صفَةُ الإِْحْرَام أنْ يَنْويَ بقْلبهِ الدُّخُولَ في الحَج والتلَبس به (٢) وإنْ كانَ مُعْتمرًا نَوَى الدُّخُولَ في العُمْرَة وَإنْ كانَ قَارنًا نَوَى الدُّخُولَ في الْحَج وَالْعُمْرَةِ وَالْوَاجِبُ أنْ يَنْوِيَ هَذَا بقلْبه (٣) ولا يجبُ التلَفظُ به ولا التلبيةُ ولكن الأفْضلُ أنْ يتلَفّظ به بلسَانه وأَن يُلبّي (٤) لأَنَّ بَعْضَ العُلَماء قال: لاَ يصح الإِحْرَامُ حَتى يُلبي (٥) وبه قَالَ بَعْضُ (٦) أصْحَاب الشَّافعي رَحمَهُمُ الله تَعَالَى فالاحْتِيَاطُ أنْ
_________________
(١) أي الصفة المحصلة للإحرام وهو إما يطلق ويراد به النية ومنه قولهم الإحرام ركن، أو الصفة المحصلة للداخل في النسك بشرط النية وهي التي يفسدها الجماع قبل التحلل وتبطلها الردة وليست التجرد. ومنه قولهم لا يصح الإِحرام إلا بالنية وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى في التعليق على الباب الثاني.
(٢) هذا بالنسبة لمريد التعيين، أما مريد الإطلاق فصفة إحرامه أن ينوي بقلبه الدخول في النسك من غير تعيين حج ولا عمرة كما سيذكر إن شاء الله تعالى.
(٣) لعموم حديث: (إنما الأعمال بالنيات) متفق عليه من رواية سيدنا عمر بن الخطاب ﵁.
(٤) مستقبلًا القبلة لفعله - ﷺ - ولنقل الخلف عن السلف وهو مذهب الحنابلة وأبي يوسف كالشافعية.
(٥) قال الإمام أبو حنيفة ﵀: لا ينعقد الإحرام إلا بالنية مع التلبية أو مع سوق الهدي واحتج بأنه - ﷺ - (لَبّى) وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" وحمل الأولون أحاديث التلبية على الاستحباب وعند المالكية حقيقة الإحرام نية النسك وينعقد بمجرد النية على الراجح عندهم ولو لم يحصل قول ولا فعل يتعلقان به من تلبية وتجرد من المحيط ومقابل هذا قول العلامة خليل رحمه الله تعالى مع قول أو فعلٍ تعلقا به، وحكى الخطابي ﵀ وجوب التلبية عن مالك رحمه الله تعالى.
(٦) قال أبو عبد الله الزبير من الشافعية المتقدمين لا ينعقد الإِحرام إلا بالنية والتلبية كما لا تنعقد الصلاة إلا بالنية والتكبير.
[ ١٣٢ ]
ينْوِيَ بقَلبه ويقُولَ بلسانه وَهُوَ مُسْتَحضرٌ نية القلْب: نَوَيْتُ الحجّ وأَحرمت به لله تَعَالى لَبيْكَ اللَّهُمَّ لَبيْكَ إلَى آخر التلبية، وإنْ كَانَ حَجهُ عَنْ غَيْره فَلْيقُل: نَوَيْتُ الحَج عَنْ فُلاَن وَأحْرَمْتُ به لله تَعَالَى عَنْهُ لبيكَ عَنْ فُلاَن إلَى آخر التَّلْبِية. قَال الشَّيْخُ أبُو مُحَمَّد الجُويني: وَيُسْتَحَب أنْ يُسَميَ في هَذه التلبية ما أحْرَمَ به من حَج أوْ عُمْرة فَيقُول: لَبيكَ اللَّهُمَّ بحجة لبيكَ إلَى آخرها (١) أو لبيكَ اللَّهُمَّ بعُمرة أو بحَجَّة وعُمْرة قالَ: ولا يَجْهَرُ بهذه التلْبية (٢) بل يُسْمعُهَا نفسه بخلاف ما بَعْدها فإنّه يَجْهَرُ به وأما ما بعدَ هذهِ التلبيةِ فهل الأَفْضَلُ أنْ يذْكُرَ ما أَحْرَمَ به في تَلْبيته (٣) أم لا؟ فيه خِلاَفٌ (٤) والأَصَحُّ أنَّهُ لا يَذكُرُه وقد وَرَدَ الأَمْرَان في الحديثِ وأَحَدُهمَا (٥) مَحْمولٌ على الأَفْضَلِ والآخَر (٦) لبيَان الجَوَاز.
