْمَل على ما عداها يحتاج لسند، وبأنه لا يلزم من اضطجاعه - ﷺ - عدم الإحياء لحصوله بالذكر والتفكر، ويؤيد ذلك =
[ ٣٠٠ ]
الصَّلاَةِ (١) والتلاوَةِ والذكْرِ والدُّعَاءِ (٢) والتضَرع.
وَيَتَأَهَّبُ بَعْدَ نِصْف الليْلِ ويَأْخُذُ مِنَ الْمُزْدَلِفَة (٣) حَصَى الجِمَار لجَمْرَة العقَبة يَوْم النَّحْرِ وَهِيَ سَبْعُ حَصِيَّاتٍ والاحتياطُ أَنْ يزيدَ فَرُبما سَقَطَ مِنْهَا شيء.
_________________
(١) = ما أخرجه ابن الجوزي من قوله - ﷺ -: "مَنْ أحيا الليالي الأربع وجبت له الجنة: ليلة التروية، وليلة عرفة، وليلة النحر، وليلة الفطر" ففي ذكر الثالثة عقب الأولتين إشعار بندب إحيائها للحاج أيضًا. اهـ.
(٢) أي الرواتب أما النوافل المطلقة فلا تسن في هذه الليلة.
(٣) دعاء المشعر الحرام. (اللهم إنك قلت وقولك الحق ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، اللهم كما أوقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك وشكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا. اللهم لك الحمد كله والشكر كله ولك الجلال كله ولك الخلق كله ولك الأمر كله. اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا ما سلف من ذنوبنا وأن تعصمنا فيما بقي من أعمارنا وأن ترزقنا أعمالًا صالحة ترضاها وترضى بها عنا، فإن الخير كله بيدك وأنت ذو الفضل العظيم، وأنت بنا رؤوف رحيم. اللهم أبلغ عنا سيدنا محمدًا التحية والسلام وأدخلنا دار السلام يا ذا الجلال والإكرام آمين).
(٤) أي لخبر بذلك رواه أبو حفص الملاَّ عن أبان بن صالح: أخذ حصى جمرة العقبة من المزدلفة، ويعضده ما صح من قوله - ﷺ - للفضل بن عباس غداة النحر: "التقط لي حصى" والغداة: لغة ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، وهو - ﷺ - حينئذ كان بمزدلفة فيكون أمره بالالتقاط منها والأمر به من وادي محسر لمن لم يأخذه من المزدلفة، قال في الحاشية: وقول ابن حزم: إنه رمى جمرة العقبة بحصى التقطها له عبد الله بن عباس ﵄ من موقفه الذي رمى فيه مردود، ومن ثَم روى البيهقي ذلك عن عبد الله عن أخيه الفضل وليس فيه التقطها من موقفه الذي رمى فيه على أنه يمكن الجمع بأنه يحتمل أنّ الفضل سقط منه شيء مما التقطه من مزدلفة فأمره - ﷺ - بالتقاط بدله من موقفه أي محل وقوفه، وهو بطن الوادي لا من المرمى. اهـ.
[ ٣٠١ ]
وَقَالَ بَعْضُ أصْحَابِنَا يأْخُذُ مِنْها حَصَى جِمَار أيامِ التَّشْرِيقِ أَيْضًا وَهِيَ ثَلاَثٌ وستونَ حَصَاة (١) وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
الأوْلَى: أنْ يأَخْذَ حَصَى جِمَارِ أيامِ التشْرِيقِ مِنْ غَيْرِ الْمُزْدَلِفَةِ وَكِلاهُمَا قَدْ نُقل عَنِ الشَّافِعِي رحِمَهُ الله تَعَالى لكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى هذَا.
الثانِي: وَيُسْتَحَبُّ أنْ يَكُونَ أَخْذُهُ لِلْحصى بِالليْلِ كَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَقِيلَ يَأْخُذُهُ بَعْدَ الصُّبْحِ (٢) والمُخْتَارُ الأوَّلُ (٣) لِئَلاّ يَشْتَغِلَ بهِ عَنْ وَظَائِفِهِ بَعْدَ الصبْحِ وَيَكُونُ الْحَصَى صِغَارًا وَقَدْرُهُ قَدْرُ حَصَى الخذفِ (٤) لاَ أَكْبَرَ مِنْهُ وَلاَ أَصْغَرَ وهي دون أنمُلةٍ نحو حَبَّةِ البَاقِلاَّ (٥) وَقِيلَ نَحْوَ النوَاةِ وَيُكْرَهُ أنْ يَكُونَ أكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ وَيُكْرَهُ كَسْرُ الْحِجَارَةِ (٦) لَهُ إلا لِعُذْرٍ بَلْ يَلْتَقِطُ صِغَارًا وَقَدْ وَرَدَ نَهْيٌ عَنْ
_________________
(١) أي فيكون المجموع سبعين حصاة.
