فَيَحْرمُ على المحرم الوطْء (١) في القُبل والدُّبر مِنْ كل حَيَوان وَتَحْرُمُ المُبَاشَرَة (٢) فيمَا دُونَ الفَرْجِ بِشَهْوَة (٣)
_________________
(١) = وأما الجواب عن حديث ابن عباس في نكاح ميمونة: فإن الروايات اختلفت في نكاحها. فروى يزيد بن الأصم عنها وهو ابن أختها أن النبي - ﷺ -: (تزوجها وهو حلال) رواه مسلم. وعن أبي رافع أن رسول الله - ﷺ -: (تزوج ميمونة حلالًا وبنى بها حلالًا، وكنت الرسول بينهما) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. قال أصحابنا: وإذا تعارضت الروايات تعين الترجيح فرجحنا رواية الأكثرين أنه تزوجها حلالًا والترجيح الآخر وهو أن رواية تزوجها حلالًا من جهة ميمونة رضي الله تعالى عنها وهي صاحبة القصة، وأبي رافع، وكان السفير بينهما فهما أعرف، فاعتماد روايتهما أولى. (فرع): إذا تزوج المحرم فنكاحه باطل عندنا وعند الجمهور، ويفرق بينهما تفرقة الأبدان بغير طلاق. وقال مالك وأحمد: يجب تطليقها لتحل لغيره بيقين لشبهة الخلاف في صحة النكاح. ودليلنا أن العقد الفاسد غير منعقد، فلا يحتاج في إزالته إلى فسخ كالبيع الفاسد وغيره، وفي هذا جواب عن دليلهم. (فرع): قد ذكرنا أن المشهور من مذهبنا صحة رجعة المحرم، وبه قال مالك والعلماء إلا أحمد في أشهر الروايتين عنه. دليلنا أنها ليست بنكاح وإنما نهى الشرع عن النكاح والله أعلم. اهـ مختصرًا. أقول: قال العلامة منصور البهوتي الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه كشاف القناع: وتباح الرجعة للمحرم وتصح لأنها إمساك. اهـ. فلعل المذهب اختيار الرواية الأخرى.
(٢) والدليل على تحريم الجماع ومقدماته على المحرم. قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] والرفث الجماع. ومعنى (فلا رفث): لا ترفثوا. لفظه خبر ومعناه النهي.
(٣) أي ولو لغلام. والمباشرة هي إلصاق البشرة -وهي ظاهر الجلد- بالبشرة.
(٤) الشهوة: اشتياق النفس إلى شيء، وينبغي أن يتنبه لذلك من يحج بحليلته، لا سيما عند إركابها وتنزيلها فمتى وصلت بشرته لبشرتها بشهوة أثم ولزمته الفدية، وإن لم ينزل. اهـ كردي. اهـ إعانة الطالبين.
[ ١٦٩ ]
كالمفَاخَذَة (١) والْقُبْلَة واللّمس بالْيد بَشَهْوَةٍ وَلاَ يَحْرُمُ اللمس والْقُبْلَةُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَهَذَا التحْرِيم في التحِريم في الجِمَاع يَسْتَمِرُّ حَتَّى يَتَحَلَّل التَّحَلُلَيْن وكَذَا المُبَاشَرَةُ بغَيْر الجمَاع يَسْتَمر تَحْريمُهَا عَلَى الْقَوْل الأصَح وَعَلى قَوْلٍ يحل بالتَّحَلل الأَوَّل وحَيْثُ حَرَّمْنَا المُبَاشَرَةَ فيما دُونَ الفَرْج فَبَاشَرَ عَامدًا عَالمًا لَزِمه الْفِدْيةُ (٢) ولاَ يَفْسُدُ نُسُكهُ وإنْ بَاشَرَ نَاسيًا فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ بِلاَ خِلاَف سَوَاءٌ أَنزَلَ أمْ لاَ.