(فرع): لو نوى الحج ولبى بعمرة أو نوى العمرة ولبّى بالحج أو نَواهُمَا وَلَبّى بأحَدِهما أو عكْسُهُ فالاعْتِبَار ما نَوَاهُ دُونَ ما لَبى به.
_________________
(١) صوبه المصنف ﵀ في الأذكار وأقره في المجموع وقال: لأنه الموافق للأحاديث.
(٢) أي التلبية الأولى.
(٣) أي التي بعد الأولى.
(٤) قال الإِمام أبو محمد الجويني رحمه الله تعالى كما في المجموع: هذا الخلاف فيما سوى التلبية الأولى، فأما الأولى التي عند ابتداء الإِحرام فيستحب أن يسمى فيها ما أحرم به من حج أو عمرة وجهًا واحدًا، قال: ولا يجهر بهذه التلبية بل يسمعها نفسه بخلاف ما بعدها، فإنه يجهر.
(٥) هو ما رواه البيهقي عن نافع بإسناد صحيح قال: سئل ابن عمر رضي الله تعالى عنه: أيسمي أحدنا حَجًا أو عمرة؟ فقال: أتنبئون الله بما في قلوبكم؟ إنما هي نية أحدكم.
(٦) هو ما رواه مسلم عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لبيك بحجة وعمرة".
[ ١٣٣ ]
(فرع): لو نَوَى حَجتَيْن أو عُمْرَتين انْعَقَدَت إحْدَاهُما ولم تَلْزَمْهُ الأخرى.
(فرع): لهُ فيما يُحْرِمُ به أربعة أوجهٍ (١): الإِفْرَاد والتَّمتعُ وَالقِرَانُ والإِطْلاَقُ. فأَمَّا الإِفْرَادُ فهُوَ أنْ يُحْرمَ بالْحَج في أشْهُرِهِ مِنْ ميقَات طَريقهِ ثُمَّ إِذا فَرَغَ منْهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّة زَادَها الله شَرَفًا فأحْرَمَ بالْعُمْرَة مِنْ أَدْنَى الْحِل وَيَفْرُغُ فهذ صُورَته المُتفَق عليها ولَهُ صُوَرٌ مُخْتَلَفٌ فيها سَيَأتي بيانها إنْ شَاءَ الله تعالى.
وأَمّا المُتَمَتعُ فهو الذي يُحْرِمُ بالعُمْرَةِ مِنْ ميقَاتِ بَلَدِهِ (٢) ويَفْرُغ منها ثم يُنْشىءُ الْحَج مِنْ مَكَةَ (٣) يُسمَّى متمَتِّعًا لاسْتمتاعه بمَحْظُورات الإِحْرام بينَ الحج والعُمرَةِ فإنَّهُ يَحِل له جميعُ المحظُورات إذا فَرَغ مَنْ العُمْرَة سَوَاءٌ كان ساقَ هَدْيًا أم لم يَسُقْه (٤). وأَمَّا القِرَانُ فهو أن يُحْرِمَ بالحجِّ والْعُمْرَة جَميعًا فَتَنْدَرجُ أفعالُ العُمْرَة في أفعال الحج ويَتَّحَدُ الميقَاتُ والفعلُ فَيُجْزِي عنهما طَوافٌ واحدٌ وسَعيٌ واحدٌ وَحَلْقٌ واحد ولا يزيدُ على ما يفْعَلُهُ مُفْرِدُ الحَج
_________________
(١) قال في الحاشية: زاد ابن جماعة ﵀ خامسًا وهو الإِحرام بما أحرم به الغير ولا زيادة لأن ما أحرم به الغير لا يخلو عن هذه الأربعة. اهـ.
(٢) مثله ما إذا جاوز ميقات بلده مريدًا للنسك ثم أحرم وقد بقي بينه وبين مكة أو الحرم مرحلتان.
(٣) شرط في وجوب الدم لا في تسميته متمتعًا إذ لو عاد وأحرم بالحج من الميقات كان متمتعًا ولا دم عليه.
