هذَا الْبَابُ واسع لَكِنْ مُخْتَصَرُهُ أن الْمَحْظُورَ قِسْمَانِ: اسْتِهْلاَك كَالْحَلْقِ وَاسْتِمْتَاع. كالطِيبِ، فَإِنْ اخْتَلَفَ النَّوْعُ كالْحَلْقِ واللبْسِ تَعَدَّدَتِ الْفِدْيةُ (٣) وَكَذَا إتْلاَفُ الصُّيُودِ تتعَددُ الْفِدْيةُ فِيهِ (٤) وَكَذَا إتْلاَفُ الصّيْدِ مَعَ الْحَلْقِ (٥) أوِ اللّبْسِ، لكِنْ لَوْ لَبِس ثَوْبًا مُطَيَّبًا (٦) لم تتعددِ الْفِدْية (٧) عَلَى الأَصَحّ وَلَوْ حَلَقَ شَعْرَ جَمِيعِ
_________________
(١) هو ديار مزينة على نحو عشرين ميلًا من المدينة.
(٢) فأربعة أخماسه للمرتزقة والخمس الخامس خمسه للمصالح كالثغور والقضاء، وخمسه لبني هاشم وبني المطلب وخُمْسه لليتامى وخمسه للمساكين، وخمسه لأبناء السبيل.
(٣) لأنه لا تداخل مع اختلاف النوع إذ أحدهما ترفه وثانيهما استهلاك وشمل ما لو استند لسبب واحد كشجة احتيج إلى حلق جوانبها وسترها بضماد فيه طيب. اهـ ابن علان تقييدات.
(٤) أي اتفاقًا بين الأئمة رحمهم الله تعالى ورحمنا معهم آمين. وما روى عن الإمام أحمد مما يخالف ذلك لم يصح عنه لمخالفته صريح القرآن.
(٥) أي لاختلاف النوع وكذا دم كل منها فإنه مختلف كالحلق والقلم فلا تداخل وإن اتحد نوع دمها لاختلاف نوعيهما.
(٦) مثله طلاء المحرم رأسه بطين مطيب ساتر، أو باشر بشهوة ثم جامع وإنْ طال الزمان بينهما.
(٧) أي لاتحاد الفعل مع تبعية الطيب ونحوه.
[ ٤٩٥ ]
رَأسِهِ وَشَعْرَ بَدَنِهِ مُتَوَاصِلًا فَعَلَيْهِ فِدْيةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ فديتانِ (١) وَلَوْ حلقَ رأسَهُ فِي مَكَانَيْنِ أوْ في مَكَان في زَمَانَيْنِ مُتَفَرقَيْنِ فَعَلَيْهِ فِدْيَتَانِ (٢) وَلَوْ تَطَيبَ (٣) بِأَنْوَاع مِنَ الطّيبِ أوْ لَبِسِ أنْوَاعًا كَالْقميصِ وَالعَمامة والسَّراوِيل والْخُفّ أوْ نَوْعًا واحِدًا مَرة بَعْدَ أُخْرَى فَإِنْ كَانَ ذلِكَ في مَكَان وَاحِد عَلَى التوَالِي فَعَلَيْهِ فِدْيةٌ وَاحِدَة وإنْ كَانَ في مَكَانَيْنِ أوْ فِي مكان وتخلَّلَ زَمَان فَعَلَيْهِ فِدْيَتَانِ سَوَاءٌ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا تكْفِيرٌ عَنِ الأَولِ أمْ لاَ (٤) هذا هُوَ الأَصَحُّ، وَفي قَوْل إذا لم يتخَلل تكفيرٌ كفاهُ فِدْية واحِدةٌ.
_________________
(١) اعتبارًا بتعدد الزمان والمكان.
(٢) محله إن أفاد الثاني غير ما أفاد الأول كأن لبس السراويل في محل ثم القميص في محل آخر، أما إذا لم يفد شيئًا كأن لبس قميصًا بعد قميص وعمامة فوق القبع فلا تتعدد الفدية وإن اختلف الزمان والمكان.
