في الدفع إلى منى
السُّنةُ أنْ يقَدمَ الضَّعفةَ مِنَ النّساءِ (٢) وَغَيْرِهِن قَبْل طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى منى لَيرْمُوا جَمْرةَ العَقبة قبل زَحْمةِ الناسِ ويكون تقْديمُهم بعدَ نصفِ اللَّيْل (٣) وأمَّا غَيْرهُم فيَمْكُثُونَ حَتَّى يُصلوا الصُّبْحَ بِمُزْدَلِفَة (٤) كَمَا سَبقَ، فإذَا صَلوهَا دَفَعُوا مُتَوجّهِينَ إِلَى منىً فَإذَا وَصَلُوا قُزَحَ بضم القاف وفتح الزاي وهو آخر المُزْدَلفة وهو جبل صغيرٌ وهُوَ الْمَشْعَرُ (٥) الحَرامُ صَعِدَهُ إنْ أمكَنَهُ وَإِلاَّ وَقَفَ عِنْدَهُ أوْ
_________________
(١) أقول: ولذا سمي يوم النحر يوم الحج الأكبر والله أعلم.
(٢) أي بشرط أن يكون معهن محرم.
(٣) أي لحديث عائشة ﵂ قالت: استأذنت سودة رسول الله - ﷺ - ليلة المزدلفة تدفع قبله وقبل خطمة الناس وكانت امرأة ثبطة (فأذن لها) رواه الشيخان ولما ورد عن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ -: (أذن لضعفة الناس أن يدفعوا من المزدلفة بليل). أخرجه أحمد. وفي الموضوع أحاديث صحيحة سوى ما ذكر والله أعلم.
(٤) أي خروجًا من خلاف مَنْ أوجب صلاة الصبح بمزدلفة.
(٥) قال المصنف رحمه الله تعالى في مجموعه: المشْعَر الحرام المذكور في القرآن الكريم الذي يؤمر بالوقوف عليه هو قزح جبل معروف بالمزدلفة. هذا مذهبنا. وقال جمهور المفسرين وأصحاب الحديث والسير: المشعر الحرام جميع المزدلفة. أقول كما في الحاشية: ويدل للأول وهو مذهب الشافعية والفقهاء ما صح عن علي ﵁ أنه - ﷺ - لَما أصبح بجمع أتى قزح فوقف عليه، وقال: هذا قزح وهو الموقف وجمع كلها موقف. ويوافقه ما في حديث مسلم عن جابر ﵁ أنه - ﷺ - لَما صلى الصبح بمزدلفة ركب ناقته القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة، ودعا الله وهلله وكبره، ولم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا وكونه - ﷺ - لم يخبر أن قزح هو المشعر =
[ ٣٠٤ ]
تَحْتَهُ وَيقِفُ مُسْتَقبِل الكعبة فَيَدْعُو وَيَحْمَدُ الله تَعَالَى ويُكَبِّرُهُ ويهلله ويُوحِّدُهُ ويكثر مِنَ التَّلبيةِ واسْتَحَبوا أنْ يقُولَ: اللَّهُمَّ كَمَا أوقَفْتَنَا فِيهِ وَأرَيْتَنَا إيّاه فَوَفّقْنَا لذكركَ كَمَا هَدَيْتَنَا واغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩].
