وفيه مَسَائِلُ:
أحَدهما: السُّنَّةُ أنْ يَغْتَسلَ قَبْلَ الإِحْرَام غُسلًا يَنْوي به غُسْلَ الإِحْرَام (٢)
_________________
(١) = مذاهب العلماء في مسألة إذا جاوز شخص الميقات مريدًا للنسك فأحرم دونه قال المصنف رحمه الله تعالى في مجموعه: (قد ذكرنا أن مذهبنا أنه إذا جاوز الميقات مريدًا للنسك فأحرم دونه أثم. فإن عاد قبل التلبس بالنسك سقط عنه الدم سواء عاد ملبيًا أو غير ملب، هذا مذهبنا، وبه قال الثوري وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور. وقال مالك وابن المبارك وزفر وأحمد: لا يسقط عنه الدم بالعود. وقال أبو حنيفة: إن عاد ملبيًا سقط الدم، وإلا فلا، وحكى ابن المنذر عن الحسن والنخعي: إنه لا دم على المجاوز مطلقًا، قال وهو أحد قولي عطاء، وقال ابن الزبير: يقضي حجته ثم يعود إلى الميقات فيحرم بعمرة، وحكى ابن المنذر وغيره عن سعيد بن جبير أنه لا حج والله أعلم). اهـ.
(٢) الإِحرام لغة الدخول في التحريم يقال: (أشتى) إذا دخل في الشتاء. و(أرْبَعَ) إذا دخل في (الربيع) و(أنْجَد) إذا دخل نجدًا، و(أتْهَمَ) إذا دخل في تهامة، و(أصبح) و(أمسى) إذا دخل في الصباح والمساء، وشرعًا نية الدخول في النسك وسمي الدخول في النسك إحرامًا لأن المحرم بإحرامه حرم على نفسه أشياء كانت مباحة كالنكاح والطيب والصيد واللباس، وجميع محرمات الإِحرام.
(٣) وكذا سائر الأغسال المسنونة لقوله - ﷺ -: "إنما الأعمال بالنيات" ولتمييز العبادة عن العادة، قال بعضهم رحمه الله تعالى: إذا أراد الغسل للمسنونات نوى أسبابها إلا الغسل من الجنون والإِغماء فإنه ينوي به الجنابة.
[ ١٢٤ ]
وَهو مُسْتَحَب لكل مَنْ يَصح منهُ الإِحْرَام (١) حتى الحائض والنُّفساء (٢) والصبي فإنْ أمكَنَ الحائض المقامُ بالميقاتِ حتَّى تَطْهر وَتَغْتَسلَ ثم تُحْرِم فَهُوَ أَفْضَلُ ويصحُّ مِنَ الحائضِ والنُّفَسَاء جميع أعْمَال الحج إلاَّ الطَّوافَ ورَكْعَتَيْهِ فإنْ عَجَزَ المُحْرِمُ عن الماء تَيَمَّمَ (٣) وإنْ وَجَدَ ماءً لا يكفيه للْغُسْل تَوَضَّأ به ثُمَّ تَيَممَ، فَإنْ تَرَكَ الغُسْل مع إمْكَانه كُرهَ ذلك (٤) وصح إحرَامُهُ ويُسْتَحَبُّ للحَاج الغسلُ (٥) في عَشَرَةِ مَواضعَ: للإحْرام (٦) ولدُخُول مكّة (٧)
_________________
(١) أي وغيره كالمجنون والصغير وليه، وينوي عنه.
(٢) أي بنية الغسل.
(٣) هو المعتمد لأن الغسل يراد به العبادة والنظافة، فإذا تعذر أحدهما بقي الآخر، ولأن التيمم ينوب عن الواجب فالمندوب أولى وبه قالت الحنابلة ﵏. وفي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى: لا يستحب التيمم واختاره الموفق رحمه الله تعالى وقال: والصحيح أن التيمم غير مسنون لأنه غسل غير واجب فلم يستحب التيمم له عند عدم الماء كغسل الجمعة، والفرق بين الواجب والمسنون أن الواجب شرع لإباحة الصلاة، والتيمم يقوم مقامه في ذلك، والمسنون يراد للتنظيف وقطع الرائحة والتيمم لا يحصل هذا بل يحصل شعثًا وتغبيرًا. اهـ. وقالت الحنفية ﵏: التيمم لغسل الإحرام عند العجز عن الماء ليس بمشروع لأنه ملوث إلا إذا أراد صلاة سنة الإحرام، فإنه يتيمم لها حينئذ، وعند المالكية ﵏ أن من لم يجد ماء يغتسل به للإحرام أو وجده ولكن خاف باستعماله ضررًا أو زيادته أو تأخير برء فإنه لا يتيمم للإحرام. اهـ. مفيد الأنام ونور الظلام للشيخ ابن جاسر رحمه الله تعالى.