والاسْتِمنَاء (٣) بالْيَد يُوجبُ الْفِدْيةَ وَلَوْ كَرَّرَ النَظَرَ إلَى امْرأَةٍ فَأَنْزَلَ مِنْ غَيْر مُبَاشَرَةٍ وَلاَ اسْتِمْنَاء فَلاَ فِدْيةَ عَلَيه عندَنَا ولاَ عِنْدَ أبي حَنيفَةَ ومَالك رَحمهما اللهُ وَقَالَ أحْمَدُ في روايةٍ تَجِبُ بدَنةٌ وفي رواية شاةٌ وَأمَّا الوطء في قُبُل المرأة أوْ دُبُرها أوْ دُبُر الرَّجُل وَالْبهيمةِ فَيَفْسُدُ به الحج إنْ كَانَ قَبْلَ التَّحَلل الأول (٤) سوَاء قَبْل الْوُقُوف بعَرَفَةَ أَو بعده وإنْ كَانَ بين التَحْللَيْن لَمْ يفْسد الْحَج (٥) وإن
_________________
(١) أي والمعانقة. (تنبيه): يحرم على الحلال مباشرة المحرمة حيث لا يجوز له تحليلها، ويحرم على المحرمة تمكين الحلال من مباشرتها والله أعلم.
(٢) محله ما لم يجامع بعدها، وإلاّ دخل واجبها وهو الشاة في واجب الجماع من بدنة إذا كان قبل التحللين أو شاة إذا كان بين التحللين.
(٣) الاستمناء هو طلب خروج المني بيده أو بيد غيره. وقوله: يوجب الفدية أي إن أنزل، ومثله التقبيل والمباشرة ولو لذكر بشهوة بدون حائل أنزل أم لا فيهما الفدية.
(٤) يشمل من فاته الحج وهو المعتمد، كما في الحاشية فحيث جامع قبل التحلل منه بنحو الطواف المتبوع بالسعي والحلق فسد بشرط العلم والعمد والاختيار والتمييز وكذا تلزمه الفدية لو فعل شيئًا من محرمات الإحرام قبل ذلك، ولا فرق في الإِفساد والإِثم بالوطء بين الفاعل والمفعول المكلف وكذا تلزم كلًا منهما الفدية لو فعل شيئًا من محرمات الإحرام قبل ذلك.
(٥) أي ولكن تجب به شاة أو سُبْع بَدَنة أو سُبْع بقَرة أو صوم ثلاثة أيام أو التصدق بثلاثة آصع على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع. وتتكرر الفدية بتكرار الوطء.
[ ١٧٠ ]
جامَعَ في الْعُمْرَةَ قَبْل فَرَاغها فَسَدَت (١) وإذا فَسَدَ الْحَجُّ أو الْعُمْرَةُ (٢) وجَبَ
_________________
(١) أي إن كانت مفردة أما القارن فعمرته تابعة لحجه صحةً وفسادًا كما يحل له معظم المحظورات بعد التحلل وإن لم يأت بأفعالها. فإن جامع قبل التحلل الأول، فسد نسكاه، وإنْ كان قد أتى بصورة أعمال العمرة بتمامها كأن طاف وسعى وحلق قبل الوقوف تعديًا أو لعذر أو حلق بعده ولم يحصل التحلل الأول وإن جامع بعده لم يفسد وإن لم يأت بجميع أفعال العمرة كان رمى وحلق فقط.