(٢) محل الخلاف فيما يريد المبيت بمزدلفة إلى الصبح، وأما من أراد الدفع ليلًا بعد النصف فيأخذ منها ليلًا.
(٣) هو استحباب أخذ الحصى بالليل، وعَبر عنه في المجموع بالمذهب، وهو المعتمد كما في الحاشية، قال فيها: لكن صَوّب الإسنوي رحمه الله تعالى الثاني المحكى بقيل [وهو أخذ الحصى بعد صلاة الصبح] لقوله - ﷺ - للفضل ﵁ غداة النحر: "التقط لي حصى" قال فالتقطت له حصيات مثل حصى الخذف. قال في الحاشية: والحديث ظاهر فيما قاله الإسنوي وتأويله بما يخالف ذلك بعيد جدًا.
(٤) الخذف: بالخاء والذال المعجمتين: الرمي بنحو حصاة بين السبابتين يخذف بها. قال في "مفيد الأنام": وليس المراد أن رمي الجمار يكون على هيئة الخذف، ولكن المراد أن حصاة الجمار بقَدر حصاة الخذف.
(٥) أي الفول.
(٦) قال في المجموع: قال الماوردي: واختار قوم كسرها. اهـ.
[ ٣٠٢ ]
كَسْرِها ههُنَا وَهُوَ أَيْضًا يفضِي (١) إِلَى الأَذَى وَمِنْ أي مَوضِعِ أَخَذها جازَ لَكِنْ يكرهُ (٢) مِنَ الْمَسْجِدِ وَمِنَ الحُش (٣) وَمِنَ الْمواضعِ النَّجِسَةِ وَمِنَ الْجَمَرَاتِ الَّتي رَمَاها هُوَ أَوْ غَيْرُهُ لأَنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابن عَبّاسِ ﵄ قَالَ: ما تُقبل مِنْهَا رُفع وَمَا لَمْ يُتَقَبَّلْ تُرِكَ وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَسَدَّ مَا بَيْنَ الجبلين.
وَزَادَ بَعْضُ أصحابنَا فَكرِهِ أَخْذُها مِنْ جَمِيعِ مِنى (٤) لانْتِشَارِ مَا رُمِيَ فيها وَلَمْ يُتَقَبَّلْ وَلَوْ رَمَى بِكُل مَا كَرِهْنَاهُ لَهُ جَازَ قَالَ الشَّافِعِي رَحِمَهُ الله تَعَالَى: وَلاَ أكْرَهُ غَسْلَ حَصَى الجمارِ (٥) بَلْ لَمْ أزَلْ أعْمَلُهُ وَأُحِبه فإذا طَلَعَ الْفَجْر بادرَ الإِمام والناسُ بِصَلاَةِ الصُّبْحِ في أوَّلِ وَقْتِهَا قَالَ أصْحَابُنَا: والمُبَالَغَةُ فِي التبْكِيرِ بِهَا فِي هذَا الْيَوْمِ آكَدُ مِنْ بَاقِي الأَيامِ اقتداء بِرَسُولِ الله - ﷺ - وليتسع الْوَقْتُ
_________________
(١) أي يوصل كسر الحجارة إلى الأذى، وهو وقوع شيء من شظاياها إلى وجه كاسرها.
(٢) أي أخذ الحصى من المسجد، أي إذا لم يكن من أجزائه بأنْ فرشه أحدٌ به من غير وقف، وعلم منه الرضا بالأخذ وإلا حرم والله أعلم.
(٣) الحُشُّ بحاء مهملة مفتوحة، قال ابن العماد: أو مضمومة أو مكسورة فمعجمة هو المرحاض، وأصله البستان، فأطلق على ذلك لأن العرب كانت تقضي الحاجة في البساتين. اهـ حاشية.
(٤) هذا إنْ تحقق الانتشار فيكون كالأخذ من المرمى وإلا فلا كراهة.
(٥) لأنه روي عن ابن عمر ﵁ أنه غسله، كما في المغني. قال في المجموع: قال ابن المنذر: لا يعلم في شيء من الأحاديث أن النبي - ﷺ - غسلها أو أمر بغسلها. قال: ولا معنى لغسلها. قال: وكان عطاء والثوري ومالك وكثير من أهل العلم لا يرون غسلها. قال: ورَوَيْنَا عن طاوس أنه كان يغسلها. اهـ أقول: وعن الإمام أحمد استحباب غسلها وعدمه وهو الصحيح كما في المغني، وعند الحنفية كما أخبرني الشيخ محمد أمين مرداد الحنفي استحباب غسل الحصى والله أعلم.
[ ٣٠٣ ]
لِوَظَائِفِ المَنَاسِكِ فإنَّهَا كَثِيرَة فِي هذَا الْيَوْمِ فَلَيْسَ فِي أيامِ الْحج أكثرُ عَمَلًا مِنْهُ (١) والله تعالى أعْلَمُ.