(٤) مثله ما لو أحرم جنبًا.
(٥) الغسل للعبادة والنظافة كما تقدم.
(٦) أي بحج أو عمرة أو بهما.
(٧) ولو حلالًا من بئر ذي طوى بفتح الطاء أفصح من ضمها وكسرها، وهذه البئر بمحلة جرول أمام مستشفى الولادة واسمها مكتوب على بابها للاتباع، ومثل دخول مكة دخول الحرم المكي والمدني، والمدينة المنورة والكعبة وهذا الغسل وجميع الأغسال تسن ما لم يتقدم غسل قريب مطلوب هذا حيث لم يحدث تغير كأن خرج من مكة فأحرم بعمرة =
[ ١٢٥ ]
وللوقوفِ بِعَرَفَةَ (١) وللْوُقُوف بمُزْدَلِفَةَ (٢) بعدَ الصبْح يَوْمَ النَّحْرِ ولِطَوَاف الإِفَاضَةِ وللْحلق وثَلاَثَةُ أغْسَالٍ لرَمْي جمار أيامِ التَشْرِيق (٣) وِلَطَوَاف الودَاع ويَسْتَوي في اسْتحْبَابَها الرجُلُ والمَرْأةُ والحائضُ (٤) ومَنْ لم يجدْ ماءً فحكْمُهُ ما سَبَقَ (٥).
المَسْألَة الثَّانيةُ: يُسْتَحَب أنْ يَسْتكملَ التنْظيف بحَلْق العَانة (٦) وَنَتْفِ الإِبط وَقَصِّ الشَّارب وَتَقْليم الأَظفَار ونحوها ولَو حَلَقَ الإِبطَ بَدَلَ النَّتفِ ونتف العَانةَ فَلاَ بأس.
_________________
(١) = من التنعيم واغتسل للإحرام، فلا يسن الغسل للدخول وإلا فيسن مطلقًا، ولا يضر الفصل بين الغسل والإِحرام بزمن قليل لا يغلب فيه التغيير بخلاف التيمم لأن المدار فيه على العبادة لا النظافة ويؤيد ذلك قول القاضي عياض ﵀ إنه - ﷺ - اغتسل بالمدينة عند خروجه لذي الحليفة ثم أحرم منها، ولو فات هذا الغسل ندب قضاؤه بعد الدخول وكذا بقية الأغسال والله أعلم.
(٢) الأفضل كون الغسل "بنمرة" بعد الزوال ويدخل وقته بالفجر كالجمعة.
(٣) أي بمشعرها ويدخل وقته بنصف الليل كغسل العيد فقوله بعد الصبح ظرف للوقوف، لا للغسل.
(٤) الظاهر دخول وقته بالفجر كغسل الجمعة بجامع أن كلا يفعل لما بعد الزوال.
(٥) لا يأتي في الحائض ما ذكر من الطواف ومثلها في هذا الباب النفساء كما أشار إليه المصنف ﵀ فيما مر.
(٦) أي من التيمم، فإن وجد من الماء بعض ما يكفيه فالذي يتجه أنه إن كان ببدنه تغير أزاله به وإلا فإن كفى الوضوء توضأ به، وإلا غسل بعض أعضاء الوضوء، وحينئذ إنْ نوى الوضوء تيمم عن باقيه غير تيمم الغسل وإلا كفى تيمم الغسل، فإن فضل شيء عن أعضاء الوضوء غسل به أعالي بدنه.
(٧) حلق العانة وما عطف عليه محله لغير مريد التضحية في عشر ذي الحجة ووقته قبل الغسل، ويسن الجماع قبل الإِحرام ويتأكد لمن يشق عليه تركه.
[ ١٢٦ ]
الثَّالِثَةُ: يَغْسلُ رَأسَهُ بسِدر أو خطْمِيّ أو نَحوه وُيسْتَحَبُّ أن يُلَبِّدَه (١) بصَمْغ أو خطْمي أو غاسُول ونَحْوه.