ويُكثِرُ من قَوْلهِ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار (١) وَيَدْعُو بِمَا أحَبَّ وَيَخْتَارُ الدَّعَوَاتِ الجامِعَةِ وَبِالأُمُورِ المُهمة ويكرّر دَعَوَاتِهِ وَقَدْ اسْتَبْدَلَ النَّاسُ بالوُقُوفِ عَلَى جَبَل قُزَح الْوُقُوفَ على بِنَاءٍ مُسْتَحْدَث في وَسَطَ المُزْدَلِفَةِ (٢) ثم قِيَل: لا يحصلُ أصْلُ هذِهِ السنةِ بِذَلِكَ
_________________
(١) = الحرام لا يؤثر لأن فعله صريح في ذلك وإلا لم يكن لارتحاله من محله إليه فائدة، ومن ثم جزم علي وجابر ﵄ في حديثيهما المذكورين بأنه المشعر، وبذلك يُعْلم أن إطلاقه في كلام كثيرين على المزدلفة مجاز (من باب تسمية الكل باسم البعض) أو محمول على أن أصل سنة الوقوف عنده يحصل بالوقوف في أي محل كان منها. وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] ولم يقل في المشعر قرينة ظاهرة على أنه بعضها لا كلها، وكون (عند) بمعنى (في) خلاف الظاهر والله أعلم. اهـ.
(٢) ويتم دعاء المشعر الحرام بقوله (اللهم) لك الحمد كله، والشكر كله ولك الجلال كله، ولك الخلق كله، ولك الأمر كله. (اللهم) إنا نسألك أن تغفر لنا ما سلف من ذنوبنا وأن تعصمنا فيما بقي من أعمارنا، وأن ترزقنا أعمالًا صالحة ترضاها وترضى بها عنا فإن الخير كله بيدك وأنت ذو الفضل العظيم، وأنت بنا رؤوف رحيم. (اللهم) أبلغ عنا سيدنا محمدًا التحية والسلام، وأدخلنا دار السلام، يا ذا الجلال والإكرام، آمين.
(٣) قال السيد محب الدين الطبري المكي في كتابه (القرى لقاصد أم القرى) قال الجوهري - رحم الله الجميع: قزح اسم جبل بالمزدلفة، قلت: وقد بُني عليه بناء ثم قال: وقد ذكر ابن الصلاح في منسكه أن قزح جبل صغير في آخر المزدلفة ثم قال: بعد ذلك: =
[ ٣٠٥ ]
والأَظهرُ أَنهُ يحصُل أصْلُ السُنة (١) لَكِنْ الأَفْضَلُ ما ذَكَرْنَاهُ وَقَدْ جَزَمَ بِهَذَا الإِمَامِ
_________________
(١) = استبدل الناس بالوقوف على الموضع الذي ذكرناه الوقوف على بناء مستحدث في وسط المزدلفة، ولا تتأدى به هذه السنة، والله المستعان. هذا آخر كلامه والظاهر أن البناء إنما هو على الجبل كما تقدم ذكره ولم أرَ ما ذكره لغيره. اهـ. قال في عمدة الأبرار: (والأفضل وقوفهم عند قزح وهو جبل في المزدلفة عليه البناء الموجود الآن يسمى المشعر الحرام). اهـ. قال في الدر المختار للحنفية كما في مفيد الأنام: وينزل عند جبل قزح. والأصح أنه المشعر الحرام، وعليه ميقدة. انتهى. الميقدة المذكورة قد ذكرها الأزرقي فقال: هي أسطوانة من حجارة مدورة تدويرها أربعة وعشرون ذراعًا وطولها إثنا عشر ذراعًا، وفيها خمس وعشرون درجة وهي على أكمة مرتفعة كان يوقد عليها في خلافة هرون الرشيد الشمع ليلة مزدلفة، وكانت قبل ذلك يوقد عليها النار بالحطب، وبعد وفاة هرون الرشيد ﵀ وضعت عليها مصابيح. قال: وبين مسجد مزدلفة وبين قزح أربعمائة ذراع وعشرة أذرع، انتهى كلام الأزرقي ملخصًا. قلت: -القائل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر صاحب مفيد الأنام ونور الظلام رحم الله الجميع- المشاهد في زماننا هذا هو أن المشعر الحرام المسمى قزح في نفس مسجد مزدلفة. وقزح جبل صغير جدًا عليه الآن منارة تجعل فيها تلك الليلة السرج بالكهرباء. اهـ ملخصًا. أقول: ظهر لي في جميع ما تقدم أن مسجد مزدلفة كان في زمن العلامة الأزرقي رحمه الله تعالى بعيدًا عن قزح بالمسافة التي ذكرها وأنه بعدُ بني على الشكل الذي كان عليه قبل عام ١٣٩٧ هـ. وأدخل قزح فيه وأصبحت عليه المنارة التي تجعل عليها الكهرباء أخيرًا، وفي عام ١٣٩٧ هـ. جَددت حكومتنا السعودية في عهد الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود هذا المسجد وجَعلت له مِئْذَنَتْين، وأصبح مكان المئذنة القديمة التي على جبل قزح على ما ذكره الشيخ عبد الله بن جاسر يمين المحراب إذا استقبلت القبلة. وقولهم: المشعر الحرام: أي لما فيه من الشعائر - أي معالم الدين وحرم انتهاكه جاهلية وإسلامًا، وهو موقف قريش في الجاهلية إذ كانت لا تقف بعرفة والله أعلم.