(٤) فُهم من هذا الكلام إن هذا وجه تسميته متمتعًا لا لإلزامه بالدم لأن سبب لزوم الدم له كونه ربح ميقاتًا كما يأتي وقوله لاستمتاعه أي لتمكنه من ذلك وإن لم يفعله.
[ ١٣٤ ]
أصْلًا (١) ولو أحْرَمَ بالْعُمْرَة وَحْدَها في أشْهُر الحَج (٢) ثُم أحْرَمَ بالحَجِّ قَبْلَ الشُرُوع في طَوَافها (٣) صَحَ إحْرَامُهُ به أيضًا وصارَ قارِنًا (٤) ولا يَحْتَاجُ إلى نيةٍ للقِران ولو أحْرَمَ بالْحَجّ أوّلًا ثم أحْرَمَ بالعُمْرَةِ قبل شُرُوعِهِ في أفعال الحج لم يصحّ إحْرامُه بها على القوْل الصَّحيح (٥) ولو أحرَمَ بالعُمرةِ قبلَ أشْهُر الْحجِّ ثمَّ أحْرَمَ بالحَجِّ في أشْهُره قبل شُرُوعه في طَوَاف العُمْرة صَحّ إحْرَامُهُ به وصَارَ قارنًا على الأصَحِّ.
وأمّا الإِطْلاَقُ فَهُوَ أنْ يَنْوِيَ نَفْسَ الإِحْرَام ولا يقصدُ الحَجَّ ولا الْعُمْرَة ولا القِرَانَ فَهُوَ جائزٌ بِلاَ خِلاف (٦) ثُم يُنْظرُ فإنْ كان إحْرَامُهُ في أشْهُر الحَج فَلَهُ صَرْفُهُ إلى مَا شَاء مِنْ حَج أو عُمْرَة أو قِرَانٍ (٧) وَيكُونُ الصَّرْفُ والتَّعْيينُ بالنيَّة
_________________
(١) وكذا عند الحنابلة والمالكية لقول عائشة ﵂: (وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا) متفق عليه، وعند الحنفية طوافان وسعيان، وإذا فعل القارن محظورًا فعليه فديتان والله أعلم.
(٢) مثله الإِحرام بالعمرة قبل أشهر الحج ثم إدخاله عليها في أشهره كما سيصرح به.
(٣) أي ولو بخطوة بخلاف مقدمته كاستلام الحجر وكذا النية لا تضر.
(٤) هو المعتمد وشمل كلام المصنف ﵀ ما لو أفسد العمرة ثم أدخل عليها الحج فينعقد إحرامه به فاسدًا ويلزمه المضي وقضاء النسكين وعليه بدنة ودم للقِران، وبحث العلامة عبد الرؤوف حرمة إدخاله عليها حينئذ لأنه تلبس بعبادة فاسدة.
(٥) لأنه لا يستفيد بالإدخال شيئًا بخلاف الأول فإنه يستفيد به الوقوف والرمي إلى آخره.
(٦) لحديث أبي موسى الأشعري ﵁ المتفق عليه قال: قدمت على النبي - ﷺ - فقال: "كيف أهللت؟ " قال قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي - ﷺ - فقال: "أحسنت".
(٧) أي إنْ صلح الوقت للحج والعمرة فإن لم يصلح الوقت لهما بأن فات وقت =
[ ١٣٥ ]
بالْقَلْب لا باللفظ ولاَ يُجْزيه الْعَمَلُ قبلَ النية (١) وإنْ كَانَ إحْرَامُهُ قَبْلَ أَشْهُر الحج انعقَدَ إحْرَامُهُ عُمْرَة.
واعلم أَنْ هَذ الأَوْجُهَ الأَرْبَعَةَ جَائِزَة باتفاق الْعُلمَاء ﵏ (٢) وأَمَا الأَفْضَلُ مِنْ هذه الأَوْجُه فَهُوَ الإِفْرَاد (٣) ثَُم التَّمَتُّعُ ثُمَّ القِرْانُ والتعيْينُ عند
_________________
(١) = الحج صرفه للعمرة وجوبًا عند العلامة الرملي ﵀، وعند العلامة ابن حجر يجوز صرفه للحج فيتحلل بعمل عمرة ولا تجزئه عن عمرة الإسلام أو ضاق الوقت بأن كانوا لا يصلون لعرفة قبل طلوع فجر يوم النحر كان كمن أحرم بالحج حينئذ فمقضي ما مَرّ انصرافه للعمرة عند الرملي وصرفه لما شاء عند ابن حجر .. ولو أفسد الإِحرام قبل الصرف فأيما صرف إحرامه إليه كان فاسدًا حيئذ.