الرابعة: يَتَجَرَّدُ (٢) عَنْ الملْبُوس الذي يَحْرمُ عَلَى المحرم لِبْسُهُ ويَلْبَسُ إزارًا ورداءً والأفْضَلُ أنْ يكونا أبْيَضَيْن (٣) جَدِيدَيْن أو نَظِيفَيْن (٤) وَيُكْرَهُ المصبُوغُ (٥)
_________________
(١) أي بأن يعقص شعر رأسه ويضرب عليه بصمغ أو خطمي أو غاسول أي أشنان لدفع نحو القمل وإن طال زمنه واعتاد الجنابة أو الحيض.
(٢) أي الرجل لا الخنثى لأنه - ﷺ - تجرد لإهلاله فلو أحرم في ثيابه المحيطة صح إحرامه وعليه الفدية كما سيأتي إن شاء الله في الباب السابع وصريح كلام المصنف ﵀ أن التجرد سنة لكنه مشى في المجموع كالرافعي في العزيز أنه واجب وعند الحنفية التجرد مستحب وليس بواجب قبل الإِحرام حتى لو أحرم وهو لابس ينعقد ويكره، وعند المالكية التجرد عن المحيط واجب، وعند الحنابلة واجب وليس بشرط.
(٣) أي لقوله - ﷺ -: "خير ثيابكم البياض" الحديث رواه الطبراني رحمه الله تعالى. (فائدة): لا يضطبع المحرم حال الإِحرام وإنما يُسَن الاضطباع له حال الطواف وهو أن يجعل الذكر وسط ردائه تحت منكبه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر ويترك منكبه الأيمن مكشوفًا كما سيأتي، ولا بأس أن يُبَدل المحرم الإِزار والرداء بغيرهما، قال الإِمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه وقال إبراهيم النخعي: لا بأس أن يبدل المحرم ثيابه. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ في الفتح أي يغير المحرم ثيابه ما شاء والله أعلم.
(٤) في بعض الكتب: (جديدين وإلا فنظيفين ويجوز إحرامه في ثوب واحد بعضه على عاتقه).
(٥) أي ولو قبل النسج على المعتمد، ومحله إن وجد البياض، وإلا فما صُبغ قبل النسج أولى مما صبغ بعده لأن هذا لم يلبسه - ﷺ - بخلاف الأول، فقد روى البيهقي ﵀ أنه - ﷺ - كان له برد أخضر يلبسه في العيدين والجمعة، ومحله أيضًا في غير المعصفر والمزعفر لحرمة لبسهما على كلام في المعصفر وإنما كرهوا هنا المصبوغ =
[ ١٢٧ ]
وَيَلْبَسُ نعلين (١) ثمّ يَتَطَيَّبُ (٢).
والأَولَى أَنْ يقْتَصر على تَطْييب بَدَنه دُون ثِيابِهِ (٣) وأنْ يكونَ بالمِسْكِ (٤)
_________________
(١) = بغيرهما مطلقًا بخلافه في نحو الجمعة لأن المحرم أشعث أغبر فلم يناسبه المصبوغ مطلقًا، وهل يكره المصبوغ بعضه، وإن قل؟ قال العلامة المحقق ابن حجر المكي ﵀: فيه نظر، ولا يخفى أنه خلاف الأولى.
(٢) أي لما رواه أبو عوانة ﵀ في صحيحه من قوله - ﷺ -: "ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين" وصححه ابن المنذر رحمه الله تعالى. ويشترط في النعلين أن لا يحرمان بالإِحرام نحو التاسومة والمداس المعروف من كل ما يظهر منه رءوس الأصابع والعقب فإن فقده حسًَّا أو شرعًا واحتاج لوقاية الرجل كأن كان الحفاء غير لائق به فليلبس ما يستر الأصابع أو العقب كخف قطع أسفل كعبيه.
(٣) أي في بدن لغير الصائم والبائن فيكره لهما، إلا إذا كانت لهما رائحة يُتأذى بها وتوقفت إزالتها على تطييبهما ولغير المحِدة فيحرم عليها.
(٤) أي اتفاقًا وهو المعتمد ويُباح الطيب في إزاره وردائه وغيرهما على الأصح قياسًا على البدن، قال في التحفة: لكن المعتمد ما في المجموع أنه لا يندب تطيبه جزمًا للخلاف القوي في حرمته، ومنه يؤخذ أنه مكروه كما هو قياس كلامهم ﵏ في مسائل صَرّحوا فيها بالكراهة. اهـ. ومذهب الحنابلة ﵏ كالشافعية ﵏، وعند الحنفية ﵏ يتطيب، والأفضل بما لا يبقى أثره، والأولى عندهم أن يطيب ثيابه، وعند المالكية ﵏ يكره لمريد الإِحرام أن يتطيب، واحتجوا بحديث يعْلى بن أمية ﵁ أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي - ﷺيعني ساعة- ثم قال: "اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك" متفق عليه، ولأنه يمنع من ابتدائه فمنع عندهم من استدامته، وحجة الثلاثة قول عائشة ﵂: (كنت أطيب رسول الله - ﷺ - لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت) ولما سيأتي عنها أيضًا قال العلامة الحافظ ابن عبد البر ﵀: لا خلاف بين جماعة أهل العلم بالسير والآثار أن قضية صاحب الجبة كانت عام حنين والجعرانة سنة ثمان، وحديث عائشة في حجة الوداع سنة عشر أي فهو ناسخ. اهـ.