(٢) أقرّ المصنف في المجموع حصول أصل السنة بالمرور أي في النصف الثاني من ليلة النحر وإن لم يقف. وقد تقدم عن السبكي كما في الحاشية إجزاء المرور أي في النصف الثاني كما في عرفات.
[ ٣٠٦ ]
أبُو القَاسِمِ الرَّافِعِي فَقَالَ: لَوْ وَقَفُوا فِي مَوْضِعٍ آخَرٍ (١) مِنَ المُزْدَلِفَةِ حَصَلَ أصْلُ هذه السُّنة.
وَقَدْ ثَبَتَ في صحيح مُسْلِمٍ عَنْ رَسُول الله - ﷺ - أنَّهُ قَالَ: جَمْع كُلهَا مَوْقِفٌ، وَهذَا نَص صَرِيح لأن جَمْعًا اسْمٌ للْمُزْدَلِفَةِ كُلها بلاَ خِلاَف وَلَوْ فَاتَتْ هذه السُّنَّةُ (٢) مِنْ أصْلِهَا لَمْ تُجْبَرْ بِدَم فإِذَا أَسْفَرَ الصبْحُ (٣) دَفَعَ مِنَ المشعرِ الحَرَامِ خَارِجًَا مِنَ المُزْدَلِفَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ (٤) مُتَوَجهًا إِلى مِنى وَعَلَيْهِ السَّكِينة (٥) وَالوَقَارُ شِعَارُهُ التلْبِيةُ وَالذّكْرُ، وإنْ وَجَدَ فُرْجَةً أَسْرَعَ فَإذَا بَلَغَ وَادِي مُحسر وَقَدْ تَقَدّم ضَبْطُهُ وَبيانُهُ أسْرَعَ (٦) أوْ حَرّكَ دابّتَهُ (٧) قَدرَ رَمْتةِ حَجَرٍ حَتّى
_________________
(١) أي غير قزح.
(٢) أي التي هي الوقوف على قزح من أصلها بأن لم يقف عليه ولا عنده، وسميت المزدلفة جمعًا لاجتماع الناس فيها، أو آدم وحواء أو لجمع الصلاتين بها. أقوال اقتصر على أولها في المجموع. وبالمزدلفة لأنهم يقربون منها إلى منى، والإزدلاف الاقتراب، وقيل لاجتماع الناس بها والاجتماع الإزدلاف، وقيل: لأنهم يجيئون إليها في زلف من الليل أي ساعات منه. اهـ حاشية.
(٣) أي جدًا بحيث تتفاسر الوجوه لحديث جابر مرفوعًا: (لم يزل واقفًا عند المشعر حتى أسفر جدًا).
(٤) لقول عمر بن الخطاب ﵁: (كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس ويقولون أشرق ثبير كيما نغير وأن النبي - ﷺ - خالفهم فأفاض قبل أن تطلع الشمس) رواه البخاري.