(٢) أي بالوطء بشرط العلم والعمد والاختيار والتمييز. وكون الوطء قبل التحللين في الحج وفي العمرة قبل تمامها. هذا إذا كانت مفردة وإلا فهي تابعة للحج كما تقدم، ولا فرق في إفساد ما ذكر وفي الإثم بالوطء بين الفاعل والمفعول المكلف، وأما الفدية فلا تلزم إلا الرجل المواقع لأنه لم يؤمر بالكفارة في الحديث في إفساد الصوم إلا هو ولأن الكفارة غرم مالي يتعلق بالجماع فيختص بالرجل الواطىء كالمهر فلا يجب على الموطوءة. وعند العلامة المحقق ابن حجر المكي رحمه الله تعالى في فدية الجماع تفصيل وهو لزوم الكفارة للرجل إنْ كان زوجًا محرمًا مكلفًا وإلا فعليها حيث لم يكرهها وكذا لو زنت أو مكنت غير مكلف. وفي الكردي ما نصه: والذي يتلخص مما اعتمده الشارح -يعني ابن حجر المكي في كتبه- أن الجماع في الإحرام ينقسم على ستة أقسام: (أحدها): ما لا يلزم به شيء لا على الواطىء ولا على الموطوءة ولا على غيرها، وذلك إنْ كانا جاهلين معذورين بجهلهما أو مكرهين أو ناسيين للإحرام أو غير مميزين. (ثانيها): ما تجب به البدنة على الرجل الواطىء فقط، وذلك فيما إذا استجمع الشروط من كونه عاقلًا بالغًا عالمًا متعمدًا مختارًا وكان الوطء قبل التحلل الأول والموطوءة حليلته سواء كانت محرمة مستجمعة للشروط أم لا. (ثالثها): ما تجب به البدنة على المرأة فقط وذلك فيما إذا كانت هي المحرمة فقط وكانت مستجمعة للشروط السابقة أو كان الزوج غير مستجمع للشروط وإن كان محرمًا. (رابعها): ما تجب به البدنة على غير الواطىء والموطوءة وذلك في الصبي المميز إذا كان مستجمعًا للشروط فالبدنة على وليه. (خامسها): ما تجب به البدنة على كل من الواطىء والموطوءة وذلك فيما إذا زنى =
[ ١٧١ ]
عليه المُضِيُّ في فاسده (١) وَيَجبُ قَضَاؤُه (٢) وتَلْزَمه (٣) بَدَنَةٌ فإنْ لم يَجِدْ فَبقرَةٌ.
وسَيَأتي إِيضَاحُ الْبَدنَة (٤) في باب الدماء في آخر الكتَاب إن شاء الله
_________________
(١) = المحرم بمحرمة أو وطئها بشبهة مع استجماعهما شروط الكفارة. (سادسها): ما تجب فيه فدية مخيرة بين شاة أو إطعام ثلاثة آصع لستة مساكين أو صوم ثلاثة أيام وذلك فيما إذا جامع مستجمعًا لشروط الكفارة السابقة بعد الجماع المفسد أو جامع بين التحللين. هذا ملخص ما جرى عليه الشارح تبعًا لشيخ الإسلام زكريا واعتمد الشمس الرملي والخطيب الشربيني تبعًا لشيخهما الشهاب الرملي أنه لا فدية على المرأة مطلقًا. اهـ إعانة الطالبين.
(٢) أي فيعمل ما كان يعمله قبل الإفساد، ويجتنب ما كان يجتنبه قبله وإلا لزمته الفدية، فعلم أنه يحرم الجماع ثانيًا قبل التحلل منه ويجب به شاة كما تقدم.
(٣) أي إن كان ما أفسده غير قضاء، وإلا فالواجب قضاء واحد بخلاف البدنة فتتكرر بحسب تكرر الإفساد.
(٤) أي المحرم سواء كان ذكرًا أو أنثى إذ هو المحدث عنه في جميع هذا النوع بدليل قول المصنف في آخر المحرمات والمرأة كالرجل في جميعها. والله أعلم.