(٥) أي لأنه الذي تواتر عنه - ﷺ - التطييب به بخلاف غيره بل يكره التطيب بالزباد =
[ ١٢٨ ]
والأَفْضَلُ أنْ يَخْلطَهُ بماء الورْد أو نَحْوِه لِيذْهَبَ جِرْمه ويَجُوزُ بما يَبْقى جرْمَهُ (١) ولهُ اسْتِدَامَةُ لبس ما بقي جِرْمُهُ بعدَ الإِحْرام على المذهبِ الصَحيح ولو انْتَقَلَ الطِّيبُ بعدَ الإحْرام مِنْ مَوضع إلى مَوْضع بالْعَرَق ونحوهِ لم يَضُرّ (٢) ولا فِدْيةَ عليه على الأَصَحِّ وقيلَ عليه الفِدْيةُ إنْ تركَهُ بعد انتقاله ولَوْ نَقَلَهُ باخْتيارِه أو نَزَعَ الثَّوْبَ المُطَيب ثم لبسَهُ لزمه الفديةُ (٣) علَى الأَصحِّ وسَوَاء فيما ذَكَرْناهُ من الطِّيبِ الرَّجُلُ والمَرْأةُ (٤) وَيُسْتَحَب للمرْأة (٥) أنْ تَخْضِبَ يَدَيْها بالحنَّاء إلى الكُوعَيْن قبْلَ الإحْرَام وَتَمْسَحَ وجْهَها بشيء من الحناء لتَسْتُرَ الْبَشَرَةَ لأَنَّها مأمُورَة بكَشْفها وسَوَاء في اسْتحباب الخضاب المُزَوَّجةُ وغَيْرُها والشابَّةُ والعَجُوزُ وإذا خَضَبَتْ عَممت اليَدَين ويُكْرَهُ النَّقْش والتَّسْويدُ وَالتطْريفُ وهو
_________________
(١) = لأن الإمام أحمد رحمه الله تعالى يقول بنجاسته، قيل: ولأنه طيب النساء. اهـ حاشية.
(٢) أي لقول عائشة ﵂ الذي رواه البخاي ومسلم: (كأني أنظر إلى وبيص) أي لمعان الطيب وبريقه (في مفرق) بكسر الراء وسط رأس رسول الله - ﷺ - (وهو محرم).
(٣) لحديث عائشة ﵂ الذي رواه أبو داود ﵀: (كنا نخرج مع رسول الله - ﷺ - إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك عند الإِحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراها النبي - ﷺ - فلا ينهاها) وفي رواية: (ولا ينهانا).
(٤) إن بقيت رائحة الطيب ولو بظهورها عند رش الماء عليه وتتكرر الفدية بتكرر النقل والنزع كما يعلم مما يأتي، أما لو تعطر ثوبه بما على بدنه فتبقى ريحه فيه لم يضر نزعه ثم لبسه.
(٥) أي للحديث الذي رواه أبو داود عن عائشة ﵂ السابق: كنا نخرج مع رسول الله - ﷺ - إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك عند الإِحرام الحديث.
(٦) أي غير المحدة فخرجت هي والخنثى والرجل فيحرم عليهم الخضاب إلا للضرورة والبائن فلا يسن لها الخضاب.
[ ١٢٩ ]
خضْبُ بَعْض الأصابع (١) ويُكْرَهُ لَهَا الخِضَابُ بَعْدَ الإِحْرام (٢).
والخامسة: ثُم بَعْدَ فِعلهِ ما ذَكَرْنَاهُ يُصَلي ركْعَتَين يَنْوي بهما سُنةَ الإِحْرام يقْرَأ فيهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (٣) فإنْ كان هُنَاكَ مَسجد صَلاهُمَا فيه فإنْ أحرَمَ في وَقت فَريضَة فصلاهَا أغْنَتْهُ عن رَكْعَتَي الإِحرام (٤) ولو صَلاهُمَا مُنْفردتَيْن عن الفَريضَة كانَ أفْضَل فإنْ كَانَ الإِحْرَامُ في وَقْت كَرَاهَة الصَّلاَة لم يُصَلهِمَا (٥) على الأصَحِّ ويُسْتَحَب أنْ يُؤَخرَ الإِحْرَام إلى خُرُوج وَقْت الكَرَاهَةِ ليُصَليهما.