(٢) أي الصارفة حتى لو طاف ثم صرف الإِحرام للحج لم يقع الطواف عن القدوم إلا من جهة أنه تحية البيت لعدم توقفها على إحرام فلا يجزئه السعي بعد هذا الطواف وليس له إعادته ليسعى بعده لسقوط طلبه بفعله الأول فتعين تأخير السعي إلى بعد طواف الإفاضة والله أعلم.
(٣) لحديث عائشة ﵂ المتفق عليه قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - فقال: "مَنْ أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل" الحديث، ولحديث أبي موسى ﵁ المتفق عليه قال: قدمت على النبي - ﷺ - فقال: "كيف أهللت؟ " قال قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي - ﷺ -. فقال: "أحسنت".
(٤) أي عند الشافعية والمالكية وعند الحنفية القران أفضل وعند الحنابلة التمتع أفضل وسبب اختلافهم: اختلافهم فيما فعل به ﵊. فالشافعية والمالكية اعتمدوا حديث عائشة: (وأهل رسول الله - ﷺ - بالحج) وحديث جابر ﵁ المتفق عليه قال: (أهللنا -أصحاب محمد ﷺ- بالحج خالصًا وحده) الحديث، واعتمد الحنفية من الأحاديث حديث أنس ﵁ قال: سمعت النبي - ﷺ - يلبي بالحج والعمرة جميعًا وغيره من الأحاديث، واعتمد الحنابلة حديث الصحيحين: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأحللت معكم).
[ ١٣٦ ]
الإِحْرَام أفضَلُ مِنَ الإِطْلاَق (١).
واعلم أن القِرَانَ أفْضَلُ مِنْ إفْرَاد الحجِّ مِنْ غَيْر أنْ يَعْتمرَ بَعْدَهُ في سنَته (٢) فإن تأخيرَ الْعُمْرَة عن سنةِ الْحَجِّ مَكْرُوه.
ويَجِبُ عَلَى الْقَارن والمتمتِّع دَمُ شاة (٣) فَصَاعدًا (٤) صفَتُهَا صفةُ الأُضحية ويُجْزيه سُبْعُ بَدنَة أو سُبْع بقَرَة فإنْ لم يَجِد الْهَدْيَ في مَوضعه أو وَجَدَهُ بأكْثَر من ثمن المثل (٥) لَزِمَهُ صَوْمُ ثَلاَثَةِ أيَّام في الحَجِّ وسَبْعَة إذا رَجَعَ إلى أهله
_________________
(١) أي لأنه إذا عين عرف ما دخل فيه، وقيل: الإطلاق لأنه أحوط فإنه ربما عرض مرض أو إحصار فيصرفه إلى ما هو أسهل عليه.
(٢) أي ما بقي من شهر ذي الحجة الذي هو شهر حجه.
(٣) أما وجوب الدم على المتمتع لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وأما وجوبه على القارن فلأن ابن مسعود وابن عمر ﵃ أوجباه ولأنه إذا وجب على المتمتع لأنه جمع بين النسكين في وقت أحدهما فلأن يجب على القارن وقد جمع بينهما في الإحرام أولى. (تنبيه): الدم الواجب حيث أطلق فهو شاة فإنْ كان من الضأن فجذع ذو سنة، فإن أجذع قبلها بعد ستة أشهر كفى، وإن كان من المعز فذو سنتين، أو سُبع بدنة أو بقرة ملكه حيًا وسن الأولى خمس سنين والثانية كالمعز، والسبع يقوم مقام الشاة في سائر الدماء إلا في جزاء المثل من صيد وشجر بل لا تجزىء البدنة عن شاته لاعتبار المثل فلو نحر بدنة أو بقرة عن سبع شياه لزمته بأسباب مختلفة جاز والله أعلم. (فائدة): قد يجب الدم على غير محرم كالدم اللازم للمستأجر بسبب تمتع الأجير وقرانه عنه بإذنه، وكالدم اللازم للولي بسبب تمتع الصبي وقِرانه وإحصاره، وارتكاب المميز لسائر المحظورات.