(٥) حاصله كما في الحاشية مع زيادة واختصار. أنه يجب به (أي بالجماع المفسد للنسك) بدنة فبقرة فسبع شياه، ومثلها سُبع من سَبع بدنات كما هو ظاهر فطعام مجزىء في الفطرة بقيمة البدنة بالنقد الغالب بسعر مكة في غالب الأحوال كما في الكفاية عن النص وغيره لكن خالفه جمع متأخرون فقالوا: يعتبر سعرها حال الوجوب. قال في التحفة: وأوجه منهما اعتبار حالة الأداء لما يأتي في الكفارات ومصرف ذلك مساكين الحرم، والمستوطن أولى فإن عجز صام عن كل مد يومًا ويكمل المنكسر وواجب الطعام غير مقدر فلا يتعين لكل مسكين مد لكن الأفضل أن لا يزاد كل على مدين ولا ينقص عن مد فإنْ عجز صام عن كل مد يومًا ويكمل المنكسر، واحتج لوجوب البدنة بأن عمر وابنه عبد الله أفتيا بذلك وكذا ابن عباس وأبو هريرة رضي الله تعالى عن الجميع. وأما الرجوع إلى البقرة والسبع من الغنم فلأنهما في الأضحية كالبدنة وأما الرجوع إلى الإطعام فلأن الشرع عدل في جزاء الصيد من الحيوان إلى الإطعام فرجع إليه هنا عند العذر، فلو تصدق بالدراهم لم يجزه، ويجزىء في الإِبل والغنم الذكر والأنثى.
[ ١٧٢ ]
تَعَالَى وَيَجبُ القَضَاء على الْفَوْر (١) هذا إذا جَامَعَ عامدًا عالمًا بالتَّحْريم فَإن كانَ نَاسيًا (٢) أو جَاهلًا بالتحْريمِ أَو جُومِعَت المَرْأَةُ مُكْرَهَةً (٣) لم يَفْسد الحجُّ على الأَصَح (٤) ولا فدْيةَ أيضًا على الأَصَح.
_________________
(١) أي ولو في سنة الإفساد إن أمكن كما لو أفسد المحرم نسكه ثم أحصر وتحلل والوقت باقٍ لزمه قضاؤه من سنته فورًا أو شرط التحلل بمرض فتحلل ثم شفي والوقت باقٍ فله قضاؤها من سنته وتسمية ما ذكر قضاء إنما هو بالمعنى اللغوي المجوز لإطلاق الأداء على القضاء وعكسه ومثل الحج في وجوب قضائه فورًا كل عبادة تعدى بإخراجها عن وقتها وكل كفارة تعدى بسببها فيجب أداؤهما فورًا. (تتمة): قال في الحاشية (فرع) للمفرد المفسد لأحد النسكين أن يقضيه مع الآخر قرانًا أو تمتعًا، وللمتمتع والقارن القضاء إفرادًا، ولا يسقط بذلك الدم وعلى القارن المفسد بدنة، ودم للقران وعليه دم آخر في القضاء وإن كان مفردًا كما في الروضة. وبحث البلقيني أنه في المتمتع يلزمه دمان آخران، دم للقران الذي التزمه بالإفساد ودم للتمتع الذي فعله، وهو متجه، لكن صرح الشيخان بأنه لا قرق بين المتمتع والقارن، ولو فات القارن الحج فأتت العمرة وعليه دمان للفوات والقران وقضاء كقضاء المفسد فيما مَرّ. اهـ.
(٢) في معنى الناسي كما في الحاشية من أحرم عاقلًا ثم جن أو أغمى عليه. وفي معنى الجاهل من رمى جمرة العقبة قبل نصف الليل ظانًا أنه بعده وحلق ثم جامع فلا فدية عليه كما في المجموع. (فإن قيل): يجب القضاء على من ظن دخول الليل أو بقاءه فافطر وتسحر ثم ظهر أنه أكل نهارًا ولم يجب القضاء هنا. أجيب: كما في الحاشية بأن علامة الليل أو النهار من شأنها أن تكون ظاهرة لكل أحد فخطؤه مع ذلك يشعر بمزيد تقصير بخلاف دخول نصف الليل الثاني فإنه لا يعرفه إلا الفذ النادر فلا تقصير هنا، وأيضًا فقضاء الحج صعب فسقط بأدنى عذر والله أعلم.
(٣) مثلها الرجل إذا جامع مكرهًا لأن الأصح تصور إكراهه عليه كما في المجموع.