السادسة: إذا صَلى أحْرَمَ وفي الأَفْضَلِ من وَقت الإِحْرَام قَوْلان للشَّافعِي رحمهُ اللهُ تَعالى:
أحَدُهمَا: الأفضَلُ أنْ يحرمَ عَقيبَ الصَّلاَة وَهُوَ جَالِس (٦).
_________________
(١) أما الخضاب بالسواد والنقش وتطريف بعض الأصابع به وتحمير الوجنة فجائز لحليلة أذن لها حليلها، فإن كانت خليّة أو لم يأذن لها ولا علمت رضاه حرم. اهـ حاشية.
(٢) قال في الحاشية: في الكراهة نظر إنْ كان بالحناء لوجهها أو يديها وقصدت به سترهما تداركًا لما فوتته من ندب فعل ذلك قبل الإحرام بل لو قيل بالندب في هذه الصورة لم يبعد. اهـ.
(٣) وجه مناسبتهما اشتمالهما على إخلاص التوحيد بالقصد إلى الله تعالى المتأكد على المحرم مراعاته.
(٤) مثلها كل نافلة فتجزىء عنها في إسقاط الطلب وكذا في حصول الثواب إنْ نويت نظير ما مر من صلاة الاستخارة. اهـ حاشية.
(٥) هو المعتمد لتأخر سببهما.
(٦) وبه قال الأئمة أبو حنيفة وأحمد وداود ﵏، قال في الحاشية ويدل له حديث ابن عباس أنه - ﷺ -: (أهل في دبر الصلاة) رواه الأربعة وحسنه الترمذي وصححه =
[ ١٣٠ ]
والثاني: أنْ يُحْرِمَ إذا ابْتَدأ السير راكبًا كان أو ماشيًا (١) وهذا هو الصَّحيحُ (٢) فَقَدْ ثَبَتَ فيه أحادِيثُ مُتَّفَقٌ على صحتهَا والحديثُ الواردُ بالأَوَّلِ فيه ضعْفٌ ويُسْتَحَبُّ أنْ يَسْتَقْبِلَ القبلَةَ عنْدَ الإِحْرَام. وَأما المكّيُّ فإنْ قُلْنَا الأَفْضَلُ أنْ يُحْرمَ من بَاب دَاره صَلَّى رَكْعَتَين في بيته ثُمَّ يُحْرمُ عَلَى بابه ثُمَّ يَدْخُلُ المسجد ويَطُوفُ ثُمَّ يَخْرُجُ، وإنْ قُلْنَا يُحْرمُ مِنَ المسْجد دَخَلَ المسجد وطَافَ ثم صَلَّى رَكْعَتَين ثُمَّ يُحْرمُ قَريبًا مِنَ الْبَيْت كما سَبقَ (٣).
_________________
(١) = الحاكم على شرط مسلم لكن ضعفه البيهقي وجزم به المصنف هنا. وقال السبكي ﵀: لولا كثرة الأحاديث واشتهارها بإحرامه - ﷺ - عند إنبعاث راحلته لكان في هذا زيادة علم عليها. اهـ.
(٢) هذا معنى انبعاث الراحلة الوارد في حديث ابن عمر ﵄ المروي في الصحيحين: (لم أرَ رسوله الله - ﷺ - يهل حتى تنبعث به راحلته).
(٣) وبه قال الإمام مالك والجمهور وقال الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد وداود رحم الله الجميع إذا فرغ من الصلاة وهو القول الأوَل للشافعي ﵀ وقد تقدم مع دليله.
(٤) المعتمد ما تقدم في التعليق على الباب الثاني في الإحرام مع أنه يُسَن له أي المكي أولًا ركعتا الإِحرام بالمسجد ثم يأتي إلى باب داره فيحرم عند أخذه في السير بنفسه أو دابته إذ الإِحرام لا يُسَن عقب الركعتين بل عند الخروج إلى عرفة ثم يدخل المسجد محرمًا لطواف الوداع المسنون له ولكل من أراد الخروج من مكة لغير مسافة القصر إلى غير وطنه.
[ ١٣١ ]
فَصْلٌ