(٤) أي فبقرة فواحدة من الإبل وليس مراده فشاتين فأكثر لأن الزائد على الواحدة لا يقع واجبًا.
(٥) مثله ما لو احتاج إليه أو إلى ثمن مثله كما سيأتي في باب الدماء آخر الكتاب.
[ ١٣٧ ]
وإِنَّمَا يَجِبُ الدَّمُ على المُتَمَتع بأرْبَعة شُرُوط: أن لا يَعُودَ إلى ميقَات بَلَده لإحْرَام الحَج (١) وأنْ يكُونَ إِحْرَامهُ بالعُمْرَة في أشْهُر الْحَج (٢) وأنْ يَحُجَّ من عامِهِ وأنْ لا يكون مِنْ حاضري المسْجِد الْحَرَام (٣) وهم أهْلُ الْحَرَم ومَنْ كانَ منه عَلَى أقَل مِنْ مَرْحَلَتَيْن (٤).
_________________
(١) أي إن كان إحرامه بالعمرة، وإلا بأن جاوز ميقات بلده غير مريد للنسك ثم أحرم من حيث عَن له لم يحتج للعود إلا لمحل إحرامه أو مثل مسافته لأنه ميقاته فلا يكلف أبعد منه، وكعوده لميقات بلده -عوده لمثل مسافته أو لميقات آخر- ولو أقرب منه أو إلى مرحلتين من الحرم قبل تلبسه بنسك ولو بعض طواف القدوم بأن أحرم بالحج خارج مكة مثلًا ثم دخل إليها ثم طاف بعض طواف القدوم ثم خرج إلى الميقات بعد طواف القدوم سواء أعاد إليه، وأحرم منه أم عاد إليه محرمًا إذ القصد قطع تلك المسافة محرمًا. فإن قيل: كما تقدم يسقط الدم عن المتمتع إذا عاد أي إلى ميقات ولو أقرب، ولا يكفي المجاوز العود إلى الأقرب. أجيب كما تقدم: إنما سقط الدم عن المتمتع بعوده لميقات أقرب لأن المدار على كونه ربح ميقاتًا ورجوعه إلى الأقرب محقق انتفاؤه والمدار في المجاوز للميقات على الإِساءة أصالة وانتفاؤها بالرجوع إلى الأقرب لا يتحقق فوجب الرجوع إلى ميقاته أو إلى مثله والله أعلم. (فرع): أحرم آفاقي بالعمرة في أشهر الحجٍ وأتمها ثم قرن من عامه لزمه دمان كما قاله البغوي ﵀ دم للتمتع ودم للقران خلافًا للسبكي والإِسنوي وغيرهما رحمهما الله المصوبين لزوم دم واحد للتمتع فقط لأن من وصل مكلة فقرن فهو حاضر، وعلى تقدير عدم لحوقه بالحاضر فدم التمتع والقران متجانس فيتداخلان.
(٢) يفهم منه أنه لو أحرم آخر جزء من رمضان لم يلزمه دم، وهو كذلك بل له ثواب عمرة في رمضان لكن دون ثواب من أتى بجميع أفعالها فيه.
(٣) أي حين إحرامه بالعمرة بأن لا يكون حال تلبسه متوطنًا بالحرم أو قريبًا منه.