(٤) مقابله الفساد ووجوب الفدية فيسن في الصور الثلاث إخراج البدنة والقضاء =
[ ١٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = خروجًا من الخلاف، ويقال بنظيره في كل مسألة فيها خلاف لم يخالف سنة صحيحة أو يضعف مدركه جدًا كأن يخالف قياسًا جليًا. (تتمة): جاء ما يأتي في الحاشية: إذا جامع زوجته أو أمته فسد حجها بأن كانت طائعة عالمة بالتحريم ذاكرة للإحرام ولزمه الأذن لها في القضاء وعليه لها ما زاد من النفقة بسبب السفر، وإن لم يسافر معها، وإذا عضبت أو ماتت لزمه أن يستأجر من ماله من يحج عنها فورًا، وإذا خرجا معًا سُن، وقيل: وجب أن يفترقا من حين الإحرام إلى التحلل الثاني، ومكان الجماع آكد. والمراد بالافتراق أن لا يخلو بها بحيث يتمكن من وقاعها أو مقدماته بل وأن لا ينظر إليها إن خشي أنه يؤدي إلى ذلك. ولو أحرم مجامعًا لم ينعقد أو حال النزع انعقد صحيحًا لأن النزع ليس بجماع، ولو ارتد في نسكه بطل من أصله ولا مضي ولا قضاء وإن أسلم فورًا. اهـ. مذاهب العلماء رحمهم الله تعالى في مسائل من مباشرة المحرم المرأة ونحوها قال المصنف رحمه الله تعالى في مجموعه: (أحداها): إذا وطئها في القبل عامدًا عالمًا بتحريمه قبل الوقوف بعرفات، فسد حجه بإجماع العلماء، وفيما يجب عليه خلاف لهم، فمذهبنا أن واجبه بدنة كما سبق، وبه قال مالك وأحمد وهو مذهب جماعات من الصحابة ﵃. وقال أبو حنيفة: عليه شاة لا بدنة، وقال داود: هو مخير بين بدنة وبقرة وشاة. (الثانية): إذا وطئها بعد الوقوف بعرفات قبل التحللين فسد حجه وعليه المضي في فاسده وبدنة والقضاء هذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا يفسد، ولكن عليه بدنة، وعن مالك رواية: أنه لا يفسد، دليلنا أنه وطىء في إحرام كامل فأشبه الوطء قبل الوقوف. احتجوا بالحديث: "الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد تم حجه". قال أصحابنا: هذا متروك الظاهر بالإِجماع فيجب تأويله وهو محمول على أن معناه فقد أمن الفوات. (الثالثة): إذا وطىء بعد التحلل الأول وقبل الثاني لم يفسد حجه عندنا، ولكن عليه =
[ ١٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الفدية، ووافقنا أبو حنيفة في أنه لا يفسد. وقال مالك: إذا وطئ بعد جمرة العقبة وقبل الطواف لزمه أعمال عمرة ولا يجزئه حجه لأن الباقي عليه أعمال عمرة، وهي الطواف والسعي والحلق، وقالا: فيلزمه الخروج إلى الحل ويحرم بعمرة ويلزمه الفدية، وعن أحمد روايتان: الفدية هل هي شاة أو بدنة؟ (الرابعة): إذا وطئ في الحج وطئًا مفسدًا لم يزل بذلك عقد الإِحرام بل عليه المضي في فاسده والقضاء، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد والجمهور، وقال الماوردي والعبدري: هو قول عامة الفقهاء. وقال داود: يزول الإحرام بالفساد ويخرج منه بمجرد الإفساد وحكاه الماوردي عن ربيعة أيضًا قال وعن عطاء نحوه قال: واستدلوا بحديث عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَد" رواه مسلم. قالوا: والفاسد ليس مما