(٥) لقول ابن عباس ﵄ ثم أردف النبي - ﷺ - لفضل بن عباس ﵄ وقال: (يا أيها الناس إن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل فعليكم السكينة).
(٦) أي إن كان ماشيًا.
(٧) إن كان راكبًا وهذا الإسراع للذكر ذهابًا كما تقدم وإيابًا لقول جابر ﵁ وعن الصحب أجمعين (حتى أتى محسرًا فحرك قليلًا) يعنيه - ﷺ -. أقول -كما في =
[ ٣٠٧ ]
يقْطَعَ عَرْضَ الوَادِي (١) ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ سَائِرًا إِلى مِنى سَالِكًا الطَّرِيقَ الْوُسْطَى
_________________
(١) = الحاشية- ولا ينافيه قول الشافعي في الإملاء: (لا أستحب الإسراع لأنه لم يرد عن النبي - ﷺ -) لأن ذلك قبل أن يبلغه الحديث فلما بلغه الحديث نص عليه ﵀ في الأم، ومن ثم قال في المجموع إن ندبه متفق عليه، والحكمة في الإسراع في وادي محسر -كما في المجموع- أن النصارى كانت تقف هناك، فنسرع نحن مخالفة لهم. وَعَبر الغزالي ﵀ بالعرب بدل النصارى. قال في الحاشية: ولا مانع أن كلًا كان يقف ثَم أو مراده بالعرب العرب من النصارى. وقيل ومشى عليه المصنف فيما مَرَّ - لأنه محل هلاك أهل الفيل. وبحثه الإسنوي لعدم روايته منقولًا، ثم قال هو كديار ثمود إذ يُسن لمن مَرّ بها الإسراع ويؤيد الأول قول عمر وابنه ﵄ عند إسراعهما فيه: - إليك تعدو قلقًا وضينها معترضًا في بطنها جنينها مخالفًا دين النصارى دينها قد ذهب الشحم الذي يزينها قال القاضي حسين فيندب التأسي بهما في ذلك، واعترض الثاني بأن نزول العذاب على أصحاب الفيل إنما كان بمحل محاذ لعرفة يدعى المغمَس بفتح الميم الثانية، وقد تكسر. بل المعروف أن الفيل المذكور لم يدخل الحرم أصلًا كما مر عن ابن الأثير. اهـ. قال في مفيد الأنام: قائل هذه الأبيات أبو علقمة أخو أسقف نجران لأمه وابن عمه لمّا توجه يريد النبي - ﷺ -، والوضين: بطان عريض منسوج من سيور أو شعْر أو لا يكون إلا مِنْ جلد كما في القاموس. والقلق: الانزعاج والمعنى كما في مغني المحتاج للعلامة الخطيب الشربيني ﵀: إن ناقتي تعدو إليك مسرعة في طاعتك قلقًا وضينها (بطانها وحزامها) من كثرة السير والإقبال التام والاجتهاد البالغ في طاعتك. والمراد صاحب الناقة.
(٢) أي وادي محسر. قال في المجموع: قال الأزرقي رحم الله الجميع-: وادي محسر خمسمائة ذراع وخمس وأربعون ذراعًا. اهـ. أقول: يظهر من قول الأزرقي السابق في ذرع عرض محسر، ومن رواية الموطأ المقيدة للقدْر الذي ذكره المصنف وهي قوله: (عن ابن عمر ﵄ أنه كان يحرك راحلته قَدْر رمية حجر حتى يقطع عرض الوادي. ومن رواية الترمذي الدالة على الإطلاق وهي قوله: عن علي ﵁: (ثم =
[ ٣٠٨ ]
الَّتِي تَخْرُجُ إلى الْعَقَبَة (١) وليسَ وادي مُحَسرٍ مِنَ المُزدَلفةِ وَلاَ مِنْ مِنى بَلْ هُوَ مَسِيلُ مَا بَيْنَهُمَا فإِذَا وَصَلَ إِلَى مِنى بَدَأ بجمرة العَقبةِ.