(٤) هو المعتمد عند الشافعية رحمهم الله تعالى. وقال مالك رحمه الله تعالى: =
[ ١٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حاضروا المسجد الحرام هم أهل مكة وذي طوى وما كان مثل ذلك من مكة. وقال الإمام أبو حنيفة ﵀: هم أهل المواقيت فمنْ دونهم إلى مكة، وعنده لا يقع منهم التمتع وكره مالك ذلك والحنابلة كالشافعية رحم الله الجميع ورحمنا معهم آمين. قال في الحاشية: والعبرة بالوطن فلو توطن غريب محلًا بينه وبين الحرم دون مرحلتين فلا دم أو مكي محلًا بينه وبين الحرم مرحلتان فالدم ولا أثر لمجرد نية الاستيطان ومَنْ له مسكنان أحدهما قريب من الحرم اعتبر ما إقامته به أكثر ثم ما به أهله وماله دائمًا أو غالبًا، فإن كان كل بمحل اعتبر الأهل كما ذكره المحب الطبري ﵀ وحصر المراد بهم الزوجة والأولاد والمحاجير ثم ما عزم على الرجوع إليه للإقامة فيه ثم ما خرج منه، فإن استويا في كل شيء اعتبر محل إحرامه، ويؤخذ من اعتبارهم ﵏ فيمن له مسكنان ما إقامته به أكثر أن من لمسكنه طريقان إلى الحرم، إحداهما على دون مرحلتين، والأخرى على مرحلتين اعتبر ما يكون سلوكه له أكثر ويحتمل أنه حاضر مطلقًا لأن منزله يصدق عليه أنه على دون مرحلتين، ولا نظر لكونه يصدق عليه أنه على أكثر من ذلك لأن الأصل براءة الذمة من الدم. اهـ. مذاهب العلماء في مسائل مأخوذة من مجموع المصنف رحمه الله تعالى (منها): إذا أحرم شخص بالعمرة في غير أشهر الحج، وفعل أفعالها في أشهره فالأصح عند الشافعية أنه ليس عليه دم التمتع، وهو قول جابر بن عبد الله ﵁ وقتادة وأحمد وإسحق وداود والجمهور ﵏. وقال الحسن والحاكم وابن شُبرمة: يلزمه. (ومنها): إذا عاد المتمتع لإحرام الحج إلى الميقات سقط عنه دم التمتع عند الشافعية وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا يسقط. (ومنها): قال ابن المنذر ﵀: أجمع العلماء على أن من دخل مكة بعمرة في أشهر الحج مريدًا للمقام بها ثم حج من مكة أنه متمتع يعني وعليه الدم. (ومنها): إذا خرج المكي إلى بعض الآفاق لحاجة ثم عاد وأحرم بالعمرة منه أو من ميقاته وحج من عامه فلا دم عليه عندنا، وقال طاووس: يجب. اهـ. قال ابن قدامة =
[ ١٣٩ ]
فَإنْ فُقدَ أحَدُ هذه الشُّرُوطِ فَلا دَمَ عَلَيه وهُوَ مُتَمَتعٌ على الأَصَح وقيل. يَكُونُ مفْردًا وإنمَا يَجِبُ الدَّمُ على الْقَارنِ بَشْرَطَين أنْ لا يَعُودَ إلى الميقَات (١) بعد دُخُول مَكَّةَ (٢) وقيل: يَوْم عَرَفَةَ (٣) وأنْ لا يكُونَ مِنْ حاضرِي الْمَسْجِد الْحَرَام.
_________________
(١) = ﵀ في مغنيه: وإن أحرم الآفاقي بعمرة في غير أشهر الحج ثم أقام بمكة فاعتمر من التنعيم في أشهر الحج وحج من عامه فهو متمتع عليه دم، نص عليه أحمد.
(٢) أي الذي أحرم منه أو إلى مثل مسافته أو ميقات آخر من المواقيت الخمسة أو مرحلتين من الحرم نظير ما مر في المتمتع الملحق به القارن.
(٣) يفهم أنه لو عاد قبل دخول مكة لم يسقط الدم وهو على الأوجه لوجوب قطع كل المسافة بين مكة والميقات لكل من النسكين، وأنه لو أحرم بالعمرة من الميقات ودخل مكة ثم رجع إليه قبل الطواف فأحرم بالحج لم يلزمه دم وإن كان قارنًا.