عليه أمره. وقياسًا على الصلاة والصوم، واستدل أصحابنا بإجماع الصحابة ولأنه سبب يجب به قضاء الحج فوجب أن لا يخرج به من الحج كالفوات، والجواب عن الحديث أن الذي عليه ليس أمر صاحب الشرع إنما هو الوطء، وهو مردود، وأما الحج فعليه أمر صاحب الشرع "وأما" قياسهم على الصوم والصلاة فجوابه أنه يخرج منهما بالقول فكذا بالإفساد بخلاف الحج، ولأن محظورات الصلاة والصوم تنافيهما بخلاف الحج. (الرابعة): إذا وطئ امرأته وهما محرمان فسد حجهما وقضيا وفرق بينهما في الموضع الذي جامعها فيه فلا يجتمعان بعد التحلل. وهل التفريق واجب أو مستحب؟ فيه قولان أوجهان عندنا (أصحهما) مستحب. قال مالك وأحمد واجب، وزاد مالك فقال: يفترقان من حيث يحرمان ولا ينتظر موضع الجماع، وقال عطاء وأبو حنيفة: لا يفرق بينهما ولا يفترقان، ومما قال بالتفريق عمر وعثمان وابن عباس وسعيد بن المسيب والثوري وإسحق وابن المنذر، واحتج أبو حنيفة بالقياس على الوطء في نهار رمضان، فإنهما إذا قضيا لا يفترقان واحتج أصحابنا بأن ما قلناه قول الصحابة، ولأنه لا يؤمن إذا اجتمعا أن يتذكرا ما جرى فيتوقا إليه فيفعلاه، والجواب عن قياسه على الصوم أنه زمنه قصير، فإذا تاق أمكنه الجماع بالليل بخلاف الحج. (الخامسة): إذا أحرم بالحج أو بالعمرة من موضع قبل الميقات ثم أفسده لزمه في =
[ ١٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = القضاء الإحرام من ذلك الموضع، وبه قال ابن عباس وسعيد بن المسيب وأحمد وإسحق وابن المنذر ﵃. وحكى ابن المنذر عن النخعي أنه يحرم من المكان الذي جامع فيه. وقال مالك وأبو حنيفة: إن كان حاجًا كفاه الإحرام من الميقات، وإن كان معتمرًا فمن أدنى الحل، واحتجا بأن النبي - ﷺ - قال لعائشة: "ارفضي عمرتك ثم أمرها أن تحرم من التنعيم بالعمرة" رواه البخاري ومسلم. واحتج أصحابنا بأنها مسافة وجب قطعها في أداء الحج فوجب في القضاء كالميقات، وأما حديث عائشة فإنها صارت قارنة فأدخلت الحج على العمرة. ومعنى (ارفضي عمرتك) أي دعي إتمام العمل فيها واقتصري على أعمال الحج فإنها تكفيك عن حجك وعن عمرتك، ولهذا قال - ﷺ - لها في صحيح مسلم وغيره: "طوافك وسعيك يجزئك لحجك وعمرتك" فهذا تصريح بأنها لم تبطلها من أصلها، بل أعرضت عن أعمالها منفردة لدخولها في أعمال الحج، وقد بسطت هذا التأويل بأدلته الصحيحة الصريحة في شرح صحيح مسلم رحمه الله تعالى والله أعلم. (السادسة): قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يلزم من فسد حجه بدنة. وبه قال ابن عباس وعطاء وطاووس ومجاهد ومالك وأبو ثور والثوري وإسحق إلا أن الثوري وإسحاق قالا: إن لم يجد بدنة كفاه شاة، وعندنا وعند آخرين إن لم يجد بدنة فبقرة فإن فقدها فسبع من الغنم فإن فقدها أخرج بقيمة البدنة طعامًا، فإن فقد صام عن كل مدٍ يومًا، وعن أحمد رواية أنه مخير بين هذه الخامسة، وسبق بيان مذهب أبي حنيفة في المسألة الأولى والثانية. ودليلنا آثار الصحابة. (السابعة): إذا وطىء القارن فسد حجه وعمرته ولزمه