(٣) قوله: ولو تطيب إلخ. قال في الحاشية: محل ما ذكر في اتحاد الفدية ما لم يتخلل تكفير، وإلا احتاج المتجدد بعده لفدية أخرى وإنْ اتحد الزمان والمكان ونوى بالكفارة الماضي والمستقبل كما في المجموع. أقول: ومحل ما ذكر أيضًا غير تكرار الجماع، أما تكرره ثانيًا وثالثًا مع قضاء الوطر فتتعدد فيه الفدية ومحله أيضًا إذا لم يفد الثاني شيئًا كأن لبس قميصًا بعد قميص كما تقدم قريبًا ومحله أيضًا أنْ لا يقابل بمثله كالصيود فتعدد بلا خلاف كضمان المتلفات كما تقدم في قول المصنف رحمه الله تعالى وكذا إتلاف الصيود تتعدد الفدية فيه والله أعلم.
(٤) مذهب الإمام أحمد ﵀ إن فعل المُحْرِم محظورات متعددة من جنس واحد كما لو حلق مرة بعد مرة أو لبس مرة بعد مرة فعليه فدية واحدة ولا تتعدد الفدية بتعدد الأسباب التي هي من نوع واحد سواء كانت في مجلس واحد أو مجالس متفرقة ومحل هذا ما لم يكفر عن الأول قبل الثاني، فلو تطيب مثلًا ثم افتدى ثم تطيب بعد الفدية لزمته فدية أخرى. وعن الإِمام أيضًا إن كرر ذلك لأسباب مختلفة مثل إن لبس للبرد ثم لبس للحر ثم لبس للمرض فكفارات، وقد رَوَى عنه الأثرم ﵀ فيمن لبس قميصا وجبة وعمامة =
[ ٤٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وغير ذلك لعلة واحدة قلت له: فإن اعتل فلبس جبة ثم برأ ثم اعتل فلبس جبة؟ قال: هذا الآن عليه كفارتان. قاله العلامة ابن قدامة في مغنيه ثم قال: وعن الشافعي كقولنا وعنه لا يتداخل، وقال الإمام مالك ﵀: تتداخل كفارة الوطء دون غيره، وقال الإِمام أبو حنيفة ﵀: إن كرره في مجلس واحد فكفارة واحدة وإنْ كان في مجالس فكفارات لأن حكم المجلس الواحد حكم الفعل الواحد بخلاف غيره، ولنا إنما يتداخل إذا كان بعضه عقيب بعض يجب أن يتداخل وإنْ تفرق كالحدود وكفارة الأيمان ولأن الله أوجب في حلق الرأس فدية واحدة ولم يفرق بين ما وقع في دفعة أو دفعات، والقول بأنه لا يتداخل غير صحيح فإنه إذا حلق رأسه لا يمكن إلا شيئًا بعد شيء. اهـ من المغني. وأما إنْ كانت المحظورات من أجناس مختلفة كأن حلق ولبس وتطيب ووطىء فعليه لكل واحد منها فدية سواء فعل ذلك مجتمعًا أو متفرقًا. قال في المغني: وهذا مذهب الشافعي. مذهب الإِمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى إن تكرر من المحرم موجب للفدية مِنْ نوعٍ واحد في مجلس واحد فعليه كفارة واحدة وهي فدية الأذى إن كان ذلك لعذر، ودم إنْ كان لغير عذر، وإنْ فعل ذلك في مجالس متعددة تعددت، وقال محمد: لا تتعدد إلا إذا كَفر عن الأول قبل فِعْل الثاني فلو لبس قميصًا وقباء وسراويل وخفين يومًا كاملًا أو أيامًا لزمه دم واحد أو فدية واحدة وكذا لو كان ينزعه بالليل ويلبسه بالنهار بنية عدم الترك فإنْ نزعه على عزم الترك ثم لبسه بعد ذلك فعليه دم آخر، وإنْ اختلفت أسباب الفدية كمن تطيب ولبس مخيطًا أو تطيب وغطى رأسه يومًا كاملًا مثلًا تعددت الفدية أو الدم سواء كان ذلك في مجلس أو مجلسين، وقد تقدم أنه لا خلاف في تعدد جزاء الصيد بتعدد الصيد، وما روي عن الإِمام أحمد مما يخالف ذلك لم يصح لمخالفته صريح القرآن والله أعلم. مذهب الإِمام مالك ﵀ حاصله أن الجماع لا يتعدد الهدي اللازم فيه بتعدده سواء جامع بعد إخراج الهدي عن الأول أو قبله، وأما غير الجماع من محظورات الإِحرام مثل المخيط والتطيب وحلق =
[ ٤٩٧ ]