(٤) أي وقبل الوقوف بعرفة فلو كاد بعده استقر الدم. قال في الحاشية ﵀: ومقتضى كلامه أنه لو عاد قبل يوم عرفة فلا دم، وإنْ طاف للقدوم. قال بعضهم: وهو المذهب، ونوزع بما لا يجدي، وقياسه أن العود ينفعه وإن سعى بعد طواف القدوم، فإنْ قلت: مر في المتمتع أن عوده إنما يفيد إذا كان قبل التلبس بنسك وقد ألحقوا القارن به في أكثر أحكامه فما المعنى الذي أوجب عدم لحوقه به هنا. قلت: القياس واضح على مقابله الذي مَرّ، فيجاب: بأنه قد مَرّ لك أن من جاوز الميقات ثم عاد بعد الشروع في الطواف لم ينفعه العود، أي لأنه أخذ في أسباب التحلل حقيقة إنْ كان متمتعًا، وإلا ففيما يشبهها فلم يشرع له لئلا يتأدى النسك بإحرام ناقص، إذا علمته فطواف المتمتع بقسميه السابقين وقع بعد تحلله من أحد نسكيه، وقد مر أن كلًا منهما له دخل في إيجاب الدم فكأنه وقع بعد فعل بعض التحلل فلم ينفعه العود. وذلك بخلاف القارن فإن طوافه وقع قبل دخول شيء من أسباب تحلل نسكيه فينفعه العود لزوال النقص به حينئذ مع عدم تقصيره، ومن ثم لم ينظروا في حقيقته لوجود ما يشبهها منه بخلاف مجاوز الميقات، وأما السعي بعده فقد وقع بطريق التبع مع أنه لا دخل له حينئذ في التحلل بخلاف وقوفه بعرفة لأنه شروع في أسباب التحلل فلم ينفع العود بعده ونفع قبله انتهى.
[ ١٤٠ ]
(فرع): لَوْ أحْرَمَ عَمْرو بما أحْرَمَ به زَيْدٌ جاز (١) للأَحاديثِ الصَّحيحَة في ذلك (٢) ثُم إنْ كانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا انْعَقَدَ لَعَمْرو مثْلُ إحْرَامه (٣) إنْ كانَ حَجًا فَحَج وإنْ كَانَ عُمْرَةً فَعُمْرَةٌ وإنْ كَانَ قِرانًا فَقِرانٌ وإنْ كَانَ مُطلَقًا انْعَقَدَ إحْرَام عَمْرو أيضًا مُطْلَقًا ويَتَخَيرُ في صَرْفِهِ إلى ما شَاءَ كما يَتَخَيرُ زَيْدٌ وَلاَ يَلْزَمُهُ صَرْفُهُ إلى ما يَصْرِفُ إليهِ زَيْدٌ إلا إذا أرَادَ كإِحْرَامِ زَيْدٍ بَعْدَ تَعْيينه.
ولو كانَ زَيْدٌ أحرَمَ مُطلَقًا ثُم بينَهُ قَبْلَ إِحْرَامِ عَمروٍ فَالأَصَحُّ أنَّهُ يَنْعَقِدُ إِحْرَامُ عَمرو مُطلَقًا (٤).
والثاني يَنْعَقِدُ معينًا، ولَو كَانَ إحرَامُ زَيدٍ فَاسدًا انعَقَدَ لعَمروٍ إحرامٌ مُطلَقٌ عَلَى الأَصَحِّ (٥) وَلَو كانَ زَيْدٌ غَيْرَ مُحْرِم انْعَقَدَ لعَمْرو إحْرَام مُطْلَقٌ ويَصْرِفُهُ إلى ما شَاءَ سَوَاءٌ كانَ يَظُنُّ أَن زيدًا مُحْرم أمْ يَعْلَمُ أنَّهُ غيرُ مُحْرِم بأنْ يَعْلَمَ أنهُ مَيتٌ والله أعْلَمُ.
_________________
(١) قال المصنف ﵀ في المجموع: جاز بلا خلاف.
(٢) (منها): حديث أبي موسى الأشعري السابق المتفق عليه قال: قدمت على النبي - ﷺ - فقال: "كيف أهللت؟ " قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي - ﷺ - فقال: أحسنت. (ومنها): حديث مسلم وغيره عن جابر ﵁: أن عليًا قدم من اليمن فقال له النبي - ﷺ -: "بم أهللت؟ " فقال: بِمَ أهل به رسول الله - ﷺ - قال: "فاهدِ وامكث حرامًا".
(٣) محله كما يعلم من آخر كلام المصنف إن صح إحرامه بخلاف ما إذا أحرم بفاسد أو كان غير محرم أو كافرًا أو أتى بصورة الإحرام ولو مفصلًا، فإنه ينعقد لعمرو مطلقًا في كل ذلك لأنه قصده بصفة فإذا بطلت بقي أصله. انتهى حاشية.
(٤) أي ما لم يقصد أنه مثله حالًا.
(٥) ومقابل الأصح لا ينعقد لأن الفاسد لاغ.
[ ١٤١ ]