المضي في فاسدهما وتلزمه بدنة للوطء، وشاة بسبب القرآن. فإذا قضى لزمه أيضًا شاة أخرى سواء قضى قارنًا أم مفردًا؛ لأنه توجب عليه القضاء قارنًا، فإذا قضى مفردًا لا يسقط عنه دم القران. قال العبدري: وبهذا كله قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: إن وطىء قبل طواف العمرة فسد حجه وعمرته وعليه المضي في فاسدهما، والقضاء وعليه شاتان شاة لإفساد الحج وشاة لإفساد العمرة ويسقط عنه دم القران، فإن وطىء بعد طواف العمرة فسد حجه، وعليه القضاء وذبح شاة ولا تفسد عمرته فيلزمه بدنة بسببها، ويسقط عنه دم =
[ ١٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = القران. قال ابن المنذر: وممن قال يلزمه هدي واحد عطاء وابن جريج ومالك، والشافعي وإسحق وأبو ثور وقال الحاكم: يلزمه هديان. (الثامنة): إذا أفسد المحرم والمحرمة حجهما بالوطء فقد ذكرنا الخلاف في مذهبنا أنه هل يلزمهما بدنة أو بدنتان، قال ابن المنذر: وأوجب ابن عباس وابن المسيب والضحاك والحاكم وحماد والثوري وأبو ثور على كل واحد منهما هديًا، وقال النخعي ومالك: على كل واحد منهما بدنة، وقال أصحاب الرأي إن كان قبل عرفة فعلى كل واحد منهما شاة، وعن أحمد روايتان: (إحداهما) يجزئهما هدي و(الثانية) على كل واحد منهما هدي. وقال عطاء وإسحق لزمهما هدي واحد. (التاسعة): إذا جامع مرارًا فقد ذكرنا أن الأصح عندنا أنه يجب في المرة الأولى بدنة وفي كل مرة بعدها شاة، قال ابن المنذر: وقال عطاء ومالك وإسحق: عليه كفارة واحدة، وقال أبو ثور: لكل وطء بدنة، وقال أبو حنيفة: إن كان في مجلس واحد فدم وإلا فدمان، وقال محمد: إن لم يكن كفر عن الأول كفاه لهما كفارة وإلا فعليه للثاني كفارة أخرى. دليلنا أن الثاني مباشرة محرمة مستقلة لم تفسد نسكًا فوجبت فيها شاة كالمباشرة بغير الوطء. (العاشرة): لو وطىء امرأة في دبرها أو لاط بِرَجُل أو أتى بهيمة، فقد ذكرنا أن الصحيح عندنا أنه يفسد حجه وعمرته بكل واحد من هذا، وقال أبو حنيفة: البهيمة لا تفسد، ولا فدية، وفي الدبر روايتان، وقّال داود: لا تفسد البهيمة واللواط. (الحادية عشرة): لو وطئها فيما دون الفرج لم يفسد حجه عندنا، وعليه شاة في أصح القولين وبدنة في الآخر، سواء أنزل أم لا. وكذا قال جمهور العلماء: لا يفسد، وممن قاله الثوري وأبو حنيفة وأبو ثور، قال سعيد بن جبير والثوري وأحمد وأبو ثور وعليه بدنة، وقال أبو حنيفة: دم. وقال ابن المنذر: عندي عليه شاة. وقال عطاء والقاسم بن محمد والحسن ومالك وإسحق ﵏: إن أنزل فسد حجه ولزمه قضاؤه. وعن أحمد في فساده روايتان، وأما إذا قبلها بشهوة فهو عندنا كالوطء فيما دون الفرج فلا يفسد الحج وتجب شاة في الأصح وبه قال ابن المسيب وعطاء وابن سيرين والزهري وقتادة ومالك والثوري وأحمد وإسحق وأبو حنيفة وأبو ثور، وقال ابن المنذر ﵀: روينا ذلك عن ابن عباس، وروينا عنه أنه يفسد حجه، وعن عطاء رواية أنه يستغفر الله تعالى ولا شيء عليه، وعن سعيد بن جبير أربع روايات: (إحداها) كقول ابن =
[ ١٧٧ ]